المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه

- ‌فصلفي حواضنه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي مبعثه وأول ما أُنزِل عليه

- ‌فصل في ترتيب الدعوة

- ‌فصلفي أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي ذكر الهجرة(2)الأولى والثانية

- ‌فصلفي أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أعمامه وعماته

- ‌فصلفي أزواجه

- ‌فصلفي سراريِّه

- ‌فصلفي مواليه

- ‌فصلفي خُدَّامه

- ‌فصلفي كُتّابه

- ‌فصلفي كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع

- ‌فصلفي رسله صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى الملوك

- ‌فصلفي مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمرائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حَرَسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفيمن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌فصلفيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه

- ‌فصلفي شعرائه وخطبائه

- ‌فصلفي غزواته وبعوثه وسراياه

- ‌فصلفي دوابه

- ‌فصلفي ملابسه

- ‌فصلفي هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قصِّ الشارب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌فصول في هديه في العبادات

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة

- ‌ جلسة الاستراحة

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

- ‌فصلفي مبدأ الجمعة

- ‌ الثالثة: صلاة الجمعة

- ‌ الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها

- ‌ الخامسة: التطيُّب فيه

- ‌ السادسة: السِّواك فيه

- ‌ السابعة: التبكير إلى الصلاة

- ‌ التاسعة: الإنصات للخطبة

- ‌ العاشرة: قراءة سورة الكهف

- ‌العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

- ‌الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌ الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف

الفصل: ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

‌فصل

في هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

والصلاة عليها واتباعها ودفنها

وما كان يدعو به للميت في صلاة الجنازة وبعد الدفن وتوابع ذلك

كان هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في الجنائز أكملَ هَدْيٍ مخالفٍ لهَدْي سائر الأمم، مشتملٍ على الإحسان إلى الميِّت ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده، وعلى الإحسان إلى أهله وأقاربه، وعلى إقامة عبودية الحيِّ فيما يعامل به الميِّت.

فكان في هديه

(1)

في الجنائز: إقامةُ عبودية الرَّبِّ تعالى على أكمل الأحوال، والإحسانُ إلى الميت، وتجهيزُه إلى الله على أحسن أحواله وأفضلها، ووقوفُه ووقوف أصحابه صفوفًا يحمدون الله، ويستغفرون له، ويسألون له المغفرة والرحمة والتجاوز عنه؛ ثم المشيُ بين يديه إلى أن يُودعه

(2)

حفرته، ثم يقوم هو وأصحابه على قبره سائلين له التثبيت أحوجَ ما كان إليه، ثم يتعاهده بالزيارة إلى قبره والسلام عليه والدعاء له، كما يتعاهد الحيُّ صاحبَه في دار الدنيا.

فأول ذلك: تعاهدُه في مرضه، وتذكيره الآخرة، وأمره بالوصية والتوبة، وأمرُ من حضَره بتلقينه شهادة أن لا إله إلا الله ليكون آخر كلامه

(3)

. ثم النهي عن عادة الأمم التي لا تؤمن بالبعث والنشور، من لطم الخدود، وشقِّ الثياب

(1)

ك، ع:«فكان هديه» .

(2)

ك، ع:«يودعوه» .

(3)

الأمر بتلقين الشهادة أخرجه مسلم (916) من حديث أبي سعيد الخدري.

ص: 639

وحلق الرؤوس، ورفع الصوت بالندب والنياحة وتوابع ذلك

(1)

.

وسَنّ الخشوع للموت، والبكاءَ الذي لا صوت معه، وحزنَ القلب. وكان يفعل ذلك ويقول:«تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يُرضي الرَّبَّ»

(2)

.

وسَنّ لأمته الحمد والاسترجاع والرضى عن الله. ولم يكن ذلك منافيًا لدمع العين وحزن القلب، ولذلك كان أرضى الخلق عن الله عز وجل في قضائه وأعظمهم له حمدًا، وبكى مع ذلك يوم موت ابنه إبراهيم رأفةً منه ورحمةً للولد ورقَّةً عليه، والقلبُ ممتلئ بالرضى عن الله وشكره، واللسانُ مشتغلٌ بذكره وحمده.

ولما ضاق هذا المشهدُ والجمعُ بين الأمرين على بعض العارفين يومَ موتِ ولده جعل يضحك، فقيل له: تضحك في هذه الحال؟ فقال: إنَّ الله تعالى قضى بقضاء، فأحببتُ أن أرضى بقضائه

(3)

. فأشكل هذا على جماعة من أهل العلم، وقالوا: كيف يبكي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومَ موتِ ابنه، وهو أرضى الخلق عن الله، ويبلغ الرِّضى بهذا العارف إلى أن ضحك؟ فسمعت شيخ

(1)

أخرج البخاري (1294، 1297، 1298، 3519) ومسلم (103) من حديث عبد الله بن مسعود: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» .

(2)

أخرجه البخاري (1303) ومسلم (2315) ــ واللفظ أشبه بلفظه ــ من حديث أنس بن مالك.

(3)

حكي ذلك عن الفضيل بن عياض يوم مات ابنه عليٌّ. وقد رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الرضى عن الله بقضائه» (ص 108) بسنده عن أبي علي الرازي. وقد سمّاه المؤلف في كتابه «تحفة المودود» (ص 156) وغيره.

ص: 640

الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: هديُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم كان أكمل من هدي هذا العارف، فإنه أعطى العبودية حقَّها، فاتسع قلبه للرضى عن الله ورحمة الولد والرِّقَّة عليه، فحمد الله، ورضي عنه في قضائه، وبكى رحمةً ورقَّة

(1)

. فحملته الرحمةُ

(2)

على البكاء، وعبوديتُه لله ومحبتُه له على الرضى والحمد. وهذا العارف ضاق قلبه عن اجتماع الأمرين، ولم يتسع بطانُه

(3)

لشهودهما والقيام بهما، فشغلته

(4)

عبودية الرضى عن عبودية الرحمة والرِّقَّة

(5)

.

فصل

وكان من هديه: الإسراع بتجهيز الميت إلى الله، وتطهيره وتنظيفه، وتطييبه، وتكفينه في ثياب البياض؛ ثم يؤتى به إليه، فيصلِّي عليه، بعد أن كان يدعى إلى الميت عند احتضاره، فيقيم عنده حتى يقضي، ثم يحضر تجهيزه، ويصلِّي عليه، ويشيِّعه إلى قبره. ثم رأى الصحابة أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا إذا قضى الميِّت

(1)

مب: «ورأفة» .

(2)

مب: «الرأفة» .

(3)

ك: «نطاقه» ، ولعله مغيَّر لأن في أختها ع كما في النسخ الأخرى. وفي النسخ المطبوعة:«باطنه» وهو تصرف من بعضهم. والبطان في الأصل: حزام القتَب الذي يجعل تحت بطن البعير. وسعة البطان كناية عن سعة الصدر. وقد استعملها المؤلف في غير موضع من كتبه. انظر مثلًا: «الروح» (1/ 309) و «مدارج السالكين» (2/ 393) و «مفتاح دار السعادة (2/ 828).

(4)

م، ق، مب:«فشغله» .

(5)

مب: «والرأفة» . وقد حكى المؤلف كلام شيخه عنه في «تحفة المودود» (ص 156)، ولم يسمه في «روضة المحبين» (ص 407) و «مدارج السالكين» (2/ 202). وانظر نحوه في «مجموع الفتاوى» (10/ 47).

ص: 641

دعَوه، فحضر تجهيزه وغسله وتكفينه. ثم رأوا أنَّ ذلك يشقُّ عليه، فكانوا هم يجهِّزون ميتهم، ويحملونه إليه صلى الله عليه وسلم على سريره، فيصلِّي عليه خارج المسجد.

ولم يكن من هديه الراتب: الصلاة عليه في المسجد، وإنما كان يصلِّي على الجنائز

(1)

خارج المسجد. وربما كان يصلِّي أحيانًا على الميِّت في المسجد، كما صلَّى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد

(2)

، ولكن لم يكن ذلك سنَّته وعادته.

وقد روى أبو داود في «سننه»

(3)

من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلَّى على جنازة في المسجد فلا شيء له» . وقد اختُلِف في لفظ الحديث، فقال الخطيب في روايته لكتاب «السنن»

(4)

: في الأصل: «فلا شيء عليه» ، وغيره يرويه «فلا شيء له»

(5)

.

(1)

ما عدا م، ق، مب، ن:«كان مصلَّى الجنائز» .

(2)

أخرجه مسلم (973) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(3)

برقم (3191).

(4)

انظر: «السنن» ط. دار التأصيل (5/ 305)، والتعليق على «تهذيب السنن» (2/ 371 - 373).

(5)

هكذا رواه جماعة منهم: معمر [عبد الرزاق (6579)] والثوري [عبد الرزاق] ووكيع [أحمد (9730) وابن ماجه (1517)] ومعن بن عيسى [«معاني الآثار» (1/ 492)] والطيالسي [(2429)] وحجاج بن محمد الأعور ويزيد بن هارون [أحمد (9865، 10561)]، كلهم عن ابن أبي ذئب عن صالح به.

ورواه ابن أبي شيبة (12097) عن حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب به بلفظ: «مَن صلَّى على جنازة في المسجد فلا صلاة له. قال: وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تضايق بهم المكان رجعوا ولم يصلوا» .

ص: 642

ورواه ابن ماجه في «سننه»

(1)

، ولفظه:«فليس له شيء» . ولكن قد ضعَّف الإمام أحمد وغيره هذا الحديث. قال الإمام أحمد

(2)

: هو مما انفرد به صالح مولى التوأمة. وقال البيهقي

(3)

: هذا حديث يُعَدُّ في أفراد صالح، وحديث عائشة أصحُّ منه، وصالح مختلف في عدالته، كان مالك يجرحه

(4)

. ثم ذكر عن أبي بكر وعمر أنه صُلِّي عليهما في المسجد.

قلت: صالح ثقة في نفسه، كما قال عباس

(5)

عن ابن معين: هو ثقة. وقال ابن أبي مريم ويحيى: ثقة حجة، فقلت

(6)

له: إنَّ مالكًا تركه، فقال: إنَّ مالكًا أدركه بعد أن خَرِف، والثوريُّ إنما أدركه بعد أن خرِف فسمع منه، لكن ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرَف. وقال علي بن المديني: هو ثقة إلا أنه

(1)

برقم (1517).

