الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صحيحًا عنده، لكان أدنى درجاته عنده الاستحباب. وقد يقال: إن عائشة روت هذا وهذا، فكان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، فليس في ذلك اختلاف
(1)
، فإنه من المباح، والله أعلم.
وفي اضطجاعه على شقِّه الأيمن سرٌّ، وهو أنَّ القلب معلَّقٌ في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نومًا، لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه. فإذا نام على الشِّقِّ الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلب مستقَرِّه من الصدر
(2)
، وميله إليه. ولهذا تستحبُّ الأطِبَّاءُ النومَ على الجانب الأيسر، لكمال الراحة وطيب المنام
(3)
. وصاحبُ الشرع يستحِبُّ النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل في نومه، فينامَ عن قيام الليل. فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الأيسر أنفع للبدن. والله أعلم.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل
وقد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجُّوا بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]. قالوا: فهذا صريحٌ في عدم الوجوب.
قال الآخرون: أمَره بالتهجُّد في هذه السورة، كما أمَره به في قوله: {يَاأَيُّهَا
(1)
ق: «خلاف» .
(2)
ق، مب، ن:«وطلبه مستقرَّه» .
(3)
وانظر ما يأتي في المجلد الرابع (ص 345، 350).
الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل: 1 ــ 2]، ولم يجئ ما ينسخه عنه. وأما قوله:{نَافِلَةً لَكَ} فلو كان المراد به التطوُّع، لم يخصَّه بكونه نافلةً له. وإنما المراد بالنافلة: الزيادة، ومطلق الزيادة لا يدل على التطوُّع. قال تعالى:{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72]، أي زيادةً على الولد. وكذلك النافلة في تهجُّد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم زيادةٌ في درجاته وفي أجره، ولهذا خصَّه بها؛ فإنَّ قيام الليل في حقِّ غيره ماحٍ
(1)
ومكفِّرٌ للسيئات. وأما النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فهو يعمل في زيادة الدرجات وعلوِّ المراتب، وغيرُه يعمل في التكفير.
قال مجاهد: إنما كان نافلةً للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنه قد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فكانت طاعاته
(2)
نافلةً أي زيادةً في الثواب، ولغيره كفَّارةً لذنوبه. قال ابن المنذر في «تفسيره»
(3)
: حدثنا
(4)
علي، عن أبي عبيد
(5)
، حدثنا حجاج،
(1)
ك، ع، مب، ن:«مباح» ، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تحريف.
(2)
ك، ع:«طاعته» .
(3)
كما في «الدر المنثور» (9/ 417)، وكذلك أخرجه محمد بن نصر في «قيام الليل» (ص 33 - المختصر). وأخرجه أيضًا ابن جرير الطبري في «تفسيره» (17/ 525) من طريق حجاج (المصيصي) به، والبيهقي في «الدلائل» (5/ 487) من طريق آخر عن عبد الله بن كثير به.
(4)
ك، ع:«أنبأنا» هنا وفيما يأتي.
(5)
كذا في الأصول والطبعة الهندية. وعلي هو ابن عبد العزيز البغوي صاحب أبي عبيد. يروي عنه ابن المنذر في «تفسيره» كثيرًا. وفي مب: «علي بن أبي عبيد» وكذا في الطبعة الميمنية وهو خطأ، فأصلحه الفقي:«يعلى بن أبي عبيد» وتابعته طبعة الرسالة.
عن ابن جريج، عن ابن كثير
(1)
، عن مجاهد قال: ما سوى المكتوبة، فهو نافلةٌ له من أجل أنه لا يعمل في كفارة الذنوب. وليست للناس نوافل، إنما هي للنَّبي صلى الله عليه وسلم خاصَّةً، والناس جميعًا يعملون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفَّاراتها.
حدثنا
(2)
محمد، حدثنا نصر
(3)
، حدثنا عبد
(4)
، حدثنا عمر بن سعد
(5)
وقَبيصة، عن سفيان، عن أبي عثمان، عن الحسن في قوله:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79] قال: لا يكون نافلةً إلا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وذُكِر عن الضحاك قال: نافلةً للنبي صلى الله عليه وسلم خاصَّةً
(6)
.
وذكَر سليمان بن حيَّان
(7)
قال: حدثنا أبو غالب، حدَّثني أبو أمامة، قال:
(1)
ق، مب، ن:«أبي كثير» ، تحريف.
(2)
ك، ع:«أنبأنا» . والقائل هو ابن المنذر في «تفسيره» . وأخرجه أيضًا محمد بن نصر في «قيام الليل» (ص 33 - المختصر).
(3)
في طبعة الرسالة: «محمد بن نصر» خلافًا لطبعة الفقي وغيرها، وهذا التصرف مبني على التوهم بأن المقصود محمد بن نصر المروزي، وأن المؤلف صادر عن كتابه «قيام الليل» لإحالة السيوطي في «الدر المنثور» عليه.
(4)
ص: «عبيد» ، تصحيف.
(5)
ك، ع:«سعيد» ، تصحيف. وكذا كان في الطبعة الهندية، فغيِّر في الطبعة الميمنية إلى «عمرو عن سعيد» وتابعتها النشرات الأخرى.
(6)
لم أقف عليه.
(7)
غُيِّر في طبعة الرسالة ــ دون تنبيه ــ إلى: «سليم بن حيان» كما في «المسند» و «شعب الإيمان» ، وهو ثقة. ونبه محققو «المسند» على أنه تحرَّف اسمه عند الطبراني إلى «سليمان» ، وسليمان بن حيان هو أزديٌّ، صدوق يخطئ. والأثر أخرجه أحمد (22196) والطبراني (8/ 276) من طريق سليم بن حيان به، وذكره البيهقي في «شعب الإيمان» عقب (2524). وأخرجه أيضًا الطيالسي (1231) والبيهقي في «شعب الإيمان» (2524) من طريق حماد بن سلمة عن أبي غالب به. فيه أبو غالب البصري صاحب أبي أمامة، فيه لين وقد اضطرب في هذا الحديث. وللتفصيل انظر: التعليق على «المسند» .
إذا وضعتَ الطَّهورَ مواضعه قمتَ مغفورًا لك. فإن قمت تصلِّي كانت لك فضيلةً وأجرًا. فقال له رجلٌ: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلِّي تكون له نافلةً؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم. كيف تكون له نافلةً، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟ تكون له فضيلةً وأجرًا.
قلت: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحَبِّ والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والمستحَبِّ، فلا يكون قوله:{نَافِلَةً لَكَ} نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله عند ذكر خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يدَع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا. وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعةً
(1)
. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليلٌ على أن الوتر لا يُقضى لفوات محلِّه، فهو كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأنَّ المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار. فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم (746) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
نقل المؤلف قول شيخه في «أعلام الموقعين» (3/ 337) أيضًا. وانظر: «مجموع الفتاوى» (23/ 91) و «اختيارات البعلي» (ص 64).
وقد روى أبو داود وابن ماجه
(1)
من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكر» ، ولكن لهذا الحديث عدَّة علل:
أحدها: أنَّه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ.
الثاني: أنَّ الصحيح فيه أنه مرسلٌ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال الترمذي: هذا أصحُّ، يعني المرسل
(2)
.
