الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عليٍّ عند محاربته لمعاويةَ وأهلِ الشام
(1)
.
والثاني: مطلقٌ، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء. والله أعلم.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما أنا بشرٌ، أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني»
(2)
. وكان سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة من إتمام الله نعمته
(3)
على أمته وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما يشرعه لهم عند السَّهو. وهذا معنى الحديث المنقطع الذي في «الموطأ»
(4)
: «إنما أنسى ــ أو أُنسَّى ــ لأَسُنَّ» . فكان صلى الله عليه وسلم ينسى، فيترتَّب على سهوه أحكامٌ شرعيةٌ تجري على سهو أمته إلى يوم القيامة.
فقام صلى الله عليه وسلم من اثنتين في الرباعية، ولم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام، ثم سلَّم. فأُخِذ من هذا قاعدة: أنَّ من ترك شيئًا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سهوًا، سجد له قبل السلام. وأُخِذ من بعض طرقه: أنه إذا ترك ذلك وشرَع في ركن، لم يرجع إلى المتروك، لأنه لما
(1)
انظر: «مصنف عبد الرزاق» (3/ 107).
(2)
أخرجه البخاري (401) ومسلم (572) من حديث عبد الله بن مسعود.
(3)
هذا في ص، ج، مب. وفي غيرها:«إتمام نعمة الله» .
(4)
برقم (264). قال ابن عبد البر في «التمهيد» (24/ 375): «فلا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه مسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، والله أعلم. وهو أحد الأحاديث الأربعة في «الموطأ» التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، والله أعلم».
قام سبَّحوا به، فأشار إليهم: أن قوموا.
واختلف عنه في محلِّ هذا السجود. ففي «الصَّحيحين»
(1)
من حديث عبد الله ابن بُحَينة أنه صلى الله عليه وسلم قام من اثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين، ثم سلَّم بعد ذلك. وفي رواية متفق عليها
(2)
: «يكبِّر في كلِّ سجدة وهو جالسٌ قبل أن يسلِّم» .
وفي «المسند»
(3)
من حديث يزيد بن هارون عن المسعودي، عن زياد بن عِلاقة قال: صلَّى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلَّى ركعتين قام ولم يجلس، فسبَّح به مَن خلفه، فأشار إليهم أن قوموا. فلما فرغ من صلاته سلَّم، ثم سجد سجدتين وسلَّم. ثم قال:«هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وصحَّحه الترمذي.
وذكر البيهقي
(4)
من حديث عبد الرحمن بن شِمَاسَة المَهْري قال: صلَّى بنا عُقْبة بن عامر الجُهَني، فقام وعليه جلوسٌ، فقال الناس: سبحان الله
(1)
البخاري (829) ومسلم (570).
(2)
البخاري (1230) ومسلم (570/ 86) واللفظ له.
(3)
برقم (18163)، وأخرجه الدارمي (1542) والترمذي (365)، وفيه المسعودي، قد اختلط، ويزيد سمع منه بعد الاختلاط. قال الترمذي بعد أن صححه:«وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم» . انظر للتفصيل: «أصل صفة الصلاة» (3/ 862 - 864) و «الإرواء» (388) والتعليق على «المسند» .
(4)
(2/ 344)، وأخرجه ابن أبي شيبة (4532) والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (187 - بغية الباحث) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 478) وابن حبان (1940) والطبراني (867) والحاكم (1/ 325) من طريقين عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة به، والحديث صحيح.
سبحان الله! فلم يجلس، ومضى على قيامه. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالسٌ. فلما سلَّم قال:«إنِّي سمعتُكم آنفًا تقولون: سبحان الله، لكيما أجلس، لكن السنَّة: الذي صنعتُ» .
وحديث عبد الله ابن بُحَينة أولى لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أصحُّ من حديث المغيرة.
الثاني: أنه أصرح منه، فإن قول المغيرة:«هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم» يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة، ويكون قد سجد صلى الله عليه وسلم في هذا السهو مرَّةً قبل السلام، ومرَّةً بعدُ
(1)
. فحكى ابن بُحَينة ما شاهده، وحكى المغيرة ما شاهده، ويكون كلا الأمرين جائزًا. ويجوز أن يريد به المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم قام ولم يرجع، ثم سجد للسهو.
الثالث: أنَّ المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام، فسجده
(2)
بعده. وهذه سنَّة
(3)
السهو، وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام. والله أعلم.
فصل
(4)
وسلَّم من ركعتين في إحدى صلاتي العشيِّ، إما الظهر وإما العصر، ثم تكلَّم، ثم أتمَّها، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام، يكبِّر حين
(1)
ك، ع، ن:«بعده» .
(2)
ق، ك، ع:«فسجد» .
(3)
في النسخ المطبوعة: «صفة» ، ولعله تحريف.
