المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه

- ‌فصلفي حواضنه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي مبعثه وأول ما أُنزِل عليه

- ‌فصل في ترتيب الدعوة

- ‌فصلفي أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي ذكر الهجرة(2)الأولى والثانية

- ‌فصلفي أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أعمامه وعماته

- ‌فصلفي أزواجه

- ‌فصلفي سراريِّه

- ‌فصلفي مواليه

- ‌فصلفي خُدَّامه

- ‌فصلفي كُتّابه

- ‌فصلفي كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع

- ‌فصلفي رسله صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى الملوك

- ‌فصلفي مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمرائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حَرَسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفيمن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌فصلفيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه

- ‌فصلفي شعرائه وخطبائه

- ‌فصلفي غزواته وبعوثه وسراياه

- ‌فصلفي دوابه

- ‌فصلفي ملابسه

- ‌فصلفي هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قصِّ الشارب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌فصول في هديه في العبادات

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة

- ‌ جلسة الاستراحة

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

- ‌فصلفي مبدأ الجمعة

- ‌ الثالثة: صلاة الجمعة

- ‌ الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها

- ‌ الخامسة: التطيُّب فيه

- ‌ السادسة: السِّواك فيه

- ‌ السابعة: التبكير إلى الصلاة

- ‌ التاسعة: الإنصات للخطبة

- ‌ العاشرة: قراءة سورة الكهف

- ‌العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

- ‌الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌ الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف

الفصل: ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

وغيره: وحديثُ وائل أصحُّ من حديث أبي هريرة. وقد سبقت المسألة مستوفاةً في هذا الكتاب، والحمد لله.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى الجمعة دخل إلى منزله، فصلَّى ركعتين سنَّتها، وأمر من صلَّاها أن يصلِّي بعدها أربعًا. فقال شيخنا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: إن صلَّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإن صلَّى في بيته صلَّى ركعتين

(1)

. قلت: وعلى هذا تدل الأحاديث. وقد ذكر أبو داود

(2)

عن ابن عمر أنه كان إذا صلّى في المسجد صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في بيته صلَّى ركعتين.

وفي «الصحيحين»

(3)

عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته.

وفي «صحيح مسلم»

(4)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعات» .

‌فصل

في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

كان صلى الله عليه وسلم يصلِّي العيدين في المصلَّى، وهو المصلَّى الذي على باب المدينة الشرقي، يوضع فيه محمِلُ الحاجِّ. ولم يصلِّ العيد بمسجده إلا مرةً واحدةً، أصابهم مطر فصلَّى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في

(1)

انظر: «مجموع الفتاوى» (24/ 202)، وهو رأي إسحاق بن راهويه كما ذكره عنه الترمذي في «جامعه» عقب (523).

(2)

برقم (1130)، وقد تقدم قبل صفحات.

(3)

البخاري (937) ومسلم (729)، وقد تقدم.

(4)

برقم (881).

ص: 552

سنن أبي داود وابن ماجه

(1)

. وهديه كان فعلها في المصلَّى دائمًا.

وكان يلبس للخروج إليهما أجمل ثيابه، فكان له حُلَّة يلبسها للعيدين والجمعة

(2)

. ومرةً كان يلبس بُردين أخضرين

(3)

، ومرةً بردًا أحمر

(4)

.

وليس هذا أحمر مُصْمَتًا كما يظنُّه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم

(1)

أبو داود (1160) وابن ماجه (1313)، وأخرجه الحاكم (1/ 295) والبيهقي (3/ 310) من حديث أبي هريرة. ومداره على عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة، قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (3/ 315):«لا يكاد يعرف» فذكر حديثه هذا وقال: «وهذا حديث فرد منكر. قال ابن القطان: لا أعلم عيسى هذا مذكورًا في شيء من كتب الرجال ولا في غير هذا الإسناد» . وانظر: «ضعيف أبي داود- الأم» (10/ 17).

(2)

«السنن والأحكام» للضياء المقدسي (2309، 2308). أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (1766) من حديث جابر. وقد كان الأعظمي في نشرته قد أثبت في المتن: «جُبَّة» وذكر أنَّ في أصله: «الجلة» ، مع أن فيه (ق 195/أ):«حلَّة» كما في نشرة ماهر الفحل. وهو الصواب، فإن ابن خزيمة بوَّب عليه: «باب استحباب لبس الحلل في الجمعة

». فلم يقل: «لبس الجباب» ! وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (1/ 387) وأبو الشيخ في «أخلاق النبي» (293) والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 247، 280) وفي «معرفة السنن» (4/ 416)، كلهم بلفظ:«كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة» أو بنحوه. فيه عنعنة الحجاج بن أرطاة، وقد ضعف إسناده الحافظ في «المطالب العالية» (4/ 709)، والحديث ضعَّفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (2455).

(3)

أخرجه أحمد (7109) وأبو داود (4065، 4206) والترمذي (2812) والنسائي في «المجتبى» (1572، 5319) و «الكبرى» (1794، 9578) من حديث أبي رِمْثَة التيمي، وإسناده صحيح، والحديث صححه ابن حبان (5995).

(4)

أخرجه من حديث البراء البخاري (3551، 5848، 5901) ومسلم (2337)؛ ومن حديث أبي جحيفة البخاري (376) ومسلم (503)، بلفظ:«حلة حمراء» .

ص: 553

يكن بردًا، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمي أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صحَّ عنه من غير معارض النهيُ عن لبس المعصفَر والأحمر

(1)

. وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما

(2)

. فلم يكن ليكره الأحمر هذه

(3)

الكراهة الشديدة، ثم يلبسه. والذي يقوم عليه الدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهته

(4)

كراهةً شديدةً.

