الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ السِّيَرِ
هِيَ جَمْعُ سِيرَةٍ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ، وَالْمَقْصُودُ: الْكَلَامُ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامُهُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ، وَبَيَانِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَفِيهِ أَطْرَافٌ.
الْأَوَّلُ: فِي مُخْتَصَرٍ يَتَعَلَّقُ بِابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله: لَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ وَالْإِنْذَارِ بِلَا قِتَالٍ، وَاتَّبَعَهُ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، وَفُرِضَتِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ فُرِضَ الصَّوْمُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّكَاةَ فُرِضَتْ بَعْدَ الصَّوْمِ أَمْ قَبْلَهُ، ثُمَّ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَكَانَ الْقِتَالُ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَأُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَبَتِ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ قَدَرَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، ارْتَفَعَتِ الْهِجْرَةُ مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَنُفِي وُجُوبُ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ سبحانه وتعالى فِي الْقِتَالِ لِلْمُسْلِمِينَ إِذَا ابْتَدَأَهُمُ الْكُفَّارُ بِقِتَالٍ، ثُمَّ أَبَاحَ الْقِتَالَ ابْتِدَاءً، لَكِنْ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشَرْطٍ وَلَا زَمَانٍ، وَلَمْ يَعْبُدْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَنَمًا قَطُّ قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : كَانَ مُتَمَسِّكًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم.
قُلْتُ: تَعَرَّضَ الرَّافِعِيُّ رحمه الله لِهَذِهِ النُّبَذِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا يَلِيقُ بِهِ وَلَا بِهَذَا الْكِتَابِ، وَأَنَا أُشِيرُ إِلَى أُصُولِ مَقَاصِدِهَا بِأَلْفَاظٍ وَجِيزَةٍ - إِنْ
شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. اتَّفَقُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا قَطُّ، وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَأَمَّا بَعْدُ النُّبُوَّةِ فَمَعْصُومُونَ مِنَ الْكُفْرِ، وَمِنْ كُلِّ مَا يُخِلُّ بِالتَّبْلِيغِ، وَمَا يُزْرِي بِالْمُرُوءَةِ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّغَائِرِ فَجَوَّزَهَا الْأَكْثَرُونَ، وَمَنَعَهَا الْمُحَقِّقُونَ وَقَطَعُوا بِالْعِصْمَةِ مِنْهَا، وَتَأَوَلُوا الظَّوَاهِرَ الْوَارِدَةَ فِيهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم هَلْ كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ يَتَعَبَّدُ عَلَى دِينِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَمْ مُوسَى أَمْ عِيسَى، أَمْ يَتَعَبَّدُ لَا مُلْتَزِمًا دِينٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُجْزَمُ فِي ذَلِكَ بِشَيْءٍ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى عَقْلٍ وَلَا ثَبَتَ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِنَسْخِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَقِيلَ: شَرْعُ إِبْرَاهِيمَ فَقَطْ؛ وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ وَيَوْمٌ، فَأَقَامَ فِي مَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: عَشْرًا، وَقِيلَ: خَمْسَ عَشَرَةَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا عَشْرًا بِالْإِجْمَاعِ، وَدَخْلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَتُوُفِّيَ صلى الله عليه وسلم ضُحَى يَوْمِ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ وَمِنْهَا ابْتِدَاءُ التَّارِيخِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَمُدَّةُ مَرَضِهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَغَسَّلَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمٌ وَأُسَامَةُ وَشُقْرَانُ رضي الله عنهم، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَفْرَادًا، بِلَا إِمَامٍ، وَدَخَلَ قَبْرَهُ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمٌ وَشُقْرَانُ، وَدُفِنَ فِي اللَّحْدِ وَجُعِلَ فِيهِ تِسْعُ لَبِنَاتٍ، وَدُفِنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، وَهُوَ
حُجْرَةُ عَائِشَةَ، ثُمَّ دُفِنَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ رضي الله عنهما وَلَمْ يَحُجَّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ الْهِجْرَةِ إِلَّا حَجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَسُمِّيَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا صلى الله عليه وسلم، وَاعْتَمَرَ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ فُرِضَ الْحَجُّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ خَمْسٍ أَوْ تِسْعٍ، وَأَوَّلُ مَا وَجَبَ الْإِنْذَارُ وَالدُّعَاءُ إِلَى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا ذَكَرَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِمَا فِي أَوَاخِرِهَا، ثُمَّ نَسَخَهُ بِإِيجَابِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِعَشْرِ سِنِينَ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم مَأْمُورًا بِالصَّلَاةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ وَبَعْدَ الْهِجْرَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ.
ذِكْرُ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَلَى تَرْتِيبِ السِّنِينَ: السَنَةُ الْأُولَى: فِيهَا بَنَى صلى الله عليه وسلم مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، وَآخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَشَرَعَ الْأَذَانَ وَأَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ.
السَنَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهَا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْهَاشِمِيُّ: حُوِّلَتْ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ نِصْفَ شَعْبَانَ، كَانَ صلى الله عليه وسلم فِي أَصْحَابِهِ، فَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ فِي مَنَازِلِ بَنِي سَلَمَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ إِلَى الْقُدْسِ، ثُمَّ أُمِرَ فِي الصَّلَاةِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَدَارَ وَاسْتَدَارَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، فَسُمِّيَ مَسْجِدَ الْقِبْلَتَيْنِ. وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا فُرِضَ صَوْمُ رَمَضَانَ، وَفِيهَا فُرِضَتْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ فِي رَمَضَانَ، وَفِي شَوَّالٍ مِنْهَا تَزَوَّجَ عَائِشَةَ، وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَلِيٌّ فَاطِمَةَ.
السَنَةُ الثَّالِثَةُ: فِيهَا غَزَوَاتٌ وَأَرْبَعُ سَرَايَا، مِنْهَا غَزْوَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ السَّابِعِ مِنْ شَوَّالٍ، ثُمَّ غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرَى فِي هِلَالِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَفِيهَا غَزْوَةُ بَنِي النَّضِيرِ، وَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ، وَتَزَوَّجَ عُثْمَانُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَوُلِدَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ.
الرَّابِعَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ الْخَنْدَقِ وَذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ فِي الْخَامِسَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الرَّابِعَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْأَحْزَابُ أَيْضًا، وَكَانَ حِصَارُ الْأَحْزَابِ الْمَدِينَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ وَنَزَلَ التَّيَمُّمُ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ.
الْخَامِسَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ وَبِهَا صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَهِيَ أَوَّلُ صَلَوَاتِ الْخَوْفِ، ثُمَّ غَزْوَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَغَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ.
السَّادِسَةُ: غَزْوَةُ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، وَغَزْوَةُ بَنِيَ الْمُصْطَلِقِ، وَكُسِفَتِ الشَّمْسُ، وَنَزَلَ الظِّهَارُ.
السَّابِعَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ خَيْبَرَ، وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَمَيْمُونَةَ وَصْفِيَّةَ، وَجَاءَتْهُ مَارِيَةُ وَبَغْلَتُهُ دُلْدُلُ، وَقَدِمَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَأَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ.
الثَّامِنَةُ: فِيهَا غَزْوَةُ مُؤْتَةَ، وَذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَفَتْحُ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَوُلِدَ إِبْرَاهِيمُ، وَتُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ، وَغَزْوَةُ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، وَفِيهَا غَلَاءُ السِّعْرِ، فَقَالُوا: سَعِّرَ لَنَا.
التَّاسِعَةُ: فِيهَا غَزَا تَبُوكَ، وَحَجَّ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِالنَّاسِ، وَتُوَفِّيَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ وَالنَّجَاشِيُّ، وَتَتَابَعَتِ الْوُفُودُ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
الْعَاشِرَةُ: فِيهَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، وَوَفَاةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْلَامُ جَرِيرٍ، وَنَزَلَ (الْيَوْمَ أَكْمَلَتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) . وَغَزَوَاتُهُ صلى الله عليه وسلم بِنَفْسِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ غَزْوَةً، وَقِيلَ: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ، وَسَرَايَاهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوبِ الْجِهَادِ
قَدْ يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَلْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَمْ فَرْضَ عَيْنٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ) الْآيَةَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَهُوَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ مُسْتَقِرِّينَ فِي بُلْدَانِهِمْ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ مِنْهُ، أَثِمُوا، وَهَلْ يَعُمُّهُمُ الْإِثْمُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالَّذِينِ يَدْنُوَا إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ كُلُّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ الْأَعْذَارِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قَامَ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ، سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ. وَتَحْصُلُ الْكِفَايَةُ بِشَيْئَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْحِنَ الْإِمَامُ الثُّغُورَ بِجَمَاعَةٍ يُكَافِئُونَ مَنْ بِإِزَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَاطَ بِإِحْكَامِ الْحُصُونِ وَحَفْرِ الْخَنَادِقِ وَنَحْوِهِمَا، وَيُرَتِّبُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ أَمِيرًا كَافِيًا يُقَلِّدُهُ الْجِهَادَ وَأُمُورَ الْمُسْلِمِينَ.
الثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ دَارَ الْكُفْرِ غَازِيًّا بِنَفْسِهِ، أَوْ بِجَيْشٍ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِي دَارَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنَ الْأَبْعَدِينَ أَكْثَرَ، بَدَأَ بِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ إِخْلَاءُ سَنَةٍ عَنْ جِهَادٍ
إِلَّا لِضَرُورَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَفِي الْعَدُوِّ كَثْرَةٌ، وَيَخَافُ مِنَ ابْتِدَائِهِمُ الِاسْتِئْصَالَ، أَوْ لِعُذْرٍ بِأَنْ يَعِزَّ الزَّادُ وَعَلْفُ الدَّوَابِّ فِي الطَّرِيقِ، فَيُؤَخِّرُ إِلَى زَوَالِ ذَلِكَ، أَوْ يَنْتَظِرُ لِحَاقَ مَدَدٍ، أَوْ يَتَوَقَّعُ إِسْلَامَ قَوْمٍ، فَيَسْتَمِيلُهُمْ بِتَرْكِ الْقِتَالِ، هَذَا مَا نَصَرَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ رحمهم الله وَقَالَ الْإِمَامُ: الْمُخْتَارُ عِنْدِي فِي هَذَا مَسْلَكُ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْجِهَادُ دَعْوَةٌ قَهْرِيَّةٌ، فَيَجِبُ إِقَامَتُهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمَرَّةٍ فِي السَنَةِ، وَلَا يُعَطَّلُ إِذَا أَمْكَنَتِ الزِّيَادَةُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ حَمَلُوهُ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْعَدَدَ لَا تَتَأَتَّى لِتَجْهِيزِ الْجُنُودِ فِي السَنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ الْإِمَامُ مِنْ بَثِّ الْأَجْنَادِ لِلْجِهَادِ فِي جَمِيعِ الْأَطْرَافِ، فَعَلَ، وَإِلَّا فَيَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْعَى النِّصْفَةَ بِالْمُنَاوَبَةِ بَيْنَ الْأَجْنَادِ فِي الْإِغْزَاءِ، وَيَسْقُطُ الْوُجُوبُ فِي هَذَا الضَّرْبِ بِأَعْذَارٍ.
مِنْهَا: الصِّغَرُ وَالْجُنُونُ وَالْأُنُوثَةُ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُرَاهِقِينَ وَالنِّسَاءِ فِي الْخُرُوجِ، وَأَنْ يَسْتَصْحِبَهُمْ لِسَقْيِ الْمَاءِ وَمُدَاوَاةِ الْمَرْضَى وَمُعَالَجَةِ الْجَرْحَى، وَلَا يَأْذَنُ لِلْمَجَانِينِ بِحَالٍ، وَلَا جِهَادَ عَلَى الْخُنْثَى.
وَمِنْهَا: الْمَرَضُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ بِهِ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقِتَالِ وَالرُّكُوبِ عَلَى دَابَّةٍ، وَلَا عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْقِتَالُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ وَنَحْوِهَا.
وَمِنْهَا: الْعَرَجُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ بِهِ عَرَجٌ بَيِّنٌ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَوَجَدَ دَوَابَّ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْجِهَادُ رَاكِبًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ الْعَرَجُ فِي رِجْلٍ أَوْ رِجْلَيْهِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَرَجٍ يَسِيرٍ لَا يَمْنَعُ الْمَشْيَ، وَلَا جِهَادَ عَلَى أَشَلِّ الْيَدِ، وَلَا مَنْ فَقَدَ مُعْظَمَ أَصَابِعِهِ بِخِلَافِ فَاقِدِ الْأَقَلِّ.
وَمِنْهَا: الْعَمَى، فَلَا جِهَادَ عَلَى أَعْمَى، وَيَجِبُ عَلَى الْأَعْوَرِ وَالْأَعْشَى
وَعَلَى ضَعِيفِ الْبَصَرِ إِنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّقِيَ السِّلَاحَ.
وَمِنْهَا: الْفَقْرُ، فَلَا جِهَادَ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ سِلَاحٍ وَأَسْبَابِ الْقِتَالِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَجِدَ نَفَقَةَ طَرِيقِهِ ذِهَابًا وَرُجُوعًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ الْقِتَالُ عَلَى بَابِ الْبَلَدِ، أَوْ حَوَالَيْهِ، سَقَطَ اشْتِرَاطُ نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَيُشْتَرَطُ وِجْدَانُ رَاحِلَةٍ إِنْ كَانَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ جَمِيعِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَسَائِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَجِّ، وَكُلُّ عُذْرٍ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ، يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ إِلَّا أَمْنَ الطَّرِيقِ، فَإِنَّهُ شُرِطَ هُنَاكَ وَلَا يُشْتَرَطُ هُنَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْغَزْوِ عَلَى رُكُوبِ الْمَخَاوِفِ، هَذَا إِنْ كَانَ الْخَوْفُ مِنْ طَلَائِعِ الْكُفَّارِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ مُتَلَصِّصِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ بَذَلَ لِلْفَاقِدِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، إِلَّا أَنْ يَبْذُلَهُ الْإِمَامُ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيُجَاهِدَ؛ لِأَنَّ مَا يُعْطِيهِ الْإِمَامُ حَقَّهُ، وَلَا يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ الْجِهَادُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجِهَادَ لَا يَجِبُ إِلَّا عَلَى مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا جِهَادَ عَلَى رَقِيقٍ وَإِنْ أَمْرَهُ سَيِّدُهُ؛ إِذْ لَيْسَ الْقِتَالُ مِنَ الِاسْتِخْدَامِ الْمُسْتَحَقِّ لِلسَّيِّدِ، وَلَا يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ خَوْفِهِ عَلَى رُوحِهِ إِذَا لَمْ نُوجِبُ الدَّفْعَ عَنِ الْغَيْرِ، بَلِ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِلسَّيِّدِ اسْتِصْحَابُهُ فِي سِفْرِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ لِيَخْدِمَهُ وَيَسُوسَ دَوَابَّهُ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِمْ.