(2)

انظر: «مسائل أحمد» برواية ابنه عبد الله (ص 142).

(3)

في «السنن الكبرى» (4/ 52)، و «معرفة السنن» (5/ 319، 320) وعنه صدر المؤلف، وذكر فيه أيضًا من كتاب «العلل الكبير» للترمذي (ص 35) فيما سأل عنه محمدَ بن إسماعيل البخاري، قال: كان أحمد بن حنبل يقول: «من سمع من صالح قديمًا فسماعه حسن، ومن سمع منه أخيرًا

» كأنه يضعف سماعه، قال محمد (أي البخاري):«وابن أبي ذئب سماعه منه أخيرًا، يروي عنه مناكير» . وانظر أيضًا في «العلل الكبير» (ص 313، 314).

(4)

م: «يخرجه» ، تصحيف.

(5)

انظر: «تاريخ ابن معين» بروايته (3/ 176) و «الضعفاء الكبير» للعقيلي (2/ 204).

(6)

القائل: ابن أبي مريم. والعبارة: «وقال ابن أبي مريم ويحيى» كذا وقعت في جميع النسخ، ومقتضى السياق:«وقال ابن أبي مريم: قال يحيى» . انظر: «الكامل» لابن عدي (6/ 205).

ص: 643

خرِف وكبِر، فسمع منه الثوري بعد الخرَف، وسماعُ ابن أبي ذئب منه قبل ذلك

(1)

. وقال ابن حبان

(2)

: تغيَّر في سنة خمس وعشرين ومائة، وجعل يأتي بما يشبه الموضوعات عن الثقات، فاختلط حديثه الأخير بحديثه القديم، ولم يتميَّز، فاستحقَّ الترك. انتهى كلامه.

وهذا الحديث حديث حسن، فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعُه منه قديم قبل اختلاطه، فلا يكون اختلاطه موجبًا لردِّ ما حدَّث به قبل الاختلاط. وقد سلك الطحاوي

(3)

في حديث أبي هريرة هذا وحديث عائشة مسلكًا آخر فقال: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد منسوخة، وتركُ ذلك آخرُ الفعلين من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل إنكار عامة الصحابة ذلك على عائشة، وما كانوا ليفعلوه إلا لما علموا خلاف ما فعلت.

وردَّ ذلك على الطحاوي جماعةٌ منهم البيهقي وغيره. قال البيهقي

(4)

: ولو كان عند أبي هريرة نسخُ ما روته عائشة لذَكَره يوم صُلِّي على أبي بكر الصدِّيق في المسجد، ويوم صُلِّي على عمر بن الخطاب في المسجد، ولَذكَره

(5)

من أنكر على عائشة أمرَها بإدخاله المسجد، وذكره أبو هريرة حين روت فيه

(6)

الخبر. وإنما أنكره من لم يكن له معرفة بالجواز. فلما

(1)

سبق قول البخاري: «وابن أبي ذئب سماعه منه أخيرًا، يروي عنه مناكير» .

(2)

في «المجروحين» (ص 366).

(3)

في «معاني الآثار» (1/ 492 - 493).

(4)

في «معرفة السنن» (5/ 320).

(5)

م، ق:«ولذكر» .

(6)

لم يرد «فيه» في ص، ج.

ص: 644

روت فيه الخبر سكتوا، ولم ينكروه، ولا عارضوه بغيره.

قال الخطابي

(1)

: وقد ثبت أن أبا بكر وعمر صُلّي عليهما في المسجد، ومعلوم أنَّ عامَّة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم إنكارَه الدليلُ على جوازه. قال: وقد يحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة ــ إن ثبت ــ متأوَّلًا على نقصان الأجر. وذلك أنَّ من صلّى عليها في المسجد، فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأنَّ من سعى إلى الجنازة

(2)

فصلّى عليها بحضرة المقابر يشهد

(3)

دفنَه وأحرَز أجرَ القيراطين، وقد يؤجر أيضًا على كثرة خطاه؛ فصار الذي يصلِّي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد.

وقالت طائفة: معنى قوله: «فلا شيء له» أي فلا شيء عليه، ليتحد معنى اللفظين ولا يتناقضان، كما قال تعالى:{وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] أي: فعليها.

فهذه طرق الناس في هذين الحديثين. والصواب ما ذكرناه أولًا، وأنَّ سنّتَه وهديَه الصلاةُ على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر. وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد. والله أعلم.

(1)

في «معالم السنن» (1/ 312). وصدره: «قلت: الحديث الأول (حديث عائشة) أصح، وصالح مولى التوأمة ضعفوه، وكان قد نسي حديثه في آخر عمره. وقد ثبت أن

».

(2)

في «معالم السنن» : «الجبان» ، ولا يبعد تصحيفه إلى «الجنازة» .

(3)

في «المعالم» : «شهد» .

ص: 645

فصل

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم: تسجية الميت إذا مات ــ وهو

(1)

تغطية وجهه وبدنه ــ وتغميض عينيه، وكان ربما يقبِّل الميتَ كما قبَّل عثمان بن مظعون وبكى

(2)

، وكذلك الصدِّيق أكبَّ عليه يقبِّله بعد موته صلى الله عليه وسلم

(3)

.

وكان يأمر بغسل الميت ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر بحسب ما يراه الغاسل، ويأمر بالكافور في الغسلة الأخيرة

(4)

. وكان لا يغسل الشهيدَ قتيلَ المعركة

(5)

. وذكر الإمام أحمد

(6)

أنه نهى عن تغسيلهم. وكان ينزع عنهم الجلود والحديد، ويدفنهم في ثيابهم

(7)

، ولم يصلِّ عليهم.

(1)

لم يرد «هو» في م، ق.

(2)

أخرجه أحمد (24165) وأبو داود (3163) والترمذي (989) وابن ماجه (1456) والحاكم (1/ 361) والبيهقي (3/ 407) من حديث عائشة الصديقة. وفيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 493):«منكر الحديث» .

(3)

أخرجه البخاري (1241، 4452) من حديث عائشة الصديقة.

(4)

كما أخرج البخاري (1253، 1254، 1258، 1261، 1263) ومسلم (939) من حديث أم عطية الأنصاري في غسل إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم.

(5)

في طبعة الرسالة: «الشهداء قتلى المعركة» ، والتصرف من الفقي. والحديث أخرجه البخاري (4079) من حديث جابر بن عبد الله في شأن قتلى أحد.

(6)

«السنن والأحكام» (2788)، والحديث في «المسند» (14189) من حديث جابر رضي الله عنه، وهو مما تفرد به أحمد. وأصله في البخاري (1343، 4079)، وليس فيه النهي عن تغسيلهم، بل هو من كلام الراوي:«وأمر بدفنهم، ولم يغسلوا، ولم يصلَّ عليهم» ، أو حكاية فعله صلى الله عليه وسلم (1346، 1347): «ولم يغسلهم» .

(7)

أخرجه أحمد (2217) وأبو داود (3134) وابن ماجه (1515) والبزار (11/ 301) والبيهقي (4/ 14). فيه عطاء بن السائب، مختلط. وفيه أيضًا علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، فيه لين، وكان يغلط ويُصِرّ عليه، «البحر الزخار» و «ميزان الاعتدال» (3/ 135).

ص: 646

وكان إذا مات المُحْرِمُ أمرَ أن يُغسَل بماء وسدر ويكفَّن في ثوبَيه، وهما ثوبا إحرامه: إزاره ورداؤه. وينهى عن تطييبه وتغطية رأسه

(1)

.

وكان يأمر من ولي الميِّتَ أن يُحسِّن كفنه

(2)

، ويكفِّنه في البياض

(3)

؛ وينهى عن المغالاة في الكفن

(4)

. وكان إذا قصر الكفنُ عن ستر جميع البدن غطَّى رأسه، وجعل على رجليه شيئًا من العشب

(5)

.

فصل

وكان إذا قدِّم إليه ميت يصلِّي عليه سأل: «هل عليه دين أم لا؟» . فإن لم

(1)

أخرجه البخاري (1265) ومسلم (1206) من حديث عبد الله بن عباس.

(2)

أخرجه مسلم (943) من حديث جابر بن عبد الله.

(3)

أخرجه أحمد (2219، 2479، 3426) وأبو داود (3878، 4061) والترمذي (994) وابن ماجه (1472، 3566) والبيهقي (5/ 33) من حديث عبد الله بن عباس، صححه الترمذي وابن حبان (5423) والحاكم (1/ 354). وله شاهد من حديث أبي قلابة عن سمرة بن جندب، أخرجه أحمد (20140) والترمذي (2810) وصححه، على أن في سماع أبي قلابة من سمرة خلافًا. انظر:«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 109).

(4)

أخرجه أبو داود (3154) والبيهقي (3/ 403) وابن عبد البر في «التمهيد» (22/ 144)، فيه عمرو بن هاشم أبو مالك الجنبي، قال البخاري: فيه نظر، وضعفه مسلم. انظر:«ميزان الاعتدال» (3/ 290).

(5)

أخرجه البخاري (1276) ومسلم (940) من حديث خباب بن الأرت، وعندهم:«على رجليه الإذخر» .

ص: 647

يكن عليه دَينٌ صلَّى عليه، وإن كان عليه دَين لم يصلِّ عليه، وأذِنَ لأصحابه أن يصلُّوا عليه؛ فإنَّ صلاته شفاعة، وشفاعتُه موجِبة، والعبد مرتَهنٌ بدَينه، لا يدخل الجنة حتى يقضى عنه. فلما فتح الله عليه كان يصلِّي على المدين، ويتحمَّل دَينه، ويدع ماله لورثته

(1)

.

فإذا أخذ في الصلاة عليه كبَّر، وحمِد الله وأثنى عليه

(2)

.

وصلّى ابن عباس على جنازة، فقرأ بعد التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وجهَر بها، وقال: لتعلموا أنَّها سنة

(3)

. وكذلك قال أبو أمامة بن سهل: إن قراءة الفاتحة في الأولى سنة

(4)

.

ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ولا يصح إسناده

(5)

. قال شيخنا: ولا تجب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل هي سنة

(6)

.

(1)

انظر حديث أبي هريرة عند البخاري (2298، ومواضع) ومسلم (1619).

(2)

أخرجه مالك (609) من حديث أبي هريرة، وسيأتي بلفظه في آخر الفصل.

(3)

أخرجه البخاري (1335) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

(4)

أخرجه عبد الرزاق (6428) وابن أبي شيبة (11497، 11516) والنسائي في «المجتبى» (1989) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 437، 446) بإسناد صحيح، وأبو أمامة بن سهل ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

(5)

أخرجه الطبراني (24/ 162) من حديث أسماء بنت يزيد، وفي إسناده ثلاثة فيهم لين، ورابع مجهول.

(6)

انظر: «مجموع الفتاوى» (21/ 286، 344).

ص: 648

وذكر أبو أمامة بن سهل عن جماعة من الصحابة

(1)

الصلاةَ على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة.

وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنه سأل عبادة بن الصامت

(2)

عن الصلاة على الجنازة فقال: أنا والله أخبرك: تبدأ، فتكبِّر، ثم تصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول: اللهمَّ إنَّ عبدك فلانًا

(3)

كان لا يُشْرِك بك. أنت أعلم به، إن كان محسنًا، فزِدْ في إحسانه. وإن كان مسيئًا، فتجاوز عنه. اللهمَّ لا تحرِمْنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعده.

فصل

ومقصود الصلاة على الجنازة هو الدعاء للميت. ولذلك

(4)

حُفِظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ونُقِل عنه ما لم يُنقَل من قراءة الفاتحة والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم

(5)

.

(1)

رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 39). ورواه الشافعي في «الأم» (2/ 608) ومن طريقه البيهقي في «معرفة السنن» (5/ 299) بلفظ: أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

(2)

كذا أخرجه البيهقي (4/ 40)، والصحيح:«عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه أنه سأل أبا هريرة» كما عند مالك (609) وعبد الرزاق (6425) وابن أبي شيبة (11495).

(3)

ما عدا ك: «فلان» .

(4)

م، ق، مب، ن:«وكذلك» .

(5)

يعني: ولذلك لم تحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم تنقل عنه قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة كما حفظ عنه ونقل الدعاءُ للميت. و «ما» في «ما لم ينقل» مصدرية في موضع نصب. وقد أشكلت العبارة بسبب «مِن» ، فجاء في ن:«ونقل عنه ما نقل» ، ولكنه خلاف المقصود.

ص: 649

فحُفِظ من دعائه: «اللهمَّ اغفر له، وارحمه. وعافِه، واعفُ عنه. وأكرِمْ نُزُلَه، ووسِّع مُدْخلَه. واغسله بالماء والثلج والبرَد، ونقِّه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس. وأبدِله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه. وأدخِله الجنة، وأعِذْه من عذاب القبر ومن عذاب النار»

(1)

.

وحُفِظ من دعائه: «اللهمَّ اغفر لحيِّنا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا. اللهمَّ من أحييته منَّا فأحْيِه على الإسلام، ومن توفَّيتَه منا فتوفَّه على الإيمان. اللهمَّ لا تَحْرِمنا أجرَه، ولا تُضِلَّنا بعده»

(2)

.

وحُفِظ من دعائه أيضًا: «اللهمَّ إنَّ فلان بن فلان في ذمَّتك وحَبْلِ جوارك، فقِهِ من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، فاغفر له وارحمه،

(1)

أخرجه مسلم (963) من حديث عوف بن مالك الأشجعي.

(2)

أخرجه أحمد (8809، 17543، 17546، 22554) وأبو داود (3201) والترمذي (1024) والنسائي في «المجتبى» (1986) و «الكبرى» (10851 - 10858) وابن ماجه (1498) والطبراني في «الدعاء» (1167 - 1171) والبيهقي (4/ 41) من طرق عن يحيى بن أبي كثير، وقد اختلف عليه في إسناده كثيرًا، ففي بعض الطرق عنه عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه، وهي أصح الروايات رجحها البخاري فيما نقله عنه الترمذي عقب الحديث، وهي ضعيفة فإن الأشهلي وأباه مجهولان. وفي بعض الطرق عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال أبو حاتم في «العلل» (1047):«هذا خطأ، الحفاظ لا يقولون: أبو هريرة، إنما يقولون: أبو سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم» . وهذا المرسل أخرجه عبد الرزاق (6419) وابن أبي شيبة (11474، 11479، 30398، 30403).

ص: 650

إنَّك أنت الغفور الرحيم»

(1)

.

وحُفِظ من دعائه أيضًا: «اللهم أنت ربُّها، وأنت خلقتها، وأنت رزقتها، وأنت هديتها للإسلام، وأنت قبضت روحها. تعلم سرَّها وعلانيتها، جئنا شفعاء، فاغفر لها»

(2)

.

وكان يأمر بإخلاص الدعاء للميِّت

(3)

.

وكان يكبِّر أربع تكبيرات. وصحَّ عنه أنه كبَّر خمسًا. وكان الصحابة بعده

(1)

أخرجه أحمد (16018) وأبو داود (3202) وابن ماجه (1499) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 486) والطبراني في «الدعاء» (1189) و «المعجم الكبير» (22/ 89) من حديث واثلة بن الأسقع. وصححه ابن حبان (758)، وحسنه الحافظ في «نتائج الأفكار» (4/ 402).

(2)

أخرجه أحمد (8545، 8751) وأبو داود (3200) والنسائي في «الكبرى» (10848 - 10850) والطبراني في «الدعاء» (1186) والبيهقي (4/ 42) من حديث أبي هريرة. عُلِّل هذا الحديث بثلاث علل: اضطراب في إسناده، وجهالة بعض الرواة، وكونه روي موقوفًا على أبي هريرة. انظر للتفصيل: تعليق محققي «المسند» فقد أطالوا البحث فيه.

(3)

الدعاء الأخير مع هذه الجملة وقع في م، ق، مب مقدَّمًا على الدعاء السابق. وكتب في م فوق «وحفظ» في الدعاء المقدَّم فيها:«مقدم» ، والمؤخر فيها:«مؤخر» . ولا أدري أقصَد بذلك تأكيد التقديم والتأخير أم سها في كتابة اللفظين على العكس. وأمْرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بإخلاص الدعاء للميت أخرجه أبو داود (3199) وابن ماجه (1497) وابن حبان (3076، 3077)، وفيه محمد بن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند ابن حبان في الموضع الثاني. وعدّه الدارقطني من أفراد محمد بن إسحاق، انظر:«أطراف الغرائب والأفراد» (2/ 285).

ص: 651

يكبِّرون أربعًا وخمسًا وسِتًّا

(1)

. فكبَّر زيد بن أرقم خمسًا، وذكر أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كبَّرها. ذكره مسلم

(2)

.

وكبَّر علي بن أبي طالب على سهل بن حُنَيف سِتًّا

(3)

، وكان يكبر على أهل بدر سِتًّا وعلى غيرهم من الصحابة خمسًا وعلى سائر الناس أربعًا. ذكره الدارقطني

(4)

.

وذكر سعيد بن منصور

(5)

عن الحكم بن عتيبة أنه قال: كانوا يكبِّرون على أهل بدر خمسًا وسِتًّا وسبعًا.

وهذه آثار صحيحة، فلا موجب للمنع منها. والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يمنع مما زاد على الأربع، بل فعله هو وأصحابه من بعده.

والذين منعوا من الزيادة على الأربع

(6)

، منهم من احتجَّ بحديث ابن

(1)

انظر للآثار: «مصنف ابن أبي شيبة» (7/ 260 - 273).

(2)

برقم (957).

(3)

أخرجه البيهقي (4/ 36) بإسناده صحيح، وأصله في البخاري (4004) ولم يذكر فيه العدد. انظر:«فتح الباري» (7/ 245).

(4)

برقم (1823)، وأخرجه ابن أبي شيبة (11573) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 431، 435) والطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 497) والبيهقي (4/ 37)، وإسناده صحيح.

(5)

وأخرجه عبد الرزاق (6395) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 472) والبيهقي (4/ 37) عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي. وأخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 497) عن همام بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي.

(6)

ما عدا م، ق، مب:«أربع» .

ص: 652

عباس أنَّ آخر جنازة صلَّى عليها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كبَّر أربعًا

(1)

. قالوا: وهذا آخر الأمرين، وإنما يؤخذ بالآخِر فالآخِر من فعله صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث قد قال الخلال في «العلل»

(2)

: أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن حديث أبي المليح عن ميمون عن ابن عباس. فذكر الحديث. فقال أحمد: هذا كذب، ليس له أصل. إنما رواه محمد

(3)

بن زياد الطحان، وكان يضع الحديث.

واحتجُّوا بأنَّ ميمون بن مِهْران روى عن ابن عباس أنَّ الملائكة لما صلّت على آدم كبَّرت عليه أربعًا، وقالوا: تلك سنَّتكم يا بني آدم

(4)

.

وهذا

(1)

أخرجه أبو يعلى (280) والطبراني في «الأوسط» (5474) و «الكبير» (11/ 256) والبيهقي (4/ 37)، وفيه النضر بن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز، متروك. وقال البيهقي:«وقد روي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة، إلا أن اجتماع أكثر الصحابة رضي الله عنهم على الأربع كالدليل على ذلك» . قال أبو وائل: «كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعًا وخمسًا وستًّا، وجمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر كلّ واحد بما رأى، فجمعهم على أربع تكبيرات، بمعنى التكبير على الجنازة» ، وبنحوه قال همام بن الحارث.

(2)

نقله منه ابن الملقِّن في «البدر المنير» (5/ 264).

(3)

ص، ج، ع:«أحمد» ، وهو خطأ. وسقط من ع:«الطحان» .

(4)

أخرجه الحارث في «مسنده» (272 - بغية الباحث) والدارقطني (1818) والحاكم (1/ 386). فيه فرات بن السائب، ووقع عند الدارقطني:«الفرات بن سليمان الجزري» وقال: «إنما هو فرات بن السائب، متروك الحديث» . ووقع عند الحارث: «عن ابن عمر» ، وكذلك فيما ذكره الألباني. وله طريق آخر، وفيه محمد بن زياد الطحان اليشكري، نظير فرات. انظر:«الضعيفة» (6/ 406 - 407).