الثالث: أنَّ ابن ماجه
(3)
حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتِرُوا قبل أن تُصْبحوا»
(4)
، قال: هذا الحديث دليلٌ على أنَّ حديث عبد الرحمن واهٍ
(5)
.
(1)
أما أبو داود (1431) فمن طريق أبي غسان محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أيضًا الدراقطني (1637) والحاكم (1/ 302) والبيهقي (2/ 480) من هذا الطريق، وإسناده صحيح. وأما ابن ماجه فبرقم (1188)، وأخرجه أيضًا أحمد (11264) والترمذي (465)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري به، وعبد الرحمن ضعيف. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (5/ 175). وانظر:«الإرواء» (2/ 153، 154).
(2)
بعد أن أخرجه برقم (466).
(3)
عقب (1189).
(4)
أخرجه مسلم (754).
(5)
يشكل عليه طريق أبي داود المذكور في تخريج الحديث السابق، وإسناده صحيح. ولكن ضعَّف ابن رجب إسناده في «فتح الباري» (6/ 189) دون بيِّنة. وكذلك تعقب ابن رجب ردّ محمد بن يحيى الحديث السابق بحديث مسلم المذكور آنفًا وقال: «وليس كذلك، فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته، فإذا فات وخرج وقته ففي هذا الأمرُ بقضائه، فلا تنافي بينهما
…
».
وكان قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعة
(1)
، كما قال ابن عباس وعائشة، فإنه ثبت عنهما هذا وهذا. ففي «الصحيحين»
(2)
عنها: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً» . وفي «الصحيحين»
(3)
عنها أيضًا: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي من الليل ثلاث عشرة ركعةً، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرهنَّ» .
والصحيح عن عائشة: الأول، والركعتان فوق الإحدى عشرة هما ركعتا الفجر. جاء ذلك عنها مبيَّنًا في هذا الحديث نفسه:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً بركعتي الفجر» ، ذكره مسلم في «صحيحه»
(4)
. وقال البخاري
(5)
في هذا الحديث: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالليل ثلاث عشرة ركعةً، ثم يصلِّي إذا سمع النداء بالفجر ركعتين خفيفتين» . وفي «الصحيحين»
(6)
عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة تقول: «كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي
(1)
لفظ «ركعة» ساقط من ن.
(2)
البخاري (1147، 2013، 3569) ومسلم (738).
(3)
مسلم (737) بهذا التمام، وأما البخاري فمختصرًا (1140).
(4)
برقم (737/ 124، 738/ 127).
(5)
برقم (1170).
(6)
مسلم (738/ 128)، لم أجده عند البخاري.
الفجر، وذلك ثلاث عشرة ركعةً». فهذا مفسَّرٌ مبيَّنٌ.
وأما ابن عباس، فقد اختلف عنه
(1)
، ففي «الصحيحين»
(2)
عن أبي جمرة عنه: «كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة ــ يعني بالليل» . لكن قد جاء هذا عنه مفسَّرًا أنها بركعتي الفجر. قال الشعبي: سألت عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالا: «ثلاث عشرة، منها ثمان، ويوتر بثلاث، وركعتين بعد الفجر
(3)
»
(4)
.
وفي «الصحيحين»
(5)
عن كُرَيب عنه في قصَّة مبيته عند خالته ميمونة بنت الحارث أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى ثلاث عشرة ركعةً، ثم نام حتى نفخ. فلما تبيَّن له الفجر صلَّى ركعتين خفيفتين. وفي لفظ
(6)
(1)
ق: «عليه» .
(2)
البخاري (1138) ومسلم (764).
(3)
أي بعد دخول وقت الفجر، وهما ركعتا الفجر. وفي ن:«قبل صلاة الفجر» ، وكذا في النسخ المطبوعة. ولعله تصرُّف من بعض الناسخين.
(4)
أخرجه ابن ماجه (1361) من طريق محمد بن عبيد بن ميمون عن أبيه عن محمد بن جعفر عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن الشعبي به؛ وعبيد بن ميمون مستور. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (408) والطبراني (12/ 91) من طريقين عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر به، وأسانيدهما جيدة، غير أن أبا إسحاق لم يصرح بالسماع.
(5)
البخاري (698، 6316) ومسلم (763/ 185).
(6)
البخاري (183) ومسلم (763/ 182).
فقد حصل الاتفاق على إحدى عشرة ركعةً، واختلف في الركعتين الأخيرتين
(1)
: هل هما ركعتا الفجر أو هما غيرهما؟
فإذا انضاف ذلك إلى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها= جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعةً، كان يحافظ عليها دائمًا: سبعة عشر فرضًا، وعشر ركعات أو ثنتا عشرة سنَّةً راتبةً، وإحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعةً قيام الليل، فالمجموع أربعون. وما زاد على ذلك فعارضٌ غير راتب، كصلاة الفتح ثمان ركعات، وصلاة الضحى إذا قدِم من مغيبه، وصلاته عند من يزوره، وتحية المسجد، ونحو ذلك. فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائمًا إلى الممات، فما أسرَعَ الإجابةَ وأعجَلَ فتحَ الباب لمن يقرعه كلَّ يوم وليلة أربعين مرةً! والله المستعان.
فصل
في سياق صلاته بالليل ووتره
ذكر صلاته
(2)
أول الليل
(3)
: قالت عائشة: «ما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء قطُّ، فدخل عليَّ، إلا صلَّى أربعَ ركعات أو ستَّ ركعات، ثم يأوي إلى فراشه» . وقال ابن عباس لما بات عنده: «صلَّى العشاء، ثم جاء، فصلَّى [أربعًا]
(4)
، ثم نام». ذكرهما أبو داود
(5)
.
(1)
ويحتمل قراءة «الآخرتين» .
(2)
ك، ع:«صلاة» . وكذا في المطبوع.
(3)
في النسخ المطبوعة جعل هذا جزءا من عنوان الفصل بزيادة واو العطف قبل «ذكر» .
(4)
زيادة لازمة من «السنن» .
(5)
أما حديث عائشة فبرقم (1303)، وأخرجه أحمد (24305) والنسائي في «الكبرى» (390) وليس فيه:«ثم يأوي إلى فراشه» . وفي إسناده مقاتل بن بشير العجلي ــ الراوي عن عائشة، مجهول. وقد تابعه زرارة بن أوفى عند أبي داود (1346 - 1348)، وهو عند أحمد (25987) إلا أن فيه أنه كان يصلي ركعتين. قال ابن عبد الهادي في «المحرر» (318):«وفي سماع زرارة عن عائشة نظر» . ورجح الدارقطني في «علله» (3657) أن زرارة يرويه عن سعد بن هشام عن عائشة، وهكذا أخرجه أبو داود (1349) وأحمد (25988) ولكنهما لم يسوقا لفظه. وكذلك أخرجه النسائي في «المجتبى» (1651) و «الكبرى» (423، 1420) من طرق عن هشام عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة به، وليس فيها ذكر صلاته صلى الله عليه وسلم قبل الأُويِّ إلى فراشه. قال الألباني:«حديث صحيح إلا (الأربع ركعات)، والمحفوظ ركعتان» ، وانظر للتفصيل:«صحيح أبي داود- الأم» (5/ 90 - 94).
