الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصول في هديه في العبادات
فصل
في هديه في الوضوء
كان صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ لكلِّ صلاة في غالب أحيانه، وربما صلَّى الصلوات بوضوء واحد. وكان يتوضأ بالمُدِّ تارةً، وبثلثيه تارةً، وبأزيد منه تارةً؛ وذلك نحو أربع أواقٍ بالدمشقي إلى أوقيَّتين وثلاثة
(1)
. وكان من أيسر الناس صبًّا لماء الوضوء، وكان يحذِّر أمته من الإسراف فيه، وأخبر أنه يكون في أمته من يعتدي في الطهور
(2)
، وقال:«إنَّ للوضوء شيطانًا يقال له: الوَلَهان، فاتقُوا وَسْواسَ الماء»
(3)
.
(1)
كذا في النسخ بدلًا من «ثلاث» .
(2)
«وأخبر
…
الطهور» ساقط من ك. والحديث أخرجه أحمد (16796) وأبو داود (96) والحاكم (1/ 162) والبيهقي (1/ 196) من حديث أبي نعامة عن عبد الله بن مغفل. وهو منقطع بين أبي نعامة وعبد الله بن مغفل كما أشار الذهبي في «تلخيص المستدرك» . وفي رواية الروياني (897) بينهما يزيد بن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول. ووقع عند ابن حبان (6763): عن الجريري عن «أبي العلاء» قال سمع عبد الله بن المغفل ابنًا له
…
، وأخشى أن يكون «أبي العلاء» تصحيفًا عن «أبي نعامة» ، فلم يذكر أحد أبا العلاء من الرواة عن عبد الله بن مغفل. وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص عند ابن أبي شيبة (30023) وأحمد (1483) من طريق أبي نعامة عن مولى لسعد عن سعد، ومولى لسعد هذا مجهول كذلك، وفيه ذكر الاعتداء في الدعاء دون الطهور. وانظر:«صحيح أبي داود - الأم» (1/ 163).
(3)
أخرجه أحمد (21238) والترمذي (57) وابن ماجه (421) من حديث أبي بن كعب. فيه خارجة بن مصعب مجمع على ضعفه. والحديث ضعفه الترمذي حيث قال: «حديث أبي بن كعب حديث غريب، وليس إسناده بالقوي والصحيح عند أهل الحديث، لأنا لا نعلم أحدًا أسنده غير خارجة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن قوله. ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء، وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا، وضعفه ابن المبارك» .. وخطَّأ رفعه أبو حاتم ووصفه أبو زرعة بأنه منكر، انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (130، 158) و «تعليقة على العلل لابن أبي حاتم» لابن عبد الهادي (ص 145 - 149).
ومرَّ بسعدٍ وهو يتوضأ، فقال له:«لا تُسْرِفْ في الماء» ، فقال: وهل في الماء إسرافٌ؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ
(1)
»
(2)
.
وصحَّ عنه أنه توضأ مرَّةً مرَّةً، ومرَّتين مرَّتين، وثلاثًا ثلاثًا؛ وفي بعض الأعضاء مرَّتين وبعضها ثلاثًا.
وكان يتمضمض ويستنشق تارةً بغَرْفة، وتارةً بغَرْفتين، وتارةً بثلاث. وكان يصِل بين المضمضة والاستنشاق، فيأخذ نصفَ الغَرْفة لفمه، ونصفَها لأنفه. ولا يمكن في الغَرفة إلا هذا، وأما الغرفتان والثلاث فيمكن فيهما الفصل والوصل؛ إلا أن هديه صلى الله عليه وسلم كان الوصل بينهما، كما في «الصحيحين»
(3)
من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كفٍّ واحدة،
(1)
«جار» ساقط من ع.
(2)
أخرجه أحمد (7065) وابن ماجه (425) من حديث عبد الله بن عمرو. فيه ابن لهيعة، فيه لين؛ وحيي بن عبد الله، قال البخاري: فيه نظر. وضعف إسناده الحافظ في «التلخيص» (1/ 389). ونحوه أخرج ابن أبي شيبة (723) بإسناد قوي عن هلال بن يساف قال: «كان يقال: من الوضوء إسراف، ولو كنت على شاطئ نهر» . وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (من كان يكره الإسراف في الوضوء؛ 1/ 467 - 472).
