المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وكانت له مائة شاة. لا يريد (1) أن تزيد، كلَّما ولَّد - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه

- ‌فصلفي حواضنه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي مبعثه وأول ما أُنزِل عليه

- ‌فصل في ترتيب الدعوة

- ‌فصلفي أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي ذكر الهجرة(2)الأولى والثانية

- ‌فصلفي أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أعمامه وعماته

- ‌فصلفي أزواجه

- ‌فصلفي سراريِّه

- ‌فصلفي مواليه

- ‌فصلفي خُدَّامه

- ‌فصلفي كُتّابه

- ‌فصلفي كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع

- ‌فصلفي رسله صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى الملوك

- ‌فصلفي مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمرائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حَرَسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفيمن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌فصلفيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه

- ‌فصلفي شعرائه وخطبائه

- ‌فصلفي غزواته وبعوثه وسراياه

- ‌فصلفي دوابه

- ‌فصلفي ملابسه

- ‌فصلفي هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قصِّ الشارب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌فصول في هديه في العبادات

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة

- ‌ جلسة الاستراحة

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

- ‌فصلفي مبدأ الجمعة

- ‌ الثالثة: صلاة الجمعة

- ‌ الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها

- ‌ الخامسة: التطيُّب فيه

- ‌ السادسة: السِّواك فيه

- ‌ السابعة: التبكير إلى الصلاة

- ‌ التاسعة: الإنصات للخطبة

- ‌ العاشرة: قراءة سورة الكهف

- ‌العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

- ‌الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌ الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف

الفصل: وكانت له مائة شاة. لا يريد (1) أن تزيد، كلَّما ولَّد

وكانت له مائة شاة. لا يريد

(1)

أن تزيد، كلَّما ولَّد الراعي بَهْمةً ذبح

(2)

مكانها شاةً.

وكانت له سبعُ أعنُز منائح ترعاهن أمُّ أيمن.

‌فصل

في ملابسه

صلى الله عليه وسلم

كانت له عِمامة تسمى: السَّحاب، كساها عليًّا. وكان يلبسها تحت القلنسوة

(3)

. وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة، ويلبس العمامة بغير قلنسوة.

وكان إذا اعتمَّ أرخى عمامته بين كتفيه، كما روى مسلم في «صحيحه»

(4)

(1)

هكذا في ص، ج و «مختصر ابن جماعة» (ص 141) و «عيون الأثر» (1/ 141). وفي ق، ك، ع، مب:«وكان لا يريد» .

(2)

في ص، ج:«كلما ولد بهمة ذبح الراعي» ، وفي ك، ع:«كلما ولد الراعي بهمة ذبح الراعي» . والمثبت من ق، مب موافق لما جاء في المصدرين المذكورين. وقد أخرجه الشافعي في «الأم» (2/ 60) وأحمد (16384، 17846) والبخاري في «الأدب المفرد» (166) وأبو داود (142) من حديث لقيط بن صبرة، وصححه ابن حبان (1054) والحاكم (4/ 110).

(3)

كذا في جميع الأصول، وهو سبق قلم، ويشبه ما يحكون في كتب النحو من أمثلة القلب كقولهم: أدخلتُ القلنسوةَ في رأسي، وقولهم: خرق الثوبُ المسمار، وكسر الزجاجُ الحجر! وفي «مختصر ابن جماعة» (ص 128):«وكان يلبس تحتها القلانس اللاطية» . وفي الطبعة الهندية وغيرها: «وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة» ، وهو إصلاح ناسخ أو ناشر.

(4)

برقم (1359/ 453) من طريق أبي أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه. قد اختلف في لفظ هذا الحديث، فليس في جُلِّ طرقه ذكر الإرخاء، وفي بعضها زيادة أنه كان يوم الفتح. ولعل الأشبه عدم ذكر الأمرين في حديث عمرو بن حريث. ينظر:«صحيح مسلم» (1359/ 452) و «مسند الحميدي» (576) و «ابن أبي شيبة» (25450، 25481) و «سنن أبي داود» (4077) و «شمائل الترمذي» (115، 116) و «السنن الكبرى» للنسائي (9674، 9675) و «سنن ابن ماجه» (2821، 3587) و «مسند أبي يعلى» (1459، 1460) و «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم» لأبي الشيخ (2/ 187) و «دلائل النبوة» للبيهقي (5/ 68).

ص: 132

عن عمرو بن حُريث قال: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه.

وفي مسلم

(1)

أيضًا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء.

ولم يذكر في حديث جابر: ذؤابةً، فدلَّ على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. وقد يقال: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه أُهبة القتال، والمِغفَرُ على رأسه

(2)

، فلبِس في كلِّ موطن ما يناسبه

(3)

.

وكان شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه يذكر في سبب الذؤابة شيئًا بديعًا، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اتخذها صبيحة المنام الذي رآه بالمدينة لما رأى ربَّ العزة تبارك وتعالى، «فقال: يا محمد، فيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. فوضع يده بين كتفيَّ، فعلمتُ ما بين السماء

(1)

برقم (1358).

(2)

كما في حديث أنس الذي أخرجه البخاري (1846) ومسلم (1357). وللتوفيق بين ذكر المغفر وذكر العمامة انظر: «فتح الباري» (4/ 61 - 62).

(3)

«القرمانية» لشيخ الإسلام ضمن «جامع المسائل» (7/ 147) وهي عمدة المؤلف في هذه الفصول.

ص: 133

والأرض

» الحديث، وهو في الترمذي

(1)

، وسأل

(2)

عنه البخاريَّ فقال: صحيح. قال: فمن تلك الغداة أرخى الذؤابة بين كتفيه صلى الله عليه وسلم. وهذا من العلم الذي تنكره ألسنةُ الجهَّال وقلوبُهم. ولم أر هذه الفائدة في شأن الذؤابة لغيره.

ولبس القميص، وكان أحبَّ الثياب إليه، وكان كمُّه إلى الرُّسْغ.

ولبِس الجُبَّةَ، والفَرُّوجَ وهو شبه القَباء

(3)

، والفَرَجيَّةَ [*]

(4)

، ولبِس القَباء أيضًا. ولبِس في السفر جبّةً ضيقة الكمَّين.

ولبِس الإزار والرداء. قال الواقدي

(5)

: كان رداؤه بُرْدةً طول ستة أذرع في ثلاثة وشبر، وإزاره من نسج عُمَان طول أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر.