وبنحوه روي عن الحسن عن عُتَيّ عن أُبَيّ، وعن الحسن عن أنس، سيأتي ذكرهما في التخريج التالي.

ص: 653

الحديث قد قال فيه الأثرم

(1)

: جرى ذكر محمد بن معاوية النيسابوري الذي كان بمكة، فسمعتُ أبا عبد الله قال: رأيت أحاديثه موضوعةً، فذكر منها عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن الملائكة صلَّت على آدم، فكبَّرت

(2)

عليه أربعًا. فاستعظمه أبو عبد الله، وقال: أبو المليح كان أصحَّ حديثًا وأتقى لله من أن يروي مثل هذا.

واحتجُّوا بما رواه البيهقي

(3)

من حديث عُتَيٍّ

(4)

عن أُبَيٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الملائكة صلّت على آدم، فكبَّرت

(5)

عليه أربعًا، وقالت: هذه سنَّتكم يا

(1)

أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 441).

(2)

مب: «لما صلَّت على آدم كبَّرت» .

(3)

(4/ 36)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (551) وابن أبي شيبة (11021) وعبد الله في «مسند أبيه» (21240) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 400) والطبراني في «الأوسط» (4426، 9259) والدارقطني (1813 - 1815) والحاكم (1/ 344) والبيهقي (3/ 404) والضياء في «المختارة» (4/ 19، 20) من طرق عن الحسن البصري على اختلاف عليه فيه، ففي بعض الطرق: عنه عن عُتي عن أُبي بن كعب مُسندًا مرفوعًا، وفي بعضها: عنه عن أُبيٍّ موقوفًا، وفي أخرى: عنه مرسلًا. ومدار الموقوف والمرفوع على عُتي بن ضَمْرة السعدي، وهو مجهول. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (2872، 3010). وانظر لتفصيل طرقه: تعليق محققي «المسند» .

وروي أيضًا عن الحسن عن أنس بن مالك موقوفًا عليه، أخرجه الدارقطني (1816) والحاكم (1/ 385)، وفي إسناده محمد بن الوليد القلانسي أبو جعفر المخرمي، قال الدارقطني: ضعيف.

(4)

في ج: «غُنيّ» . ويظهر أنَّ ص كان فيها: «عي» وفوقه: «كذا» ، فغيَّره بعضهم إلى «يحيى» كما في النسخ الأخرى، وكلُّ ذلك تصحيف ما أثبت من مصادر التخريج.

(5)

مب: «لما صلتّ على آدم فكبَّرت» .

ص: 654

بني آدم. وهذا لا يصح. وقد روي مرفوعًا وموقوفًا.

وكان أصحاب معاذ يكبِّرون خمسًا. قال علقمة

(1)

: قلت لعبد الله: إنَّ ناسًا من أصحاب معاذ قدِموا من الشام، فكبَّروا على ميِّت لهم خمسًا. فقال عبد الله:«ليس على الميِّت في التكبير وقتٌ. كبِّر ما كبَّر الإمام، فإذا انصرَف الإمام فانصرِفْ» .

فصل

وأما هديه صلى الله عليه وسلم في التسليم من صلاة الجنازة، فروي عنه: أنه كان يسلِّم واحدةً، وروي عنه: أنه كان يسلِّم تسليمتين.

فروى البيهقي

(2)

وغيره من حديث المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً واحدةً. لكن قال الإمام أحمد

(1)

أخرجه عبد الرزاق (6403) وابن أبي شيبة (11569) والبيهقي (4/ 37) وابن حزم في «المحلى» (5/ 126) وقال: «وهذا إسناد في غاية الصحة» .

(2)

لم أجده عند البيهقي، وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 441) بسنده عن الأثرم عن الإمام أحمد أنه قال:«رأيت من حديث محمد بن معاوية النيسابوري عن المخرِّمي عن عثمان بن محمد عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى على جنازة، فكبَّر أربعًا، وسلَّم تسليمةً» ، وقال:«وهذا عندي موضوع» . وأخشى أن يكون المؤلف لما رأى البيهقي يقول في «معرفة السنن والآثار» (5/ 305): «وروِّينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى على جنازة فكبَّر عليها أربعًا وسلَّم تسليمةً» ظنَّ أن المقصود حديث المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه، وإنما أخرجه البيهقي في «الكبرى» (4/ 43) من حديث أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (11620) والدارقطني (1817) والحاكم (1/ 360). وأبو العنبس صدوق، ووالده لم أجد من تكلم فيه جرحًا ولا تعديلًا.

ص: 655

في رواية الأثرم

(1)

: وهذا

(2)

عندي موضوع. ذكره الخلال في «العلل» .

وقال إبراهيم الهَجَري: أمَّنا عبد الله بن أبي أوفى

(3)

على جنازة ابنته، فكبَّر أربعًا، فمكث ساعةً حتى ظننَّا أنه سيكبِّر خمسًا، ثم سلَّم عن يمينه وعن شماله. فلما انصرف قلنا له

(4)

: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، أو هكذا صنَع رسول الله صلى الله عليه وسلم

(5)

.

وقال ابن مسعود

(6)

: ثلاث خلال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن تركهن الناس، إحداهن: التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. ذكرهما البيهقي.

(1)

أخرجه الخطيب مع الحديث المذكور.

(2)

الواو قبل «هذا» من ق، م، مب.

(3)

في النسخ المطبوعة: «حدثنا عبد الله بن أبي أوفى أنه صلَّى» . وهو من تصرف بعض النساخ.

(4)

«له» ساقط من ص.

(5)

أخرجه البيهقي (3/ 43)، وفيه إبراهيم الهجري، فيه لين، يرفع الموقوفات. وفيه أيضًا محمد بن مسلمة الواسطي، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (4/ 490):«وفي حديثه مناكير بأسانيد واضحة» ، وانظر:«لسان الميزان» (7/ 507 - 509). والآفة منه في زيادة: «عن يمينه وعن شماله» ، وهي ليست بمروية فيما روى أصحاب الهجري عنه؛ مثل الثوري [الحميدي (735)] وشعبة [ابن الجعد (626) والبزار (3355)] وأبي معاوية [ابن أبي شيبة (11558)] وعبد الرحمن المحاربي [ابن ماجه (1503)] وشريك [«معاني الآثار» (1/ 495) عن أبي نعيم عنه] وغيرهم.

(6)

أخرجه البيهقي (4/ 43) والطبراني (10/ 82)، وفي إسناده يزيد بن خالد أبو عبد الرحمن، مجهول.

ص: 656

ولكن إبراهيم بن مسلم الهجَري ضعَّفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم. وحديثه هذا قد رواه الشافعي في «كتاب حرملة»

(1)

عن سفيان عنه، وقال: كبَّر عليها أربعًا، ثم قام ساعةً، فسبَّح به القوم، فسلَّم. ثم قال: كنتم ترون أنِّي أزيد على أربع، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كبَّر أربعًا. ولم يقل: عن يمينه وعن شماله

(2)

. ورواه ابن ماجه

(3)

من حديث المحاربي عنه كذلك ولم يقل: عن يمينه وعن شماله. وذكرُ السلام عن يمينه وعن شماله انفرد بها

(4)

شريك عنه

(5)

. قال البيهقي

(6)

: ثم عزاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير فقط، أو في التكبير وغيره.

قلت: والمعروف عن ابن أبي أوفى خلاف ذلك: أنه كان يسلِّم واحدةً. ذكره الإمام أحمد عنه. قال أحمد بن القاسم

(7)

: قيل لأبي عبد الله: أتعرف عن أحد من الصحابة أنه كان يسلِّم تسليمتين على الجنازة

(8)

؟ قال: لا،

(1)

ذكره البيهقي في «معرفة السنن» (5/ 305).

(2)

م، ق:«وشماله» .

(3)

برقم (1503)، وهو من أصحاب الهجري، وقد تقدم في تخريج حديث ابن أبي أوفى.

(4)

كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة. يعني: الرواية.

(5)

والظاهر أنه ليس كذلك إذ أخرجه الطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 495) من طريق أبي نعيم عن شريك عن الهجري به، وليس فيه هذه الزيادة. والآفة فيه عند البيهقي من قبل محمد بن مسلمة الواسطي، وقد تقدم شرحه في تخريج حديث ابن أبي أوفى.

(6)

في «معرفة السنن» (5/ 305).

(7)

نقله ابن الملقن في «التوضيح» (9/ 618) عن الخلال.

(8)

في طبعة الرسالة: «على الجنازة تسليمتين» ، وهذا التقديم والتأخير وقع في طبعة عبد اللطيف خلافًا للهندية والميمنية.

ص: 657

ولكن عن ستَّة من الصحابة أنهم كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً خفيَّةً

(1)

عن يمينه

(2)

. فذكر ابن عمر، وابن عباس، وأبا هريرة، وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وزيد بن ثابت. وزاد البيهقي

(3)

: علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبا أمامة بن سهل بن حنيف. فهؤلاء عشرة من الصحابة. وأبو أمامة أدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم وسمَّاه باسم جدِّه لأمِّه أبي أمامة

(4)

أسعد بن زرارة، وهو معدود في الصحابة ومن كبار التابعين.

وأما رفعُ اليدين، فقال الشافعي: تُرفَع للأثر والقياس على السنَّة في الصلاة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في كلِّ تكبيرة كبَّرها في الصلاة وهو قائم.

قلتُ: يريد بالأثر ما رواه عن ابن عمر وأنس بن مالك أنَّهما كانا يرفعان أيديهما كلَّما كبَّرا على الجنازة

(5)

.

ويُذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في أول التكبير ويضع يده اليمنى على

(1)

في النسخ المطبوعة: «خفيفة» ، وفي «التوضيح» كما أثبت من النسخ.

(2)

كذا في جميع النسخ. والوجه: «يمينهم» كما في «التوضيح» .

(3)

في «معرفة السنن» (5/ 305).

(4)

ما عدا م، ق، ن:«لأنَّ أبا أمامة» .