(3)
البخاري (191، 199) ومسلم (235).
فعل ذلك ثلاثًا. وفي لفظ: «مضمض واستنثر
(1)
ثلاثًا بثلاث غَرَفات»
(2)
. فهذا أصحُّ ما روي في المضمضة والاستنشاق.
ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة
(3)
، لكن في حديث طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جدِّه
(4)
: رأيتُ النبيّ
(5)
صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق
(6)
. ولكن لا ندري مَن
(7)
طلحة عن أبيه عن جدِّه، ولا يُعرف لجدِّه صحبة.
وكان يستنشق بيده اليمنى، ويستنثر باليسرى. وكان يمسح رأسه كلَّه.
(1)
ك: «واستنشق» .
(2)
لم يرد هذا اللفظ بعينه في «الصحيحين» . وأخشى أن يكون في النص سقطٌ وقع لانتقال النظر، ويكون الأصل:«مضمض واستنثر ثلاثًا» [وفي لفظ: «مضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا] بثلاث غرفات». والأول لفظ مسلم عقب اللفظ السابق. وفيه أيضًا: «فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات» . والثاني لفظ البخاري (192) وفيه (186) بنحوه.
(3)
فيه نظر. انظر: «التلخيص الحبير» (1/ 134).
(4)
بعده في ص: «قال» .
(5)
ص: «رسول الله» .
(6)
أخرجه أبو داود (139) والطبراني (19/ 181) والبيهقي (1/ 51). قال أبو داود عقب (132): «قال مسدد: فحدثت به يحيى [القطان] فأنكره» . ثم قال: «سمعت أحمد يقول: ابنُ عيينة ــ زعموا ــ كان ينكره ويقول: أيش هذا: طلحة عن أبيه عن جده؟!» ، كأنه عجب أن يكون جدُّ طلحة لقي النبي صلى الله عليه وسلم. انظر:«علل ابن أبي حاتم» (131) و «تعليقة ابن عبد الهادي» (ص 150، 151). فالحديث مرسل، وفيه ليث بن أبي سليم، ضعيف.
(7)
في طبعة الرسالة: «ولكن لا يروي إلا عن» ، تحريف.
وتارةً يُقبِل بيديه ويُدبِر، وعليه يُحمَل حديث من قال: مسَح برأسه مرتين
(1)
.
والصحيح أنه لم يكن يكرِّر مسح رأسه، بل كان إذا كرَّر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس. هكذا جاء عنه صريحًا، ولم يصحَّ عنه خلافه
(2)
البتة، بل ما عدا هذا إما صحيح غير صريح كقول الصحابي: توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، وكقوله: مسح برأسه مرتين؛ وإما صريح غير صحيح كحديث ابن البَيْلَماني عن أبيه عن [ابن] عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من توضَّأ فغسل كفَّيه ثلاثًا» ، ثم قال:«ومسح برأسه ثلاثًا»
(3)
. وهذا لا يُحتَجُّ به، وابن البَيْلَماني وأبوه ضعيفان
(4)
، وإن كان الأب أحسن حالًا. وكحديث عثمان الذي رواه أبو داود
(5)
أنه صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ثلاثًا. وقال أبو داود
(6)
: أحاديث عثمان الصحاح كلُّها تدل على أن مسح الرأس مرةً، ولم يصح عنه في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمَّل على العمامة.
(1)
أخرجه أحمد (27015) وأبو داود (127) من حديث الربيع بنت معوذ. فيه عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، وهو ضعيف. وانظر تعليق محققي «المسند» .
(2)
ك: «خلافًا» !
(3)
أخرجه الدارقطني (307) وما بين الحاصرتين منه. وأخرجه أيضًا (305) من حديث ابن البيلماني عن أبيه عن عثمان.
(4)
ك، ع، مب، ن:«مضعفان» .