وكان يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمراتٍ، ويأكلهن وترًا

(5)

. وأما في عيد الأضحى فكان لا يطعم حتى يرجع من المصلَّى، فيأكل من أضحيته

(6)

.

وكان يغتسل للعيد إن

(7)

صحَّ الحديث فيه

(8)

. وفيه حديثان ضعيفان:

(1)

أخرجه مسلم (2078) من حديث علي بن أبي طالب.

(2)

أخرجه مسلم (2077/ 28) ووصَفهما النبي صلى الله عليه وسلم بأنهما من ثياب الكفار.

(3)

لفظ «هذه» ساقط من ق.

(4)

«كراهته» ساقط من ص. وفي ق، م، مب:«كراهيته كراهية» بالياء في الموضعين.

(5)

أخرجه البخاري (953) من حديث أنس بن مالك.

(6)

أخرجه الطيالسي (849) وأحمد (22983، 23042) والترمذي (582) وابن ماجه (1756) وابن خزيمة (1426) وابن حبان (2812) والدارقطني (1715) والحاكم (1/ 294) والبيهقي (3/ 283) من حديث بريدة بن الحُصَيب. في إسناده ثواب بن عتبة المهري، وبه ضعف الترمذي الحديث. وتابع ثوابًا هذا عقبةُ بن عبد الله الأصم الرافعي عند أحمد (22984) والدارمي (1641) والطبراني في «الأوسط» (3065) والبيهقي (3/ 283) وعقبة هذا ضعيف لا يحتج به. قال الترمذي:«وفي الباب عن علي وأنس» ، فانظر:«نزهة الألباب» للوائلي (2/ 1042).

(7)

قرأه بعضهم: «للعيدان» ، فصحَّحه:«للعيدين» كما في النسخ المطبوعة!

(8)

لفظ «الحديث» ساقط من ص.

ص: 554

حديث ابن عباس من رواية جُبارة بن مغلِّس

(1)

، وحديث الفاكه بن سعد من رواية يوسف بن خالد السَّمْتي

(2)

. ولكن ثبت عن ابن عمر مع شدَّة اتباعه للسنَّة أنه كان يغتسل يوم العيد قبل الخروج

(3)

.

وكان صلى الله عليه وسلم يخرج ماشيًا، والعَنَزة تُحمَل بين يديه. فإذا وصل إلى المصلَّى نُصِبت بين يديه ليصلِّي إليها

(4)

، فإنَّ المصلَّى كان إذ ذاك فضاءً لم يكن فيه بناء ولا حائط، وكانت الحَرْبة سُترته.

وكان يؤخِّر صلاة عيد الفطر، ويعجِّل الأضحى

(5)

. وكان ابن عمر مع

(1)

أخرجه ابن ماجه (1315) وابن عدي في «الكامل» في ترجمة حجاج بن تميم (3/ 289) ومن طريقه البيهقي (3/ 278)، وفيه جبارة بن مغلس وحجاج بن تميم، كلاهما ضعيف.

(2)

أخرجه ابن ماجه (1316) وعبد الله بن أحمد في زاوئده على «المسند» (16720) والطبراني في «المعجم الكبير» (18/ 320) و «الأوسط» (7230). ويوسف بن خالد السمتي كذاب وضّاع. وفيه أيضًا عبد الرحمن بن عقبة بن الفاكه، مجهول.

(3)

أخرجه مالك (488)، ومن طريقه عبد الرزاق (5753) وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 293، 294) والبيهقي (3/ 278). وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (5823، 5825).

(4)

أخرجه البخاري (973، 494، 972) ومسلم (501) من حديث ابن عمر. وزاد ابن المنذر في «الأوسط» (4/ 300): «يخرج ماشيًا» ، وفي إسناده انقطاع أو سقط. وأما الخروج مشيًا إلى صلاة العيد فقد أخرج الترمذي (530) وابن ماجه (1295 - 1297) من حديث علي: أنه من السنة، وجميع طرقه لا تخلو من مقال.

(5)

كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم وهو بنجران أن «عجِّل الغدوَّ إلى الأضحى، وأخِّر الفطر، وذكِّر الناس» . أخرجه الشافعي في «الأمِّ» (2/ 489) وعبد الرزاق (5651) والبيهقي (3/ 282)، في إسناده إبراهيم شيخ الشافعيِّ وعبدِ الرزاق، متروك: وأبو الحويرث فيه لين، وقد أرسل. قال البيهقي:«هذا مرسل، وقد طلبته في سائر الروايات بكتابه إلى عمرو بن حزم، فلم أجده، والله أعلم» . وانظر: «السنن والأحكام» (2320).

ص: 555

شدَّة اتباعه للسُّنَّة لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويكبِّر من بيته إلى المصلَّى

(1)

.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى المصلَّى أخذ في الصلاة، من غير أذان ولا إقامة

(2)

، ولا قول: الصلاة جامعة. فالسُّنَّة أن لا يُفعَل شيء من ذلك.

ولم يكن هو ولا أصحابه يصلُّون إذا انتهوا إلى المصلَّى شيئًا قبل الصلاة ولا بعدها

(3)

.

وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، فيصلِّي ركعتين. يكبِّر في الأولى سبع تكبيرات متوالية بتكبيرة الافتتاح، بين كلِّ تكبيرتين سكتةٌ يسيرةٌ. ولم يُحفَظ عنه ذكرٌ معيَّن بين التكبيرات، ولكن ذُكِر عن ابن مسعود أنه قال: يحمد الله، ويثني عليه، ويصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم. ذكره الخلال

(4)

. وكان ابن عمر مع

(1)

أخرجه الشافعي في «الأم» (2/ 487، 490) وابن أبي شيبة مختصرًا (5665) والبيهقي في «معرفة السنن» (5/ 51، 59)، وفيه إبراهيم بن محمد شيخ الشافعي، متروك. وبنحوه أخرج الطحاوي في «شرح المشكل» (14/ 38).