(4)
لم يرد لفظ «فصل» في ص، ج.
يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع، ثم سلَّم
(1)
.
وذكر أبو داود والترمذي
(2)
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلَّم. قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ.
(1)
زاد الفقي بعده: «ثم سجد سجدتين» ، وحُذف في طبعة الرسالة:«ثم سلَّم» مع زيادة الفقي؛ فلا أصاب الزائد في زيادته ولا الحاذف في حذفه. والحديث أخرجه البخاري (1227) ومسلم (573) من حديث أبي هريرة، واللفظ المشار إليه لمسلم (573/ 97).
(2)
برقم (395)، وأخرجه أبو داود (1039) وأبو عوانة (1926) والحاكم (1/ 323) والبيهقي (2/ 355) من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين به. قال البيهقي:«تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة ووهيب وابن علية والثقفى وهشيم وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وغيرهم عن خالد الحذاء، لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه. ورواه أيوب عن محمد، قال: أُخبِرتُ عن عمران، فذكر السلام دون التشهد. وفي رواية هشيم ذِكر التشهد قبل السجدتين، وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه» . وأيَّده الحافظ في «الفتح» (3/ 98) فقال: «
…
وضعفه البيهقي وابن عبد البر [«التمهيد» (1/ 361)] وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة: قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا. وقد تقدم في باب تشبيك الأصابع من طريق ابن عون عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران، ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم؛ فصارت زيادة أشعث شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت
…
». ولذا حكم عليه الألباني بالشذوذ، انظر:«الإرواء» (403) و «ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 393 - 396).
وصلَّى يومًا، فسلَّم وانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةٌ. فأدركه طلحة بن عبيد الله، فقال: نسيتَ من الصلاة ركعةً. فرجع، فدخل المسجد، وأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلَّى للناس ركعةً. ذكره الإمام أحمد
(1)
.
وصلَّى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» ، قالوا: صلَّيتَ خمسًا. فسجد سجدتين بعدما سلَّم. متفقٌ عليه
(2)
.
وصلَّى العصر ثلاثًا، ثم دخل منزله. فذكَّره الناس، فخرج، فصلَّى بهم ركعةً، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم
(3)
.
فهذا مجموع ما حُفِظ عنه صلى الله عليه وسلم من سهوه في الصلاة، وهو خمسة مواضع. وقد تضمَّن سجوده في بعضه قبل السلام، وفي بعضه بعده. فقال الشافعي: كلُّه قبل السلام. وقال أبو حنيفة: كلُّه بعده.
وقال مالك: كلُّ سهو كان نقصانًا في الصلاة فإنَّ سجوده قبل السلام، وكلُّ سهو كان زيادةً في الصلاة فإنَّ سجوده بعد السلام، وإذا اجتمع سهوان زيادةٌ ونقصانٌ فالسجود لهما قبل السلام. قال أبو عمر بن عبد البر
(4)
: هذا
(1)
برقم (27254)، وأخرجه ابن أبي شيبة (4543) وأبو داود (1023) والنسائي في «المجتبى» (664) و «الكبرى» (1640) وابن خزيمة (1052) والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 359) و «معرفة السنن» (3/ 305)، وإسناده صحيح. وله طريق آخر أخرجه ابن خزيمة (1053) وابن حبان (2674) والطبراني (1048) والحاكم (1/ 261، 323) والبيهقي (2/ 359)، وهو حسن لأجل يحيى بن أيوب.
(2)
أخرجه البخاري (404) ومسلم (572/ 91) من حديث عبد الله بن مسعود.
(3)
أخرجه مسلم (574) من حديث عمران بن حصين، وهو قصة الخرباق (ذي اليدين).
(4)
في «الاستذكار» (4/ 346).
مذهبه لا خلاف عنه فيه، ولو سجد عنده أحدٌ لسهوه بخلاف ذلك، فجعل السجود كلَّه بعد السلام، أو كلَّه قبل السلام= لم يكن عليه شيءٌ، لأنه عنده من باب قضاء القاضي باجتهاده، لاختلاف الآثار المرفوعة والسلف من هذه الأمة في ذلك.
وأما الإمام أحمد، فقال الأثرم
(1)
: سمعت أحمد بن حنبل يُسأل عن سجود السهو، أقبل السلام أم بعده؟ فقال: في مواضع قبل السلام، وفي مواضع بعده، كما صنع النبيُّ صلى الله عليه وسلم: من
(2)
سلَّم من اثنتين سجد بعد السلام على حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. ومن سلَّم في
(3)
ثلاثٍ سجد أيضًا بعد السلام على حديث عمران بن حصين. وفي التحرِّي يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود. وفي القيام من اثنتين يسجد قبل السلام على حديث ابن بُحَينة. وفي الشكِّ يبني على اليقين ويسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري وحديث عبد الرحمن بن عوف. قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: فما كان سوى هذه المواضع؟ قال يسجد فيها كلِّها قبل السلام لأنه يُتِمُّ ما نقَص من صلاته. قال: ولولا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لرأيتُ السجود كلَّه قبل السلام لأنه من شأن الصلاة، فيقضيه قبل السلام؛ ولكن أقول: كلُّ ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائرُ السهو يسجد فيه قبل السلام.
