المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه

- ‌فصلفي حواضنه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي مبعثه وأول ما أُنزِل عليه

- ‌فصل في ترتيب الدعوة

- ‌فصلفي أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي ذكر الهجرة(2)الأولى والثانية

- ‌فصلفي أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أعمامه وعماته

- ‌فصلفي أزواجه

- ‌فصلفي سراريِّه

- ‌فصلفي مواليه

- ‌فصلفي خُدَّامه

- ‌فصلفي كُتّابه

- ‌فصلفي كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع

- ‌فصلفي رسله صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى الملوك

- ‌فصلفي مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمرائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حَرَسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفيمن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌فصلفيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه

- ‌فصلفي شعرائه وخطبائه

- ‌فصلفي غزواته وبعوثه وسراياه

- ‌فصلفي دوابه

- ‌فصلفي ملابسه

- ‌فصلفي هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قصِّ الشارب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌فصول في هديه في العبادات

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة

- ‌ جلسة الاستراحة

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

- ‌فصلفي مبدأ الجمعة

- ‌ الثالثة: صلاة الجمعة

- ‌ الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها

- ‌ الخامسة: التطيُّب فيه

- ‌ السادسة: السِّواك فيه

- ‌ السابعة: التبكير إلى الصلاة

- ‌ التاسعة: الإنصات للخطبة

- ‌ العاشرة: قراءة سورة الكهف

- ‌العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

- ‌الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌ الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف

الفصل: ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

الصبح نصَب ساعده. وأظن هذا وهمًا

(1)

، والصواب حديث الترمذي

(2)

. والتعريس إنما يكون قبل الصبح.

وكان نومه أعدل النوم، وهو أنفع ما يكون من النوم. والأطباء يقولون: هو ثلث الليل والنهار ثمان ساعات.

‌فصل

في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

ركِبَ صلى الله عليه وسلم الخيلَ، والإبل، والبغال، والحمير. وركب الفرسَ مسرَّجةً تارةً وعُرْيًا أخرى، وكان يجريها في بعض الأحيان. وكان يركب وحده وهو الأكثر، وربما أردف خلفه على البعير، وربما أردف خلفه وأركب أمامه فكانوا ثلاثةً على البعير. وأردف الرجال، وأردف بعض نسائه.

وكان أكثر مراكبه الخيل والإبل. وأما البغال فالمعروف أنه كان عنده منها بغلة واحدة أهداها له بعضُ الملوك

(3)

. ولم تكن البغال مشهورةً بأرض العرب، بل لمَّا أُهديت له البغلة قيل له:«ألا نُنْزي الخيلَ على الحُمُر؟» ، فقال:«إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون»

(4)

.

(1)

ك، ع:«وهم» .

(2)

وقع بعده في ن: «وقال أبو حاتم» ، والظاهر أنه خطأ ناسخ انتقل بصره إلى ما سبق.

(3)

«القرمانية» ضمن «جامع المسائل» (7/ 126) والفقرة إلى آخرها منقولة منها. وذهب على المؤلف رحمه الله أنه قد ذكر من قبل في فصل دوابِّه صلى الله عليه وسلم (ص 130) أربع بغال وخامسةً بلفظ «قيل» اعتمادًا على «المختصر الكبير» (ص 137 - 138).

(4)

أخرجه ابن أبي شيبة (34394، 34390) وأحمد (18793) والطبراني في «الأوسط» (4996) من حديث دحية الكلبي بنحوه، وهو منقطع بين الشعبي وبينه. وله شاهد صحيح من حديث علي بن أبي طالب أخرجه ابن أبي شيبة (34389) وأحمد (785، 1359) وأبو داود (2565) والنسائي في «المجتبى» (3580) و «الكبرى» (4405)، صححه ابن حبان (4682) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (7/ 318)، واختاره الضياء المقدسي (2/ 210).

ص: 161

فصل

واتخذ صلى الله عليه وسلم الغنم والرقيق من الإماء والعبيد

(1)

.

وكان له مائة شاة، وكان لا يحب أن تزيد على مائة، فإذا زادت بَهْمةً ذبح مكانها أخرى

(2)

.