(2)

أخرجه البخاري (960، 959) ومسلم (886) من حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله، ومسلم (887) من حديث جابر بن سمرة.

(3)

أخرجه البخاري (989) ومسلم (884) من حديث ابن عباس.

(4)

وأخرجه القاضي إسماعيل بن إسحاق في «فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (88) وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 321) والطبراني (9/ 303).

ص: 556

تحرِّيه للاتباع يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة

(1)

.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتمَّ التكبيرَ أخذ في القراءة. فقرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ بعدها (ق والقرآن المجيد) في إحدى الركعتين، وفي الأخرى (اقتربت الساعة وانشق القمر)

(2)

. وربما قرأ فيهما بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (هل أتاك حديث الغاشية)

(3)

. صحَّ عنه هذا وهذا، ولم يصحَّ عنه غير ذلك.

فإذا فرغ من القراءة كبَّر وركَع. ثم إذا أكمل الركعة وقام من السجود كبَّر خمسًا متواليةً. فإذا أكمل التكبير أخذ في القراءة، فيكون التكبير أول ما يبدأ به في الركعتين، والقراءة تلي الركوعَ

(4)

.

وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه والى بين القراءتين، فكبَّر أولًا، ثم قرأ وركع. فلما قام في الثانية قرأ، وجعل التكبير بعد القراءة. ولكن لا يثبت هذا عنه، فإنه من رواية محمد بن معاوية النيسابوري، قال البيهقي

(5)

: رماه غير واحد بالكذب.

(1)

في الجنازة، هذا ما أخرج عنه ابن أبي شيبة (11498، 11506). أما رفع اليدين مع كل تكبيرة في الجنازة والعيد فروي عن عمر بن الخطاب، أخرجه عنه البيهقي (3/ 293) وقال: وهذا منقطع.

(2)

أخرجه مسلم (891) من حديث أبي واقد الليثي.

(3)

أخرجه مسلم (878) من حديث النعمان بن بشير.

(4)

يعني: لم يفصل بين القراءة والركوع بالتكبير.

(5)

لم أجد كلامه. وانظر ترجمته في «الكامل» لابن عدي (9/ 395 - 398) و «تاريخ بغداد» (4/ 439) و «تهذيب الكمال» (26/ 478 - 482).

ص: 557

وقد روى الترمذي

(1)

من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر في العيدين في الأولى سبعًا قبل القراءة وفي الآخرة خمسًا قبل القراءة. قال الترمذي

(2)

: سألت محمدًا ــ يعني البخاريَّ ــ عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب شيء أصحُّ من هذا، وبه أقول. قال: وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه في هذا الباب هو صحيح أيضًا.

قلت: يريد به حديثه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كبَّر في عيد ثنتي عشرة تكبيرةً: سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة، ولم يصلِّ قبلها ولا بعدها

(3)

. قال أحمد

(4)

: أنا أذهب إلى هذا.

(1)

برقم (536)، وأخرجه عبد بن حميد (290) وابن ماجه (1279) والدارقطني (1731) والبيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 286) و «معرفة السنن» (5/ 69)، صححه ابن خزيمة (1438، 1439)، وانظر:«صحيح أبي داود- الأم» (4/ 313 - 318).

(2)

في «العلل الكبير» (ص 98، 99).

(3)

أخرجه أحمد (6688) وأبو داود (1151، 1152) والنسائي في «الكبرى» (1817) وابن ماجه (1278، 1292) والدارقطني (1729، 1730) والبيهقي (3/ 285)، والطائفي هذا قد قال فيه البخاري:«مقارب الحديث» وصحح حديثه، انظر:«العلل الكبير» (ص 98). وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمته (6/ 522): «فأما سائر أحاديثه فإنه يروي عن عمرو بن شعيب أحاديث مستقيمة، وهو ممن يكتب حديثه» . وقال الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (258): «يُعتَبر به» . وممن ليَّنه: ابن معين وأبو حاتم والنسائي، انظر:«ميزان الاعتدال» (2/ 452).

(4)

في «مسائل عبد الله» (ص 127 - 128)، وانظر اللفظ المنقول هنا في «شرح الزركشي» (2/ 222).

ص: 558

قلت: وكثير بن عبد الله بن عمرو هذا ضَرَب أحمد على حديثه في «المسند» ، وقال: لا يساوي حديثه شيئًا

(1)

. والترمذي تارةً يصحِّح حديثه وتارةً يحسِّنه. وقد صرَّح البخاري بأنه أصحُّ شيء في الباب مع حكمه بصحة حديث عمرو بن شعيب، وأخبر أنه يذهب إليه. فالله أعلم.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا أكمل الصلاة انصرف، فقامَ مقابلَ الناس، والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم. وإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمَر به. ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه، ولم يكن يُخرَج منبرُ

(2)

المدينة، وإنما كان يخطبهم قائمًا على الأرض. قال جابر بن عبد الله: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة. ثم قام متوكِّئًا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحثَّ على طاعته، ووعظ الناسَ، وذكَّرهم

(3)

. ثم مضى حتى أتى النساءَ، فوعَظَهن وذكَّرهن». متفق عليه

(4)

.

وقال أبو سعيد الخُدريُّ: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يومَ الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ ما يبدأ به الصلاةُ. ثم ينصرف، فيقوم مقابلَ الناس، والناسُ جلوسٌ على صفوفهم» الحديث. رواه مسلم

(5)

.

(1)

«العلل» برواية ابنه عبد الله (4922).

(2)

كذا ضبط في ج.

(3)

ما عدا ق، م، مب، ن:«فذكَّرهم» . وكذا كان في ع، فأصلح.

(4)

البخاري (961، 978) ومسلم (885).

(5)

برقم (889)، وأخرجه أيضًا البخاري (956) واللفظ له.