فَرْعٌ
مِمَّا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ الدَّيْنُ، فَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنُ حَالٍ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرِ جِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ السَّفَرَ لِتَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِهِ، وَالْحَبْسُ إِنِ امْتَنَعَ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ إِذْ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ، وَلَوِ اسْتَنَابَ الْمُوسِرُ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، فَلَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ أَمْرَهُ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالِ
غَائِبٍ، فَلَا، وَمَتَى أَذِنَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ، وَيَلْتَحِقُ بِأَصْحَابِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَفَرٍ لَا يَغْلِبُ فِيهِ الْخَطَرُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّفْلِيسِ، وَهَلْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَنْعُهُ مِنْ سَفَرِ الْجِهَادِ؟ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: لَا. وَالثَّانِي: نَعَمْ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِالدَّيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً. وَالرَّابِعُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ، وَالْخَامِسُ: لَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحُلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَرُكُوبِ الْبَحْرِ كَسَفَرِ الْجِهَادِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ
مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ حَيٌّ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَوْ بِإِذْنِهِمَا إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ مُسْلِمَيْنِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ كَافِرٍ، وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ كَالْوَالِدَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْجَدِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ، وَلَا الْجَدَّةِ مَعَ وُجُودِ الْأُمِّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَأَمَّا سَفَرُهُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ، فَلَهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ لِطَلَبِ مَا هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، بِأَنْ خَرَجَ لِطَلَبِ دَرَجَةِ الْفَتْوَى وَفِي النَّاحِيَةِ مُسْتَقِلٌّ بِالْفَتْوَى، فَلَيْسَ لَهُمَا الْمَنْعُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْتَقِلٌّ، وَلَكِنْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ، فَلَيْسَ لَهُمَا عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي الْحَالِ مَنْ يَقُومُ بِالْمَقْصُودِ، وَالْخَارِجُونَ، فَلَا يَظْفَرُونَ بِالْمَقْصُودِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أَحَدٌ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِذْنٍ، وَلَا مَنْعَ لَهُمَا قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ الْإِثْمَ عَنْ نَفْسِهِ، كَالْفَرْضِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الصُّورَةَ بِمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّعَلُّمَ فِي بَلَدِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يُتَوَقَّعَ فِي السَّفَرِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ أَوْ إِرْشَادَ أُسْتَاذٍ أَوْ غَيْرَهُمَا، كَمَا لَمْ يُقَيَّدِ الْحُكْمُ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ بِمَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهَا بِبَلَدِهِ، بَلِ اكْتُفِيَ بِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رِبْحٍ، أَوْ رَوَاجٍ، وَأَمَّا سَفَرُ
التِّجَارَةِ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ قَصِيرًا، فَلَا مَنْعَ مِنْهُ بِحَالٍ، وَإِنْ كَانَ طَوِيلًا، نُظِرَ إِنْ كَانَ فِيهِ خَوْفٌ ظَاهِرٌ، كَرُكُوبِ بِحْرٍ أَوْ بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ، وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُمَا الْمَنْعُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْنُ غَالِبًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا مَنْعَ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْذَانُ، وَالْوَلَدُ الْكَافِرُ فِي هَذِهِ الْأَسْفَارِ كَالْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ سَفَرِ الْجِهَادِ، فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ، وَالرَّقِيقُ كَالْحُرِّ عَلَى الصَّحِيحِ لِشُمُولِ مَعْنَى الْبِرِّ وَالشَّفَقَةِ.
فَرْعٌ
مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِإِذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ أَوِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الْإِذْنِ، أَوْ كَانَ الْأَبَوَانِ كَافِرَيْنِ، فَخَرَجَ ثُمَّ أَسْلَمَا، وَلَمْ يَأْذَنَا، وَعَلِمَ الْمُجَاهِدُ الْحَالَ، فَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَالِ، وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ يَخَافَ انْكِسَارَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْصِرَافُ لِلْخَوْفِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي قَرْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَرْجِعَ الْجَيْشُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ، وَأَوْهَمَ فِي «الْوَسِيطِ» خِلَافًا فِي وُجُوبِ الْإِقَامَةِ هُنَاكَ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الِانْصِرَافُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَالِ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ الْمُصَابَرَةُ، وَيَحْرُمُ الِانْصِرَافُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الِانْصِرَافُ، وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالرَّابِعُ: يَجِبُ الِانْصِرَافُ إِنْ رَجَعَ صَاحِبُ الدَّيْنِ دُونَ الْأَبَوَيْنِ إِنْ رَجَعَ، لِعَظْمِ شَأْنِ الدَّيْنِ وَمَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْذَانُ، فَخَرَجَ بِلَا إِذْنٍ، لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَالِ؛ لِأَنَّ سَفَرَهُ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِتَالِ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِوُجُوبِ الِانْصِرَافِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْخُرُوجِ مَعْصِيَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، لَزِمَهُ الِانْصِرَافُ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ، فَإِنْ حَضَرَ، فَلَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: يُسْتَحَبُّ الرُّجُوعُ.