وأما حديث ابن عباس فبرقم (1357) من طريق شعبة عن الحكم عن سعيد بن جبير عنه به، وأخرجه البخاري (117، 697) كذلك من طريقين عن شعبة به.
وكان إذا استيقظ بدأ بالسواك، ثم يذكر الله ــ وقد تقدَّم ذكرُ ما كان يقوله عند استيقاظه ــ ثم يتطهَّر، ثم يصلِّي ركعتين خفيفتين؛ كما في «صحيح مسلم»
(1)
عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.
وأمر بذلك في حديث أبي هريرة، فقال:«إذا قام أحدكم من الليل، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» . رواه مسلم
(2)
.
وكان يقوم تارةً إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل. وربما كان يقوم إذا سمع الصَّارخ، وهو الدِّيك، وهو إنما يصيح في النصف الثاني.
(1)
برقم (767).
(2)
برقم (768).
وكان يقطع ورده تارةً، ويصله تارةً وهو الأكثر. فيقطعه
(1)
كما قال ابن عباس في حديث مبيته عنده أنه صلى الله عليه وسلم استيقظ، فتسوَّك، وتوضَّأ، وهو يقول:{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} فقرأ هؤلاء الآيات حتى ختم السورة [آل عمران: 190 - 200]، ثم قام فصلَّى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف، فنام حتى نفخ. ثم فعل ذلك ثلاثَ مرَّات ستَّ ركعات، كلَّ ذلك يستاك ويتوضَّأ، ويقرأ هؤلاء الآيات. ثم أوترَ بثلاث، فأذَّن المؤذن، فخرج إلى الصلاة وهو يقول:«اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا. اللهمَّ أعطني نورًا» . رواه مسلم
(2)
.
ولم يذكر ابن عباس افتتاحه بركعتين خفيفتين كما ذكرته عائشة، فإمَّا أنَّه كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه
(3)
ابن عباس؛ وهو الأظهر لمواظبتها
(4)
له ومراعاتها ذلك
(5)
، ولكونها
(6)
أعلمَ الخلق بقيامه بالليل. وابن عباس إنما شاهده ليلة المبيت عند خالته.
(1)
ج، ق:«فتقطيعه» .
(2)
برقم (763)، وأخرجه أيضًا البخاري (6316).
(3)
ق، مب، ن:«يحفظ» .
(4)
كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة، وقد أجرى المؤلف المواظبة مجرى الملازمة. وغيَّره الفقي إلى:«لملازمتها» . وكذا في طبعة الرسالة.
(5)
ك، ع، مب:«لذلك» .
(6)
ك، ع:«وكونها» .
وإذا اختلف ابن عباس وعائشة في شيء من أمر قيامه بالليل، فالقول ما قالت عائشة.
وكان قيامه صلى الله عليه وسلم بالليل ووتره أنواعًا، فمنها:
هذا الذي ذكره ابن عباس.
النوع الثاني: الذي ذكرته عائشة أنه يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين، ثم يتمِّم
(1)
ورده إحدى عشرة ركعةً، يسلِّم من كلِّ ركعتين ويوتر بركعة.
النوع
(2)
الثالث: ثلاث عشرة ركعةً كذلك.
النوع الرابع: يصلِّي ثمان ركعات، يسلِّم بين
(3)
كلِّ ركعتين، ثم يوتر بخمسٍ سردًا متواليةً، لا يجلس
(4)
إلا في آخرهن
(5)
.
النوع الخامس: تسع ركعات، يسرُد منهن ثمانيًا لا يجلس في شيء منهن إلا في الثامنة، يجلس يذكر
(6)
الله ويحمده ويدعوه. ثم ينهض، ولا يسلِّم
(7)
. ثم يصلِّي التاسعة، ثم يقعد، فيتشهَّد، ويسلِّم. ثم يصلِّي ركعتين بعدما يسلِّم
(8)
.
(1)
ص: «يتم» .
(2)
لفظ: «النوع» ساقط من ك، ع، واستدرك في حاشية ع.
(3)
ق، مب، ن:«من» .
(4)
في ن بعده زيادة: «في شيء» .
(5)
أخرجه مسلم (737/ 123) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6)
ك، ع:«فيذكر» .
(7)
ك، ع:«ولم يسلِّم» .
(8)
أخرجه مسلم (746) ضمن حديث طويل.
النوع السادس: يصلِّي سبعًا كالتسع المذكورة، ثم يصلِّي بعدها ركعتين جالسًا
(1)
.
النوع السابع: أنه كان يصلِّي مثنى مثنى، ثم يوتر بثلاث لا يفصل فيهنَّ. فهذا رواه الإمام أحمد
(2)
عن عائشة أنه كان يوتر بثلاثٍ لا فصلَ فيهنَّ. وروى النسائي
(3)
عنها: «كان لا يسلِّم في ركعتي الوتر» . وهذه الصفة فيها نظرٌ، فقد روى أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه»
(4)
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(1)
لفظ «جالسًا» من ك، ع. وفيهما أيضًا قبل «ركعتين»:«بعدها» .
(2)
لم أجد عنده: «بثلاث لا يفصل فيهن» . وإنما أخرجه (26358) بلفظ: «ويوتر بخمس لا يقعد فيهن
…
».
(3)
«المجتبى» (1698) و «الكبرى» (1404)، وأخرجه ابن أبي شيبة (6912) وابن نصر في «كتاب الوتر» (ص 291) والطبراني في «الأوسط» (6661) و «الصغير» (990) والدارقطني (1665) والبيهقي (3/ 31)، كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة به. وهذه الرواية مخالفة للرواية المشهورة، وضعفها الألباني وفصل القول فيها في «الإرواء» (421).
(4)
برقم (2429) من طريق عبد الله بن وهب عن سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وأخرجه الدارقطني (1650) وقال: كلهم ثقات، وقال الحافظ في «التلخيص» (2/ 865):«ورجاله كلهم ثقات ولا يضره وقف من أوقفه» ، وقال في «الفتح» (2/ 481):«وإسناده على شرط الشيخين» ، ولكن قال ابن رجب في «فتح الباري» (6/ 160):«وفي رفعه نكارة» ثم ساق ما أُثِر عن الصحابة. وأخرجه أيضًا ابن نصر في «كتاب الوتر» (ص 300) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 180) كلاهما عن طاهر بن عمرو بن الربيع بن طارق، قال: ثنا أبي قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة به، رجاله ثقات غير طاهرِ بن عمرو شيخِ ابن نصر وابن المنذر، لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا.
«لا تُوتروا بثلاث، أوتِروا بخمس أو سبع، ولا تشبَّهوا بصلاة المغرب» ، وقال الدارقطني: إسناده كلُّهم ثقات.
قال مهنَّا: سألت أبا عبد الله: إلى أي شيء تذهب في الوتر، تسلِّم في الركعتين؟ قال: نعم. قلت: لأي شيء؟ قال: إنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين. الزهري، عن عروة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سلَّم من الركعتين.
وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يسلِّم
(1)
في الركعتين، وإن لم يسلِّم رجوت أن لا يضُرَّه، إلا أن التسليم أثبَتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إلى أيِّ حديث تذهب في الوتر؟ قال: أذهب إليها كلِّها: من صلَّى خمسًا لا يجلس إلا في آخرهن. ومن صلَّى سبعًا لا يجلس إلا في آخرهن. وقد روي في حديث زرارة عن عائشة: «كان يوتر بتسع يجلس في الثامنة» ، قال: ولكن أكثر الحديث وأقواه ركعةٌ، فأنا أذهب إليها
(2)
. قلت: ابن مسعود يقول: ثلاث. قال: نعم، قد عاب على سعد ركعةً، فقال له سعد أيضًا شيئًا، يردُّ عليه
(3)
.
(1)
ص، ج، ك:«سَلِّم» ، ضبط في ج بكسر اللام.
(2)
وانظر «مسائل الإمام أحمد» برواية عبد الله (ص 94) وأبي داود (ص 95) وابن هانئ (ص 132) والكوسج (2/ 649، 776) و «الروايتين والوجهين» (1/ 161 - 162).
(3)
أخرجه عبد الرزاق (4651) والطبراني (9/ 283) من طريق إبراهيم النخعي أن ابن مسعود قال لسعد بن أبي وقاص: «توتر بواحدة؟ قال: أوليس إنما الوتر واحدة؟ فقال عبد الله: بلى، ولكن ثلاث أفضل، قال: فإني لا أزيد عليها، قال: فغضب عبد الله، فقال سعد: أتغضب علي أن أوترَ بركعةٍ وأنت تورِّث ثلاث جدات، أفلا تورث حواء امرأة آدم؟» . إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود وسعدًا.
النوع الثامن: ما رواه النسائي
(1)
عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فركع، فقال في ركوعه:«سبحان ربِّي العظيم» مثل ما كان قائمًا، ثم جلس يقول:«ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي» مثل ما كان قائمًا، [ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى» مثل ما كان قائمًا]
(2)
، فما صلَّى إلا أربع ركعات حتى جاء بلالٌ يدعوه إلى الغداة.
وأوتر أول الليل، ووسطه، وآخره.
وقام ليلةً
(3)
بآية يتلوها ويردِّدها حتى الصباح
(4)
: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]»
(5)
.
(1)
«المجتبى» (1665) و «الكبرى» (1382)، وأصله عند مسلم (772)، وقد تقدم تخريجه مفصلًا في معرض أذكاره صلى الله عليه وسلم في الرفع من الركوع (ص 250).
(2)
ما بين الحاصرتين ساقط من النسخ لانتقال النظر فيما يبدو. وقد زاده الشيخ الفقي من «السنن» دون تنبيه. وكذا في طبعة الرسالة.
(3)
ن: «ليلة تامَّةً» .
(4)
في مب بعده زيادة: «وهي» .
(5)
أخرجه ابن أبي شيبة (8454) وأحمد (21388) والنسائي في «المجتبى» (1010) و «الكبرى» (1084، 11096) وابن ماجه (1350) والبيهقي (3/ 13) من طريق قدامة العامري عن جسرة بن دجاجة عن أبي ذر به، وفي إسناده لين لأجل قدامة وجسرة. وأخرجه أيضًا أحمد (21328) والبيهقي (3/ 14) من طريق فُلَيت العامري عن جسرة به، وفليت صدوق. والحديث صححه الحاكم (1/ 241)، وحسنه الألباني؛ انظر:«أصل صفة الصلاة» (2/ 534، 535). وقال ابن خزيمة في «صحيحه» (1/ 299): إن صح الخبر
…
وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع: أحدها ــ وهو أكثرها
(1)
ــ: صلاته قائمًا. الثاني: أنه كان يصلِّي قاعدًا، ويركع قاعدًا
(2)
. الثالث: أنه كان يقرأ قاعدًا، فإذا بقي يسيرٌ من قراءته قام فركع قائمًا
(3)
. والأنواع الثلاثة صحَّت عنه.
وأما صفة جلوسه في محلِّ القيام
(4)
، ففي «سنن النسائي»
(5)
عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي متربِّعًا. قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير أبي داود ــ يعني الحَفْري ــ وأبو داود ثقةٌ، ولا أحسب إلا أنَّ هذا الحديث خطأ. والله أعلم
(6)
.
(1)
ك، ع:«أكثر» .
(2)
أخرجه مسلم (730) من حديث عائشة.
(3)
أخرجه البخاري (1118، 1119) من حديث عائشة.
(4)
ص، ج:«حال محلِّ القيام» .
(5)
«المجتبى» (1661) و «الكبرى» (1367) ومن طريقه الدارقطني (1482)، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (978، 1238) وابن حبان (2512) والحاكم (1/ 275) والبيهقي (2/ 305) من طرق عن أبي داود الحفري عن حفص بن غياث عن حميد الطويل عن عبد الله بن شقيق به، وكلام النسائي هذا في «المجتبى» . وقد تابعه محمد بن سعيد الأصبهاني عند الحاكم (1/ 258) والبيهقي (2/ 305)، قال الحافظ في «التلخيص» (2/ 639) بعد ذكر متابعة الأصبهاني للحفري:«فظهر أنه لا خطأ فيه» ، وبنحوه أشار ابن عبد الهادي في «المحرر» عقب (396)، ولكن الحمل فيه على شيخهما حفص بن غياث، انظر التعليق الآتي.
(6)
ومما يؤيد تعليله قولُ محمد بن نصر المروزي: «لم يأتِ في شيء من الأخبار التي رويناها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالسًا= صفةُ جلوسه كيف كانت، إلا في حديث روي عن حفص بن غياث أخطأ فيه حفص رواه عنه أبو داود الحفري، عن حميد عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعًا» . قال: «وحديث الصلاة جالسًا رواه عن حميد عن عبد الله بن شقيق غير واحد، كما رواه الناس عن عبد الله بن شقيق رحمه الله، ولا ذكر التربّع فيه» ، ثم فصَّل القول فيه، ثم أتى بآثار من الصحابة في الصلاة متربعًا. انظر:«قيام الليل» (ص 201 - 204).
فصل
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلِّي ركعتين بعد الوتر جالسًا تارةً، وتارةً يقرأ فيهما جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فركع. ففي «صحيح مسلم»
(1)
عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:«كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً. يصلِّي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلِّي ركعتين وهو جالسٌ، فإذا أراد أن يركع، قام، فركع. ثم يصلِّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح» .
وفي «المسند»
(2)
عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالسٌ. قال الترمذي: روي نحو هذا عن أبي أمامة وعائشة
(1)
برقم (738).
(2)
برقم (26553)، وأخرجه الترمذي (471) وابن ماجه (1195) من طريق ميمون بن موسى المَرَئِي عن الحسن عن أمه عن أم سلمة. وميمون مدلس وقد عنعن، وقال العقيلي في «الضعفاء» (6/ 9) في ترجمته بعد أن ذكر هذا الحديث:«لا يتابع عليه، وغيره يرويه عن أم سلمة فعلَها» . وقال أحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (3450): «ما أرى به بأس، وكان يدلس، وكان لا يقول: حدثنا الحسن» . وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمته (9/ 699): «هذا عزيز الحديث، وإذا قال حدثنا فهو صدوق، لأنه كان متهمًا في التدليس» . وكذلك اختلف فيه على الحسن البصري حيث أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 422) عقب حديثنا هذا من طريقه عن سعد بن هشام عن عائشة، ورجحه؛ وبنحوه قال الدارقطني في «العلل» (14/ 316)، فالحديث ثابت من مسند عائشة رضي الله عنها.