(1)
نقل روايته ابن عبد البر في «الاستذكار» (4/ 360 - 363). وانظر: «المغني» (2/ 414 - 415).
(2)
ق: «حين» .
(3)
مب: «من» ، وكذا في «الاستذكار» .
وقال داود: لا يسجد أحدٌ للسهو إلا في الخمسة المواضع
(1)
التي سجد فيها النبي
(2)
صلى الله عليه وسلم. انتهى
(3)
.
وأما الشكُّ فلم يعرض له، وإنما أمر فيه بالبناء على اليقين، وإسقاط الشكِّ، والسجود قبل السلام. فقال الإمام أحمد: الشكُّ على وجهين: اليقين، والتحرِّي. فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكَّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري. وإذا رجع إلى التحرِّي وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى
(4)
.
أما حديث أبي سعيد فهو: «إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلَّى: أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكَّ وليَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم» . وأما حديث ابن مسعود فهو: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، ثم ليسجد سجدتين» . متفقٌ عليهما
(5)
. وفي لفظ في
(1)
ق: «خمسة المواضع» .
(2)
ق، مب، ن:«رسول الله» ، وكذا في مطبوعة «الاستذكار» .
(3)
يعني النقل من «الاستذكار» (4/ 363).
(4)
يعني قول أحمد نقلًا من «الاستذكار» (4/ 364). وانظر رواية ابن هانئ في «مسائله» (ص 107).
(5)
أما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم (571)، وتتمته:«فإن كان صلّى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» . ولم أجده عند البخاري. وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه مسلم (572/ 89) بهذا اللفظ، وبنحوه البخاري (6671)، وقد سلف تخريجه آنفًا.
«الصحيحين»
(1)
: «ثمَّ لْيُسَلِّمْ، ثم يسجد سجدتين» . وهذا هو الذي قال الإمام أحمد: وإذا رجع إلى التحرِّي سجد بعد السلام.
والفرق عنده بين اليقين والتحرِّي: أنَّ المصلِّي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنِّه وأكثر
(2)
وهمه، وهذا هو التحرِّي، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإن كان منفردًا بنى على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. هذه طريقة أكثر أصحابه
(3)
في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه روايتان أخريان: إحداهما
(4)
: أنه يبني على اليقين مطلقًا، وهي مذهب الشافعي ومالك. والأخرى: على غالب ظنِّه مطلقًا. وظاهر نصوصه إنما يدل
(5)
على الفرق بين الشك وبين الظنِّ الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين، ومع أكثر الوهم أو الظنِّ الغالب يتحرَّى. وعلى هذا مدار أجوبته، وعلى الحالين حمَل الحديثين
(6)
. والله أعلم.
وقال أبو حنيفة في الشكِّ: إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة. وإن عرض له كثيرًا، فإن كان له ظنٌّ غالبٌ بنى عليه، وإن لم يكن له ظنٌّ بنى على اليقين
(7)
.
(1)
البخاري (401)، ولم أجده عند مسلم بهذا اللفظ.
(2)
ك، ع:«أكبر» .
(3)
ك، ع:«أصحابنا» .
(4)
ج، مب:«أحدهما» .
(5)
ما عدا ج: «تدل» ، وأهمل نقطه في ق.
(6)
انظر: «المغني» (2/ 406 - 408).
(7)
انظر: «الهداية» (1/ 76).
فصل
ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميض عينيه في الصلاة. وقد تقدَّم أنه كان في التشهُّد يرمي
(1)
ببصره إلى إصبعه في الدعاء، ولا يجاوز ببصره إشارته.
وذكر البخاري في «صحيحه»
(2)
عن أنس قال: كان قِرَامٌ
(3)
لعائشة، سترت به جانبَ بيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أميطي عنَّا قِرامَكِ هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرِض في صلاتي» . ولو كان يغمِّض عينيه، لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ، لأن الذي كان يعرض له في صلاته: هل هو تذكُّرُ
(4)
تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفسُ رؤيتها؟ هذا محتمل
(5)
.
وأبين دلالةً منه حديث عائشة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى في خميصة لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم، وَأْتُوني بأنبجَانيَّته
(6)
، فإنها أَلْهَتْني آنفًا عن صلاتي»
(7)
. وفي الاستدلال به أيضًا ما فيه، إذ غايته أنه حانت منه التفاتةٌ إليها، فشغلته بتلك الالتفاتة.