ولبِس حُلَّةً حمراء. والحُلَّة: إزار ورداء، ولا تكون الحُلَّة إلا اسمًا للثوبين معًا. وغلِط من ظنَّ أنها كانت حمراء بحتًا لا يخالطها غيرها، وإنما الحُلَّة الحمراء: بردان يمانيان منسوجان بخطوط حُمْر مع الأسود، كسائر

(1)

برقم (3234) من حديث ابن عباس. وأخرج أيضًا بنحوه (3235) من حديث معاذ بن جبل، وهو الذي حكم عليه الترمذي بالصحة وسأل عنه البخاري.

(2)

ص، ج:«وسئل» ، وكذا في المطبوع.

(3)

قالوا: هو القباء المشقوق من خلفه. قال المقريزي في «الإمتاع» (6/ 386): ويسمِّيه أهل زماننا «المفرَّج» . وانظر: «فتح الباري» (10/ 279).

(4)

هي ثوب واسع مفرَّج من قدامه من أعلاه إلى أسفله، يلبس فوق سائر الثياب ولم ترد الكلمة في الحديث ولا وجدتها في كتب اللغة. وانظر:«تكملة دوزي» (8/ 34) و «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص 352) وحاشية «رسوم دار الخلافة» (ص 96).

(5)

رواه عنه ابن سعد في «الطبقات» (1/ 215). وانظر: «مختصر ابن جماعة» (ص 129).

[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الصواب "الفرجيةِ"، بالجر معطوف على القباء، أي: شبه القباء والفرجية، وهذا المعنى مستفاد من كلام ابن تيمية، انظر: جامع المسائل-المجموعة السابعة (ص 124) أو القرمانية (ص 20).

ص: 134

البرود اليمنية. وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحُمْر، وإلا فالأحمر البحت منهيٌّ عنه أشدَّ النهي، ففي «صحيح البخاري»

(1)

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المَيَاثر

(2)

الحُمْر.

وفي «سنن أبي داود»

(3)

عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه رَيطةً

(4)

مضرَّجةً بالعُصْفُر فقال: «ما هذه الريطة عليك؟» . قال: فعرفتُ ما كره، فأتيتُ أهلي وهم يسجُرون تنُّورًا لهم، فقذفتُها فيها

(5)

. ثم أتيته من الغد فقال: «يا عبد الله ما فعلتِ الرَّيطة؟» ، فأخبرته، فقال:«هلَّا كسوتَها بعضَ أهلك، فإنه لا بأس بها للنساء» .

وفي «صحيح مسلم»

(6)

عنه أيضًا، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين، فقال:«إنَّ هذه من لباس الكفار، فلا تلبسها» .

وفي «صحيحه»

(7)

أيضًا عن علي رضي الله عنه قال: نهاني النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن لباس

(1)

برقم (5849).

(2)

فسَّرها علي رضي الله عنه في حديث مسلم (2078) بأنها «شيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطائف الأرجوان» . وهي جمع مِيثرة من الوثارة، والوثير هو الفراش الوطيء.

(3)

برقم (4066)، وأخرجه أحمد (6852) وابن ماجه (3603)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وإسناده إلى عمرو صحيح، والحديث صححه الحاكم (4/ 190).

(4)

الريطة: الملاءة التي ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق ليّن.

(5)

يعني: في النار.

(6)

برقم (2077).

(7)

برقم (2078).

ص: 135

المُعَصْفَر. ومعلوم أن ذلك إنما يُصبَغ صِباغًا أحمر.

وفي بعض «السنن» أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى على رواحلهم أكسيةً فيها خيوطُ عِهنٍ حُمْرٌ

(1)

، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ألا أرى هذه الحمرةَ قد عَلَتْكم» . فقمنا سراعًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفَر بعضُ إبلنا، فأخذنا الأكسيةَ، فنزعناها عنها. رواه أبو داود

(2)

.

وفي جواز لُبْس الأحمر من الثياب والجُوخ

(3)

وغيرها نظرٌ. وأما كراهته، فشديدة جدًّا، فكيف يُظَنُّ بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه لبس الأحمر القانئ؟ كلَّا، لقد أعاذه الله منه. وإنما وقعت الشبهة من لفظ «الحُلَّة الحمراء»

(4)

، والله أعلم.

ولبِس الخَميصة

(5)

المُعْلَمة والساذجة. ولبِس ثوبًا

(6)

أسود.

ولبِس الفروة المكفوفة بالسُّندُس. فروى

(7)

الإمام أحمد وأبو داود

(8)

(1)

في النسخ المطبوعة: «فيها خطوط حمراء» .

(2)

برقم (4070)، وأخرجه أحمد (15807) والطبراني (4/ 288)، كلهم من حديث رافع بن خديج. ومداره على رجلٍ من بني حارثة؛ مبهمٌ.

(3)

الجوخ: نسيج صفيق من الصوف. انظر: «معجم دوزي» (2/ 329) و «المعجم العربي لأسماء الملابس» (ص 119).

(4)

وانظر: «تهذيب السنن» (3/ 60) و «شرح العمدة» لشيخ الإسلام (2/ 386 - 389).

(5)

نقل أبو عبيد في «غريب الحديث» (1/ 283) قول الأصمعي: «إن الخمائص ثياب من خزٍّ أو صوف معلَم، وهي سود، كانت من لباس الناس» .

(6)

ص، ج:«بردًا» ، وقد غيَّره بعضهم في ص إلى «ثوبًا» .

(7)

ك، ع:«وروى» .

(8)

أحمد (13400، 13626) وأبو داود (4047)، ومدار الحديث على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا أحمد (13148) من طريق قتادة عن أنس، وصححه ابن حبان (7038)، وفيه:«أن أُكيدرَ دُومةَ أهدى» ــ وهذا القدر علَّقه البخاري (2616) بصيغة الجزم ــ، وفيه أيضًا بيان أن اللبس كان قبل نهي لبس الحرير. وأخرجه أيضًا البخاري (2615) ومسلم (2469)، ولكن ليس فيه ذكر من أهدى ولا أنه لبسه. ولعل زيادة اللبس غير صحيحة، ويؤيده سياق الشيخين، ففيه: «أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبة من سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال:

». وكذلك أخرجه البخاري (3802) ومسلم (2468) من حديث البراء بن عازب مثل حديث أنس بن مالك دون ذِكر مَن أهداه ولُبسِه.

