الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَدِّ كَوْنُ الْفَاعِلِ مُخْتَارًا مُكَلَّفًا، فَلَوْ أُكْرِهَ رَجُلٌ عَلَى الزِّنَا، فَزَنَى لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَمَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِأَنَّهُ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمِ التَّحْرِيمَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَوْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وَلَمْ يَعْلَمْ تَعَلُّقُ الْحَدِّ بِهِ، فَقَدْ جَعَلَهُ الْإِمَامُ عَلَى التَّرَدُّدِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيمَنْ وَطِئَ مَنْ يَظُنُّهَا مُشْتَرَكَةً فَكَانَتْ غَيْرَهَا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْجَزْمُ بِوُجُوبِ الْحَدِّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ لِلْحَدِّ ثُبُوتُ الزِّنَا عِنْدَ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً تُوجِبُ الْحَدَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لِلشُّهُودِ تَرْكُ الشَّهَادَةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّ الشَّاهِدَ إِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الشَّهَادَةِ، شَهِدَ، وَإِنْ رَآهَا فِي السَّتْرِ، سَتَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْحَدُّ، لَمْ يَجُزِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا الشَّفَاعَةُ فِيهِ، وَإِذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِزِنًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ سَقَطَ الْحَدُّ، وَهَلْ يُسْتَحَبُّ لَهُ الرُّجُوعُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَالسَّتْرِ ابْتِدَاءً، وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْهَتْكَ قَدْ حَصَلَ.
قُلْتُ: مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ مَاعِزٍ رضي الله عنه أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فَهُوَ الرَّاجِحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: زَنَيْتُ بِفُلَانَةَ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِالزِّنَا قَاذِفٌ لَهَا، فَإِنْ أَنْكَرَتْ، أَوْ قَالَتْ: كَانَ تَزَوَّجَنِي، لَزِمَهُ حَدُّ الْقَذْفِ، فَإِنْ رَجَعَ، سَقَطَ حَدُّ الزِّنَا وَحْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: زَنَيْتُ بِهَا مُكْرَهَةً، لَمْ يَجِبْ حَدُّ الْقَذْفِ، وَيَجِبْ مَعَ حَدِّ الزِّنَا الْمَهْرُ، وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ بِالرُّجُوعِ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ مَا أُقِيمَ بَعْضُ الْحَدِّ، تُرِكَ الْبَاقِي، وَلَوْ قَتَلَهُ شَخْصٌ بَعْدَ الرُّجُوعِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ، وَقَالَ: الْأَصَحُّ لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ مَا جُلِدَ بَعْضُ الْحَدِّ، فَأَتَمَّ الْإِمَامُ الْحَدَّ، فَمَاتَ مِنْهُ، وَالْإِمَامُ يَعْتَقِدُ سُقُوطَ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ، فَنَقَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ، أَمْ يُوَزَّعُ عَلَى السِّيَاطِ؟ قَوْلَانِ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: عِنْدِي لَا قِصَاصَ، وَالرُّجُوعُ كَقَوْلِهِ: كَذَبْتُ، أَوْ رَجَعْتُ عَمَّا أَقْرَرْتُ بِهِ، أَوْ مَا زَنَيْتُ، أَوْ كُنْتُ فَاخَذْتُ، أَوْ لَمَسْتُ فَظَنَنْتُهُ زِنًا، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا، فَقَالَ: مَا أَقْرَرْتُ، أَوْ قَالَ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِإِقْرَارِهِ: مَا أَقْرَرْتُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ وَالْقَاضِي، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ فِي الْحَالِ، وَإِنْ قَالَ: لَا تُقِيمُوا عَلَيَّ الْحَدَّ، أَوْ هَرَبَ، أَوِ امْتَنَعَ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ، فَهَلْ هُوَ رُجُوعٌ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، لَكِنْ يُخَلَّي فِي الْحَالِ وَلَا يُتْبَعُ، فَإِنْ رَجَعَ فَذَاكَ، وَإِلَّا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَوْ أُتْبِعَ الْهَارِبُ، فَرُجِمَ، فَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمْ فِي قَضِيَّةِ مَاعِزٍ رضي الله عنه شَيْئًا، وَالرُّجُوعُ عَنِ الْإِقْرَارِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، كَالرُّجُوعِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا، وَفِي الرُّجُوعِ عَنِ
الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
لَوْ تَابَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ، فَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: لَا يَسْقُطُ، لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرَ، ثُمَّ قِيلَ: الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَابَ قَبْلَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَسْقُطُ قَطْعًا، وَقِيلَ: هُمَا فِي الْحَالَيْنِ.