واتخذ الرقيق من الإماء والعبيد، وكان مواليه وعتقاؤه من العبيد أكثر من الإماء. وقد روى الترمذي في «جامعه»

(3)

من حديث أبي أمامة وغيره،

(1)

تقدَّم قريبًا ذكر غنمه صلى الله عليه وسلم، فلا أدري لماذا كرَّره المؤلف هنا. ثم كذا ورد ذكر الغنم والرقيق بهذا السياق في الأصول (والطبعة الهندية) إلا مب، ن فإنَّ فيهما:«واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنم» ، ولم يرد ما بعده. وهو أفضل لانفصال ذكر الرقيق من ذكر الغنم، وذهاب التكرار أيضًا في قوله الآتي:«واتخذ الرقيق من الإماء والعبيد» . وكذا في الطبعة الميمنية وما بعدها.

(2)

سبق تخريجه (ص 132).

(3)

برقم (1547) وبعد أن صححه قال: «الحديث صح في طرقه» . وأخرجه أيضًا من حديث أبي هريرة (1541) الشطر الأول منه فقط وصححه، وقال عقبه: وفي الباب عن عائشة وعمرو بن عبسة وابن عباس وواثلة بن الأسقع وعقبة بن عامر وكعب بن مرة. انظر: «نزهة الألباب» (5/ 2311 - 2318).

وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا البخاري (2517، 6715) ومسلم (1509).

ص: 162

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيُّما امرئٍ أعتَقَ امرأً مسلمًا كان وِقاءً له

(1)

من النار، يُجزئ كلُّ عضو منه عضوًا منه. وأيُّما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فَكاكه من النار، يجزئ كلُّ عضوٍ

(2)

منهما عضوًا منه». قال: هذا حديث حسن صحيح

(3)

. وهذا يدل على أن عتق العبد أفضل، وأن عتق العبد يعدل عتق أَمَتين، فكان أكثر عتقائه صلى الله عليه وسلم من العبيد.

وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر. والثاني: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثالث: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل

(4)

. والرابع: الميراث. والخامس: الدية

(5)

.

فصل

وباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترى. وكان اشتراؤه بعد أن أكرمه الله تعالى برسالته أكثر من بيعه. وكذلك بعد الهجرة لا يكاد يُحفَظ عنه البيع إلا في قضايا يسيرة، أكثرها لغيره، كبيعه القدَحَ والحِلْسَ فيمن يزيد

(6)

، وبيعه

(1)

كذا مجوَّدًا في الأصول، وفي مب، ن وحاشية ع:«فكاكه» ، وهو لفظ الترمذي.

(2)

ن: «عضوين» ، وكذا في ع من تغيير بعضهم.

(3)

لفظ «حديث» ساقط من ص، ج. ولفظ «حسن» ساقط من ن، وفوقه في ع علامة:(هـ). وفي المطبوع من «الجامع» : «حسن صحيح غريب من هذا الوجه» .

(4)

ص، ج:«شهادةُ رجل» ، وفي ك، ع:«المرأتين» .

(5)

وانظر: «تحفة المودود» (ص 96) و «تهذيب السنن» (2/ 283 - 284).

(6)

أخرجه أحمد (12134) وأبو داود (1641) والترمذي (2146) وابن ماجه (2198) وغيرهم من حديث أنس. ومداره على أبي بكر عبد الله الحنفي، مجهول الحال، قال البخاري: لا يصح حديثه. «تهذيب التهذيب» (6/ 88).

ص: 163

يعقوبَ المدبَّر غلامَ أبي مذكور

(1)

، وبيعه عبدًا أسود بعبدين

(2)

.

وأما شراؤه، فكثير. وآجر واستأجر، واستئجاره كان أكثر من إيجاره. وإنما يُحفَظ عنه أنه آجر نفسَه قبل النبوة في رِعْية

(3)

الغنم

(4)

. وآجر نفسَه من خديجة في سفره بمالها إلى الشام.

وإن كان

(5)

العقد مضاربةً، فالمضارب أمين، وأجير، ووكيل، وشريك. فأمين إذا قبض المال، ووكيل إذا تصرَّف فيه، وأجير فيما يباشره بنفسه من العمل، وشريك إذا ظهر فيه الربح.

وقد أخرج الحاكم في «صحيحه»

(6)

من حديث الربيع بن بدر، عن

(1)

أخرجه البخاري (2141) ومسلم (997) عن جابر. وسُمِّي في حديث أحمد (14133) وأبي داود (3957).