ص: 136

بإسنادهما عن أنس بن مالك أن ملِك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مُسْتَقَةً من سُندس، فلبِسَها. قال: فكأنِّي أنظر إلى يديه تَذَبْذَبان.

قال الأصمعي: المساتق: فِراءٌ

(1)

طوال الأكمام. قال الخطَّابي

(2)

: يشبه أن تكون هذه المُسْتقة مكفوفةً

(3)

بالسندس، لأن الفروة لا تكون سندسًا.

فصل

(4)

واشترى صلى الله عليه وسلم سراويل، والظاهر أنه إنما اشتراها ليلبسها. وقد روي في غير حديث أنه لبِس السراويل

(5)

، وكانوا يلبسون السراويلات بإذنه.

(1)

في الأصول: «فرى» بالألف المقصورة.

(2)

في «معالم السنن» (4/ 191) وقول الأصمعي منقول منه. وانظر: «غريب أبي عبيد» (1/ 283).

(3)

في «معالم السنن» : «مكفَّفة» . وكفَّف القميص بالحرير: عمل على ذيله وأكمامه وجيبه كِفافًا من حرير. وكِفاف الثوب: حاشيته وأطرافه.

(4)

من قوله: «ولبس الفروة المكفوفة

» إلى هنا لم يرد في ج، وقد أضيف في حاشية ص. فهذه العبارة أيضًا مما ألحقه المصنف فيما بعد.

(5)

قال الشمني في حاشيته على «الشفا» للقاضي عياض (1/ 133): «وفي الهدي أنه لبسها. قالوا: وهو سبق قلم» . ولعل ابن القيم قصد ما رواه أبو يعلى (6162) والطبراني في «الأوسط» (6594) من حديث أبي هريرة وفيه: قلت: يا رسول الله، وإنك لتلبس السراويل؟ قال:«نعم، في السفر والحضر وبالليل والنهار، فإني أمرت بالتستُّر، فلم أر شيئًا أستر منه» . وهو ضعيف جدًّا، بل أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» (3/ 45). وانظر:«الضعيفة» للألباني (1/ 204 - 206).

ص: 137

ولبس الخفَّين، ولبس النعل الذي يسمَّى: التاسُومة

(1)

.

ولبس الخاتم، واختلفت الأحاديث هل كان في يمناه أو يسراه

(2)

، وكلُّها صحيحة السند

(3)

.

ولبس البيضة التي تسمَّى: الخُوذة. ولبس الدِّرع الذي يُسمَّى

(4)

: الزَّرْديَّة، وظاهَرَ يوم أحد بين درعين.

وفي «صحيح مسلم»

(5)

عن أسماء بنت أبي بكر قالت: هذه جُبَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخرجَتْ جبَّةَ طيالِسةٍ خُسْرَوانيَّةٍ

(6)

، لها لِبْنةُ ديباج، وفَرْجاها مكفوفان

(1)

في «النهاية في غريب الحديث» (5/ 83): «النَّعل مؤنثة، وهي التي تلبس في المشي، تسمَّى الآن: تاسومة» . وأصلها في التركية: «تاسْمه» ومنها في الفارسية، ويقال أيضًا:«تَسْمَه» ، وتعني: الجلد غير المدبوغ، والسَّير الذي يُقَدّ من الجلد. انظر:«برهانِ قاطع» للتبريزي (1/ 459، 496): حاشية المحقق.

(2)

ك، ع، ن:«في يسراه» .

(3)

أخرج البخاري (5876) ومسلم (2091) من حديث ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم لبسه في يده اليمنى. وكذا في حديث أنس في «صحيح مسلم» (2094)، وفي حديثه الآخر فيه (2095) ذكر اليسرى.

(4)

كذا في الأصول، والأكثر في درع الحديد التأنيث. انظر:«المذكر والمؤنث» لابن الأنباري (1/ 473).

(5)

برقم (2069/ 10).

(6)

هذه رواية الهوزني (المشارق 1/ 348) وابن ماهان (المفهم 5/ 393). وقد غيَّرها بعضهم في ج إلى «كسروانية» ، وكذا في المطبوع، وهي المشهورة، وضبط في ج، ق:«طيالسةً خسروانيةً» بالنصب. والطيالسة جمع طَيلَسان.

ص: 138

بالديباج، فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قُبضت، فلما قُبِضت قبضتُها. وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يُسْتشفَى بها.

وكان له صلى الله عليه وسلم بُردان أخضران، وكساء أسود، وكساء أحمر ملبَّد، وكساء من شَعْر.

وكان قميصه من قطن، وكان قصيرَ الطول قصيرَ الكُمِّ، وأما هذه الأكمام الواسعة الطِّوال التي هي كالأخراج

(1)

، فلم يلبَسها هو ولا أحدٌ من أصحابه البتة. وهي مخالفة لسنَّته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء

(2)

.

وكان أحبَّ الثياب إليه القميصُ، والحِبرَةُ وهي ضرب من البرود فيه حمرة.

وكان أحبَّ الألوان إليه البياض، وقال:«هي من خير ثيابكم، فالبسوها وكفِّنوا فيها موتاكم»

(3)

. وفي «الصحيح»

(4)

عن عائشة أنها أخرجت كساءً

(1)

جمع الخُرْج، وهو الوعاء ذو العدلين الذي يوضع على ظهر الدابة لوضع الأمتعة فيه. وقد نقل البهوتي هذا النص في «كشاف القناع» (1/ 278) وزاد بعد «كالأخراج»:«وعمائم كالأبراج» !

(2)

وانظر: «القرمانية» ضمن «جامع المسائل» (7/ 147 - 148).

(3)

أخرجه أحمد (2047، 2219) وأبو داود (3878) والترمذي (994) وابن ماجه (1472، 3566) من حديث عبد الله بن عباس. وفيه عبد الله بن عثمان بن خثيم، صدوق لا بأس به. والحديث صححه الترمذي وابن حبان (5423) والحاكم (1/ 354). وله شاهد صحيح من حديث سمرة بن جندب، أخرجه أحمد (20140، 20235) والنسائي (1896، 5322، 5323)، صححه الحاكم (4/ 185).

(4)

البخاري (3108) ومسلم (2080)، وهذا اللفظ الوارد في الأصول والطبعة الهندية للبخاري، فغيَّروه في الطبعات الأخرى إلى لفظ مسلم:«قُبض روح رسول الله» .