(5)
برقم (110) وابن خزيمة (151) والدارقطني (302). وفي إسناده عامر بن شقيق، فيه لين، وقد أعله أبو داود بقوله:«رواه وكيع عن إسرائيل قال: توضأ ثلاثًا، فقط» أي بدون التعرض للمسح. وله طرق أخرى عند الدارقطني (301 - 305)، وكلها ضعيفة. انظر:«التلخيص الحبير» (1/ 218 - 221).
(6)
عقب (108).
وأما حديث أنس الذي رواه أبو داود
(1)
: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضَّأ وعليه عمامة قِطْريَّة. فأدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدَّمَ رأسه، ولم ينقض العمامة، فهذا مقصود أنس به
(2)
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقُض عمامته حتى يستوعب مسَّ
(3)
الشَّعر كلِّه، ولم ينفِ التكميل على العمامة. وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره
(4)
، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه.
ولم يتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تمضمض واستنشق، ولم يُحفَظ عنه أنه أخلَّ به مرَّةً واحدةً
(5)
. وكذلك كان وضوؤه مرتَّبًا متواليًا لم يخل به مرةً واحدةً البتة.
وكان يمسح على رأسه تارةً، وعلى العمامة تارةً
(6)
، وعلى الناصية
(1)
برقم (147) وابن ماجه (564) والحاكم (1/ 169) والبيهقي (1/ 60). قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 28) بعد أن ساق إسناده: «ولم يصح» . وكذلك الحاكم لم يسقه استدراكًا بل تنبيهًا على لفظة غريبة وهي مسحه على بعض رأسه، وقال الذهبي:«لو صح لدل على مسح بعض الرأس» . والحديث ضعفه ابن الملقن في «البدر المنير» (1/ 676) وابن حجر في «التلخيص» (1/ 142) والألباني في «ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 46 - 48).
(2)
لم يرد «به» في ص، ك.
(3)
ك، ع، مب:«من» ، ولعله تصحيف. وفي ن:«مسح» .
(4)
يشير إلى ما أخرجه مسلم (274/ 81 - 83) من حديث المغيرة بن شعبة: تخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلفتُ معه، فلما قضى حاجته قال:«أمعك ماء؟» ، فأتيته بمطهرة، ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه
…
الحديث.
(5)
في ك بعده زيادة: «البتة» .
(6)
«وعلى العمامة تارة» ساقط من ص لانتقال النظر.
والعمامة تارةً. وأما اقتصاره على الناصية مجرَّدةً، فلم يُحفَظ عنه كما تقدَّم.
وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في خفَّين ولا جَوربين، ويمسح عليهما إذا كانا في الخفَّين. وكان يمسح أذنيه مع ماء رأسه، وكان يمسح ظاهرهما وباطنهما. ولم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماءً جديدًا، وإنما صحَّ ذلك عن ابن عمر
(1)
.
ولم يصحَّ عنه في مسح العنق حديث البتة
(2)
.
ولم يُحفَظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئًا غير التسمية
(3)
، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء التي
(4)
تقال عليه، فكذِبٌ مختلَق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا منها، ولا علَّمه لأمته، ولا ثبت عنه غيرُ التسمية في أوله
(5)
، وقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(1)
أخرجه مالك (73) وعبد الرزاق (26) مطولًا ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (1/ 402) ــ وأبو عبيد في «الطهور» (367) من طريقين عن نافع عنه.
(2)
وقد استوفى ابن الملقن البحث حول المسح على العنق وأجاد، انظر:«البدر المنير» (2/ 221 - 225) و «التلخيص الحبير» (1/ 241، 242).
(3)
العبارة «ولم يحفظ عنه
…
التسمية» ساقطة من ص.
(4)
ك، مب، ن:«الذي» ، وهو سبق قلم لأجل لفظ «الوضوء» .