فَرْعٌ
إِذْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ بِرُجُوعٍ وَلَا بِالْتِمَاسِ تَرْكِ الْحَدِّ، وَلَا بِالْهَرَبِ وَلَا غَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ، هَلْ يُحَدُّ؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: نَعَمْ، وَأَبُو إِسْحَاقَ: لَا، إِذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيِّنَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ وَقَدْ بَطَلَ الْإِقْرَارُ.
فَرْعٌ
الْكَلَامُ فِي عَدَدِ الشُّهُودِ لِزِنًا وَرُجُوعِ بَعْضِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَهُنَاكَ يُذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَيْفِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَفْسِيرُ الزِّنَا بِخِلَافِ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: زَنَيْتَ، كَانَ قَاذِفًا لِحُصُولِ الْعَارِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا التَّفْسِيرُ كَالشَّهَادَةِ أَمْ لَا كَالْقَذْفِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الِاشْتِرَاطُ أَقْوَى، وَيَسْتَأْنِسُ فِيهِ بِقِصَّةِ مَاعِزٍ رضي الله عنه. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَوَاءٌ شَهِدُوا بِالزِّنَا فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلَوْ شَهِدُوا ثُمَّ غَابُوا، أَوْ مَاتُوا، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيُقِيمَ الْحَدَّ.
وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَنِ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ قَذَفَهَا قَاذِفٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ الشَّهَادَةِ، وَاحْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ، وَكَذَا لَا يَجِبْ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ، وَلَوْ أَقَامَتْ هِيَ أَرْبَعَةً عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا وَطَلَبَتِ الْمَهْرَ، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ لِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَيَجِبُ الْمَهْرُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَيْهَا بِالزِّنَا، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا رَتْقَاءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهُمْ رَمَوْا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا وَعَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَاوِيَةً مِنْ زَاوِيَا بَيْتٍ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ عَدَدُهُمْ فِي زَنْيَةٍ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَكْرَهَ فُلَانَةَ عَلَى الزِّنَا، لَمْ يَثْبُتِ الزِّنَا وَهَلْ يَثْبُتُ الْمَهْرُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ هَلْ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ، إِنْ قُلْنَا: لَا، وَجَبَ الْمَهْرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، وَآخَرُ أَنَّهُ زَنَى بِهَا طَائِعَةً، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ شَاهِدَيِ الطَّوَاعِيَةِ هَلْ عَلَيْهِمَا حَدُّ الْقَذْفِ لِلْمَرْأَةِ، قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَلَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ فَاسِقَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى زِنَاهُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شَاهِدَيِ الْإِكْرَاهِ وَلَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ لِلرَّجُلِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ
فِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْأَحْرَارِ إِلَى الْإِمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِذَا أَمَرَ بِاسْتِيفَائِهِ، جَازَ لِلْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ حُضُورُ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ، وَلَا حُضُورُ الشُّهُودِ إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُمْ وَابْتِدَاؤُهُمْ بِالرَّجْمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَوْفَى بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ.