ص: 139

ملبَّدًا وإزارًا غليظًا، فقالت: نُزِعَ روحُ النبي صلى الله عليه وسلم في هذين.

ولبس خاتمًا من ذهب، ثم رمى به، ونهى عن التختُّم بالذهب. ثم اتخذ خاتمًا من فضة، ولم ينهَ عنه

(1)

.

وأما حديث أبي داود

(2)

أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أشياء، وذكر منها:«ونهى عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان» ، فلا أدري ما حال الحديث، ولا وجهه، فالله أعلم.

وكان يجعل فصَّ خاتمه مما يلي باطن كفِّه.

وذكر الترمذي

(3)

أنه كان إذا دخل الخلاء نزع خاتمه، وصحَّحه. وأنكره أبو داود

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري (5865، 5866) من حديث ابن عمر. وانظر: «تهذيب السنن» (3/ 77 - 79).

(2)

برقم (4049)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (9313)، من حديث أبي ريحانة رضي الله عنه. وفيه أبو عامر المعافري، مجهول، وعليه مدار الحديث.

(3)

برقم (1746). وكذلك صححه ابن حبان (1413) وابن التركماني (1/ 95). وقال المنذري كما في «التلخيص الحبير» (1/ 284): «الصواب عندي تصحيحه، فإن رواته ثقات أثبات» . وقال المؤلف في «تهذيب السنن» (1/ 28): «غايته أن يكون غريبًا، وأما أن يكون منكرًا أو شاذًّا فلا» . ولكن كل ما ذكروه في تقويته لا يقاوم تعليل الأئمة الحفاظ النقاد، انظر التعليق الآتي.

(4)

عقب الحديث (19)، وزاد أبو داود:«وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتمًا من ورق ثم ألقاه. والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام» . ورواية زياد بن سعد أشار إليه البخاري عقب (5868) ورواه مسلم (2093/ 60). وتابع أبا داود البيهقيُّ (1/ 94، 95) ثم ذكر له شاهدًا وضعفه أيضًا. وبمثل كلام أبي داود قال الدارقطني في «علله» (2587) وأطال النفس جدًّا. وقال النسائي في «الكبرى» عقب (9470): «وهذا الحديث غير محفوظ، والله أعلم» .

ص: 140

وأما الطَّيلَسان، فلم يُنقَل عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبسه ولا أحد من أصحابه. بل قد ثبت في «صحيح مسلم»

(1)

من حديث النوَّاس بن سَمعان

(2)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الدجال فقال: «يخرج معه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، عليهم الطيالسة» . ورأى أنس جماعةً عليهم الطيالسة، فقال: ما أشبَهَهم بيهود خيبر

(3)

!

ومن هاهنا كره لبسَها جماعةٌ من السلف والخلف، لما روى أبو داود والحاكم في «المستدرك»

(4)

عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَن تَشبَّه بقوم فهو منهم» . وفي الترمذي

(5)

عنه صلى الله عليه وسلم: «ليس منَّا مَن تَشبَّه بغيرنا» .

(1)

برقم (2944).

(2)

كذا في الأصول جميعًا، وكذا نُقل من كتابنا في «فتح الباري» (10/ 274) و «المواهب اللدنية» (2/ 200) و «سبل الهدى» (7/ 289). وهو سهو، فإن الحديث المذكور عن أنس بن مالك رضي الله عنه كما أثبت في طبعة الرسالة دون تنبيه.

(3)

أخرجه البخاري (4208) بلفظ: «كأنهم الساعةَ يهود خيبر» .

(4)

أبو داود (4031)، وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب. ولم أجده في مطبوعة «المستدرك» ولا مَن عزا إليه.

(5)

برقم (2695) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، من طريق قتيبة عن ابن لهيعة عنه. وضعفه الترمذي وعلله بقوله:«وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة، فلم يرفعه» . ويشهد لمعناه الحديث السابق.

ص: 141

وأما ما جاء في حديث الهجرة

(1)

أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر متقنِّعًا بالهاجرة، فإنما فعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعَله للحاجة.

ولم تكن عادته التقنُّع. وقد ذكر أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر القِناع

(2)

، وهذا إنما كان يفعله ــ والله أعلم ــ للحاجة من الحرّ ونحوه. وأيضًا فليس التقنُّع هو التطيلُس

(3)

.

فصل

وكان أغلب ما يلبس النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما نُسِج من القطن، وربما لبسوا ما نُسِج من الصوف والكتَّان.

وذكر أبو الشيخ

(4)

الأصبهاني

(5)

بإسناد صحيح عن حابس بن أيوب

(6)

قال: دخل الصَّلْت بن راشد على محمد بن سيرين، وعليه جبة صوف، وإزار صوف، وعمامة صوف؛ فاشمأزَّ عنه محمد، وقال: أظن

(1)

أخرجه البخاري (3905، 5807) من حديث عائشة.

(2)

أخرجه الترمذي في «الشمائل» (33، 126)، والحديث ضعيف، وسيأتي تمام تخريجه في فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها (ص 188).

(3)

نوقش المؤلف فيما ذكره في لبس الطيلسان. انظر: «فتح الباري» وغيره من المصادر المذكورة آنفًا.

(4)

في النسخ المطبوعة: «الشيخ أبو إسحاق» ، وهو غلط.

(5)

في كتابه «أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم» (2/ 234).

(6)

كذا في ق، ج. وفي ص:«حليس» مع علامة الاستشكال (ظ) فوقه، يعني: ينظر. وفي ك: «خليس» . وخربشه بعضهم في ع. وفي النسخ المطبوعة: «جابر بن أيوب» . وفي كتاب أبي الشيخ: «جليسٌ لأيوب» ، وهو مبهم.

ص: 142

أقوامًا

(1)

يلبسون الصوف يقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم. وقد حدثني من لا أتهم أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتَّان، والصوف، والقطن؛ وسنَّةُ نبيِّنا أحق أن تُتَّبَع.

ومقصود ابن سيرين بهذا أن أقوامًا يرون أن لبس الصوف دائمًا أفضل من غيره، فيتحرَّونه، ويمنعون أنفسهم من غيره. وكذلك يتحرَّون زيًّا واحدًا من الملابس، ويتحرَّون رسومًا وأوضاعًا وهيئاتٍ يرون الخروج عنها منكرًا؛ وليس المنكر إلا التقيُّد بها، والمحافظة عليها، وترك الخروج عنها.