(5)
قال البخاري في «العلل الكبير» للترمذي (ص 33): ليس في هذا الباب حديث أحسن عندي من هذا (حديث رباح بن عبد الرحمن عن جدته عن أبيها). فيه أبو ثفال المري، قال البخاري: في حديثه نظر. «تهذيب الكمال» (4/ 410). وأعله الترمذي بما رواه وكيع مرسلًا عن رباح بن عبد الرحمن المذكور. وسيأتي مرة أخرى بالتفصيل في فصول الأذكار في آخر المجلد الثاني (ص 459 - 460).
اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين»
(1)
في آخره. وحديثٌ آخَرُ في «سنن النسائي»
(2)
مما يقال بعد الوضوء أيضًا: «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» .
ولم يقل
(3)
في أوله: نويتُ رفعَ الحدَث ولا استباحة الصلاة، لا هو ولا أحد من أصحابه البتة. ولم يُروَ عنه في ذلك حرف واحد، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.
ولم يتجاوز الثلاث قطُّ. وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين، ولكن أبو هريرة كان يفعل ذلك، ويتأوَّل حديثَ إطالة الغُرَّة
(4)
. وأما حديث أبي هريرة
(5)
في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وأنه غسل يديه حتى
(1)
أخرجه مسلم (234) من حديث عقبة بن عامر عن عمر رضي الله عنهما دون قوله: «اللهم اجعلني من التوابين
…
»، فهو عند الترمذي (55)، وقال: في إسناده اضطراب. وسيأتي مرة أخرى في فصول الأذكار (2/ 460).
(2)
«الكبرى» (9829) من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (1478) والحاكم (1/ 564). وأخرجه النسائي موقوفًا أيضًا (9830، 9831) وأعلَّ به المرفوعَ ورجحه، وكذلك الدارقطني في «العلل» (2301). وقال البيهقي في «الدعوات الكبير» (1/ 118):«والمشهور موقوف» . والموقوف أخرجه أيضًا عبد الرزاق (6023) وابن أبي شيبة (19، 30513)، وإسناده صحيح. وانظر:«التلخيص الحبير» (1/ 264، 265) و «الصحيحة» (2333).
(3)
ن: «ولم يكن يقول» .
(4)
أخرجه عنه البخاري (136) ومسلم (246). وأما فعل أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في صدر حديثه.
(5)
أخرجه مسلم (246/ 34).
أشرع في العَضُد، ورجليه حتى أشرع في الساقين؛ فهو إنما يدل على إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء، ولا يدل على مسألة الإطالة.
ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتاد تنشُّفَ أعضائه بعد الوضوء، ولا صح عنه في ذلك حديث البتة، بل الذي صحَّ عنه خلافه. وأما حديث عائشة:«كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة يتنشَّف بها بعد الوضوء»
(1)
، وحديث معاذ بن جبل:«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضَّأ مسَح وجهَه بطرف ثوبه»
(2)
، فضعيفان لا يُحتَجُّ بمثلهما. في الأول سليمان بن أرقم متروك، وفي الثاني الإفريقي
(3)
ضعيف، قال الترمذي
(4)
: ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء.
ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يصُبَّ عليه الماء كلَّما توضَّأ، ولكن
(5)
يصبُّ على نفسه، وربما عاونه من يصبُّ عليه أحيانًا لحاجة، كما في «الصحيحين»
(6)
عن المغيرة بن شعبة أنه صبَّ عليه في السفر لما توضأ.
(1)
أخرجه الترمذي (53) والحاكم (1/ 154)، وأخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة سليمان بن أرقم (5/ 199).
(2)
أخرجه الترمذي (54) والبزار (2652) والطبراني في «الأوسط» (4182) و «الكبير» (20/ 68) و «مسند الشاميين» (2243) والبيهقي (1/ 236). وقال الترمذي: «هذا حديث غريب وإسناده ضعيف، ورشدين بن سعد وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي يضعفان في الحديث» .
(3)
زاد الفقي قبله: «عبد الرحمن بن زياد بن أنعم» دون تنبيه، وتابعته طبعة الرسالة.
(4)
عقب الحديث (53).
(5)
بعده في ن: «تارة» .
(6)
البخاري (182، 203، 363) ومسلم (274/ 75).