فَرْعٌ
لَوْ مَرِضَ مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ أَوْ عَرَجَ، أَوْ فَنِيَ زَادُهُ، أَوْ هَلَكَتْ دَابَّتُهُ، فَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الْعُذْرُ حَاصِلًا وَقْتَ الْخُرُوجِ، فَإِنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الثَّبَاتُ أَمْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهَانِ إِذَا لَمْ يُورِثِ انْصِرَافُهُ فَشَلًا فِي الْجُنْدِ، فَإِنْ أَوْرَثَهُ، حُرِّمَ الرُّجُوعُ قَطْعًا، وَفِي «التَّهْذِيبِ» فِي صُورَةِ مَوْتِ الدَّابَّةِ يَلْزَمُهُ الْقِتَالُ رَاجِلًا إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِذَا انْقَطَعَ عَنْهُ سِلَاحُهُ، أَوِ انْكَسَرَ، لَزِمَهُ الْقِتَالُ بِالْحِجَارَةِ إِنْ أَمْكَنَهُ.
فَرْعٌ
حَيْثُ جَوَّزْنَا الِانْصِرَافَ لِرُجُوعِ الْأَبَوَيْنِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ عَنِ الْإِذْنِ، أَوْ لِحُدُوثِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ، فَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ حَبْسُهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ، وَيُخْشَى مِنَ انْصِرَافِهِمْ خَلَّلٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَلَوِ انْصَرَفَ لِذَهَابِ نَفَقَةٍ، أَوْ هَلَاكِ دَابَّةٍ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى النَّفَقَةِ وَالدَّابَّةِ فِي بِلَادِ الْكُفَّارِ، لَزِمَهُ الرُّجُوعُ لِلْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ فَارَقَ بِلَادَ الْكُفْرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ، وَعَنْ نَصِّهِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ، وَبِهِ عُذْرُ مَرَضٍ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ، وَصَارَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْغَزْوِ، وَكَذَا لَوْ حَدَثَ الْعُذْرُ، وَزَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ.
فَرْعٌ
مَنْ شَرَعَ فِي قِتَالٍ وَلَا عُذْرَ لَهُ، لَزِمَهُ الْمُصَابَرَةُ، وَعَبَّرَ الْأَصْحَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْجِهَادَ يَصِيرُ مُتَعَيَّنًا عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ، وَلَوِ اشْتَغَلَ شَخْصٌ بِالتَّعَلُّمِ، وَأَنِسَ الرُّشْدَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ، هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعُهُ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، فَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَشْرُوعِ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِهَادِ، فَإِنَّ رُجُوعَهُ يُؤَدِّي إِلَى التَّخْذِيلِ، وَهَلْ يَجِبُ إِتْمَامُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إِذَا
شَرَعَ فِيهَا؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْقَفَّالُ: لَا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْعِلْمَ وَسَائِرَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِهَادُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ، فَإِذَا وَطِئَ الْكُفَّارُ بَلْدَةً لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَطَلُّوا عَلَيْهَا، وَنَزَلُوا بَابَهَا قَاصِدِينَ، وَلَمْ يَدْخُلُوا، صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَبْقَى فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ الدَّفْعُ بِمَا أَمْكَنَهُمْ، وَلِلدَّفْعِ مَرْتَبَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَحْتَمِلَ الْحَالُ اجْتِمَاعَهُمْ وَتَأَهُّبَهُمْ وَاسْتِعْدَادَهُمْ لِلْحَرْبِ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ التَّأَهُّبُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الْمُقَاوَمَة إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الْعَبِيدِ، وَجَبَ عَلَى الْعَبِيدِ الْمُوَافَقَةُ، فَيَنْحَلُّ الْحَجْرُ عَنِ الْعَبِيدِ حَتَّى لَا يُرَاجِعُوا السَّادَاتِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُمُ الْمُقَاوَمَةُ مِنْ غَيْرِ مُوَافِقَةِ الْعَبِيدِ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، لِتَقْوَى الْقُلُوبُ، وَتَعْظُمُ الشَّوْكَةُ، وَتَشْتَدُّ النِّكَايَةُ، وَالثَّانِي: لَا يَنْحَلُّ الْحَجْرُ عَنْهُمْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُمْ. وَالنِّسْوَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِنَّ قُوَّةُ دِفَاعٍ لَا يَحْضُرْنَ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحُوجَ الْمُزَوَّجَةُ إِلَى إِذْنِ الزَّوْجِ، كَمَا لَا يُحْوَجُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَا يَجِبُ فِي هَذَا النَّوْعِ اسْتِئْذَانُ الْوَالِدَيْنِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَغَشَّاهُمِ الْكُفَّارُ، وَلَا يَتَمَكَّنُوا مِنَ اجْتِمَاعٍ وَتَأَهُّبٍ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ كَافِرٌ، أَوْ كُفَّارٌ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ أُخِذَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّكَ، وَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا أَمْكَنَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ وَالْأَعْمَى، وَالْأَعْرَجُ، وَالْمَرِيضُ، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ وَيُؤْسَرَ، وَلَوِ امْتَنَعَ لِقَتْلٍ، جَازَ أَنْ