ص: 559

وقد

(1)

ذكر أبو سعيد الخُدريُّ

(2)

أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد، فيصلِّي بالناس ركعتين، ثم يسلِّم، فيقف على راحلته، فيستقبل الناسَ وهم

(3)

جلوس، فيقول:«تصدَّقوا» ، فأكثرُ مَن يتصدَّق النساءُ بالقرط والخاتم والشيء. فإن كانت له حاجةٌ يريد أن يبعث بعثًا يذكُره لهم، وإلَّا انصرف.

وقد كان يقع لي أنّ هذا وهم، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنما كان يخرج إلى العيد ماشيًا، والعنَزةُ بين يديه، وإنما خطب على راحلته يومَ النَّحر بمنًى، إلى أن رأيت بقيَّ بن مخلد الحافظ قد ذكر هذا الحديث في «مسنده»

(4)

عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، ثنا داود بن قيس، ثنا عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخُدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيد ويوم الفطر

(5)

، فيصلِّي بالناس تينك الركعتين

(6)

، ثم

(1)

لم يرد «قد» في ق، م، مب، ن.

(2)

أخرجه عبد الرزاق (5634) وابن أبي شيبة (9901) وأحمد (11315، 11381، 11508) وابن ماجه (1288)، وصححه ابن حبان (3321) والحاكم (1/ 297). وأصله في «الصحيحين» كما سبق آنفًا دون ذكر ما تصدقن به. وعند البخاري (4895) ومسلم (884):«فجعلن يلقين الفتخ، والخواتم في ثوب بلال» والحديث سيأتي. وعند البخاري أيضًا (1462) فيها قصة زينب امرأة ابن مسعود أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخطبة فاستفسرت عن صدقتها على زوجها وولدها.

(3)

بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «صفوف» .

(4)

وهو عند ابن أبي شيبة (9901)، وقد تقدم آنفًا في التخريج السابق.

(5)

مب، ن:«من يوم الفطر» .

(6)

هكذا في ق، م، مب، ن. وأشير إلى هذه النسخة في هامش ع. وفي ج:«فيبتدئ بالركعتين» ، وفي غيرها:«فيبدأ بالركعتين» .

ص: 560

يسلِّم، فيستقبل الناس فيقول:«تصدَّقوا» ، فكان أكثرَ من يتصدَّق النِّساءُ. فذكر الحديث.

ثم قال

(1)

: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أبو عامر، ثنا داود، عن عياض، عن أبي سعيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج في يوم الفطر، فيصلِّي بالناس، فيبدأ بالركعتين ثم يستقبلهم وهم جلوس، فيقول:«تصدَّقوا» ، فذكر مثله. وهذا إسناد ابن ماجه

(2)

إلا أنه رواه عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن داود. فلعله: «ثم يقوم على رجليه

(3)

» كما قال جابر: «قام متوكِّئًا على بلال» ، فتصحَّفت على الكاتب بـ «راحلته»

(4)

، فالله أعلم.

فإن قيل: فقد أخرجا في «الصحيحين»

(5)

عن ابن عباس قال: «شهدت صلاة الفطر مع نبي الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلُّهم يصلِّيها قبل الخطبة، ثم يخطب. قال: فنزل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم، كأنِّي أنظر إليه حين يُجلِس الرِّجالَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النِّساءَ، ومعه بلال، فقال:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} [الممتحنة: 12]، فتلا الآية

(1)

وإسناده صحيح؛ وأبو بكر بن خلاد هو محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، ثقة؛ وأبو عامر هو العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة أيضًا.

(2)

برقم (1288).

(3)

في ك: «راحلته» ، تحريف. وقد أصلح في ع.

(4)

«كما قال جابر

براحلته» ساقط من ص. وصدق ظنُّ المؤلف رحمه الله فإنَّ في النسخة المعتمدة في طبعة دار الرسالة: «رجليه» حسب تعليق محققيها.

(5)

البخاري (4895) ومسلم (884).

ص: 561

حتى فرغ منها» الحديث. وفي «الصحيحين»

(1)

أيضًا

(2)

عن جابر «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قام، فبدأ بالصلاة، ثم خطب الناسَ بعدُ. فلما فرغ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم نزَل، فأتى النساءَ فذكَّرهن» الحديث. وهذا يدل على أنه كان يخطب على منبر أو راحلته، ولعله كان قد بني له منبر من لَبِن وطين أو نحوه؟

قيل: لا ريب في صحَّة هذين الحديثين، ولا ريب أنَّ المنبر لم يكن يُخرَج من المسجد. وأولُ من أخرجه مروان بن الحكم، فأُنكِرَ عليه. وأمَّا منبر اللَّبِن والطين فأوَّلُ من بناه كَثير بن الصَّلْت في إمارة مروان على المدينة كما هو في «الصحيحين»

(3)

. فلعله صلى الله عليه وسلم كان يقوم في المصلَّى على مكان مرتفع، أو دُكَّان ــ وهي التي تُسمَّى المِصْطَبَّة ــ ثم ينحدر منه إلى النساء، فيقف عليهن، ويخطبهن، فيعظهن ويذكِّرهن. والله أعلم.

وكان يفتتح خطبه كلَّها بالحمد لله. ولم يُحفَظ عنه في حديث واحد أنه افتتح خطبتي العيدين بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في «سننه»

(4)

عن سعد

(5)

مؤذِّن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر التكبير

(6)

بين أضعاف

(1)

البخاري (961، 978) ومسلم (885)، وقد تقدم جزء منه.

(2)

«أيضًا» من ق، م، مب، ن.

(3)

البخاري (956) ومسلم (889) من حديث أبي سعيد، وفيه قصة إنكاره على مروان. وذِكر الطين واللبن عند مسلم فقط.

(4)

برقم (1287)، وأخرجه الحاكم (3/ 607) والبيهقي (3/ 299) من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد المؤذن عن أبيه عن أبيه عن جده. وعبد الرحمن بن سعد ضعيف، وأبوه وجدّه كلاهما مجهول.