(5)

أخرج البيهقي (4/ 44) أثر ابن عمر بإسناد صحيح، وذكر أثر أنس بصيغة التمريض. وأثر ابن عمر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (11498، 11506) والبخاري في «جزء رفع اليدين» (105 - 107) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 469). وأما أثر أنس فقد رواه الشافعي في القديم كما ذكره البيهقي في «معرفة السنن» (5/ 301)، وعنه في «البدر المنير» (5/ 386) و «التلخيص الحبير» (3/ 1279)، وإسناده منقطع.

ص: 658

اليسرى. ذكره البيهقي في «السنن»

(1)

. وفي الترمذي

(2)

من حديث أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وضع يده اليمنى على يده اليسرى في صلاة الجنازة. وهو ضعيف بيزيد بن سنان الرُّهاوي.

فصل

وكان من هديه إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلَّى على القبر. فصلَّى مرةً على قبر بعد ليلة

(3)

، ومرةً بعد ثلاث

(4)

، ومرةً بعد شهر

(5)

، ولم يوقِّت

(1)

(4/ 38)، وانظر التخريج الآتي.

(2)

برقم (1077) وضعفه. وأخرجه أبو يعلى (5858) والدارقطني (1830، 1831) والبيهقي، وفي إسناده أيضًا يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو مثل الرُّهاوي في الضعف.

(3)

أخرجه البخاري (1247، 1340) ومسلم (954) من حديث ابن عباس، وليس عند مسلم ذكر أنه كان بعد ليلة.

(4)

أخرجه البيهقي (4/ 47 - 48) من طريق حماد بن واقد عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبرٍ بعد ثلاثة أيام. وقال: «وحماد بن واقد هذا ضعيف، وهذا التأقيت لا يصح البتة. وإنما يصح ما ذكره بعض الرواة عن حماد بن زيد: فسأل عنها بعد أيام، وفي بعض الروايات: فذكره ذات يوم

». وأصله عند البخاري (460) من طريق حماد بن زيد عن ثابت به أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبرٍ، دون التوقيت. وأخرج البيهقي (4/ 49) عن نافع أن ابن عمر قدِم بعد وفاة عاصم بن عمر بثلاث فأتى قبره فصلى عليه، وإسناده صحيح.

(5)

أخرج الترمذي (1038) وابن المنذر (5/ 452، 453) والطبراني (6/ 20) والبيهقي (4/ 48) عن سعيد بن المسيب مرسلًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى على أمِّ سعد بعد موتها بشهر، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا البيهقي عن ابن عباس موصولًا وقال:«وهذا الكلام فى صلاته على أم سعد في هذا الإسناد يتفرد به سويد بن سعيد، والمشهور عن قتادة عن ابن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا كما مضى، وفيما حكى أبو داود [في «مسائله» (ص 384)] عن أحمد بن حنبل أنه قيل لأحمد: حدّث به سويد عن يزيد بن زريع، قال: لا يُحدَّث بمثل هذا».

ص: 659

في ذلك وقتًا.

قال أحمد: من يشكُّ في الصلاة على القبر؟ يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

من ستَّة أوجهٍ كلُّها حسان

(2)

. فحدَّ الإمام أحمد الصلاةَ على القبر بشهر، إذ هو أكثرُ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلَّى بعده

(3)

. وحدَّه الشافعي بما إذا لم يبلَ الميِّت

(4)

. ومنع منها مالك وأبو حنيفة إلا للولي إذا كان غائبًا

(5)

.

وكان من هديه: أنه

(6)

يقوم عند رأس الرجل، ووسط المرأة

(7)

.

(1)

بعده في النسخ المطبوعة: «كان إذا فاتته الجنازة صلَّى على القبر» . وهي زيادة ناسخ أو قارئ في النسخة التي صدرت عنها الطبعة الهندية.

(2)

المغني (3/ 445)، وانظر:«الأوسط» (5/ 413) و «الاستذكار» (3/ 34).

(3)

انظر: «مسائله» برواية صالح (2/ 134) والكوسج (2/ 814).

(4)

انظر: «المهذَّب» للشيرازي (1/ 249).

(5)

«الأوسط» (5/ 413)، «المدونة» (1/ 257)، «الهداية» للمرغيناني (1/ 90).

(6)

ما عدا ق، م، مب، ن:«أن» .

(7)

أخرجه أحمد (12180، 13114) وأبو داود (3194) والترمذي (1034) وابن ماجه (1494) والبيهقي (4/ 33) من حديث أنس بن مالك. حسنه الترمذي، واختاره الضياء المقدسي (7/ 241)، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص 109)، واحتج به ابن حزم في «المحلى» (5/ 123 - 124 و 156).

وقد أخرج البخاري (332، 1331، 1332) ومسلم (964) من حديث سمرة بن جندب في قيام النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة وسط المرأة. ولم يخرجا شيئًا في شأن الرجل.

ص: 660

فصل

وكان من هديه: الصلاة على الطفل. فصحَّ عنه أنه قال: «الطفل يصلَّى عليه»

(1)

.

وفي «سنن ابن ماجه»

(2)

مرفوعًا: «صلُّوا على أطفالكم، فإنَّهم من أفراطكم» .

قال أحمد بن أبي عَبْدة

(3)

: سألتُ أحمد: متى يجب أن يصلَّى على السِّقْط؟ قال: إذا أتى عليه أربعة أشهر، لأنه ينفخ فيه الروح. قلت: فحديث المغيرة بن شعبة: «الطفل يصلَّى عليه» ؟ قال: صحيح مرفوع. قلت: ليس في هذا بيان الأربعة الأشهر ولا غيره؟ قال: قد قاله سعيد بن المسيِّب.

فإن قيل: فهل صلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم يوم مات؟ قيل: قد اختُلِف في ذلك، فروى أبو داود في «سننه»

(4)

عن عائشة قالت: مات إبراهيم ابن

(1)

أخرجه أحمد (18162) وأبو داود (3180) والترمذي (1031) والنسائي في «المجتبى» (1942، 1943، 1948) و «الكبرى» (2080، 2081، 2086) وابن ماجه (1507) من حديث المغيرة بن شعبة، صححه الترمذي وابن حبان (769) والحاكم (1/ 355، 363). وقد اختلف في رفعه ووفقه، انظر:«العلل» للدارقطني (1258) وتعليق محققي «المسند» .

(2)

برقم (1509) من حديث أبي هريرة، وهو مما انفرد به ابن ماجه. وفيه البختري بن عبيد الطابخي، متروك؛ وأبوه مجهول.

(3)

لم أقف على روايته، ولكن نحوها في «مسائل صالح» (3/ 176) و «مسائل أبي داود» (ص 223) و «المغني» (3/ 458) و «فتح الباري» لابن رجب (2/ 118).

(4)

برقم (3187)، وأخرجه أحمد والطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 507)، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وحسن الحافظ إسناده في «الإصابة» (1/ 338)، ونقل تصحيح ابن حزم فعقّبه بتضعيف أحمد إياه الآتي ذكره، ونقل عن ابن عبد البر أيضًا تضعيفه.

ص: 661

النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا، فلم يصلِّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام أحمد

(1)

: ثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة عن عائشة. فذكره. وقال أحمد في رواية حنبل

(2)

: هذا حديث منكرجدًّا، وهو من

(3)

ابن إسحاق.

قال الخلال: وقرئ على عبد الله

(4)

: حدثني أبي، ثنا أسود بن عامر، ثنا إسرائيل، قال

(5)

: وجابر، عن عامر، عن البراء بن عازب قال: صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم

(6)

، وهو ابن ستة عشر شهرًا.

(1)

برقم (26305).

(2)

نقلها ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (2/ 423) بنصها دون ذكر حنبل. وفي «الإصابة» (1/ 338) عن حنبل بلفظ: «حديث منكر» فقط.

(3)

في طبعة الرسالة: «ووَهَّى» . وهذا التصرف وقع في الطبعة الميمنية، إذ كان في الطبعة الهندية «وهو» بسقوط «من» بعده، فأصلحوه هكذا!

(4)

يعني: في «كتاب العلل» (3672). وأخرجه أحمد في «المسند» (18497)، وأخرجه البيهقي (4/ 9) من طريق الأسود به، وجابر الجعفي ضعيف.

(5)

يعني: أسود بن عامر. في «العلل» : «

أسود بن عامر قال: حدثنا إسرائيل وجابر». وفي «المسند» (18497): «

حدثنا إسرائيل عن جابر». وفي طبعة الرسالة: «جابر الجعفي» . و «الجعفي» زيادة الفقي.

(6)

في طبعة الرسالة بعده: «ومات» . زادوه من «المسند» دون تنبيه، واللفظ المنقول هنا من «العلل» لا من «المسند» !

ص: 662

وذكر أبو داود

(1)

عن البهي قال: لما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المقاعد

(2)

. وهذا مرسل، والبهيُّ اسمه عبد الله بن يسار، كوفيٌّ.

وذكر

(3)

عن عطاء بن أبي رباح أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلّى على ابنه إبراهيم وهو ابن سبعين ليلةً. وهذا مرسل، وهِم فيه عطاء فإنه كان قد تجاوز السَّنة.

فاختلف الناس في هذه الآثار، فمنهم من أثبت الصلاة عليه ومنع صحة حديث عائشة كما قال الإمام أحمد وغيره. قالوا: وهذه المراسيل مع حديث البراء يشُدُّ بعضُها بعضًا.

ومنهم من ضعَّف حديث البراء بجابر الجعفي، وضعَّف

(4)

هذه المراسيل وقال: حديث ابن إسحاق أصحُّ منها.

ثم اختلف هؤلاء في السبب الذي لأجله لم يصلِّ عليه

(5)

، فقالت طائفة: استغنى ببنوَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه

(6)

التي هي شفاعة له، كما استغنى الشهيد بشهادته عن الصلاة عليه.

(1)

في «السنن» (3188) و «المراسيل» (431)، وأخرجه البيهقي (4/ 9)، والحديث مرسل صحيح.

(2)

في «مشارق الأنوار» (1/ 394): «قيل: هو موضع عند باب المسجد. وقيل: مصاطب حوله. وقال حبيب عن مالك: هي دكاكين عند دار عثمان

».

(3)

في «السنن» عقب (3188)، وأخرجه اليبهقي (4/ 9)، والحديث مرسل صحيح.