وكان يخلل لحيته أحيانًا، ولم يكن يواظب على ذلك. وقد اختلف أئمة الحديث فيه، فصحَّح الترمذي
(1)
وغيره أنه
(2)
صلى الله عليه وسلم كان يخلِّل لحيته، وقال أحمد وأبو زرعة
(3)
: لا يثبت في تخليل اللحية حديث.
وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه. وفي «السنن»
(4)
عن
(1)
عقب حديث عثمان بن عفان (31): أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته. قال البخاري كما في «العلل الكبير» (ص 34): «أصح شيء عندي في التخليل حديث عثمان. قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث؟ فقال: هو حسن» .
(2)
ك: «أن رسول الله» .
(3)
نقل ابن عبد الهادي في «تعليقته على العلل» (1/ 47) عن الخلال من كتابه «العلل» : أخبرنا أبو داود ــ يعني السجستاني ــ قال: قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ قال: «تخليل اللحية قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت منها حديث، وأحسن شيء فيه حديث شقيق عن عثمان» . وانظر أيضًا: «مسائل أحمد» لأبي داود (ص 13)، وليس فيه القدر المحبر. ولم أظفر بكلام أبي زرعة، ولكن وجدت صاحبه وقرينه أبا حاتم قد قال مثله كما في «العلل» لابنه (101). وانظر لتمام الفائدة:«تعليقة» ابن عبد الهادي (ص 44 - 50). وقال العقيلي في «الضعفاء» (2/ 198): «وفي تخليل اللحية أحاديث لينة الأسانيد» ، وقال في موضع آخر (6/ 164):«والرواية في تخليل اللحية فيها مقال ولين» .
(4)
أبو داود (148) والترمذي (40) وابن ماجه (446)، وأخرجه أيضًا أبو عبيد في «الطهور» (383) وأحمد (18010، 18016) والطبراني (20/ 306) والبيهقي (1/ 76)، وقال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم في مقدمة «الجرح والتعديل» (1/ 31، 32) ــ ومن طريقه البيهقي ــ وفيه قصة مالك مع عبد الله بن وهب. ومدار الحديث على ابن لهيعة كما يشير إليه المؤلف، وعلى تقدير صحة قصة مالك فقد تابع الليث بن سعد وعمرو بن الحارث ابنَ لهيعة، ولكن خطأه الحافظ، انظر:«إتحاف المهرة» (13/ 177).
المستورِد بن شدَّاد: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضَّأ يدلُكُ أصابع رجليه بخِنْصِره» ، وهذا إن ثبت عنه فإنما فَعَله أحيانًا، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه كعثمان، وعلي، وعبد الله بن زيد، والرُّبَيِّع، وغيرهم؛ على أن في إسناده ابن لهيعة.
وأما تحريك خاتمه، فقد روي فيه حديث ضعيف من رواية مَعْمَر بن محمد بن عبيد الله
(1)
بن أبي رافع عن أبيه عن جدِّه أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرَّك خاتمَه
(2)
. ومعمر وأبوه ضعيفان، ذكر ذلك الدارقطني
(3)
.
فصل
في هديه في المسح على الخفَّين
صحَّ عنه أنه مسح
(4)
في الحضر والسفر، ولم ينسخ ذلك حتى توفِّي. ووقَّت للمقيم يومًا وليلةً، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في عدة أحاديث حسان وصحاح. وكان يمسح ظاهر الخفَّين، ولم يصحَّ عنه
(5)
مسحُ أسفلهما إلا في حديث منقطع
(6)
، والأحاديث الصحيحة على خلافه. ومسَح
(1)
ص، مب، ن:«عبد الله» ، تصحيف.
(2)
أخرجه ابن ماجه (449) وابن عدي في «الكامل» في ترجمة معمر (10/ 78) والطبراني (1/ 321) والدارقطني (273، 311) والبيهقي (1/ 57) من حديث أبي رافع. ومداره على معمر وأبيه، وكلاهما ضعيف كما نقل المصنف عن الدارقطني.
(3)
في «السنن» عقب الحديث (273).