(5)

زاد الفقي بعده: «القرظ» . وكذا في طبعة الرسالة.

(6)

لفظ ابن ماجه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبِّر» . وفي مطبوعة «السنن الكبرى» : «يكبِّر التكبير» .

ص: 562

الخطبة، يكثر التكبير في خطبة العيدين. وهذا لا يدل على أنه كان يفتتحها به.

وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيد والاستسقاء، فقيل: تُفتتحان

(1)

بالتكبير. وقيل: تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار. وقيل: تفتتحان بالحمد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية

(2)

: وهو الصواب فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ أمر ذي بال لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أجذَم»

(3)

. وكان يفتتح خطبه كلَّها بالحمد

(4)

.

ورخَّص

(5)

صلى الله عليه وسلم لمن شهد العيد أن يجلس للخطبة وأن يذهب

(6)

،

(1)

في بعض النسخ هنا وفيما يأتي بإهمال حرف المضارع، وفي بعضها:«يفتتحان» .

(2)

انظر: «مجموع الفتاوى» (22/ 393 - 394).

(3)

أخرجه أحمد (8712) وأبو داود (4840) والنسائي في «الكبرى» (10255 - 10258) وابن ماجه (1894) وابن حبان (1، 2) والدارقطني (883، 884) والبيهقي (3/ 208) من حديث أبي هريرة. والحديث ضعيف لضعف أحد رواته قرة بن عبد الرحمن، وللاضطراب الواقع في متنه وإسناده، وقد أشار إليه النسائي، وفصّل فيه الكلام الدارقطني في «علله» (1391) ورجَّح أن المرسل هو الصواب.

(4)

في ع، مب زيادة:«لله» .

(5)

بعده في ص: «النبي» .

(6)

أخرجه أبو داود (1155) والنسائي في «المجتبى» (1571) و «الكبرى» (1792) وابن ماجه (1290) والدارقطني (1738) والحاكم (1/ 295) والبيهقي (3/ 301) من طريق الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله بن السائب. قال أبو داود: «هذا مرسل عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم» ، واعتمده الدارقطني، وبه قال ابن معين في «تاريخه» برواية الدُّوري (3/ 15) وأبو زرعة في «علل ابن أبي حاتم» (513). فقد تفرد بوصله الفضل بن موسى، وخالفه عبد الرزاق (5670) وهشام بن يوسف [أبو زرعة في «العلل»] والثوري [البيهقي (3/ 301)] فثلاثتهم رووه عن ابن جريج عن عطاء مرسلًا. ومع ذلك صححه الألباني الحديث الموصول في «الإرواء» (629) و «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 320).

ص: 563

ورخَّص لهم إذا وقع العيدُ يوم الجمعة أن يجتزئوا بصلاة العيد عن حضور الجمعة

(1)

.

وكان صلى الله عليه وسلم يخالف الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في أخرى

(2)

، فقيل: ليسلِّم على أهل الطريقين، وقيل: لينال بركته الفريقان

(3)

، وقيل: ليقضي حاجةَ من له حاجة منهما، وقيل: ليُظهِر شعائرَ الإسلام في سائر الفِجاج والطرق. وقيل: ليغيظ المنافقين برؤيتهم عزَّةَ الإسلام وأهله وقيامَ شعائره. وقيل: لتكثر شهادة البقاع له، فإنَّ الذاهب إلى المسجد أو المصلَّى إحدى خطوتيه ترفع درجةً، والأخرى تحُطُّ خطيئةً، حتَّى يرجع إلى منزله. وقيل ــ وهو الأصح ــ: إنَّه

(4)

لذلك كلِّه ولغيره من الحِكم التي لا يخلو فعلُه عنها.

وروي عنه أنه كان يكبِّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد»

(5)

.

(1)

أخرجه مالك (491) والبخاري (5572) من حديث عثمان بن عفان.

(2)

ق، م، مب «آخر» . وانظر في مخالفة الطريق حديث جابر في «صحيح البخاري» (986).

(3)

ج: «الفريقين» .

(4)

«إنه» لم يرد في ص، ج.

(5)

أخرجه الدارقطني (1737) والخطيب في «تاريخه» (11/ 509) والبيهقي (3/ 315) وقال: «عمرو بن شمر وجابر الجعفي لا يحتج بهما» . والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي شيبة (5679)، وانظر منه أيضًا:(4/ 195 - 199؛ التكبير من أي يوم هو وإلى أي ساعة؟).

ص: 564

فصل

فيه هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف

لما كسفت الشمس خرج صلى الله عليه وسلم إلى المسجد مسرعًا فزعًا يجُرُّ رداءه. وكان كسوفها في أول النهار على مقدار رمحين أو ثلاثة من طلوعها. فتقدَّم وصلَّى ركعتين، قرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة طويلة، وجهر بالقراءة. ثم ركع، فأطال الركوع. ثم رفع رأسه من الركوع، فأطال القيام، وهو دون القيام الأول. وقال لما رفع رأسه:«سمع الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد» . ثم أخذ في القراءة، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول

(1)

. ثم سجد فأطال السجود. ثم فعل في الأخرى

(2)

مثل ما فعل في الأولى. فكان في كلِّ ركعة ركوعان وسجودان، فاستكمل في الركعتين أربع ركوعات

(3)

وأربع سجودات

(4)

.

ورأى في صلاته تلك الجنة والنار، وهَمَّ أن يأخذ عنقودًا من الجنة، فيُريهم إياه. ورأى أهل العذاب في النار، فرأى امرأةً تخدِشها هرَّةٌ ربطتها حتى ماتت جوعًا وعطشًا، ورأى عمرو بن مالك يجُرّ أمعاءه في النار، وكان أول من غيَّر دين إبراهيم

(5)

. ورأى فيها سارق الحاجِّ يعذَّب

(6)

.