الثَّانِيَةُ: لَا يُقْتَلُ الْمُحْصَنُ بِالسَّيْفِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّمْثِيلُ بِهِ وَتَنْكِيلُهُ بِالرَّجْمِ فَيُرْجَمُ، وَلَيْسَ لِمَا يُرْجَمُ بِهِ تَقْدِيرٌ، لَا جِنْسًا وَلَا عَدَدًا، فَقَدْ تُصِيبُ الْأَحْجَارُ مَقَاتِلَهُ، فَيَمُوتُ سَرِيعًا، وَقَدْ تُبْطِئُ مَوْتَهُ، وَلَا يُرْمَى بِصَخْرَةٍ تُذَفِّفُ، وَلَا يَطُولُ تَعْذِيبُهُ بِالْحَصَيَاتِ الْخَفِيفَةِ، بَلْ يُحِيطُ النَّاسُ بِهِ فَيَرْمُونَهُ مِنَ الْجَوَانِبِ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ وَمَدَرٍ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَمْ يُحْفَرْ لَهُ عِنْدَ الرَّجْمِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالْإِقْرَارِ، وَفِي الْمَرْأَةِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْفَرَ إِلَى صَدْرِهَا لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا، وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ هُوَ إِلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ، وَأَصَحُّهَا: إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْفَرَ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، فَلَا لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إِنْ رَجَعَتْ.
الثَّالِثَةُ: الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الرَّجْمَ لَا يُؤَخَّرُ لِلْمَرَضِ ; لِأَنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الرَّمْيِ فَيُعِينُ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ يَعُودُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُرْجَمُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؟ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجَلْدَ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، وَكَذَا الْمَحْدُودُ وَالْمَقْطُوعُ فِي حَدٍّ وَغَيْرِهِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرَ حَتَّى
يَبْرَأَ، وَفِي وَجْهٍ: لَا يُؤَخَّرُ، بَلْ يُضْرَبُ فِي الْمَرَضِ بِحَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ ضَرْبٍ بِعِثْكَالٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ ضُرِبَ كَمَا يَحْتَمِلُهُ، ثُمَّ بَرَأَ هَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَلِيَكُونَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ تُؤَخَّرُ إِقَامَةُ الْجَلْدِ أَمْ تُسْتَوْفَى بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَالَّذِي جَرَى لَيْسَ بِحَدٍّ، فَلَا يَسْقُطُ كَمَا لَوْ جُلِدَ الْمُحْصَنِ لَا يَسْقُطُ الرَّجْمُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، لَمْ يَعُدِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، كَالسُّلِّ وَالزَّمَانَةِ، أَوْ كَانَ مُخَدَّجًا وَهُوَ الضَّعِيفُ الْخِلْقَةِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ، لَمْ يُؤَخَّرْ إِذْ لَا غَايَةَ تُنْتَظَرُ، وَلَا يُضْرَبُ بِالسِّيَاطِ، بَلْ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَهُوَ الْغُصْنُ ذُو الْفُرُوعِ الْخَفِيفَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْعِثْكَالُ، بَلْ لَهُ الضَّرْبُ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ والرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْغُصْنِ مِائَةُ فَرْعٍ، ضُرِبَ بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ، ضُرِبَ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِمَّا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَمَسَّهُ الشَّمَارِيخُ، أَوْ يُنْكَبَسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِثِقَلِ الْغُصْنِ، وَيَنَالَهُ الْأَلَمُ، فَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ، وَلَا انْكَبَسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، أَوْ شُكَّ فِيهِ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ، وَفِي «النِّهَايَةِ» وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَلَا تُفَرَّقُ السِّيَاطُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّفْرِيقَ، بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْمُمْكِنُ وَيُخْلَى سَبِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَلْدِ الزِّنَا، وَأَمْكَنَ ضَرْبُهُ بِقُضْبَانٍ وَسِيَاطٍ خَفِيفَةٍ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ الْإِمَامُ وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِالشَّمَارِيخِ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِالْأَسْوَاطِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى صُوَرِ الْحَدِّ، وَلَوْ بَرَأَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بِالشَّمَارِيخِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ، وَإِنْ بَرَأَ بَعْدُ، لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ، وَفِي إِقَامَةِ الضَّرْبِ بِالشَّمَارِيخِ مَقَامُ الضَّرَبَاتِ وَالْجَلْدِ بِالسِّيَاطِ مَزِيدُ كَلَامٍ نَذْكُرُهُ فِي الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
يُؤَخَّرُ قَطْعُ السَّرِقَةِ إِلَى الْبُرْءِ، وَلَوْ سَرَقَ مَنْ لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِئَلَّا يُفَوَّتَ الْحَدُّ، وَلَوْ وَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مَرِيضٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُقَالُ لِلْمُسْتَحَقِّ: اصْبِرْ إِلَى الْبُرْءِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الضَّرْبِ بِالْعِثْكَالِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُجْلَدُ بِالسِّيَاطِ، سَوَاءٌ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضِّيقِ، وَجَلْدُ الشُّرْبِ كَجَلْدِ الزِّنَا.