والصواب: أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنَّها، وأمَر بها، ورغَّب فيها، وداوم عليها. وهي أنَّ هديه في اللباس أن يلبس ما تيسَّر من اللباس من الصوف تارةً، والقطن تارةً، والكتَّان تارةً.

ولبِس البرود اليمانية، والبرد الأخضر. ولبِس الجبة والقبَاء، والقميص والسراويل، والإزار والرداء، والخفَّ والنعل. وأرخى الذؤابة من خلفه تارةً، وتركها تارةً. وكان يتلحَّى بالعمامة تحت الحنَك.

وكان إذا استجدَّ ثوبًا سمَّاه باسمه، وقال:«اللهمَّ أنتَ كسوتني هذا القميصَ أو الرداء أو العمامة، أسألك خيرَه وخيرَ ما صُنِع له، وأعوذ بك من شرِّه وشرِّ ما صُنِع له»

(2)

.

(1)

ق، مب:«أن أقوامًا» .

(2)

أخرجه أحمد (11248، 11469) وأبو داود (4020) والترمذي (1767) والنسائي في «الكبرى» (10068) وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري، وفيه سعيد بن إياس الجريري، مختلط؛ كل من روى عنه هذا الحديث مسندًا سمع منه بعد الاختلاط. وكل من رواه عنه قبل الاختلاط رواه مرسلًا. يُنظر:«مصنف ابن أبي شيبة» (30378) و «سنن أبي داود» عقب (4020) و «السنن الكبرى» للنسائي (10069). وانظر أيضًا: «طبقات ابن سعد» (9/ 260) وتعليق محقق «مصنف ابن أبي شيبة» (30378، 29968) طبعة دار القبلة.

ص: 143

وكان إذا لبس قميصه

(1)

بدأ بميامنه

(2)

.

ولبس الشَّعر الأسود، كما روى مسلم في «صحيحه»

(3)

عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه مِرْطٌ مرحَّلٌ

(4)

من شَعر أسود.

وفي «الصحيحين»

(5)

عن قتادة: قلنا لأنس: أيُّ اللِّباس كان أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: «الحِبَرة» . والحِبَرة: من

(6)

برود اليمن، فإن غالب لباسهم كان من نسج اليمن لأنها قريبة منهم. وربما لبسوا ما يُجلب من الشام ومصر كالقَباطيِّ المنسوجة من الكتَّان التي كانت تنسِجها القبط.

وفي «سنن النسائي»

(7)

عن عائشة أنها جعلت للنبي صلى الله عليه وسلم بردةً من صوف فلبسها، فلما عرِق فوجد ريحَ الصوف طرَحها، وكان يحبُّ الريح الطيِّبة.

(1)

ك، ع:«قميصًا» ، وقد غيَّره بعضهم في ع إلى ما أثبت.

(2)

«وكان

بميامنه» لم يرد في ج، وقد ألحق في حاشية ص.

(3)

برقم (2081، 2424).

(4)

أي كساء فيه صور الرِّحال. وفي ق، مب:«مرجَّل» بالجيم، تصحيف.

(5)

البخاري (5812، 5813) ومسلم (2079) واللفظ له.

(6)

ص، ج:«هي» ، والكلمة ساقطة من ق.

(7)

في «الكبرى» (9488، 9582)، وأخرجه إسحاق بن راهويه في «مسنده» (1325) وأحمد (25003) وأبو داود (4074)، والحديث صحيح.

ص: 144

وفي «سنن أبي داود»

(1)

عن عبد الله بن عباس قال: لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ ما يكون من الحُلَل.

وفي «سنن النسائي»

(2)

عن أبي رِمْثة قال: «رأيت النبيَّ

(3)

صلى الله عليه وسلم يخطب وعليه بردان أخضران». والبرد الأخضر: هو الذي فيه خطوط خُضْر، وهو كالحُلَّة الحمراء سواء. فمن فهم من الحُلَّة الحمراء الأحمرَ البحتَ فينبغي أن يقول: إنَّ البرد الأخضر أخضر بحتًا؛ وهذا لا يقوله أحد.

وكان

(4)

مِخدَّته صلى الله عليه وسلم من أدَمٍ حشوُها ليف

(5)

. فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهُّدًا وتعبُّدًا، بإزائهم طائفةٌ قابلوهم، فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب، ولم يأكلوا إلا ألين الطعام، فلا يرون لُبسَ الخشن ولا أكلَه تكبُّرًا وتجبُّرًا. وكلا الطائفتين

(6)

هديُه مخالفٌ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال

(1)

برقم (4037)، وأخرجه الطبراني (12878، 12884) والحاكم (2/ 179، 4/ 299) مطولًا. وإسناده حسن، وصححه الحاكم، واختاره الضياء (10/ 416).

(2)

في «المجتبى» (1572) و «الكبرى» (1794)، وأخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (7111) وأبو داود (4065، 4206) والترمذي (2812) وحسنه، وصححه ابن حبان (5995) والحاكم (2/ 607).

(3)

ك، ع:«رسول الله» .

(4)

كذا في الأصول والطبعة الهندية. وفي غيرها: «كانت» .

(5)

أخرجه البخاري (6456) ومسلم (2082) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(6)

ك، ع:«فكلا الطائفتين» . وكذا وقع في جميع الأصول والنسخ المطبوعة بدلًا من «كلتا الطائفتين» ، وله نظائر كثيرة في كتب المؤلف وشيخه، من أثر اللغة الدارجة. انظر تعليقي على «طريق الهجرتين» (2/ 505).

ص: 145

بعض السلف: كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب: العالي والمنخفض

(1)

.

وفي «السنن»

(2)

عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن لبِس ثوبَ شهرةٍ ألبسه الله يومَ القيامة ثوبَ مَذَلَّةٍ، ثم تُلهَّب فيه النار»

(3)

. وهذا لأنه قصد به الاختيال والفخر، فعاقبه الله بنقيض ذلك، فأذلَّه؛ كما عاقب

(4)

من أطال ثيابه خُيَلاء بأن خسَف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة

(5)

.

وفي «الصحيحين»

(6)

عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جرَّ ثوبه خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة» .

وفي «السنن»

(7)

أيضًا عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإسبالُ في الإزار،

(1)

حكاه شيخ الإسلام في «القرمانيّة» ضمن «جامع المسائل» (7/ 141). وأخرج ابن أبي الدنيا في «التواضع» (64) و «إصلاح المال» (403) عن سفيان الثوري قال: «كانوا يكرهون الشهرتين: الثياب الجياد

والثياب الرديئة

».