(2)

أخرجه مسلم (1602) من حديث جابر.

(3)

ك، ع، مب، ن:«رعاية» .

(4)

هنا حاشية في ج ونصُّها: «هذا فيه نظر. ولم يرع النبي صلى الله عليه وسلم بأجرة، وإنما قراريط اسم مكان، وكان عليه السلام يرعى غنم أهله، وسنُّه إذ ذاك خمس وعشرون. وقد أخطأ سويد بن سعيد في تفسير القراريط. وقد ذكرت غلطه وردَّ الناس عليه في غير هذا الموضع، والله أعلم» . والقول بأن قراريط اسم مكان مروي عن إبراهيم الحربي. قال ابن الجوزي في «كشف المشكل» (3/ 546): «وهو أصح، لأن سويدًا لا يعتمد على قوله» . وذكر ابن حجر في «الفتح» (4/ 441) أن ابن الجوزي تبع ابن ناصر، ثم رجَّح أن المراد جمع قيراط، ولا يعرف أهل مكة مكانًا يسمَّى قراريط.

(5)

ك، ع:«وكان» بإسقاط «إن» ، وقد استدركت في حاشية ع.

(6)

(3/ 182) وأخرجه البيهقي (6/ 118)، وابن عدي في «الكامل» في ترجمة الربيع بن بدر (4/ 518) وعدَّه مما أُنكِر عليه، وسيأتي تضعيف المؤلف له.

ص: 164

أبي الزبير، عن جابر قال: آجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه من خديجة بنت خويلد سفرتين إلى جرش، كلُّ سفرة بقلوص. وقال: صحيح الإسناد.

قال في «النهاية»

(1)

: جُرَش بضم الجيم وفتح الراء من مخاليف اليمن، وهو بفتحهما بلد بالشام.

قلت: إن صحَّ الحديث فإنما هو المفتوح الذي بالشام. ولا يصح، فإن الربيع بن بدر هذا هو عُلَيْلةُ، ضعَّفه أئمة الحديث. قال النسائي والدارقطني والأزدي

(2)

: متروك

(3)

. وكأنّ الحاكم ظنَّه الربيع بن بدر مولى طلحة بن عبيد الله

(4)

.

وشارك صلى الله عليه وسلم، ولما قدم عليه شريكه قال: أما تعرفني؟ قال: «كنتَ شريكي فنِعْم الشريكُ كنتَ، لا تدارئ ولا تماري»

(5)

.

(1)

في غريب الحديث (1/ 261).

(2)

انظر: «الكامل» لابن عدي (4/ 507، 508) و «موسوعة أقوال الدارقطني» (1/ 255) و «تهذيب الكمال» (9/ 65).

(3)

ك، ع:«متروك الحديث» .

(4)

العبارة «وقد أخرج الحاكم

» إلى هنا لم ترد في ج، وألحقت في حاشية ص، فهي أيضًا مما أضافه المصنف فيما بعد.

(5)

أخرجه أحمد (15500) وأبو داود (4836) وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (692) من حديث السائب بن أبي السائب المخزومي. وقد اضطُرِب في صاحب الحديث اضطرابًا شديدًا، قد ذكره أبو حاتم في «العلل» لابنه (350) ولخصه بقوله:«من قال: عن عبد الله بن السائب، فهو: ابن السائب بن أبي السائب، ومن قال: قيس بن السائب، فكأنه يعني: أخا عبد الله بن السائب، ومن قال: السائب بن أبي السائب، فكأنه أراد: والد عبد الله بن السائب، وهؤلاء الثلاثة موالي مجاهد من فوق» ، وقال:«عبد الله بن السائب ليس بالقديم، وكان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حدَثٌ، والشركة بأبيه أشبه، والله أعلم» . وفي إسناد حديث السائب إبراهيم بن مهاجر، فيه لين، ولم يتابع عليه. وانظر: التعليق على «المسند» .

ص: 165

«تدارئ» بالهمز من المدارأة، وهي مدافعة الحق. فإن تُرِك همزُها، صارت من المداراة، وهي المدافعة بالتي هي أحسن

(1)

.

ووكَّل وتوكَّل، وكان توكيله أكثر من توكُّله.