فَرْعٌ
الرَّابِعَةُ: لَا يُقَامُ الْجَلْدُ فِي حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، بَلْ يُؤَخَّرُ إِلَى اعْتِدَالِ الْوَقْتِ، وَكَذَا الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَأَمَّا الرَّجْمُ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، لَمْ يُؤَخَّرْ ; لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ، وَكَذَا إِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
لَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ فِي مَرَضٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَهَلَكَ الْمَجْلُودُ بِالسِّرَايَةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ خُتِنَ أَقْلَفُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَهَلَكَ ضُمِنَ، فَقِيلَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ فِيهِمَا: قَوْلَانِ، وَقِيلَ: بِظَاهِرِ النَّصِيحَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ الْجَلْدَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَالْخِتَانَ بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَهَلْ يُضْمَنُ جَمِيعُهُ أَمْ نِصْفُهُ؟ وَجْهَانِ، وَهَلِ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ قَوْلَانِ سَبَقَا، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ لَمْ نُوجِبِ الضَّمَانَ فَالتَّأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ قَطْعًا، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ، وَضَمِنَاهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ التَّعْجِيلُ
وَلَكِنْ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا فِي التَّعْزِيرِ، وَفِي عِبَارَةِ الْغَزَالِيِّ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّاجِحَ اسْتِحْبَابُ التَّأْخِيرِ، وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرِهِ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ التَّأْخِيرِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ النَّاسِ تَفْوِيضُ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ إِلَى الْإِمَامِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي ضَمَانِهِ لَوْ بَادَرَ بِقَتْلِهِ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ عَجَّلَ جَلْدَ الْمَرِيضِ قَبْلَ بُرْئِهِ، فَهَلَكَ، فَفِي ضَمَانِهِ الْخِلَافُ فِي الْجَلْدِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِلَا فَرْقٍ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مُسْتَوْفِيهِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ حُرًّا، فَالْمُسْتَوْفِي الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَحُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ رِوَايَةُ قَوْلِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْآحَادِ اسْتِيفَاؤُهُ حِسْبَةً، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَلِسَيِّدِهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَهُ تَفْوِيضُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذَنِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَسَوَاءٌ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَاصِّ قَوْلًا فِي الْعَبْدِ كَأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِالْإِجْبَارِ عَلَى النِّكَاحِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ، بَلْ قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِمَا، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَيْضًا إِقَامَتُهُ عَلَى الرَّقِيقِ، وَمَنْ بَدَرَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا وَقَعَ الْمَوْقِعَ، وَهَلِ الْأَوْلَى لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَهُ بِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أَسَتَرَ، أَمِ الْأَوْلَى تَفْوِيضُهُ إِلَى الْإِمَامِ، لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْحُرِّ؟ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِيهِ، وَلَا يُرَاعَى الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافٍ يُخَالِفُ السُّنَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَنَازَعَ فِي إِقَامَتِهِ الْإِمَامُ وَالسَّيِّدُ، فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لِلْإِمَامِ، أَظْهَرُهَا: الْإِمَامُ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ لِغَرَضِ إِصْلَاحِ مِلْكِهِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ جَلْدًا فَالسَّيِّدُ، وَإِنْ كَانَ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا، فَالْإِمَامُ ; لِأَنَّ إِعْمَالَ السِّلَاحِ بِصَاحِبِ الْأَمْرِ أَلْيَقُ، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ يُقِيمُ حَدَّهُ مُلَّاكُهُ، وَتُوَزَّعُ السِّيَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، فَإِنْ حَصَلَ كَسْرٌ، فَوَّضَ الْمُنْكَسِرَ إِلَى أَحَدِهِمْ، وَهَلْ يُغَرِّبُهُ السَّيِّدُ إِنْ قُلْنَا بِتَغْرِيبِ الْعَبْدِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ بَعْضُ الْحَدِّ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ كَالْقِنِّ، وَالْمُكَاتَبِ كَالْحُرِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ كَالْقِنِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا يَحُدُّهُ إِلَّا الْإِمَامُ، وَهَلْ إِقَامَةُ السَّيِّدِ الْحَدَّ بِالْوِلَايَةِ عَلَى مِلْكِهِ، كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ، أَمْ تَأْدِيبًا وَإِصْلَاحًا، كَمُعَالَجَتِهِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