وغير واحد عن النبي
(1)
صلى الله عليه وسلم.
وفي «المسند»
(2)
عن أبي أمامة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي ركعتين بعد الوتر وهو جالسٌ، يقرأ فيهما بـ (إذا زلزلت) و (قل ياأيها الكافرون). وروى الدارقطني
(3)
نحوه من حديث أنس.
وقد أشكل هذا على كثير من الناس، وظنُّوه معارضًا لقوله صلى الله عليه وسلم:«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»
(4)
. وأنكر مالك هاتين الركعتين. قال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك. وقالت طائفةٌ: إنما فعل هاتين الركعتين ليبيِّن جواز الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفُّل، وحملوا
(5)
قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» على الاستحباب، وصلاتَه
(1)
ك، ع:«رسول الله» .
(2)
برقم (22246)، وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 341) والطبراني (8/ 277) والبيهقي (3/ 33) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أبي غالب عن أبي أمامة به. وأبو غالب هذا فيه لين. وانظر: تعليق محققي «المسند» (22313). ويغني عنه ما سبق (ص 387) من حديث عائشة.
(3)
برقم (1702) من طريق قتادة عن أنس، وقال:«قال لنا أبو بكر [ابن أبي داود]: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الشام» . وأخرجه ابن نصر في «قيام الليل» (ص 197 - المختصر) والطبراني في «مسند الشاميين» (759) والبيهقي (3/ 33). قال أبو حاتم في «علل الحديث» (442): «هذا من حديث قتادة منكر» . وأخرجه ابن خزيمة (1105) من طريق آخر فيه عمارة بن زاذان ومؤمل بن إسماعيل، كلاهما فيه لين. ويغني عنه حديث عائشة المذكور في أول الفصل.
(4)
أخرجه البخاري (998) ومسلم (751/ 151) من حديث ابن عمر.
(5)
ك، ع:«وحُمِل» مضبوطًا في ع.
الركعتين بعده على الجواز.
والصواب: أن يقال: إنَّ هاتين الركعتين
(1)
تجري
(2)
مجرى السنَّة، وتكميل الوتر، فإنَّ الوتر عبادةٌ مستقلةٌ، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده مجرى سنَّة المغرب من المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميلٌ لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل
(3)
. والله أعلم وأحكم
(4)
.
فصل
ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه
(5)
(1)
بعده في ك، ع زيادة:«بعده على الجواز» ، والظاهر أن سببها انتقال النظر إلى السطر السابق.
(2)
كذا بإفراد الفعل في جميع النسخ، وفي النسخ المطبوعة:«تجريان» .
(3)
تقدَّم مثل هذا التقرير في (ص 290).
(4)
لم يرد «وأحكم» في ق، مب، ن.
(5)
برقم (1182)، وبنفس الإسناد أخرجه النسائي في «المجتبى» (1699) و «الكبرى» (1436، 10502) وقال في «الكبرى» (1436): «وقد روى هذا الحديث غير واحد عن زُبَيد اليامي، فلم يذكر أحد منهم فيه: ويقنت قبل الركوع» . وقد أطال أبو داود في «السنن» عقب (1427) في ذكر طرق هذا الحديث وتعليله، ثم ضعَّف هذه الروايات، واستشهد بمخالفتها رواية جماعةٍ يزيدُ عددُهم على هؤلاء دون ذكر القنوت، وكذلك علَّله بما أُثِر عن أبيٍّ (1428، 1429) أنه كان يقنت في النصف من رمضان، ثم استنتج قائلًا:«وهذا يدل على أن الذي ذكر في القنوت ليس بشيء، وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبيّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في الوتر» . وأيّده البيهقي في «السنن الكبرى» (3/ 40)، وانظر:«معرفة السنن» (4/ 88، 89).
عن علي بن ميمون الرَّقِّي، حدثنا مخلد
(1)
بن يزيد، عن سفيان، عن زُبيد اليامي، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيِّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر، فيقنت قبل الركوع.
قال أحمد في رواية ابنه عبد الله
(2)
: أختار القنوت بعد الركوع. إنَّ كلَّ شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، إنما هو في الفجر لما رفع رأسه من الركوع. وقنوت الوتر أختاره بعد الركوع. ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الوتر قبل أو بعد شيءٌ.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن يحيى الكحال أنه قال لأبي عبد الله في القنوت في الوتر، فقال: ليس يروى فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيءٌ، ولكن عمر كان
(3)
يقنت من السنة إلى السنة.
وقد روى أحمد وأهل «السنن»
(4)
من حديث الحسن بن علي قال: علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: «اللهمَّ اهدني فيمن هديت، وعافِني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت، وبارِك لي فيما أعطيت، وقِني شرَّ ما قضيت، إنَّك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذِلُّ من واليت، تباركت ربَّنا وتعاليت» .
زاد النسائي والبيهقي
(5)
(1)
ك، ع، ن:«أنبأنا محمد» ، والصواب ما أثبت من غيرهما.
(2)
«مسائل عبد الله» (ص 91).
(3)
ق، مب:«كان عمر» .
(4)
تقدَّم تخريجه مفصلًّا (ص 352 - 353).
(5)
أخرجه البيهقي (2/ 209)، ولم أجده عند النسائي.
وزاد النسائي
(1)
في روايته: «وصلَّى الله على النَّبيِّ» .
ورواه
(2)
الحاكم في «المستدرك»
(3)
وقال: «علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود» .
ورواه ابن حِبَّان في «صحيحه»
(4)
ولفظه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو
…
».
قال الترمذي
(5)
: وفي الباب عن علي، وهذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء
(6)
السعدي، واسمه ربيعة بن شيبان ولا يُعرَف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر شيءٌ
(7)
أحسن من هذا.
(1)
«المجتبى» (1746) و «الكبرى» (1447) من طريق عبد الله بن علي عن الحسن بن علي به، وفيه:«وصلَّى الله على محمد النبي» . في إسناده عبد الله بن علي بن الحسين، فيه لين، وقال الحافظ في «التهذيب» (5/ 325):«وأما روايته عن الحسن بن علي فلم تثبت» ، وكذلك ضعفه الألباني.
(2)
ما عدا ص، ج:«وزاد» .
(3)
(3/ 172) ــ ومن طريقه البيهقي (3/ 38) ــ من طريق أبي بكر بن شيبة الحزامي عن ابن أبي فديك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن موسى بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي به. والحزامي تفرد بهذا اللفظ، وقد انتقى له البخاري حديثين فقط، وفيه لين.
(4)
برقم (722) تتمته: «يدعو بهذا الدعاء: اللهم اهدنا
…
»، وليس فيه ذكر قنوت الوتر كما سبق في التخريج مفصلًّا، وإليه جنح ابن حبان.
(5)
في «الجامع» عقب (464).