وأهدى، وقبِل الهدية، وأثاب عليها. ووهب، واتَّهب، فقال لسلمة بن الأكوع، وقد وقع في سهمه جارية:«هَبْها لي» ، فوهبها له، ففادى بها من أهل مكة أسارى من المسلمين

(2)

.

واستدان برَهْن، وبغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحالِّ والمؤجَّل.

وضمن ضمانًا خاصًّا على ربِّه على أعمالٍ مَن عمِلها كان مضمونًا له، وضمانًا عامًّا لديون من توفِّي من المسلمين ولم يدَعْ وفاءً: أنها عليه وهو يوفِّيها. وقد قيل: إن هذا الحكم عامٌّ للأئمة بعده، فالسلطان ضامن لديون المسلمين إذا لم يخلِّفوا وفاءً، فإنها عليه يوفِّيها من بيت المال. قالوا: كما يرثه إذا مات ولم يدَعْ وارثًا، فكذلك يقضي عنه دينَه إذا مات ولم يدع وفاءً، وكذلك ينفق عليه في حياته إذا لم يكن له ما يُنفَق عليه.

(1)

يفهم من سياق كلام المصنف أن الكلمة وردت بالهمز في الحديث ولذلك وضعت فوقها علامة الهمزة في ص، ج، ع في الموضعين، ولكن الصواب أن أصلها بالهمز، ورويت في الحديث بالتخفيف لمزاوجة «يماري». انظر:«النهاية في غريب الحديث» (2/ 110، 115).

(2)

أخرجه مسلم (1755) وفيه: «هب لي المرأة» . ولفظ المصنف أشبه بلفظ ابن أبي شيبة (33921) وابن ماجه (2846).

ص: 166

ووقف صلى الله عليه وسلم أرضًا كانت له، جعَلها صدقةً في سبيل الله.

وشفَع

(1)

، وشُفِع إليه

(2)

. وردَّت بَريرةُ شفاعته في مراجعة مغيثٍ، فلم يغضب عليها، ولا عتَب. وهو الأسوة والقدوة صلى الله عليه وسلم.

وحلف في أكثر من ثمانين موضعًا

(3)

. وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، فقال تعالى:{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس: 53]، وقال تعالى:{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3]، وقال تعالى:{زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7].

وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذاكر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، ولا يسمِّيه بالفقيه؛ فتحاكم إليه يومًا هو وخصمٌ له، فتوجَّهت اليمين على أبي بكر، فتهيَّأ للحَلِف، فقال له القاضي إسماعيل

(4)

: ومثلُك يحلِف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني من الحَلِف، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالحلِف في ثلاث مواضع

(5)

من كتابه؟ قال أين ذلك؟ فسردها له أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدًّا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.

(1)

«وشفَع» لم يرد في ج، ك، ع، وقد استدرك في حاشية ع من نسخة أخرى.

(2)

في ص: «وشفع شفيع إليه» ، تحريف.

(3)

زاد في «أعلام الموقعين» (5/ 18): «وهي موجودة في الصحاح والمساند» . وسيأتي مرة أخرى في كتابنا هذا في فصل ما في قصة الحديبية من الفوائد.

(4)

في ك، ع بعده زيادة:«بن إسحاق: أتحلف؟» .

(5)

كذا في معظم الأصول، وكأنه ذهب إلى الآيات، فذكَّر العدد. وفي مب، ن:«ثلاثة مواضع» .

ص: 167

وكان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارةً، ويكفِّرها تارةً، ويمضي فيها تارةً. والاستثناء يمنع عقد اليمين، والكفارة تحُلُّها بعد عقدها، ولهذا سمَّاها الله تعالى تَحِلَّةً

(1)

.

وكان صلى الله عليه وسلم يمازح ويقول في مزاحه الحقَّ. ويورِّي ولا يقول في توريته إلا الحقَّ، مثل أن يريد وِجهةً يقصدها، فيسأل عن غيرها كيف طريقها؟ وكيف مياهها ومسلكها ونحو ذلك؟

وكان يشير، ويستشير.

وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم.

وسمع مديحَ الشعراء، وأثاب عليه. ولكن ما قيل فيه من المديح فهو جزء يسير جدًّا من محامده، وأثاب على الحق؛ وأما مدحُ غيره من الناس فأكثرُ ما يكون بالكذب، فلذلك أمَر أن يُحْثَى في وجوه المدَّاحين التراب

(2)

.