فِيمَا يُقِيمُهُ السَّيِّدُ عَلَى رَقِيقِهِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، أَمَّا التَّعْزِيرُ، فَلَهُ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يُؤَدِّبُهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ التَّعْزِيرَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَيُفْتَقَرُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ، فَلَهُ الْجَلْدُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، وَفِي الشُّرْبِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ فِي بُضْعِ أَمَتِهِ وَعَبْدِهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ، وَقِيَاسُ هَذَا الْفَرْقِ مَجِيءُ الْوَجْهِ فِي جَلْدِ الْقَذْفِ، وَهَلْ لَهُ قَطْعُهُ فِي السَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَقَتْلُهُ فِي الرِّدَّةِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: نَعَمْ، لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ، وَأَجْرَى ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْقَطْعَ وَالْقَتْلَ إِلَى الْإِمَامِ.
فَرْعٌ
فِي أَحْوَالِ السَّيِّدِ إِنْ جَمَعَ شُرُوطَ الْوِلَايَةِ أَقَامَ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ امْرَأَةً، فَهَلْ تُقِيمُهُ هِيَ أَمِ السُّلْطَانُ أَمْ وَلِيُّهَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ، وَلِلْفَاسِقِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْكَافِرِ إِقَامَتُهُ عَلَى رَقِيقِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْإِصْلَاحِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَحُدُّ عَبِيدَ مَكَاتَبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحُدُّهُمُ الْمُكَاتَبُ إِذْ لَا تَصَرُّفَ لَهُ فِيهِمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِكَافِرٍ أَنْ يَحُدَّ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ بِحَالٍ، وَهَلْ يُقِيمُ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِ الطِّفْلِ؟ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَفِيهِمَا الْوَجْهَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا: الْحَدُّ إِصْلَاحٌ، فَلَهُمْ إِقَامَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: وِلَايَةٌ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ السَّيِّدِ جَاهِلًا؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِصْلَاحٌ أَمْ وِلَايَةٌ؟ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِقَدْرِ الْحَدِّ وَكَيْفِيَّتِهِ.
فَرْعٌ
الْعُقُوبَةُ الَّتِي يُقِيمُهَا السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ، يُقِيمُهَا إِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ عِنْدَهُ بِمُوجِبِهَا، فَلَوْ شَاهَدَهُ السَّيِّدُ، فَلَهُ إِقَامَتُهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِقَامَةَ هَذَا الْحَدِّ، فَيَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ كَالْإِمَامِ، وَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِصِفَاتِهِمْ، وَأَحْكَامِ الْحُدُودِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ سَمَاعُهَا، وَإِنَّمَا يَحُدُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ.
فَرْعٌ
قَذْفُ رَقِيقِ زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ، هَلْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا السَّيِّدُ كَمَا يُقِيمُ الْحَدَّ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَذَفَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ، فَلَهُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَذَفَ
السَّيِّدُ عَبْدَهُ، فَلَهُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي لِيُعَزِّرَهُ، وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَاسْتُرِقَّ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَيُقِيمُهُ الْإِمَامُ لَا السَّيِّدُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا يَوْمَئِذٍ، وَلَوْ زَنَى عَبْدٌ، فَبَاعَهُ سَيِّدُهُ، فَإِقَامَةُ الْحَدِّ إِلَى الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِيفَاءِ.
فَرْعٌ
مَنْ قُتِلَ حَدًّا بِالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ، غُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.