(6)
تصحف في ص إلى «الجون» ، وفي ق، ك، ع إلى:«الجوزاء» .
(7)
كذا في جميع النسخ. وفي مطبوعة «الجامع» : «ولا نعرف
…
شيئًا».
انتهى
(1)
.
والقنوت في الوتر محفوظٌ عن عمر وأُبَيّ
(2)
وابن مسعود
(3)
، والرواية عنهم به أصحُّ من القنوت في الفجر، والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت الفجر أصحُّ عنه من الرواية في قنوت الوتر. والله أعلم.
وقد روى أبو داود والترمذي والنسائي
(4)
من حديث علي بن أبي طالب أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: «اللهمَّ إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك. لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك» . وهذا يحتمل أن يكون قبل فراغه منه وبعده. وفي إحدى روايات النسائي
(5)
: «كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوَّأ
(1)
ك، ع: «
…
النبي صلى الله عليه وسلم شيء آخر من هذا النهي»، وفيه سقط وتحريف.
(2)
«أُبَيّ» ساقط من مب، وكذا من النسخ المطبوعة.
(3)
أما أثر عمر فأخرجه ابن أبي شيبة (7009) أنه كان يقنت في النصف الآخر من رمضان. وبنحوه أخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر (7005، 7006) وعن علي (7007). وأما أثر أبي بن كعب فقد سبق أنه أخرجه أبو داود (1428، 1429) من طريقين، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة (7008) وغيره، وفيه أنه قنت في عهد عمر في النصف الآخر من رمضان. وأما أثر ابن مسعود فأخرجه عبد الرزاق (4991) أنه كان يقنت السنة كلها في الوتر. وانظر:«مصنف ابن أبي شيبة» (6965).
(4)
أبو داود (1427) والترمذي (3566) والنسائي في «المجتبى» (1747) و «الكبرى» (1448، 7705)، وأخرجه أحمد (751) وابن ماجه (1179). ومداره على هشام بن عمرو الفزاري، مجهول.
(5)
في ق، ن:«إحدى الروايات للنسائي» ، وكذا في الطبعة الهندية. وفي مب:«عن النسائي» ، وكذا في الطبعة الميمنية وما بعدها. والحديث في «الكبرى» (10661) من طريق علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة عن إبراهيم بن عبد الله بن عبد القاريّ عن علي به. وكذلك أخرجه الطبراني في «الأوسط» (1992) وابن السني (ص 690) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (392) من طريق إسماعيل بن جعفر به. وفي إسناده إبراهيم القاريّ مجهول، ولم يدرك عليًّا. انظر:«جامع التحصيل» (ص 140) و «تهذيب الكمال» (2/ 125).
مضجعه». وفي هذه الرواية: «لا أُحصي ثناءً عليك ولو حرَصتُ» . وثبت عنه أنه قال ذلك أيضًا في السجود
(1)
، فلعله قاله في الصلاة وبعدها.
وذكر الحاكم في «المستدرك»
(2)
من حديث ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ووتره: ثم أوتر، فلما قضى صلاته سمعتُه يقول:«اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا. واجعل لي يوم لقائك نورًا» .
قال كريب
(3)
: وسبعٌ في التابوت
(4)
، فلقيتُ رجلًا من ولد العباس، فحدَّثني بهن، فذكر:«عصَبي ولحمي ودمي وشَعَري وبَشَري» وذكر
(1)
أخرجه مسلم (486) من حديث أبي هريرة عن عائشة.
(2)
(3/ 536). وقد وقع في الطبعة الهندية «للمستدرك» سقطٌ في الإسناد استدرك في طبعة مقبل الوادعي وطبعتي دار التأصيل ودار الميمان.
(3)
كما أخرجه البخاري (6316) ومسلم (736) عقب الحديث، وقد تقدم.
(4)
وهو الصندوق. يعني أنها مكتوبة في صندوق عنده. قاله ابن الجوزي في «كشف المشكل» (2/ 345). وقيل غير ذلك. انظر: «فتح الباري» (11/ 117). وفي الطبعة الهندية: «وسبع في القنوت» وتابعتها جميع الطبعات حتى طبعة الفقي وطبعة الرسالة. ولا أدري أتصرَّف ناشر الهندية أم كذا وقع في النسخة التي اعتمد عليها.
خصلتين.
وفي رواية النسائي
(1)
في هذا الحديث: وكان يقول في سجوده.
وفي رواية لمسلم
(2)
في هذا الحديث: فخرج إلى الصلاة يعني صلاة الصبح، وهو يقول. فذكر هذا الدعاء. وفي رواية له
(3)
أيضًا: «وفي لساني نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظِمْ لي نورًا» . وفي رواية له
(4)
أيضًا
(5)
: «واجعلني نورًا» .
وقد ذكر أبو داود والنسائي
(6)
من حديث أُبَيِّ بن كعب قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الوتر بـ (سبح اسم ربك الأعلى) و (قل ياأيها الكافرون) و (قل هو الله أحدٌ). فإذا سلَّم قال: «سبحانَ الملكِ القدُّوس» ثلاث مرات، يمدُّ صوته
(1)
«المجتبى» (1121) و «الكبرى» (712)، وإسناده صحيح، وهو عند مسلم (763/ 187) على الشك:«فجعل يقول في صلاته أو في سجود» ثم ذكر هذا الدعاء.
(2)
برقم (763/ 191).
(3)
برقم (763/ 189).
(4)
برقم (763/ 187) على الشك، وبالجزم في رواية أخرى عقبه.
(5)
لم ترد كلمة «أيضًا» في ص، ق، مب.
(6)
أبو داود (1430) والنسائي في «المجتبى» (1699، 1701، ومواضع عدة) و «الكبرى» (446، 447، 10497 - 10512، ومواضع عدة) من طرق عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن أبي بن كعب إلا الزيادة: «يمد صوته في الثالثة ويرفع» فهي من حديث عبد الرحمن بن أبزى كما عند النسائي في «المجتبى» (1752) و «الكبرى» (1452). وقد أطال النسائي في إيراد طرق هذا الحديث، انظر للتفصيل: تعليق محققي «المسند» (15354)، والحديث صحيح. وقد ورد في بعض طرقه زيادة القنوت في الوتر، وقد سبق تخريجه مع بيان ضعفه.
في الثالثة ويرفع». لفظ النسائي
(1)
. زاد الدارقطني
(2)
: ويقول: «ربُّ الملائكة والروح» .
وكان صلى الله عليه وسلم يقطِّع قراءته، ويقف عند كلِّ آيةٍ آيةٍ
(3)
، فيقول:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ويقف، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}
(4)
. وذكر الزهري
(5)
أن قراءة
(1)
كذا في جميع النسخ. وفي النسخ المطبوعة: «وهذا لفظ النسائي» .
(2)
برقم (1660)، تفرد بهذه الزيادة عن زُبَيد اليامي من بين أصحابه فطرُ بن خليفة، وهو مختلف فيه، وقد تفرد هنا بزيادةٍ من بين أصحاب زُبَيد الثقات المشهورين، ففي القلب من هذه الزيادة شيء. وانظر:«ميزان الاعتدال» (3/ 363، 364). وقال الدارقطني في «الغرائب والأفراد» (2/ 528 - الأطراف): «هذا حديث غريب من حديث أبي بكر فطر بن خليفة الحناط
…
، وتفرد به عيسى بن يونس عنه، وذكر فيه القنوت قبل الركوع، وأتى به بتمامه»، وقد أعلَّه أبو داود كما سبق مفصلًّا في تخريج زيادة قنوت الوتر.