(2)

أبو داود (4029) والنسائي في «الكبرى» (9487) وابن ماجه (3606) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه أحمد (5664، 6245)، وفيه شريك بن عبد الله القرشي المدني، صدوق يخطئ، ومهاجر الشامي، فيه لين. وخالف شريكًا أبو عوانة فيما رواه أبو داود (4029، 4030) حيث وقفه على ابن عمر، وفيه أيضًا مهاجر الشامي. ورجح أبو حاتم الوقف كما في «العلل» (1471). وله شواهد يتحسَّن بمجموعها الحديث إن شاء الله من قول ابن عمر، وله حكم المرفوع إذ لا يقال مثله من قبل الرأي.

(3)

ما عدا ع: «في النار» . وفي ق، مب، ن:«تلتهب» .

(4)

ج: «يعاقب» ، ولعله سهو.

(5)

كما في حديث أبي هريرة في البخاري (5789) ومسلم (2088).

(6)

البخاري (3665، 5783، 5784) ومسلم (2085).

(7)

أبو داود (4094) ــ من طريق هناد بن السري وهو في «زهده» (847) ــ والنسائي في «المجتبى» (5334) و «الكبرى» (9637) وابن ماجه (3576) من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد عن سالم عن أبيه. وابن أبي روّاد صدوق فيه لين، وقد تفرد بزيادة:«الإسبال في الإزار والقميص والعمامة» دون سائر أصحاب سالم الذين لم يذكروها، وحديثهم في «الصحيحين» وغيرهما. فهذه الزيادة منكرة، والصحيح الموقوف على ابن عمر، وهو الحديث الآتي.

ص: 146

والقميص، والعمامة. من جرَّ شيئًا منها خُيَلاءَ لم ينظر الله إليه يوم القيامة».

وفي «السنن»

(1)

عن ابن عمر أيضًا قال: ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإزار فهو في القميص.

وكذلك لُبْس الدنيء من الثياب يُذَمُّ في موضع، ويُحمَد في موضع. فيُذَمُّ إذا كان شهرةً وخيلاء، ويُمدَح إذا كان تواضعًا واستكانةً؛ كما أنَّ لُبْس الرفيع من الثياب يُذَمُّ إذا كان تكبُّرًا وفخرًا وخيلاء، ويُمدَح إذا كان تجمُّلًا وإظهارًا لنعمة الله.

ففي

(2)

«صحيح مسلم»

(3)

عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقالُ حبَّة خَردل من كِبْر، ولا يدخل النارَ من كان في قلبه مثقالُ حبَّة خَردل من إيمان» ، فقال رجل: يا رسول الله، إني أُحِبُّ أن يكون ثوبي حسنًا ونعلي حسنةً

(4)

، أفمن الكبر ذاك؟ فقال: «لا،

(1)

برقم (4095) من طريق هناد وهو في «زهده» (848)، وأخرجه أحمد (5891، 6220)، والحديث صحيح.

(2)

ص: «وفي» .

(3)

برقم (91).

(4)

ص، ج:«حسنًا» .

ص: 147

إن الله جميل يُحِبُّ الجمال، الكِبْرُ بطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس»

(1)

.

فصل

وكذلك كان هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في الطعام: لا يرُدُّ موجودًا، ولا يتكلَّف مفقودًا. فما قُرِّب إليه شيءٌ من الطيبات إلا أكله، إلا أن تعافَه نفسُه فيتركه من غير تحريم. وما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه، كما ترك أكل الضَّبِّ لما لم يعتَدْه. ولم يحرِّمه على الأمة، بل أُكِل على مائدته وهو ينظر.

وأكَلَ الحلوى والعسل وكان يحبُّهما. وأكل لحم الجَزور والضَّأن والدَّجاج، ولحم الحُبارى، ولحم حمار الوحش والأرنب

(2)

، وطعام البحر. وأكل الشِّواء

(3)

، وأكل الرُّطَب والتمر.

وشرب اللبن خالصًا ومَشُوبًا، والسَّويق، والعسل بالماء. وشرب نقيعَ التمر.

وأكل الخَزيرة، وهي حِساء يُتَّخَذ من اللبن والدقيق. وأكل القِثَّاء بالرُّطَب. وأكل الأَقِط. وأكل التمر بالخبز، وأكل الخبز والخلَّ

(4)

. وأكل الثريد، وهو الخبز باللحم. وأكل الخبز بالإهالة، وهي الودك، وهو الشحم المُذاب. وأكل من الكبد المشويَّة، وأكل القَدِيد. وأكل الدُّبَّاء المطبوخة

(1)

ص: «غمض الناس» ، وصوابه بالصاد المهملة كما جاء في بعض المصادر.

(2)

ما عدا ق، مب، ن:«وحمار الوحش ولحم الأرنب» ، وكأن كلمة «لحم» وردت في حاشية الأصل، فاختلفت النسخ في موضعها في المتن.

(3)

رسمت في ص، ج بالألف المقصورة.

(4)

غُيِّر في ن إلى: «بالخل» .

ص: 148

وكان يحبُّها، وأكل المسلوقة. وأكل الثَّريد بالسَّمن، وأكل الجبن، وأكل الخبز بالزيت، وأكل البطِّيخ بالرُّطَب. وأكل التمر بالزُّبْد، وكان يحبه.

فلم يكن يرُدُّ طيِّبًا، ولا يتكلَّفه؛ بل كان هديُه أكلَ ما تيسَّر، فإن أعوَزه صبَر حتى إنه ليربِط على بطنه الحجرَ من الجوع، ويُرَى الهلالُ والهلالُ والهلالُ، فلا يوقد في بيته صلى الله عليه وسلم نار!

وكان مطعمُه

(1)

يوضع على الأرض في السُّفَر، وهي كانت مائدته. وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقها إذا فرغ، وهو أشرف ما يكون من الأَكْلة؛ فإن المتكبِّر يأكل بأصبع واحدة، والجَشِع الحريص يأكل بالخمس ويدفع بالراحة.

وكان لا يأكل متكئًا. والاتكاء ثلاثة أنواع، أحدها: الاتكاء على الجنب، والثاني: التربُّع

(2)

، والثالث: الاتكاء على إحدى يديه وأكله بالأخرى، والثلاثة مذمومة.