(1)

في النسخ المطبوعة بعده زيادة: «ثم رفع رأسه من الركوع» .

(2)

ق، م:«الركعة الأولى» .

(3)

ق، م، مب:«ركعات» .

(4)

مب: «سجدات» .

(5)

أخرجه مسلم (904/ 9) من حديث جابر بن عبد الله.

(6)

مسلم (904/ 10).

ص: 565

ثم انصرف، فخطب بهم خطبةً بليغةً، حُفِظ منها قوله:«إنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبِّروا، وصلُّوا، وتصدَّقوا. يا أمة محمد، والله ما أحدٌ أغيَرَ من الله أن يزني عبدُه أو تزني أمتُه. يا أمةَ محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لَضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا»

(1)

.

وقال

(2)

: «لقد رأيتُ في مقامي هذا كلَّ شيء وُعدِتم

(3)

، حتى لقد رأيتُني أريد أن آخذَ قطفًا من الجنَّة حين رأيتموني أتقدَّم. ولقد رأيت جهنَّم يَحْطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخَّرتُ»

(4)

.

وفي لفظ: «رأيتُ النار، فلم أرَ كاليوم منظرًا قطُّ أفظعَ

(5)

، ورأيت أكثر أهلها النساء». قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن» . قيل: أيكفُرن بالله؟ قال: «يكفُرن العشيرَ، ويكفُرن الإحسان، لو أحسنتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه ثم رأت منك شيئًا. قالت: ما رأيتُ منك خيرًا قطُّ»

(6)

.

ومنها: «ولقد أُوحيَّ إليَّ أنكم تُفتنون في القبور مثلَ ــ أو قريبًا من ــ فتنة الدَّجَّال. يؤتى أحدكم، فيقال له: ما علمُك بهذا الرَّجل؟ فأما المؤمن ــ أو

(1)

أخرجه البخاري (1044) ومسلم (901/ 1) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(2)

لفظ «قال» لم يرد في ص.

(3)

بعده في ق، م، مب، ن زيادة:«به» . والنص في «الصحيح» كما في النسخ الأخرى دون هذه الزيادة.

(4)

مسلم (901/ 3).

(5)

في ك، ع بعده زيادة:«منه» .

(6)

أخرجه البخاري (1052) ــ واللفظ أشبه بلفظه ــ ومسلم (907/ 17).

ص: 566

قال: الموقن ــ فيقول: محمَّد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنَّا واتَّبعنا. فيقال له: نَمْ صالحًا، فقد علِمنا إنْ كنتَ لَمؤمنًا. وأما المنافق ــ أو قال: المرتاب ــ فيقول: لا أدري، سمعتُ الناس يقولون شيئًا فقلته»

(1)

.

وفي طريق أخرى لأحمد بن حنبل

(2)

أنه لمَّا سلَّم حمِد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله وشهد أنه عبد الله ورسوله. ثم قال:«أيها الناس أنشُدكم بالله، إن كنتم تعلمون أني قصَّرتُ عن شيءٍ من تبليغ رسالات ربِّي لَمَا أخبرتموني ذلك؟» . فقام رجالٌ فقالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ رسالاتِ ربِّك، ونصحتَ لأمتك، وقضيتَ الذي عليك. ثم قال: «أمَّا بعد، فإنَّ رجالًا يزعمون أنَّ كسوفَ هذه الشمس وكسوفَ هذا القمر وزوالَ هذه النجوم عن مطالعها لِموتِ رجالٍ عُظَماءَ من أهل الأرض. وإنهم قد كذَبوا، ولكنها آياتٌ من آيات الله تبارك وتعالى، يعتبر بها عبادَه، فينظر من يُحْدِثُ له منهم توبةً. وَايْمُ الله، لقد رأيتُ منذ قمتُ أصلِّي ما أنتم لاقوه في أمر دنياكم وآخرتكم. وإنه واللهِ لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذَّابًا آخرُهم الأعورُ الدَّجَّالُ ممسوُح العين اليسرى، كأنها عينُ أبي يحيى

(3)

ــ لشيخ حينئذ من الأنصار

(1)

أخرجه البخاري (86) ومسلم (905/ 11) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق.

(2)

برقم (20178) من حديث سمرة بن جندب. وأخرجه مطولًا دون هذا التمام الشافعي كما في «معرفة السنن» (5/ 141) وابن أبي شيبة (8399، 38668) وأبو داود (1184) وابن خزيمة (1397) وابن حبان (2856) والطبراني (7/ 189 - 191) والحاكم (1/ 329 - 330) والبيهقي (3/ 339). ومدار الحديث على ثعلبة بن عباد العبدي، وهو مجهول.

(3)

هكذا في ت بالياء، وهو مهمل في الأصول الأخرى. وفي «المسند» بالتاء المكسورة وهو أشهر. وانظر للرواية بهما:«صحيح ابن خزيمة» (1397).

ص: 567

بينه وبين حجرة عائشة ــ، وإنه متى يخرج فسوف يزعم أنه الله. فمَن آمن به وصدَّقه واتَّبعه لم ينفعه صالحٌ من عمله سَلَفَ. ومَن كفر به وكذَّبه لم يعاقَب بشيءٍ من عمله سلَفَ.

وإنَّه سيظهر على الأرض كلِّها إلا الحرمَ وبيتَ المقدس، وإنه يحصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلزَلون زلزالًا شديدًا، ثم يُهلِكه الله عز وجل وجنودَه حتَّى إنَّ جِذْمَ الحائط ــ أو قال: أصلَ الحائط ــ وأصلَ الشجرة لَينادي: يا مؤمنُ، يا مسلمُ، هذا يهوديٌّ ــ أو قال: هذا كافرٌ ــ فتعالَ فاقتله». قال: «ولن يكون ذلك حتى ترَوا أمورًا يتفاقم شأنُها في أنفسكم وتسَّاءلون

(1)

بينكم: هل كان نبيُّكم ذكَر لكم منها ذكرًا، وحتى تزول جبالٌ عن مراتبها. ثم على أثَر ذلك القبضُ».