(3)
كلمة «آية» الثانية ساقطة من مب.
(4)
بعده في طبعة عبد اللطيف وما بعدها زيادة: «ويقف، {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}» . والحديث أخرجه أحمد (26583) وأبو داود (4001) والترمذي (2927) والدارقطني (1191) والحاكم (1/ 232، 2/ 232) والبيهقي (2/ 44) من حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة، وقال الدارقطني:«إسناه صحيح، وكلهم ثقات» . ولكن ضعفه الترمذي وأعلَّه قائلًا: «وليس إسناده بمتصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مَملَك عن أم سلمة أنها وصفت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم حرفًا حرفًا، وحديث الليث أصح
…
»، وفيه أيضًا عنعنة ابن جريج. وحديث الليث أخرجه أبو داود (1466) والترمذي (2923)، وفي إسناده يعلى بن مملك وهو مجهول. فالحديث ضعيف بطريقيه.
(5)
ص، ج:«الترمذي» ، وقد صُحِّح في حاشية ص.
رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
(1)
.
وهذا هو الأفضل: الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلَّقت بما بعدها. وذهب بعض القُرَّاء إلى تتبُّعِ الأغراض والمقاصد والوقوفِ عند انتهائها. واتباعُ هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنَّته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في «شعب الإيمان»
(2)
وغيرُه، ورجَّحوا
(3)
الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلَّقت بما بعدها.
وكان يرتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. وقام بآية يردِّدها حتى الصباح
(4)
.
(1)
بعده في طبعة عبد اللطيف زيادة: «كانت آية آية» وكذا في طبعتي الفقي والرسالة. وقول الزهري أخرجه أبو داود (4000) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ــ وقال معمر: وربما ذكر ابن المسيب ــ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان يقرؤون: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ، وأول من قرأها:{مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} مروان. ورجح أبو داود هذا المرسل على ما روي مسندًا من طريق الزهري عن أنس [الترمذي (2928) وضعفه، وكذلك أبو حاتم في «العلل» (1715)]، والزهري عن سالم عن أبيه [سعيد بن منصور (169 - التفسير)]. وانظر:«الكامل» لابن عدي (8/ 394، 395) ترجمةَ عبد العزيز بن الحصين بن ترجمان .. وقد استقصى الدارقطني جميعَ طرقه في «علله» (1390) وقال: «والمحفوظ عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر؛ مرسل» . وانظر: «الغرائب والأفراد» (1/ 240، 275، 521 و 2/ 351 - الأطراف).
(2)
(4/ 175). وقد وقع في عبارته الواردة في نسخ الكتاب خلل، فعلَّق عليه المحقق:«وفي «المنهاج» (2/ 246): (أما تقطيع القرآن آية آية فإنه أولى عندنا من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها)، وهو أوضح».
(3)
مب: «ورجَّح» .
(4)
تقدم تخريجه (ص 390).
وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلَّة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين.
فمذهب ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أنَّ
(1)
الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها.
واحتجَّ أرباب هذا القول بأن المقصود من القرآن
(2)
فهمه وتدبُّره، والفقه فيه، والعمل به؛ وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن لِيُعْمَل به، فاتخَذوا تلاوته عملًا
(3)
. ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفِظه ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
(1)
مب، ن:«فذهب ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما إلى أنَّ» .
انظر لما روي عن ابن عباس: «مصنف عبد الرزاق» (4187) و «مصنف ابن أبي شيبة» (8817، 30784). وانظر لما روي عن ابن مسعود: «مصنف ابن أبي شيبة» (8816، 8819، 8825، 30778، 30782)، وسيذكر بعضها المؤلف بعد قليل.
(2)
في النسخ المطبوعة: «القراءة» ، والصواب ما أثبت من النسخ. وانظر:«النشر» لابن الجزري (1/ 209).
(3)
عزاه ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» (ص 233) إلى الحسن البصري. وكذلك شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوي» (25/ 170) والمؤلف في «مدارج السالكين» (1/ 451) و «مفتاح دار السعادة» (1/ 537). وأخرجه الآجري في «أخلاق أهل القرآن» (ص 102) والخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (ص 175) وأبو نعيم في «الحلية» (8/ 92) من طرق عن عبد الصمد بن يزيد عن الفضيل بن عياض قوله. وقد ذكره المؤلف في «الداء والدواء» (ص 357) غير منسوب كما هنا وعزي أيضًا إلى ابن مسعود.
قالوا: ولأنَّ الإيمان أفضل الأعمال، وفهم القرآن وتدبُّره هو الذي يثمر الإيمان. وأما مجرَّد التلاوة من غير فهم ولا تدبُّر، فيفعلها البَرّ والفاجر، والمؤمن والمنافق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة: ريحها طيِّبٌ وطعمها مرٌّ»
(1)
.
والناس في هذا أربع طبقات: أهل القرآن والإيمان، وهم أفضل الناس. الثانية: مَن عَدِم القرآنَ والإيمانَ. الثالثة: من أوتي قرآنًا ولم يُؤتَ إيمانًا، الرابعة: من أوتي إيمانًا ولم يُؤتَ القرآن
(2)
.
قالوا: فكما أنَّ من أوتي إيمانًا بلا قرآن أفضل ممن أوتي قرآنًا بلا إيمان، فكذلك من أوتي تدبرًا وفهمًا في التلاوة أفضل ممَّن أوتي كثرةَ قراءةٍ وسرعتَها بلا تدبُّر.
قالوا: وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يرتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وقام بآيةٍ حتى الصباح.
وقال أصحاب الشافعي: كثرة القراءة أفضل، واحتجُّوا بحديث ابن مسعود قال: قال
(3)
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول: الم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ،
(1)
أخرجه البخاري (5059، 5427) ومسلم (797) من حديث أنس عن أبي موسى الأشعري.
(2)
ق، مب، ن:«قرآنًا» .
(3)
قد انتهى هنا الخرم الطويل في نسخة دار الكتب المصرية (م) وبدأت المقابلة عليها مرة أخرى.
وميمٌ حرفٌ». رواه الترمذي
(1)
وصححه.
قالوا: ولأن عثمان بن عفان قرأه في ركعة
(2)
، وذكروا آثارًا عن كثير من السلف في كثرة القراءة
(3)
.
والصواب في المسألة أن يقال: إنَّ ثواب قراءة الترتيل والتدبُّر أجلُّ وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا. فالأول: كمن تصدَّق بجوهرة
(1)
برقم (2910)، وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 216) وقال:«لا أدري حفظه أم لا؟» أي محمد بن كعب. وقال الترمذي: «ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن ابن مسعود، رواه أبو الأحوص عن ابن مسعود، رفعه بعضهم ووقفه بعضهم عن ابن مسعود. هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: بلغني أن محمد بن كعب القرظي ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم» . وطريق أبي الأحوص أخرجه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص 46) والآجري في «أخلاق أهل القرآن» (ص 52) والحاكم (1/ 555). والحديث صححه أيضًا الألباني في «الصحيحة» (3327). وأطال الدارقطني في سرد طرقه في «علله» (919) ورجح الموقوف. وانظر للموقوف: «مصنف عبد الرزاق» (5993، 6017) و «سنن سعيد بن منصور» (4، 6، 7 - التفسير) و «مصنف ابن أبي شيبة» (30552، 30554، 30555) و «سنن الدارمي» (3351، 3358، 3365).