(4)
في ج زيادة: «على الخفين» .
(5)
ك: «عنه أنه» .
(6)
يشير بذلك إلى ما رواه الترمذي (97) وغيره من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله. قال الترمذي: «وهذا حديث معلول
…
وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، لأن ابن المبارك روى هذا عن ثور، عن رجاء، قال: حدِّثتُ عن كاتب المغيرة، مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه المغيرة». وانظر: التعليق على «المسند» (18197).
على الجوربين والنعلين. ومسح على العمامة مقتصرًا عليها ومع الناصية، وثبت ذلك عنه فعلًا وأمرًا في عدَّة أحاديث، لكن هي قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصَّةً بحال الحاجة والضرورة، وتحتمل العموم كالخفَّين، وهو أظهر. والله أعلم.
ولم يكن يتكلَّف
(1)
ضدَّ حاله التي عليها قدماه، بل إن كانتا في الخفِّ مسَح عليهما ولم ينزعهما. وإن كانتا مكشوفتين غسَل القدمين، ولم يلبس الخفَّ ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في مسألة الأفضل من المسح والغسل، قاله شيخنا
(2)
. والله أعلم.
فصل
في هديه في التيمم
كان صلى الله عليه وسلم يتيمَّم بضربة واحدة للوجه والكفَّين
(3)
. ولم يصحَّ عنه أنه تيمَّم بضربتين، ولا إلى المرفقين. قال الإمام أحمد: من قال: التيمُّمُ
(4)
إلى
(1)
«يكن» ساقط من ك. وفي ج: «يتخلف» ، تصحيف.
(2)
وانظر: «مجموع الفتاوى» (26/ 94) و «اختيارات البعلي» (ص 13).
(3)
رواه أحمد (18319) وأبو داود (327) والترمذي (144) من حديث عمار بن ياسر، صححه الترمذي وابن خزيمة (266) وابن حبان (1303).
(4)
ك: «إن التيمم» .
المرفقين فإنما هو شيء زاده من عنده
(1)
.
وكذلك كان يتيمَّم بالأرض التي يصلي عليها، ترابًا كانت أو سَبَخةً
(2)
أو رملًا. وصحَّ عنه أنه قال: «حيثما أدركَتْ رجلًا من أمتي الصلاةُ، فعنده مسجده وطَهوره»
(3)
. وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ من أدركته الصلاة في الرمل فالرملُ له طهور. ولمَّا سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرِّمالَ في طريقهم وماؤهم في غاية القلَّة، ولم يُرْوَ عنه أنه حمل معه التُّرابَ ولا أمَر به، ولا فعَله أحد من أصحابه، مع القطع بأنَّ في المفاوز الرِّمالَ أكثر من التراب، وكذلك أرضُ الحجاز
(4)
وغيره. ومن تدبَّر هذا قطَع بأنه كان يتيمَّم بالرمل، والله أعلم. وهذا قول الجمهور.
وأما ما ذُكِر في صفة التيمُّم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن الكفِّ على بطن الذراع وإقامة إبهام اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهام اليمنى فيطبقها عليها= فهذا ما
(5)
يُعلَم قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا علَّمه أحدًا من أصحابه، ولا أمرَ به، ولا استحبَّه. وهذا هديه، إليه التحاكم.
(1)
الذي في رواية الأثرم كما في «المغني» (1/ 278): «من قال: ضربتين، فإنما هو شيء زاده» .
(2)
هي الأرض التي تعلوها الملوحة.
(3)
أخرجه أحمد (22137، 22209) والطبراني (8/ 257) من حديث أبي أمامة الباهلي، في إسناده لين. ويشهد له ما أخرجه البخاري (335، 438) ومسلم (521) من حديث جابر بن عبد الله.
(4)
«وغيره» من ك، مب، ن.
(5)
ك، مب، ن:«مما» .
وكذلك لم يصحَّ عنه التيمم لكلِّ صلاة، ولا الأمرُ به. بل أطلق التيمُّمَ، وجعله قائمًا مقام الوضوء، وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه. والله أعلم.