فهذا الذي صح عنه من صفة صلاة الكسوف وخطبتها. وقد روي عنه أنه صلَّاها على صفات أُخَر.

منها: كلُّ ركعة بثلاث ركوعات

(2)

.

ومنها: كلُّ ركعة بأربع ركوعات

(3)

.

ومنها: أنها كأحدَثِ

(4)

صلاةٍ صُلِّيت، كلُّ ركعة بركوع واحد

(5)

. ولكنَّ

(1)

هكذا ضبط في م بتشديد السين.

(2)

أخرجه مسلم (904/ 10) وغيره من حديث جابر بن عبد الله.

(3)

أخرجه مسلم (908، 909) من حديث ابن عباس، وقال:«عن علي مثل ذلك» . وحديث علي أخرجه أحمد (1216) وابن خزيمة (1388، 1394) والبيهقي (3/ 330 - 331)، فيه حَنَش بن المعتمر الكوفي، فيه لين، وقد تفرد بهذا الحديث عن علي. وسيأتي عند المؤلف كلام البيهقي على حديث ابن عباس.

(4)

في النسخ المطبوعة: «كإحدى» ، تحريف.

(5)

أخرجه أحمد (6483، 6763، 6868) وأبو داود (1194) والترمذي في «الشمائل» (325) وابن خزيمة (901، 1389) من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وفي بعض الطرق المذكورة روى عنه الثوري وشعبة وحماد بن سلمة، وهم ممن سمع منه قبل الاختلاط. وانظر:«صحيح أبي داود- الأم» (4/ 354).

ص: 568

كبار الأئمة لا يصحِّحون ذلك كالإمام أحمد والبخاري والشافعي، ويرونه غلطًا.

قال الشافعي وقد سأله سائل، فقال: روى بعضكم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى ثلاث ركعات في كلِّ ركعة. قال الشافعي: فقلت له: أتقول به أنت؟ قال: لا، ولكن لِمَ لم تقل به أنت، وهو زيادة على حديثكم؟ يعني حديث الركوعين في الركعة. قال: فقلت: هو من وجهٍ منقطعٍ، ونحن لا نثبت المنقطع على الانفراد، ووجهٍ نراه ــ والله أعلم ــ غلطًا

(1)

.

قال البيهقي

(2)

: أراد بالمنقطع قول عبيد بن عمير: «حدَّثني من أصدِّق قال عطاء: حَسِبتُه يريد عائشة» الحديث. وفيه: فركع في كلِّ ركعة ثلاث ركوعات وأربع سجدات. وقال قتادة: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عنها:«ستَّ ركعات في أربع سجدات» . فعطاءٌ إنما أسنده عن عائشة بالظنِّ والحُسْبان لا باليقين. وكيف يكون ذلك محفوظًا عن عائشة، وقد ثبت عن عروة وعَمْرة عن عائشة خلافُه، وعروة وعَمرة أخصُّ بعائشة وألزم لها من عبيد بن عمير؟ وهما اثنان، فروايتهما أولى أن تكون هي المحفوظة.

قال

(3)

: وأما الذي يراه الشافعيُّ غلطًا، فأحسَبه حديث عطاء عن جابر:

(1)

أخرجها البيهقي في «معرفة السنن» (5/ 145).

(2)

في «معرفة السنن» (5/ 146) بتصرف.

(3)

«معرفة السنن» (5/ 147 - 148).

ص: 569

«انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصلَّى بالناس ستَّ ركعات في أربع سجدات» الحديث.

قال البيهقي

(1)

: ومن نظر في قصّة هذا الحديث وقصّة حديث أبي الزبير علِمَ أنها قصَّة واحدة، وأنَّ الصلاة التي أخبر عنها إنما فعَلها مرَّةً واحدةً، وذلك في يوم توفِّي ابنُه إبراهيم.

قال

(2)

: ثم وقع الخلاف بين عبد الملك ــ يعني ابن أبي سليمان ــ عن عطاء عن جابر، وبين هشام الدَّسْتَوائي عن أبي الزبير عن جابر في عدد الركوع في كلِّ ركعة، فوجدنا رواية هشام أولى ــ يعني أنَّ في كلِّ ركعة ركوعين فقط ــ لكونه مع أبي الزبير أحفظَ من عبد الملك، ولموافقة روايته في عدد الركوع روايةَ عروة وعمرة

(3)

عن عائشة، وروايةَ كثير بن عباس

(4)

وعطاء بن يسار عن ابن عباس، وروايةَ أبي سلَمة عن عبد الله بن عمرو، ثم روايةَ يحيى بن سُلَيم وغيره. وقد خولف عبدُ الملك في روايته عن عطاء، فرواه ابن جريج وقتادة عن عطاء عن عبيد بن عمير: ستَّ ركعات في أربع سجدات. فروايةُ هشام عن أبي الزبير عن جابر التي لم يقع فيها الخلاف، ويوافقها عدد كثير= أولى من روايتي عطاء اللتين إنما أسند إحداهما

(1)

«معرفة السنن» (5/ 148).

(2)

المصدر السابق.

(3)

ك: «عمرة وعروة» ، وكذا في ع، فوضع بعضهم عليهما علامة التقديم والتأخير.

(4)

ج: «عياش» ، تصحيف.

ص: 570

بالتوهُّم، والأخرى ينفرد

(1)

بها عنه عبدُ الملك بن أبي سليمان الذي قد أُخِذ عليه الغلطُ في غير حديث.