يَسْتَسْلِمَ، فَإِنَّ الْمُكَاوَحَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ اسْتِعْجَالُ الْقَتْلِ، وَالْأَسْرُ يَحْتَمِلُ الْخَلَاصُ، وَلَوْ عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَوِ اسْتَسْلَمَتِ امْتَدَّتِ الْأَيْدِي إِلَيْهَا، لَزِمَهَا الدَّفْعُ وَإِنْ كَانَتْ تُقْتَلُ؛ لِأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لَا تَحِلُّ لَهُ الْمُطَاوَعَةُ لِدَفْعِ الْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْصِدُ بِالْفَاحِشَةِ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يُظُنُّ ذَلِكَ بَعْدَ السَّبْيِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ تَدْفَعُ حِينَئِذٍ، وَلَوْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبُقْعَةِ كَثْرَةٌ، خَرَجَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِمْ كِفَايَةٌ، فَفِي تَحَتُّمِ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْآخَرِينَ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ عَظِيمَةٌ، وَأَمَّا غَيْرُ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَهُوَ كَبَعْضِهِمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ كِفَايَةٌ، وَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَطِيرُوا إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةٌ، فَفِي وُجُوبِ الْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهِمُ الْوَجْهَانِ، وَمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ كِفَايَةٌ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَطِيرُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنْ طَارَ إِلَيْهِمْ مَنْ تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ: إِذَا دَخَلَ الْكُفَّارُ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَالْجِهَادُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ قَرُبَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ مَنْ بَعُدَ، وَعَلَى هَذَا فَحُكْمُ أَهْلِ الْأَعْذَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ وَجْهٌ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِهِمُ الْمُسَاعَدَةُ وَالْمُسَارَعَةُ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِي الْأَقْرَبِينَ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَهْلِ الْبَلْدَةِ وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ كِفَايَةٌ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِينَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ الْمُسَاعَدَةُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِيجَابٍ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى الْأَقْرَبِينَ فَالْأَقْرَبِينَ بِلَا ضَبْطٍ حَتَّى يَصِلَ الْخَبَرُ بِأَنَّهُمْ قَدْ دَفَعُوا وَأَخْرَجُوا، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَلْدَةِ، ثُمَّ الْأَقْرَبِينَ
فَالْأَقْرَبِينَ إِذَا قَدَرُوا عَلَى الْقِتَالِ أَنْ يَلْبِثُوا إِلَى لُحُوقِ الْآخَرِينَ، وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَرْكُوبِ فِيمَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَفِيمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الِاشْتِرَاطُ، كَالْحَجِّ، وَالثَّانِي: لَا، لِشِدَّةِ الْخَطْبِ، وَيُشْتَرَطُ فِيمَنْ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَدُونِهَا وُجُودُ الزَّادِ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَا اسْتِقْلَالَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَلَا مَعْنَى لِإِلْزَامِهِمُ الْخُرُوجَ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ سَيُهْلَكُونَ، وَلَوْ نَزَلَ الْكُفَّارُ عَلَى خَرَابٍ، أَوْ جَبَلٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَعِيدٌ عَنِ الْأَوْطَانِ وَالْبُلْدَانِ، فَفِي نُزُولِهِ مَنْزِلَةَ دُخُولِ الْبَلْدَةِ وَجْهَانِ أَطْلَقَهُمَا الْغَزَالِيُّ، وَالَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارَ هُوَ الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ الدَّارَ تَشْرُفُ بِسَكَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَسْكَنًا لِأَحَدٍ، فَتَكْلِيفُ الْمُسْلِمِينَ التَّهَاوِي عَلَى الْمَتَالِفِ بَعِيدٌ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَكَيْفَ يَجُوزُ تَمْكِينُ الْكُفَّارِ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مَعَ إِمْكَانِ الدَّفْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا، أَوْ مُسْلِمَيْنِ، فَهَلْ هُوَ كَدُخُولِ دَارِ الْإِسْلَامِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّ إِزْعَاجَ الْجُنُودِ لِوَاحِدٍ بَعِيدٌ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الدَّارِ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ النَّظَرِ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى قُرْبِ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَوَقَّعْنَا اسْتِخْلَاصَ مَنْ أَسَرُوهُ لَوْ طِرْنَا إِلَيْهِمْ، فَعَلْنَا، وَإِنْ تَوَغَّلُوا فِي بِلَادِ الْكُفْرِ وَلَا يُمْكِنُ التَّسَارُعُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ لَا يَتَأَتَّى خَرْقُهَا بِالْجُنُودِ، اضْطُرِرْنَا إِلَى الِانْتِظَارِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ مِنْهُمْ مَلِكٌ عَظِيمُ الشَّوْكَةِ طَرْفَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ آحَادُ الطَّوَائِفِ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي بَيَانِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ
هِيَ كَثِيرَةٌ مُفَرَّقَةٌ فِي أَبْوَابِهَا، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ
وَدَفْنَهُ، وَكَذَا صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ وَالْأَذَانُ وَالْعِيدُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُنَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ أُمُورٌ كُلِّيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ أَوْ دُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إِلَّا بِحُصُولِهَا، فَيَطْلُبُ الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا، وَلَا يَطْلُبُ تَكْلِيفَ وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ بِهَا، بِخِلَافِ فَرَضِ الْعَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُكَلَّفٌ بِتَحْصِيلِهِ، وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ أَقْسَامٌ، مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ، وَهُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّهُ كَمَا تَجِبُ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُقِيمُ الْبَرَاهِينَ، وَيُظْهِرُ الْحُجَجَ، وَيَدْفَعُ الشُّبَهَاتِ، وَيَحِلُّ الْمُشْكِلَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفُرُوعِ، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ: الْأَمْرُ بِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ، وَالنَّهْيُ عَنْ مَحْرَمَاتِهِ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ نُصِّبَ لِذَلِكَ رَجُلٌ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَهُوَ الْمُحْتَسِبُ، وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ تَرْتِيبَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَتَقْسِيمَهُ، فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةَ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَوْعَانِ، أَحَدُهُمَا: يُؤْمَرُ بِهِ الْجَمِيعُ دُونَ الْأَفْرَادِ، كَإِقَامَةِ الْجُمْعَةِ حَيْثُ تَجْتَمِعُ شُرُوطُهَا، فَإِنْ كَانُوا عَدَدًا يَرَوْنَ انْعِقَادَ الْجُمْعَةِ بِهِمْ، وَالْمُحْتَسِبُ لَا يَرَاهُ، فَلَا يَأْمُرُهُمْ بِمَا لَا يُجَوِّزُهُ، وَلَا يَنْهَاهُمْ عَمَّا يَرَوْنَهُ فَرْضًا عَلَيْهِمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْأَمْرِ، وَإِنْ قُلْنَا: صَلَاةُ الْعِيدِ سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ هُوَ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ، لَا سِيَّمَا مَا كَانَ شِعَارًا ظَاهِرًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
النَّوْعُ الثَّانِي: يُؤْمَرُ بِهِ الْآحَادُ، مِثْلُ إِنْ أَخَّرَ بَعْضُ النَّاسِ
الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا، فَإِنْ قَالَ: نَسِيتُهَا، حَثَّهُ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ، وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَنْ أَخَّرَهَا وَالْوَقْتُ بَاقٍ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي فَضْلِ التَّأْخِيرِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ، كَالْبَلَدِ إِذَا تَعَطَّلَ شَرْبُهُ، أَوِ انْهَدَمَ سُورُهُ، أَوْ طَرَقَهُ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ الْمُحْتَاجُونَ وَتَرَكُوا مَعُونَتَهُمْ، فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، لَمْ يُؤْمَرِ النَّاسُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَمَرَ أَهْلَ الْمُكْنَةِ بِرِعَايَتِهَا. وَإِلَى خَاصٍّ، كَمَطْلِ الْمَدِينِ الْمُوسِرَ، فَالْمُحْتَسِبُ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُ إِذَا اسْتَعْدَاهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ الضَّرْبُ وَالْحَبْسُ.
الثَّالِثُ: الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ، كَأَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ بِإِنْكَاحِ الْأَكْفَاءِ، وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ، وَأَخْذِ السَّادَةِ بِحُقُوقِ الْأَرِقَّاءِ، وَأَصْحَابِ الْبَهَائِمِ بِتَعَهُّدِهَا، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تَطِيقُ، وَذُكِرَ فِي الْمُنْكَرَاتِ أَنَّ مَنْ يُغَيِّرُ هَيْئَةَ عِبَادَةٍ، كَجَهْرِهِ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ وَعَكْسِهِ، وَزِيَادَةٍ فِي الْأَذَانِ، يَمْنَعُهُ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ، أَوِ الْوَعْظِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ، وَلَا يُؤْمَنُ اغْتِرَارُ النَّاسِ بِهِ فِي تَأْوِيلٍ أَوْ تَحْرِيفٍ، أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُحْتَسِبُ، وَشَهَرَ أَمْرَهُ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ، وَإِذَا رَأَى رَجُلًا وَاقِفًا مَعَ امْرَأَةٍ فِي شَارِعٍ يَطْرُقُهُ النَّاسُ، لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ خَالٍ، فَهُوَ مَوْضِعُ رِيبَةٍ، فَيُنْكِرُ وَيَقُولُ: وَإِنْ كَانَتْ مُحْرَمًا لَكَ، فَصُنْهَا عَنْ مَوَاقِفِ الرَّيْبِ، وَلَا يُنْكِرُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، كَتَعَدِّيهِ فِي جِدَارِ جَارِهِ إِلَّا بِاسْتِعْدَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ، وَيُنْكِرُ عَلَى مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ الْمَطْرُوقَةِ، وَعَلَى الْقُضَاةِ إِذَا حَجَبُوا الْخُصُومَ، وَقَصَرُوا فِي النَّظَرِ وَالْخُصُومَاتِ. وَالسُّوقِيُّ الَّذِي يُخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ تُخْتَبَرُ أَمَانَتُهُ، فَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ خِيَانَةٌ، مُنِعَ مِنْ مُعَامَلَتِهِنَّ، وَهَذَا بَابٌ لَا تَتَنَاهَى صُوَرُهُ.
قُلْتُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ،
وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ لِكَوْنِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ، أَوْ يَعْلَمُ بِالْعَادَةِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ كَلَامُهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، بَلْ وَاجِبُهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:(مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) قَالُوا: وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: أَنْ يَرَى مَكْشُوفَ بَعْضِ عَوْرَتِهِ فِي حَمَّامٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي كَوْنُهُ مُمْتَثِلًا مَا يَأْمُرُ بِهِ، مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ، بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَجُزِ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ، وَلَا يَخْتَصُّ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ بِأَصْحَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْمَرَاتِبِ، بَلْ ذَلِكَ ثَابَتٌ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ غَيْرَ الْوُلَاةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَأْمُرُونَ الْوُلَاةَ وَيَنْهَوْنَهُمْ مَعَ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ وَتَرْكِ تَوْبِيخِهِمْ عَلَى التَّشَاغُلِ بِذَلِكَ بِغَيْرِ وِلَايَةٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ:«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يَأْمُرُ وَيَنْهَى مَنْ كَانَ عَالِمًا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ الْمَشْهُورَةِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزِّنَى وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا، فَكُلُّ الْمُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَقَائِقِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاجْتِهَادِ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَوَامِّ الِابْتِدَاءُ بِإِنْكَارِهِ، بَلْ ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ مَنْ أَعْلَمَهُ الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَى إِنْكَارِهِ، أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَلَا إِنْكَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أَوِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَلَا نَعْلَمُهُ، وَلَا إِثْمَ عَلَى الْمُخْطِئِ، لَكِنْ إِنْ نَدَبَهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ، وَيَكُونُ بِرِفْقٍ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إِخْلَالٌ بِسُنَّةٍ
ثَابِتَةٍ، أَوْ وُقُوعٌ فِي خِلَافٍ آخَرَ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ السُّلْطَانُ الْحِسْبَةَ، هَلْ لَهُ حَمْلُ النَّاسِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمُحْتَسِبُ مُجْتَهِدًا أَمْ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُ مَا كَانَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَغْيِيرُهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوعِ، وَلَا يُنْكِرُ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِهِ مُجْتَهَدًا فِيهِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ مَا خَالَفَ نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.
وَأَمَّا صِفَةُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَمَرَاتِبُهُ، فَضَابِطُهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ» فَعَلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَ بِكُلِّ وَجْهٍ أَمْكَنَهُ، وَلَا يَكْفِي الْوَعْظُ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِزَالَتَهُ بِالْيَدِ، وَلَا تَكْفِي كَرَاهَةُ الْقَلْبِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى النَّهْيِ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ، صِفَةُ كَسِرِّ الْمَلَاهِي وَجُمْلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُنْكَرَاتِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفُقَ فِي التَّغْيِيرِ بِالْجَاهِلِ وَبِالظَّالِمِ الَّذِي يَخَافُ شَرَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى قَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْلَالُ، اسْتَعَانَ مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِظْهَارِ سِلَاحٍ وَحَرْبٍ، فَإِنْ عَجَزَ، رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى صَاحِبِ الشَّوْكَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصِّيَالِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَكْرَهَهُ بِقَلْبِهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَلَيْسَ لِلْآمِرِ وَالنَّاهِي الْبَحْثُ وَالتَّنْقِيبُ وَالتَّجَسُّسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ، بَلْ إِنْ رَأَى شَيْئًا غَيَّرَهُ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُحْتَسِبِ أَوْ غَيْرِهِ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِالْمُنْكَرِ بِأَمَارَةٍ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ، فَذَلِكَ ضَرْبَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ تَدَارُكُهَا، بِأَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ يَثِقُ بِصِدْقِهِ أَنَّ رَجُلًا خَلَا بِرَجُلٍ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ بِامْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيَجُوزُ التَّجَسُّسُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْإِنْكَارِ، وَالثَّانِي: مَا قَصَرَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْكَشْفُ وَالتَّجَسُّسُ.