(2)
أخرجه عبد الرزاق (4653) وابن أبي شيبة (3710، 3720) والبيهقي (3/ 24، 25) من طرق عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي في قصة له مع عثمان رضي الله عنه في صلاة الليل، وإسناده صحيح.
(3)
انظر: «مصنف عبد الرزاق» (2/ 146 - باب قراءة السور في الركعة، 3/ 351 - باب إذا سمعت السجدة وأنت تصلي وفي كم يقرأ القرآن) و «مصنف ابن أبي شيبة» (3/ 254 - في الرجل يقرن السور في الركعة من رخص فيه، 5/ 513 - من رخص أن يقرأ القرآن في ليلة وقراءته في ركعة) وغير ذلك من الأبواب.
عظيمة، أو أعتق عبدًا قيمتُه نفيسةٌ جدًّا؛ والثاني: كمن تصدَّق بعدد كثير من الدراهم، أو أعتق عددًا من العبيد قيمتُهم رخيصةٌ
(1)
.
وفي «صحيح البخاري»
(2)
عن قتادة قال: سألت أنسًا عن قراءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: كان يمُدُّ مدًّا.
وقال شعبة: حدثنا أبو جَمْرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجلٌ سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرةً أو مرتين، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورةً واحدةً أعجَبُ إليَّ من أن أفعل مثل ذلك الذي تفعل. فإن كنت فاعلًا لا بدَّ، فاقرأه
(3)
قراءةً تسمع أذنُك
(4)
، ويعيه قلبك
(5)
.
وقال إبراهيم: قرأ علقمة على عبد الله، وكان حسن الصوت، فقال: رتِّل ــ فداك أبي وأمي ــ فإنه زينُ القرآن
(6)
.
وقال عبد الله بن مسعود: لا تهُذُّوا القرآن هذَّ الشِّعر، ولا تنثروا نثرَ
(1)
في «النَّشْر» لابن الجزري (1/ 209): «وأحسن بعض أئمتنا رحمه الله، فقال: إن ثواب قراءة الترتيل
…
» ونقل الفقرة إلى هنا بنصِّها. وانظر: «فتح الباري» (9/ 89).
(2)
برقم (5045، 5046).
(3)
ما عدا ق، م، ن:«فاقرأ» .
(4)
في النسخ المطبوعة: «أذنيك» ، وكذا في المصادر.
(5)
أخرجه حرب الكرماني في «مسائله» (ص 96) عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة به، وهذا الإسناد كالشمس. وأخرجه سعيد بن منصور (161 - التفسير) والبيهقي (3/ 13) من طرق أخرى صحيحة.
(6)
أخرجه سعيد بن منصور (54 - التفسير) وابن أبي شيبة (8816) والبيهقي في «السنن» (2/ 54) و «الشعب» (1973) من طرق، والأثر ثابت.
الدقل، وقِفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخرَ السورة
(1)
.
وقال عبد الله أيضًا: إذا سمعت الله يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأَصْغِ لها سمعَك، فإنه خيرٌ تؤمر به، أو شرٌّ تُصْرَف عنه
(2)
.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى
(3)
: دخلتْ عليَّ امرأةٌ، وأنا أقرأ سورة هود، فقالت لي: يا عبد الرحمن، هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إنِّي فيها منذ
(4)
ستة أشهر وما فرغت من قراءتها
(5)
.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسِرُّ بالقرآن
(6)
في صلاة الليل
(7)
تارةً، ويجهر تارةً، ويطيل القيام تارةً، ويخفِّفه تارةً، ويوتر آخرَ الليل ــ وهو الأكثر ــ وأولَه
(1)
أخرجه ابن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 132 - المختصر) بهذا التمام، ولكن حذف المقريزي إسنادَه. وأخرج بعضه ابن أبي شيبة (8825، 30782) وهو منقطع بين الشعبي وابن مسعود. وبنحوه أخرج سعيد بن منصور (147 - التفسير)، وانظر للمزيد: تعليق محققه عليه.
(2)
أخرجه سعيد بن منصور (50 - التفسير) ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (1886)، إسناده منقطع، وانظر: تعليق محقق «سنن سعيد بن منصور» .
(3)
في «الشعب» : «عن رجل من ولد ابن أبي ليلى» ، وكذا «يا أبا عبد الرحمن» مكان «يا عبد الرحمن» فيما يأتي. واستظهر محققه أن الرجل محمد بن عبد الرحمن إذ هو الذي يكنى أبا عبد الرحمن.
(4)
ص، ج:«مذ» .
(5)
أخرجه البيهقي في «الشعب» (1887)، وفي إسناده مجهول ومبهم.
(6)
مب: «بالقراءة» .
(7)
بعده في ق، م زيادة:«ويسرد» ، وفي مب، ن:«ويسر» .
تارةً، ووسطَه تارةً.
وكان يصلِّي التطوُّع بالليل والنهار على راحلته في السفر قِبَلَ أي وجهة توجَّهت به. فيركع ويسجد عليها إيماءً، ويجعل سجوده أخفضَ من ركوعه
(1)
.
وقد روى أحمد وأبو داود
(2)
عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يصلِّي على راحلته تطوُّعًا استقبل القبلة، فكبَّر للصلاة، ثم خلَّى عن راحلته، ثم صلى حيث توجَّهت به.
فاختلفت الرواية عن أحمد: هل يلزمه أن يفعل ذلك إذا قدر عليه؟ على روايتين. فإن أمكنه الاستدارة إلى القبلة في صلاته كلِّها مثل أن يكون في مَحْمِلٍ أو عمَّاريَّة
(3)
ونحوها، فهل يلزمه، أو يجوز له أن يصلِّي إلى حيث توجَّهت به الراحلة؟ فروى محمد بن الحكم عن أحمد: مَن صلَّى في مَحْمِل فإنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة، لأنه يمكنه أن يدور، وصاحبُ الراحلة والدابة لا يمكنه. وروى عنه أبو طالب أنه قال: الاستدارة في المَحْمِل
(1)
أخرجه أحمد (14156) وأبو داود (1227) والترمذي وصححه (351) وابن خزيمة (1270) وابن حبان (2523) من حديث جابر. وأصله عند البخاري (400) ومسلم (540) دون بيان كيفية السجود.
(2)
أحمد (13109) وأبو داود (1225)، وأخرجه الطيالسي (2228) وعبد بن حميد (1231) والدارقطني (1476)، وإسناده حسن. وبنحوه أخرج البخاري (1100) ومسلم (702) دون ذكر استقبال القبلة.
(3)
هي كما في «النظم المستعذب» (1/ 183): محمل كبير مظلَّل يُجعل على البعير من الجانبين كليهما.