وكان يسمِّي الله على أول طعامه، ويحمده في آخره فيقول عند انقضائه: «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، غيرَ مكفيٍّ ولا مودَّع ولا مستغنًى عنه، ربَّنا

(3)

»

(4)

.

وربما قال: «الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم. منَّ علينا، فهدانا،

(1)

في النسخ المطبوعة: «معظم مطعمه» بزيادة لفظ «معظم» .

(2)

ك، ع:«التربيع» .

(3)

«ربنا» من ق، مب، ن.

(4)

أخرجه البخاري (5458) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

ص: 149

وأطعمنا، وسقانا، وكلَّ بلاءٍ حسنٍ أبلانا. الحمد لله الذي أطعَم من الطعام، وسقى من الشراب، وكسا من العُرْي، وهدَى من الضلالة، وبصَّر من العمَى، وفضَّل على كثير ممن خلق تفضيلًا. الحمد لله رب العالمين»

(1)

.

وربما قال: «الحمد لله الذي أطعَم وسقَى وسوَّغه»

(2)

.

وكان إذا فرغ من طعامه لعِق أصابعه. ولم يكن لهم مناديل يمسحون بها أيديهم، ولم تكن عادتهم غسل أيديهم كلَّما أكلوا

(3)

.

وكان أكثر شربه قاعدًا، بل زجَر عن الشرب قائمًا. وشرب مرةً قائمًا، فقيل: هذا نسخٌ لنهيه، وقيل: منسوخ به

(4)

، وقيل: بل فعله بيانًا لجواز الأمرين. والذي يظهر فيه ــ والله أعلم ــ أنها واقعةُ عينٍ شرب فيها قائمًا لعذر. وسياق القصة

(5)

يدل عليه، فإنه أتى زمزمَ، وهم يسقُون منها

(6)

، فأخذ

(1)

أخرجه النسائي في «الكبرى» (10060) والطبراني في «الدعاء» (896) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (485) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن حبان (5219) والحاكم (1/ 546)، وحسن إسناده الألباني في «التعليقات الحسان» (5196).

(2)

تمامه: «وجعل له مخرجًا» . أخرجه أبو داود (3851) والنسائي في «الكبرى» (6867، 10044) والطبراني في «الدعاء» (897) و «المعجم الكبير» (4/ 182) وابن السني (470)، صححه ابن حبان (5220) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (2061).

(3)

في ق: «له مناديل يمسح بها يديه، ولم تكن عادته غسل يديه كلما أكل» ، وكأن بعضهم تصرَّف في النسخة.

(4)

«وقيل منسوخ به» ساقط من الطبعة الميمنية وما بعدها.

(5)

أخرجها مسلم (1218/ 147) من حديث جابر بن عبد الله في وصف حج النبي صلى الله عليه وسلم، وستأتي في فصول الحج (2/ 338).

(6)

ص، ج:«يستقون بها» .

ص: 150

الدلوَ، وشرب قائمًا. فالصحيح في هذه المسألة: النهيُ عن الشرب قائمًا، وجوازُه لعذرٍ يمنع من القعود. وبهذا تجتمع أحاديث الباب، والله أعلم

(1)

.

وكان إذا شرب ناول مَن على يمينه، وإن كان مَن على يساره أكبر منه

(2)

.

فصل

في هديه في النكاح صلى الله عليه وسلم ومعاشرتِه أهلَه

صحَّ عنه من حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعِلت قرَّةُ عيني في الصلاة»

(3)

. هذا لفظ الحديث، ومن رواه «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث» فقد وهم

(4)

. ولم يقل صلى الله عليه وسلم: «ثلاث» ، والصلاة ليست من أمور الدنيا التي تضاف إليهم.

(1)

وسيأتي الكلام على المسألة مرة أخرى في المجلد الرابع (ص 329).

(2)

انظر حديث سهل بن سعد في «صحيح البخاري» (5620).

(3)

أخرجه أحمد (12294) والنسائي في «المجتبى» (3939، 3940) و «الكبرى» (8836، 8837) والحاكم (2/ 160) من طريقين عن ثابت عن أنس، وقد صححه الحاكم، واختاره الضياء (4/ 427، 5/ 112 - 113). ذكر العقيلي في «الضعفاء» (2/ 587) أنه روي من غير وجه فيها لين. وروي عن ثابت مرسلًا، رجحه الدارقطني في «العلل» (2385).

(4)

قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (5/ 2155): «وقد اشتهر على الألسنة بزيادة: «ثلاث» ،

ولم نجد لفظ «ثلاث» في شيء من طرقه المسندة»، وزاد في «تخريج الكشاف»:«وزيادته تفسد المعنى» . وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (380): «فلم أقف عليها إلا في موضعين من «الإحياء» وفي تفسير آل عمران من «الكشاف» ، وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش

».

ص: 151

وكان

(1)

النساء والطيب أحبَّ شيء إليه. وكان صلى الله عليه وسلم يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، وكان قد أعطي قوة ثلاثين في الجماع وغيره، وأباح الله له من ذلك ما لم يبحه لأحد من أمته.

وكان يقسم بينهن في المبيت والإيواء والنفقة، وأما المحبة فكان يقول:«اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلُمني فيما لا أملك»

(2)

. قيل: هو الحبُّ والجماع

(3)

، ولا تجب التسوية في ذلك لأنه مما لا يُملَك. وهل كان القَسْم واجبًا عليه أو كان له معاشرتهن بغير قَسْم؟ على قولين للفقهاء. فهو صلى الله عليه وسلم أكثر الأمة نساءً، قال ابن عباس: تزوَّجوا، فإنَّ خير هذه الأمة أكثرها نساءً

(4)

.

وطلَّق صلى الله عليه وسلم وراجع، وآلى إيلاءً موقَّتًا بشهر. ولم يُظاهِر أبدًا، وأخطأ من قال: إنه ظاهر خطأً عظيمًا. وإنما ذُكِر هذا

(5)

تنبيهًا على قبح خطئه ونسبته إليه ما برَّأه الله منه.

(1)

ص، ج:«فكان» .

(2)

أخرجه أحمد (25111) والدارمي (2253) وأبو داود (2134) ــ واللفظ أشبه بلفظه ــ والترمذي (1140) والنسائي في «المجتبى» (3943) و «الكبرى» (8840) وابن ماجه (1971) وابن حبان (4205) والحاكم (2/ 187) من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة. رجاله ثقات إلا أن حماد بن سلمة خالفه غير واحد من الحفاظ فرووه عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا. وهو الذي رجحه البخاري والترمذي والرازيان والدارقطني. انظر: «العلل الكبير» (286) و «علل ابن أبي حاتم» (1279) و «علل الدارقطني» (3176).