(4)

لم يرد «ضعَّف» في ص، ج.

(5)

انظر في الأقوال الآتية: «معالم السنن» (1/ 312) و «الاستيعاب» (1/ 58 - 59).

(6)

في طبعة الرسالة قبل «الصلاة» زيادة: «قربة» تبعًا لنشرة الفقي.

ص: 663

وقالت طائفة أخرى: إنه مات يوم كسفت الشمس، فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه.

وقالت فرقة: لا تعارض بين هذه الآثار فإنه أمر بالصلاة عليه، فقيل: صلَّى عليه. ولم يباشرها بنفسه لاشتغاله بصلاة الكسوف، فقيل: لم يصلِّ عليه.

وقالت فرقة: رواية المثبت أولى، لأنَّ معه زيادةَ علم، وإذا تعارض النفي والإثبات قُدِّم الإثبات. والله أعلم.

فصل

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه لا يصلِّي على من قتل نفسه

(1)

ولا على من غلَّ من الغنيمة

(2)

.

واختُلِف عنه في الصلاة على المقتول حدًّا كالزاني المرجوم. فصحَّ عنه أنه صلّى على الجهنية التي رجمها، فقال له عمر: تصلِّي عليها يا رسول الله، وقد زنت؟ فقال:«لقد تابت توبةً لو قُسِمت بين سبعين من أهل المدينة لوَسِعَتْهم، وهل وجدتَ توبةً أفضلَ من أن جادت بنفسها لله؟» . ذكره مسلم

(3)

.

وذكر البخاري في «صحيحه»

(4)

قصة ماعز بن مالك، وقال: فقال له

(1)

أخرجه مسلم (978) من حديث جابر بن سمرة.

(2)

أخرج مالك (1320) من حديث زيد بن خالد أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ على مَن غلّ في غزاة خيبر.

(3)

برقم (1696).

(4)

برقم (6820) من حديث جابر بن عبد الله.

ص: 664

النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خيرًا، وصلّى عليه. وقد اختُلِف على الزهري في ذكر الصلاة عليه فأثبتها محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عنه، وخالفه ثمانية من أصحاب عبد الرزاق فلم يذكروها

(1)

. وهُم: إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى الذهلي، ونوح بن حبيب، والحسن بن علي، ومحمد بن المتوكل، وحميد بن زنجويه، وأحمد بن منصور الرَّمادي.

قال البيهقي

(2)

: وقول محمود بن غيلان: إنَّه صلَّى عليه خطأ، لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه، ثم إجماع

(3)

أصحاب الزهري على خلافه.

وقد اختُلِف في قصة ماعز بن مالك، فقال أبو سعيد الخدري:«ما استغفر له، ولا سبَّه» . وقال بُريدة بن الحصيب: إنه قال: «استغفِروا لماعز

(4)

بن مالك»، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. ذكرهما مسلم

(5)

.

وقال جابر: «فصلَّى عليه» ، ذكره البخاري

(6)

، وهو حديث عبد الرزاق المعلَّل.

(1)

وهو في «مصنفه» (13337) المطبوع برواية الدبري بلفظ: «فقال النبي صلى الله عليه وسلم خيرًا، ولم يصلِّ عليه» .

(2)

في «معرفة السنن» (12/ 302) وانظر: «السنن الكبير» (8/ 218) و «السنن الصغير» (2538 - ط. قلعجي).

(3)

ص: «أجمع» .

(4)

وقع بعده خرم في م.

(5)

برقم (1694، 1695).

(6)

برقم (6820)، وقد تقدم قريبًا.

ص: 665

وقال أبو برزة الأسلمي: لم يصلِّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينهَ عن الصلاة عليه. ذكره أبو داود

(1)

.

قلت: حديث الغامدية لم يُختلف فيه أنه صلّى عليها

(2)

. وحديث ماعز إما أن يقال: لا تعارض بين ألفاظه، فإنَّ الصلاة فيه هي دعاؤه

(3)

له بأن يغفر الله له، وتركُ الصلاة فيه هي تركه الصلاة على جنازته تأديبًا وتحذيرًا. وإما أن يقال: إذا تعارضت ألفاظه عُدِل عنه إلى حديث الغامدية.

فصل

وكان إذا صلَّى عليه تبعه إلى المقابر ماشيًا أمامه، وهذه كانت سنَّة خلفائه الراشدين من بعده

(4)

.

(1)

برقم (3186)، وأخرجه ابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص 310). وفي إسناده إبهام.

(2)

أخرجه مسلم (1695/ 23).

(3)

ص: «الدعاء» .

(4)

أخرجه أحمد (4539، 4939، 6042) وأبو داود (3179) والترمذي (1007، 1008) والنسائي في «المجتبى» (1944، 1945) و «الكبرى» (2081 - 2083) وابن ماجه (1482) وابن حبان (3045 - 3047) من طرق عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر. وقد اختلف في وصله، فأخرجه مالك (600) والترمذي (1009) والطحاوي في «معاني الآثار» (1/ 379) من طرق عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه مرسلًا. وهو الذي صوَّبه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي والدارقطني. انظر:«مسائل أحمد» رواية عبد الله (ص 142 - 143) و «العلل الكبير» للترمذي (ص 153) و «العلل» للدارقطني (2716) و «تهذيب السنن» للمؤلف (2/ 367 - 369).

ورواه بعضهم عن الزهري عن أنس، كما عند الترمذي (1010) وابن ماجه (1483) والبزار (13/ 17)، وهو خطأ كما قال البخاري (فيما نقله عنه الترمذي) والدارقطنيُّ في «العلل» (2588، 2617).

ص: 666

وسَنّ لمن تبعها إن كان راكبًا أن يكون وراءها، وإن كان ماشيًا أن يكون قريبًا منها إما خلفها أو

(1)

أمامها أو عن يمينها أو عن شمالها

(2)

.

وكان يأمر بالإسراع بها حتى إن كانوا ليرمُلون بها رمَلًا. وأما دبيب الناس اليوم خطوةً خطوةً، فبدعة مكروهة مخالفة للسنة، متضمِّنة للتشبُّه بأهل الكتاب اليهود. وكان أبو بكرة يرفع السوط على من يفعل ذلك، ويقول: لقد رأيتُنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمُل رمَلًا

(3)

.

وقال ابن مسعود: سألنا نبيَّنا صلى الله عليه وسلم عن المشي مع الجنازة، فقال:«ما دون الخَبَب» . رواه أهل «السنن»

(4)

.

(1)

ج: «وإما» .

(2)

أخرجه أحمد (18162) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (1481) من حديث المغيرة بن شعبة، وصححه الترمذي وغيره مع اختلاف في رفعه ووفقه. وقد تقدم تخريجه مفصلًا.

(3)

أخرجه أحمد (20375، 20388) ــ المرفوع دون الجزء الموقوف ــ وأبو داود (3182) والنسائي في «المجتبى» (1913 و 1912) و «الكبرى» (2051 و 2050) والبيهقي (4/ 22)، صححه ابن حبان (3044 و 3043) والحاكم (1/ 355، 3/ 455، 456). وعند أبي داود من طريق شعبة أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص وكانوا يمشون مشيًا خفيفًا فلحِقهم أبو بكرة فرفع سوطه فقال: «لقد رأيتُنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملًا» ، ولكن قال غير شعبة:«جنازة سمرة بن جندب» كما عند غير أبي داود، وهو خطأ. انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (1102).

(4)

أبو داود (3184) والترمذي (1011)، وأخرجه أحمد (3585، 3734، 3939، 4110) والبيهقي (4/ 22، 25) من حديث عبد الله بن مسعود. وفيه يحيى المجبِّر، قال أبو داود: «وهو ضعيف، هو يحيى بن عبد الله، وهو يحيى الجابر

، وهذا كوفي، وأبو ماجدة بصري

، لا يعرف». وفيه أيضًا أبو ماجد (ويقال: أبو ماجدة) عائذ بن نضلة، ضعفه البخاري وقال:«قال الحميدي: قال ابن عيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجد هذا؟ قال: طائر طار فحدَّثنا» ، نقله الترمذي.

ص: 667

وكان يمشي إذا تبع الجنازة، ويقول:«لم أكن لأركبَ والملائكةُ يمشُون»

(1)

. فإذا انصرف عنها فربما مشى وربما ركب.

وكان إذا تبعها لم يجلس حتى توضع، وقال: «إذا تبعتم الجنازة

(2)

فلا تجلسوا حتى توضع»

(3)

.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمراد وضعها بالأرض

(4)

. قلت: قال

(1)

أخرجه أحمد (18162، 18181) وأبو داود (3177) والنسائي في «الكبرى» (6854 - 6856) وابن ماجه (1481) والبيهقي (4/ 23) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، صححه الترمذي وابن حبان (3049) والحاكم (1/ 355) والألباني في «أحكام الجنائز» (ص 75). خطأه أبو حاتم في «العلل» (1078) ورجح أنه عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده أبي سلَّام عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم، واستبعد أن يكون عن أبي سلمة عن ثوبان. وأبو سلام هو ممطور الحبشي ثقة يرسل، ولم يسمع من ثوبان، قاله ابن معين وأحمد وابن المديني وأبو حاتم، انظر:«تهذيب التهذيب» (10/ 296). وأخرج الترمذي (1052) من طريق أبي بكر بن أبي مريم (وهو ضعيف) عن راشد بن سعد (وهو كثير الإرسال) عن ثوبان مرفوعًا بنحوه، ثم ذكر أنه روي موقوفًا، ونقل عن البخاري أن الموقوف أصح.

(2)

ك: «اتبعتم» . ع: «جنازة» .

(3)

أخرجه البخاري (1310 و 1309) ومسلم (959) من حديث أبي سعيد الخدري.

(4)

انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (1/ 230).

ص: 668

أبو داود

(1)

: روى هذا الحديث الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال فيه:«حتى توضع بالأرض» ، ورواه أبو معاوية عن سهيل وقال

(2)

: «حتى توضع في اللحد» . قال: وسفيان أحفظ من أبي معاوية.