فصل

وسابقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بنفسه على الأقدام، وصارَعَ

(3)

.

(1)

في الآية الثانية من سورة التحريم.

(2)

أخرجه مسلم (3002) من حديث المقداد بن الأسود.

(3)

أمثل ما روي في مصارعة النبي صلى الله عليه وسلم حديث ركانة، أخرجه أبو داود (4078) والترمذي (1784) عن أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه. قال الترمذي:«هذا حديث غريب، وإسناده ليس بالقائم، ولا نعرف أبا الحسن العسقلاني ولا ابن ركانة» . وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (4/ 256): وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم، فصرعه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وذكر القصة. والمصارعة المذكورة وقعت قبل الإسلام. وحكى السهيلي في «الروض» (3/ 194) أن أبا الأشَدَّين كلَدة بن أُسَيد دعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى المصارعة، فصرَعه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يؤمن حسب شرطه.

ص: 168

وخصَف نعله بيده، ورقَّع ثوبَه بيده، ورقَّع دلوَه، وحلَب شاته، وفلَى ثوبه، وخدَم أهلَه ونفسَه، وحمل معهم اللَّبِنَ في بناء المسجد.

وربَط على بطنه الحجرَ من الجوع تارةً وشبِع تارةً، وضاف وأضاف.

واحتجم في وسط رأسه، وعلى ظهر قدمه. واحتجم في الأخدعين، والكاهل وهو بين الكتفين

(1)

.

وتداوى، وكوى ولم يكتوِ، ورقَى ولم يستَرْقِ. وحمَى المريض مما يؤذيه.

وأصول الطب ثلاثة: الحمية، وحفظ الصحة، واستفراغ المادَّة المُضِرَّة. وقد جمعها الله تعالى له ولأمته في ثلاث مواضع

(2)

من كتابه: فحمى المريض من استعمال الماء خشيةَ الضرر، فقال تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]، فأباح التيمُّمَ للمريض حميةً له

(3)

، كما أباحه للعادم.

(1)

مب، ن:«ما بين الكتفين» ، وكذا زاد بعضهم في ع.

(2)

كذا بتذكير العدد في جميع النسخ إلا مب، ن. وانظر ما علَّقت آنفًا.

(3)

«له» ساقط من ك. أما ع فسقط منها: «حمية له» ، واستدرك في حاشيتها من بعض النسخ.

ص: 169

وقال في حفظ الصحة: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فأباح للمسافر في رمضان الفطرَ حفظًا لصحته لئلا يجتمع على قوَّته الصومُ ومشقَّةُ السفر، فتضعفَ القوة، وتهِنَ الصحة

(1)

.

وقال في الاستفراغ في حلق الرأس للمُحْرِم: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196]، فأباح للمريض أو من به أذًى من رأسه وهو محرِم، أن يحلق رأسه، فيستفرغ الموادَّ الفاسدةَ والأبخِرة الرديَّة

(2)

التي يتولَّد عليها

(3)

القَمْلُ، كما حصل لكعب بن عُجْرة

(4)

أو تُولِّد عليه المرضَ.

وهذه الثلاثة هي قواعد الطب وأصوله، فذكر من كلِّ جنس منها سببًا

(5)

وصورةً منبِّهًا بها على نعمته على عباده في أمثالها من حميتهم، وحفظ صحَّتهم، واستفراغ موادِّ أذاهم، رحمةً بعباده، ولطفًا بهم، ورأفةً بهم

(6)

. وهو الرؤوف الرحيم

(7)

.

(1)

في مب: «القوة والصحة» بإسقاط الفعل «تهن» .

(2)

كذا في الأصول بالتسهيل.

(3)

ك، ع:«عنها» ، وفي ن:«تولِّد عليه» .

(4)

انظر حديثه في «صحيح البخاري» (1814) و «صحيح مسلم» (1201).

(5)

ك، مب:«شيئًا» ، وكذا في ع مع علامة الاستشكال تحتها. وكذا في المطبوع، وهو تصحيف.

(6)

«بهم» لم يرد في ص، ج.

(7)

ذكر المصنف هذه القواعد الثلاث في «إغاثة اللهفان» (1/ 23) أيضًا، وسيذكرها مرة أخرى في المجلد الرابع في الطب النبوي (ص 6 - 7).

ص: 170