(3)

انظر: «تفسير الطبري» (9/ 285 - 287).

(4)

أخرجه البخاري (5069).

(5)

ق، مب، ن:«هنا» ، وكذا في حاشية ص.

ص: 152

وكانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة وحسن الخلق. وكان يسرِّب إلى عائشة بناتِ الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هوِيَتْ شيئًا لا محذور فيه تابعها عليه. وكانت إذا شربت من الإناء أخَذَه، فوضع فمه على موضع فمها، وشرب

(1)

. وإذا تعرَّقت عَرْقًا ــ وهو العظم الذي عليه اللحم ــ أخذه، فوضع فمه على موضع فمها. وكان يتكئ في حَجْرها، ويقرأ القرآن ورأسُه في حَجْرها وربما كانت حائضًا. وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِر، ثم يباشرها. وكان يقبِّلها وهو صائم.

وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، ويُريها الحبشةَ وهم يلعبون في مسجده، وهي متكئة على منكبه تنظر. وسابَقَها في السفر على الأقدام مرَّتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرةً.

وكان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيَّتُهنَّ خرج سهمُها خرج بها معه، ولم يقض للبواقي شيئًا. وإلى هذا ذهب الجمهور

(2)

.

وكان يقول: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي»

(3)

.

وكان ربما مدَّ يده إلى بعض نسائه بحضرة باقيهن

(4)

.

وكان إذا صلَّى العصر دار على نسائه، فدنا منهن، واستقرى أحوالهن.

(1)

ك، ع:«ويشرب» .

(2)

انظر: «الإشراف» لابن المنذر (5/ 148) و «معالم السنن» (3/ 219).

(3)

أخرجه الدارمي (2306) والترمذي (3895) من حديث عائشة، وصححه الترمذي وابن حبان (4177) والألباني في «السلسلة الصحيحة» (285).

(4)

انظر: حديث أنس في «صحيح مسلم» (1462).

ص: 153

فإذا جاء الليل انقلب إلى بيت صاحبة النوبة، فخصَّها بالليل. وقالت عائشة: كان لا يفضِّل بعضنا على بعض في مُكْثِه عندهن في القَسْم، وقلَّ يوم إلا كان يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كلِّ امرأة من غير مسيس، حتَّى يبلغ التي هو في يومها

(1)

، فيبيت عندها

(2)

.

وكان يقسِم لثمانٍ منهن دون التاسعة. ووقع في «صحيح مسلم»

(3)

من قول عطاء أن التي لم يكن يقسِم لها هي صفية بنت حُيَيّ، وهو غلط من عطاء رحمه الله

(4)

، وإنما هي سودة، فإنها لما كبرت وهبت يومها لعائشة

(5)

. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومَها ويومَ سودة.

وسبب هذا الوهم ــ والله أعلم ــ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وجد على صفية في شيء، فقالت لعائشة: هل لكِ أن ترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنِّي وأهبَ لكِ يومي؟ قالت: نعم. فقعدت عائشة إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم صفية، فقال:«إليكِ عنِّي يا عائشة، فإنه ليس يومك» ، فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه

(1)

غُيِّر في ن إلى: «نوبتها» .

(2)

أخرجه أحمد (24765) وأبو داود (2135) ــ واللفظ له ــ والطبراني في «الأوسط» (5254) والحاكم (2760) والبيهقي (7/ 74، 300). والحديث صححه الحاكم وحسنه الألباني، انظر:«الإرواء» (7/ 85) و «صحيح أبي داود- الأم» (6/ 352 - 353).

(3)

برقم (1465/ 51).

(4)

ذكر الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (6/ 131 - 132) أن الغلط من ابن جريج الراوي عن عطاء، فإن في رواية عمرو بن دينار عن عطاء أنها سودة.

(5)

انظر حديث عائشة في «صحيح البخاري» (2593، 2688، 5212).

ص: 154

من يشاء. وأخبرته بالخبر، فرضي عنها

(1)

. وإنما كانت قد وهبت لها

(2)

ذلك اليومَ وتلك النوبة

(3)

الخاصَّة. ويتعيَّن ذلك، وإلا كان

(4)

يكون القَسْم لسبعٍ منهن، وهو خلاف الحديث الصحيح الذي لا ريب فيه

(5)

أن القَسْم كان لثمان. والله أعلم.

ولو

(6)

اتفق مثل هذه الواقعة لمن له أكثر من زوجتين، فوهبت إحداهن يومها لأخرى

(7)

، فهل للزوج أن يوالي بين ليلة الموهوبة وليلتها الأصلية، وإن لم تكن ليلة الواهبة تليها؟ أو يجب عليه أن يجعل ليلتها هي الليلة التي كانت تستحقُّها الواهبة بعينها؟ على قولين في مذهب أحمد

(8)

وغيره.

وكان صلى الله عليه وسلم يأتي أهله آخر الليل وأوله. وإذا

(9)

جامع أولَ الليل فكان ربما اغتسل ونام، وربما

(1)

أخرجه إسحاق بن راهويه (1409) وأحمد (24640) والنسائي في «الكبرى» (8884) وابن ماجه (1973) من حديث عائشة، بإسناد لا بأس به في الشواهد. ويشهد له ما أخرجه النسائي في «الكبرى» (9117) من حديث أنس بن مالك من قصتهما بطولها، وفيه أيضًا قصة زينب مع النبي صلى الله عليه وسلم في إعارة جملها لصفية، وإسناده صحيح، واختاره الضياء المقدسي (5/ 105). وانظر:«الصحيحة» (3205).

(2)

مب، ن:«وهبتها» .

(3)

ك، ع:«الليلة» .

(4)

«كان» ساقطة من ق.

(5)

«فيه» من مب، ن، وحاشية ج، ع.

(6)

ما عدا ق، مب، ن:«فلو» ، وقد غُيِّر في ع إلى «ولو» .

(7)

ق، ك، ع:«للأخرى» .

(8)

ك، ع:«الإمام أحمد» . وانظر: «المغني» (10/ 251).

(9)

في ك، ع:«إذا» دون الواو، وقد زادها بعضهم في ع فيما بعد.

ص: 155