وقد روى أبو داود

(3)

عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد. ولكن في إسناده بشر بن رافع، قال الترمذي

(4)

: ليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال أحمد

(5)

: ضعيف. وقال ابن معين: حدَّث بمناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: يروي أشياء موضوعة كأنه المتعمد لها

(6)

.

فصل

ولم يكن من هديه وسنَّته الصلاةُ على كلِّ غائب ميِّت. فقد مات خلق كثير من المسلمين، وهم غُيَّب، فلم يصلِّ عليهم. وصحَّ عنه أنه صلَّى على

(1)

عقب (3173).

(2)

ما عدا ق: «قال» دون الواو.

(3)

في طبعة الرسالة بعده: «الترمذي» والزيادة من الفقي. والحديث أخرجه أبو داود (3176) والترمذي (1020) وابن ماجه (1545) والبزار (7/ 132) والبيهقي (4/ 28)، وفيه عبد الله بن سليمان بن جنادة، قال البخاري: فيه نظر؛ وأبوه منكر الحديث، «التاريخ الكبير» (5/ 108، 4/ 6) ولاءً. وفي طريق الترمذي وابن ماجه بشر بن رافع، ضعيف كما سيذكره المصنف.

(4)

في «الجامع» عقب الحديث.

(5)

ص: «الإمام أحمد» .

(6)

انظر لقول البخاري ومَن بعده: «ميزان الاعتدال» (1/ 317).

ص: 669

النجاشي صلاته على الميِّت

(1)

.

فاختلف الناس في ذلك على ثلاثة طرق:

أحدها: أنَّ هذا تشريع منه وسنَّة للأمة: الصلاة على كلِّ غائب. وهذا قول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه.

وقال أبو حنيفة ومالك: هذا خاصٌّ به، وليس ذلك لغيره. قال أصحابهما: ومن الجائز أن يكون رُفِعَ له سريرُه، فصلَّى عليه وهو يراه صلاتَه على الحاضر المشاهَد وإن كان على مسافة من البعد. والصحابة وإن لم يروه فهم تابعون للنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. قالوا: ويدل على هذا أنه لم ينقل عنه أنه كان يصلِّي على كلِّ الغائبين غيره، وتركُه سنَّة كما أنَّ فعلَه سنة، ولا سبيل لأحد بعده إلى أن يعاين سرير الميت من المسافة البعيدة، ويُرفَع له حتى يصلِّي عليه، فعُلِم أنَّ ذلك مخصوص به

(2)

.

وقد روي عنه أنَّه صلَّى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب

(3)

. ولكن لا يصحُّ، فإنَّ في إسناده العلاء بن زيد ــ ويقال: ابن زيدَل ــ قال علي بن المديني

(4)

: كان يضع الحديث. ورواه محبوب

(5)

بن هلال، عن

(1)

أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (1245) ومسلم (951).

(2)

انظر: «المبسوط» للسرخسي (2/ 67) و «فتح القدير» لابن الهمام (2/ 117) و «شرح التلقين» (3/ 1183).

(3)

أخرجه البيهقي (4/ 50).

(4)

انظر: «ميزان الاعتدال» (3/ 99)، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 520):«منكر الحديث» .

(5)

ج: «محمود» ، تحريف.

ص: 670

عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس

(1)

. قال البخاري

(2)

: لا يتابع عليه.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية

(3)

: الصواب أنَّ الغائب إن مات ببلد لم يصلَّ عليه فيه صُلِّي عليه صلاة الغائب، كما صلَّى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لأنه مات بين الكفار، فلم يصلَّ عليه. وإن صُلِّي عليه حيث مات لم يصلَّ عليه صلاة الغائب، لأنَّ الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه. والنبيُّ صلى الله عليه وسلم صلَّى على الغائب، وترك. وفعلُه سنَّة

(4)

، وتركُه سنَّة. وهذا له موضع، وهذا له موضع. والله أعلم.

فالأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وأصحُّها هذا التفصيل. والمشهور عند أصحابه الصلاة عليه مطلقًا

(5)

.

فصل

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قام للجنازة لما مرَّت به، وأمَر بالقيام لها

(6)

. وصحَّ

(1)

أخرجه من هذا الطريق أبو يعلى (4268) وابن ضريس في «فضائل القرآن» (271) والطبراني (19/ 428) والبيهقي (4/ 51).

(2)

أسنده ابن عدي في «الكامل» في أول ترجمة محبوب (10/ 64) وعنه البيهقي (4/ 51). وانظر: «ميزان الاعتدال» (3/ 442).

(3)

انظر: «جامع المسائل» (6/ 177).

(4)

لفظ «سنة» ساقط من المطبوع.

(5)

انظر: «الفروع» (3/ 353) و «الإنصاف» (2/ 533).

(6)

أخرجه البخاري (1307) ومسلم (958) من حديث عامر بن ربيعة. وأخرجاه أيضًا من حديث أبي سعيد: البخاري (1310) ومسلم (959).

ص: 671

عنه أنه قعد

(1)

. فاختُلِف في ذلك، فقيل: القيام منسوخ والقعود آخر الأمرين. وقيل: بل الأمران جائزان، وفعلُه بيان للاستحباب، وتركُه بيان للجواز

(2)

. وهذا أولى من ادعاء النسخ

(3)

.

فصل

وكان من هديه: أن لا يدفن الميِّت عند طلوع الشمس ولا عند غروبها ولا حين يقوم قائم الظهيرة

(4)

.

وكان من هديه: اللَّحد، وتعميق القبر، وتوسيعه من عند رأس الميِّت ورجليه. ويذكر عنه أنه كان إذا وضع الميِّت في القبر قال:«بسم الله، وبالله، وعلى ملَّة رسول الله»

(5)

. وفي رواية

(6)

: «بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملَّة رسول الله» .

(1)

أخرجه مسلم (962) من حديث علي بن أبي طالب.

(2)

وهذا مذهب ابن عقيل وشيخ الإسلام. انظر: «الفروع» (3/ 368).

(3)

وقد أفاض المؤلف القول في المسألة في «تهذيب السنن» (2/ 362 - 365).

(4)

أخرجه مسلم (831) من حديث عقبة بن عامر.

(5)

أخرجه أحمد (4812، 4990، 5233، 5370، 6111) وأبو داود (3213) والترمذي (1046) والنسائي في «الكبرى» (10860) وابن ماجه (1550) وابن حبان (3110) والحاكم (1/ 366) والبيهقي (4/ 55) من طرق عن عبد الله بن عمر مرفوعًا. وقد اختلف في رفعه ووقفه، ورجح النسائي (10861) والدارقطني في «العلل» (2838) الوقفَ، وبه قال ابن عبد الهادي في «المحرر» عقب (541). وانظر:«التلخيص الحبير» (3/ 1229 - 1230).

(6)

أخرجه ابن ماجه (1550، 1553) والبيهقي (4/ 55) من طريقين عن ابن عمر، والصحيح أنه موقوف. وانظر التخريج السابق.

ص: 672

ويذكر

(1)

عنه أيضًا أنه كان يحثو على الميِّت إذا دُفِن التُّرابَ

(2)

من قبل رأسه ثلاثًا.

وكان إذا فرغ من دفن الميِّت قام على قبره هو وأصحابه، وسأل له التثبيت، وأمرهم أن يسألوا له التثبيت

(3)

.

ولم يكن يجلس يقرأ عند القبر ولا يلقِّن الميِّتَ، كما يفعله الناس اليوم. وأما الحديث الذي رواه الطبراني في «معجمه»

(4)

من حديث أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات أحدٌ من إخوانكم، فسوَّيتم التراب على قبره، فليقُمْ أحدكم على رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان، فإنه يسمعه ولا يجيب. ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يستوي قاعدًا. ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فإنه يقول: أرشِدْنا يرحمك الله، ولكن لا يشعرون. فليقل: اذكر ما خرجتَ عليه: شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّك رضيتَ بالله ربًّا، وبالإسلام

(1)

أخرجه أحمد (8084) وابن ماجه (1565) والطبراني في «الأوسط» (4673) من حديث أبي هريرة. قال أبو حاتم في «العلل» لابنه (483): «هذا حديث باطل» ، ورجح (1026) أنه عن أبي سلمة مرسل. وكذلك قال الدارقطني في «علله» (1794).

(2)

لفظ: «التراب» ساقط من ك.

(3)

أخرجه أبو داود (3221) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (1406 - نشرة عادل آل حمدان) والبزار (2/ 91) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 507) وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (ص 537) والحاكم (1/ 370) والبيهقي (4/ 56) والضياء المقدسي في «المختارة» (1/ 522) من حديث عثمان، وإسناده حسن.

(4)

«الكبير» (8/ 249) وفي «الدعاء» (1214). وأخرجه ابن زَبْر الرِبْعي في «وصايا العلماء عند الموت» (ص 46).

ص: 673

دينًا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن إمامًا. فإنَّ منكرًا ونكيرًا يأخذ كلٌّ منهما بيد صاحبه ويقول: انطلِق بنا، ما نقعد عند من لُقِّن حجته، فيكون الله حجيجَه دونهما». فقال رجل: يا رسول الله، فإن لم يعرف أمَّه؟ قال:«فينسُبه إلى حوَّاء: يا فلان بن حوَّاء» . فهذا حديث لا يصحُّ رفعه

(1)

.

ولكن قال الأثرم

(2)

: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دُفِن الميت: يقف الرجل، ويقول: يا فلان بن فلانة اذكر ما فارقتَ عليه الدنيا: شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ما رأيت أحدًا فعَل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة جاء إنسان، فقال ذاك. وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه. وكان ابن عياش يروي فيه. قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أبي أمامة.

وقد ذكر سعيد بن منصور في «سننه»

(3)

عن راشد بن سعد وضَمْرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا: إذا سُوِّي على الميِّت قبره وانصرف الناس عنه فكانوا يستحبُّون أن يقال للميِّت عند قبره: يا فلان، قل: لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله ــ ثلاث مرات ــ، يا فلان، قل: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيي

(1)

وقال المؤلف في «تهذيب السنن» (3/ 373): «هذا الحديث متفق على ضعفه، فلا تقوم به حجة» . وضعفه أيضًا العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (2/ 1229 - دار الطبرية) والألباني في «الإرواء» (753). وانظر: «المقاصد الحسنة» (346).