قال

(2)

: وأما حديث حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: «صلَّى في كسوف، فقرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، [ثم قرأ ثم ركع]

(3)

، والأخرى مثلها» = فرواه مسلم في «صحيحه»

(4)

. وهو مما ينفرد

(5)

به حبيب بن أبي ثابت، وحبيب وإن كان ثقةً فكان يدلِّس، ولم يتبيَّن سماعه فيه من طاوس، فيشبه أن يكون حمَلَه عن غير موثوقٍ به

(6)

، فقد خالفه في رفعه ومتنه سليمان الأحول، فرواه عن طاوس عن ابن عباس من فعله ثلاث ركعات في ركعة. وقد خولف سليمان أيضًا في عدد الركوع، فرواه جماعة عن ابن عباس من فعله، كما رواه عطاء بن يسار وغيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني في كلِّ ركعة ركوعان.

قال

(7)

: وقد أعرض محمد بن إسماعيل البخاري عن هذه الروايات الثلاث

(8)

فلم يُخرج شيئًا منهن في «الصحيح» لمخالفتهن ما هو أصحُّ

(1)

هكذا في م، ن. وفي ص، ج:«يتفرد» ، وفي غيرها أهمل ثانيه.

(2)

«معرفة السنن» (5/ 149).

(3)

زيادة من مصدر النقل.

(4)

برقم (908، 909).

(5)

ج، ن:«يتفرَّد» ، والمثبت من م، وكذا في مصدر النقل. وفي غيرهما أهمل ثانيه.

(6)

«به» ساقط من ص.

(7)

في «معرفة السنن» (5/ 149 - 150).

(8)

ص: «الثلاثة» .

ص: 571

إسنادًا، وأكثرُ عددًا، وأوثَقُ رجالًا. وقال البخاري في رواية أبي عيسى الترمذي عنه

(1)

: أصحُّ الروايات عندي في صلاة الكسوف أربعُ ركعات في أربع سجدات.

قال البيهقي

(2)

: وروي عن حذيفة مرفوعًا: «أربع ركعات في كلِّ ركعة»

(3)

، وإسناده ضعيف. وروي عن أُبَيّ بن كعب مرفوعًا: «خمسَ ركعات

(4)

في كلِّ ركعة

(5)

»

(6)

، وصاحبا «الصحيح» لم يحتجَّا بمثل إسناد حديثه

(7)

.

قال

(8)

: وذهب جماعة من أهل الحديث إلى تصحيح الروايات في عدد

(1)

في «العلل الكبير» (ص 102).

(2)

في «معرفة السنن» (5/ 152).

(3)

أخرجه البزار (7/ 325) والطبراني في «الدعاء» (2234) والبيهقي (3/ 329) وقال: «محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى لا يحتج به» .

(4)

في النسخ المطبوعة: «ركوعات» .

(5)

العبارة «وإسناده

ركعة» ساقطة من ك ومستدركة في ع.

(6)

أخرجه أحمد (21225) وأبو داود (1182) والطبراني في «الدعاء» (2237) و «الأوسط» (5915) والحاكم (1/ 333) والبيهقي (3/ 329). وفيه أبو جعفر الرازي، ضعيف. وقال الذهبي في «تلخيص المستدرك»: «خبر منكر

».

(7)

ك، ع:«حذيفة» ، وكذا في مطبوعة «معرفة السنن» وهو تصحيف. ويؤيد ما أثبتنا قول البيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 329):«وروي خمس ركوعات فى ركعة بإسناد لم يحتج بمثله صاحبا (الصحيح)، ولكن أخرجه أبو داود في (السنن)» ثم ساق حديث أبي بن كعب.

(8)

في «معرفة السنن» (5/ 152).

ص: 572

الركعات، وحملوها على أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فعلها مرَّاتٍ، وأنَّ الجميع جائز. فممن ذهب إليه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبو بكر بن إسحاق الضُّبَعي، وأبو سليمان الخطَّابي؛ واستحسنه ابن المنذر. والذي ذهب إليه الشافعي ثم محمد بن إسماعيل البخاري

(1)

من ترجيح الأخبار أولى، لما ذكرنا

(2)

من رجوع الأخبار

(3)

إلى حكاية صلاته يومَ توفِّي ابنه صلى الله عليه وسلم.

قلت: والمنصوص عن أحمد أيضًا أخذُه بحديث عائشة وحده: في كلِّ ركعة ركوعان وسجودان. قال في رواية المرُّوذي

(4)

: وأذهب إلى صلاةِ الكسوف أربعَ ركعات وأربعَ سجدات: في كلِّ ركعة ركعتان وسجدتان، وأذهب إلى حديث عائشة. أكثرُ الأحاديث على هذا. وهذا اختيار أبي بكر وقدماء الأصحاب وهو اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية. وكان يُضعِّف كلَّ ما خالفه من الأحاديث، ويقول: هي غلط، وإنما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم الكسوف مرةً واحدةً يوم مات ابنه إبراهيم

(5)

. والله أعلم.

وأمرَ صلى الله عليه وسلم في الكسوف بذكر الله والصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتاقة

(6)

.

(1)

في المطبوع: «إليه البخاري والشافعي» ، وهو تصرُّفٌ من بعض النسَّاخ.

(2)

ص، ك، ع:«ذكرناه» .

(3)

ك، ج:«الاختيار» ، تصحيف.

(4)

مب: «المروزي» ، تصحيف. وانظر روايته في «الروايتين والوجهين» (1/ 192)، وانظر أيضًا:«مسائل أبي داود» (ص 106) و «مسائل ابن هانئ» (ص 140).

(5)

انظر: «مجموع الفتاوى» (18/ 17 - 18) و (24/ 259 - 260).

(6)

أخرجه الحاكم (1/ 331) وعنه البيهقي (3/ 340) من حديث عائشة، وأصله عند البخاري (1044) ومسلم (901/ 1) دون ذكر العتاقة.

ص: 573