(2)

نقله ابن الملقن في «البدر المنير» (5/ 338 - 339) والحافظ في «التلخيص» (3/ 1247 - 1248). وانظر: «المغني» (3/ 438).

(3)

«السنن والأحكام» للمقدسي (2954). وذكره أيضًا ابن الملقن في «البدر المنير» (5/ 338) والحافظ في «التلخيص» (3/ 1246 - 1247). ونقل ابن الملقن عن ابن الصلاح والنووي أنه ضعيف وإسناده ليس بقائم.

ص: 674

محمد. ثم ينصرف

(1)

.

فصل

ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تعلية القبور، ولا بناؤها بآجُرّ ولا حجر ولا لَبِن، ولا تشييدها ولا تطيينها، ولا بناء القِبَاب عليها. وكلُّ هذا بدعة مكروهة مخالفة لهديه. وقد بعث عليَّ بن أبي طالب

(2)

أن لا يدع تمثالًا إلا طمَسَه ولا قبرًا مُشْرِفًا إلا سوَّاه

(3)

. فسنَّتُه تسويةُ هذه القبور المُشْرِفة كلِّها. ونهى أن يجصَّص القبر، وأن يُبنى عليه، وأن يُكتَب عليه

(4)

.

وكانت

(5)

قبور أصحابه لا مشرفةً ولا لاطئةً، وهكذا قبره الكريم وقبر صاحبيه. وقبره صلى الله عليه وسلم مسنَّم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء، لا مبنيٌّ ولا مطيَّن. وهكذا قبر صاحبيه

(6)

.

وكان يُعلِم قبرَ مَن يريد يعرفُ

(7)

قبره بصخرة

(8)

.

(1)

وانظر: «الروح» للمصنف (1/ 32).

(2)

في طبعة الرسالة بعده: «إلى اليمن» ، والزيادة من الفقي.

(3)

أخرجه مسلم (969) من حديث علي بن أبي طالب.

(4)

أخرجه مسلم (970) من حديث جابر بن عبد الله.

(5)

ما عدا ك: «وكان» .

(6)

أخرجه البخاري (1390) عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنَّمًا.

(7)

يعني: أن يعرف. وقد سقط «يعرف» من ك. وضبط في ج بالبناء للمجهول. ومن أمثلة حذف «أن» قبل المضارع قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم حبيبة: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُّ على ميِّت فوق ثلاث» الحديث. أخرجه البخاري (1281) وهكذا في الحديث الثاني عن زينب بنت جحش (1282). وانظر: «الداء والدواء» (ص 34).

(8)

أخرجه ابن أبي شيبة (11862، 37067) وأبو داود (3206) والدولابي في «الكنى والأسماء» (1/ 217) والبيهقي (3/ 312) من طرق عن كثير بن زيد عن المطلب بن أبي وداعة رضي الله عنه، حسَّن إسنادَه ابنُ الملقن في «البدر المنير» (5/ 325) والحافظ في «التلخيص» (3/ 1241). وانظر:«العلل» لابن أبي حاتم (1028).

ص: 675

فصل

ونهى

(1)

عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السُّرُج عليها، واشتدَّ نهيُه في ذلك حتى لعن فاعله

(2)

. ونهى عن الصلاة إلى القبور

(3)

، ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدًا

(4)

، ولعن زائرات القبور

(5)

.

(1)

ن: «وكان ينهى عن» .

(2)

أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري (437) ومسلم (530)، ومن حديث عائشة وعبد الله بن عباس البخاري (435) ومسلم (531)، دون ذكر إيقاد السرج. وهي زيادة ضعيفة وردت في حديث ابن عباس عند الطيالسي (2856) وأحمد (2030، 2603، 2984، 3118) وأبي داود (3236) والترمذي (320) والنسائي (2043) وابن ماجه (1575). وفيه باذام أبو صالح مولى أم هانئ، ضعيف يرسل. ووقع في إسناد ابن أبي شيبة (7549، 11814) أنه حدث بعد ما كبر. وهذه الزيادة ضعفها عبدالحق والمنذري والنووي الألباني وغيرهم. انظر: «البدر المنير» (5/ 348 - 349) و «إرواء الغليل» (761) و «السلسلة الضعيفة» (225).

(3)

أخرجه مسلم (972) من حديث أبي مرثد الغنوي، وفيه أيضًا النهي عن الجلوس عليها.

(4)

أخرجه أحمد (8804) وأبو داود (2042) والطبراني في «الأوسط» (8026) من حديث أبي هريرة، وصحح إسناده الحافظ في «الفتح» (6/ 488).

(5)

وهو في حديث باذام مولى أم هانئ عن ابن عباس المخرج في التخريج الذي قبل حديثين.

ص: 676

وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، وأن لا يُجلَس عليها ويُتَّكَأ عليها

(1)

، ولا تعظَّم بحيث تُتَّخذ مساجد فيصلَّى عندها وإليها، وتُتَّخذ أعيادًا وأوثانًا

(2)

.

فصل

في هديه في زيارة القبور

كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحُّم عليهم والاستغفار لهم. وهذه هي الزيارة التي سنَّها لأمته وشرعَها لهم. وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها:«السَّلام عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية»

(3)

.

وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه

(4)

من الدعاء له والترحُّم والاستغفار. فأبى المشركون إلا دعاءَ الميت

(1)

أخرجه مسلم (971) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

أخرج الشافعي في «حرملة» (معرفة السنن- 5/ 357) والحميدي (1055) وأحمد (7358) والبزار (16/ 48) وأبو يعلى (6681) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: «لا تجعلُنَّ قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» ، وعند الشافعي: «اللهم لا تجعلْ

»، وفي إسناده حمزة بن المغيرة بن نشيط القرشي، قال ابن معين:«ليس به بأس» ، إلا أنه تفرد بروايته عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة. والمشهور ما رواه مالك (475) وعبد الرزاق (1587) وابن أبي شيبة (7626، 11941) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار مرسلًا دعاءَ النبي صلى الله عليه وسلم.

(3)

أخرجه مسلم (975) من حديث بريدة بن الحصيب. وأخرجه أيضًا من حديث عائشة (974) ومن حديث أبي هريرة (249).

(4)

في طبعة الرسالة: «على الميت» ، والتصرف من الفقي.

ص: 677

والإشراك به، والإقسامَ على الله به، وسؤاله الحوائج، والاستغاثة به، والتوجُّهَ إليه؛ بعكس

(1)

هديه صلى الله عليه وسلم فإنَّه هديُ توحيد وإحسان إلى الميِّت، وهديُ هؤلاء هديُ

(2)

شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت. وهم ثلاثة أقسام: إما أن يدعوا الميِّتَ، أو يدعون به، أو يدعون

(3)

عنده ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد. ومن تأمَّل هديَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبيَّن له الفرق بين الأمرين. وبالله التوفيق.

فصل

وكان من هديه تعزية أهل الميت. ولم يكن من هديه أن يُجتمَع للعَزاء

(4)

، ويُقرأ له القرآن لا عند القبر ولا غيره. وكلُّ هذا بدعة حادثة بعده مكروهة.

وكان من هديه: السكونُ، والرِّضى بقضاء الله، والحمدُ لله

(5)

، والاسترجاع

(6)

. وبرِئ ممن خرَق لأجل المصيبة ثيابه، أو رفع صوته

(1)

ص، ج:«عكس» .

(2)

لفظ «هدي» ساقط من النسخ المطبوعة.

(3)

«يدعون» ساقط من ق، مب، ن.

(4)

أخرج أحمد (6905) وابن ماجه (1612) والطبراني (6905) من حديث جرير بن عبد الله البجلي: «كنا نعد ــ أو نرى ــ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة» ، هذا لفظ ابن ماجه. والحديث صحيح، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص 167).

(5)

لم يرد «لله» في ص، ج.

(6)

أخرجه مسلم (918) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.

ص: 678

بالنَّدْب والنِّياحة، أو حلَق لها شعره

(1)

.

وكان من هديه: أنَّ أهل الميت لا يتكلَّفون الطعام للناس، بل أمَر أن يصنع النَّاسُ لهم طعامًا يرسلونه إليهم

(2)

. وهذا من أعظم مكارم الأخلاق والشِّيَم والحملِ عن أهل الميت فإنَّهم في شغلٍ بمصابهم عن إطعام الناس.

وكان من هديه: تركُ نعي الميِّت، بل كان ينهى عنه ويقول:«هو من عمل الجاهلية»

(3)

. وكره حذيفة أن يُعلِمَ به أهلُه الناسَ إذا مات، وقال: أخاف أن يكون من النعي

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري (1294) ومسلم (103) من حديث عبد الله بن مسعود.

(2)

أخرجه الشافعي في «الأم» (2/ 35) وأحمد (1751) وأبو داود (3132) والترمذي (998) وابن ماجه (1610) والدارقطني (1850) والبيهقي (4/ 61) من حديث عبد الله بن جعفر. حسنه الترمذي، وصححه الحاكم (1/ 372)، واختاره الضياء المقدسي (9/ 166، 167). وبنحوه أخرج أحمد (27086) وابن ماجه (1611) والطبراني (24/ 143) من حديث أسماء بنت عميس مطولًا، ولكنه ضعيف لجهالة أم عيسى الجزار وأم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب. وكانت عائشة الصديقة رضي الله عنها تأمر ببرمة من تلبينة فتطبخ، ثم يُصنع ثريد فتصب التلبينة عليها، ثم قالت: كُلْن منها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن» . ينظر: «صحيح البخاري» (5417، 5689، 5690) و «صحيح مسلم» (2216).

(3)

أخرجه الترمذي (984) وضعفه لأجل أبي حمزة ميمون الأعور. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (11318) والبزار (5/ 19) والطبراني في «الكبير» (10/ 70) و «الأوسط» (3061)، وفيه أيضًا أبو حمزة هذا.

(4)

أخرجه أحمد (23455) والترمذي (986) وابن ماجه (1476) والبيهقي (4/ 74) من حديث حديفة بن اليمان أنه كان إذا مات له الميت قال: «لا تؤذنوا به أحدًا، إني أخاف أن يكون نعيًا. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي» . إسناده حسن، انظر:«فتح الباري» (3/ 93).

ص: 679