ولا يدل حديث التفاته إلى الشِّعْب لما أرسل الفارس إليه طليعةً، لأن
(1)
ما عدا ص، ج:«يومئ» .
(2)
برقم (374، 5959).
(3)
القِرام: الستر الرقيق.
(4)
ك، ع:«تذكرة» .
(5)
كذا في جميع الأصول والطبعات القديمة. وقد زاد الفقي بعده: «وهذا محتمل» .
(6)
ن: «بأنبجانية أبي جهم» .
(7)
أخرجه البخاري (373، 5817) ومسلم (556/ 62).
ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة، لاهتمامه بأمور الجيش.
وقد يدل على ذلك مدُّ يدِه في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيةُ
(1)
النارِ وصاحبةِ الهرَّة فيها وصاحبِ المحجن. وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمُرَّ بين يديه، وردُّه الغلام والجارية، وحجزُه بين الجاريتين. وكذلك أحاديث ردِّه السلامَ بالإشارة على من سلَّم عليه وهو في الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه. وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له في صلاته
(2)
، فأخذه، فخنقه، وكان ذلك رؤية عين
(3)
. فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلمُ بأنه لم يكن يغمِّض عينيه في الصلاة.
وقد اختلف الفقهاء في كراهته. فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو من فعل اليهود. وأباحه جماعةٌ، ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرُّها ومقصودها
(4)
.
والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع فهو أفضل. وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزَّخرفة
(5)
والتزويق أو غيره مما يشوِّش عليه قلبه، فهنا لا يُكرَه التغميض قطعًا، والقولُ باستحبابه في
(1)
ق، مب، ن:«رؤيته» .
(2)
«في صلاته» ساقط من ن.
(3)
تقدم تخريج هذه الأحاديث.
(4)
انظر: «الأوسط» لابن المنذر (3/ 273) و «المغني» (2/ 396) و «المجموع شرح المهذب» (3/ 314).
(5)
ص، ج:«الزخرف» .
هذا
(1)
الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. والله أعلم.
فصل
فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله بعد انصرافه من الصلاة، وجلوسه بعدها، وسرعة انفتاله
(2)
منها، وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها
كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، وقال:«اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»
(3)
.
ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانفتال إلى المأمومين.
وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره. قال ابن مسعود: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا ينصرف عن يساره. وقال أنس: أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه. والأول في «الصحيحين»
(4)
، والثاني في مسلم
(5)
. وقال عبد الله بن عمرو
(6)
: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة
(7)
.
(1)
ج: «هذه» .
(2)
مب: «الانتقال» ، وكذا في الطبعة الميمنية وما بعدها.
(3)
أخرجه مسلم من حديث عائشة (592) وحديث ثوبان (591).
(4)
أخرجه البخاري (852) ومسلم (707).
(5)
برقم (708).
(6)
ما عدا ص، ج، مب، ن:«عمر» ، وهو خطأ.
(7)
أخرجه أحمد (6679، 6928، 7021) وابن ماجه (931) من طرق صحيحة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والحديث صحيح. وانظر:«مسند أحمد» (6627).
ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه
(1)
، ولا يخُصُّ ناحيةً منهم دون ناحية.
وكان إذا صلَّى الفجر، جلس في مصلَّاه حتى تطلع الشمس حسنًا
(2)
.
وكان يقول في دبر كلِّ صلاة مكتوبة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ. اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ»
(3)
.
(4)
.
وذكر أبو داود
(5)
عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلَّم من الصلاة قال: «اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به منِّي. أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت» .
(1)
أخرجه مسلم (709) من حديث البراء بن عازب.
(2)
«حسنًا» ساقط من ن، والنسخ المطبوعة غير الهندية. والحديث أخرجه مسلم (670) من حديث جابر بن سمرة.
(3)
أخرجه البخاري (844) ومسلم (593) من حديث المغيرة بن شعبة.
(4)
أخرجه مسلم (594) من حديث عبد الله بن الزبير.
(5)
برقم (760)، وأخرجه الترمذي (3719).
هذا قطعةٌ من حديث عليٍّ الطويل الذي رواه مسلم
(1)
في استفتاحه صلى الله عليه وسلم، وما كان يقوله
(2)
في ركوعه وسجوده. ولمسلم فيه لفظان، أحدهما
(3)
: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقوله بين التشهُّد والتسليم، وهذا هو الصواب. والثاني
(4)
: كان يقوله بعد السلام. ولعله كان يقوله في الموضعين. والله أعلم.
وذكر الإمام أحمد
(5)
عن زيد بن أرقم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّك الرَّبُّ وحدك لا شريك لك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ محمَّدًا عبدك ورسولك. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، أنا شهيدٌ أنَّ العباد كلَّهم إخوةٌ. اللهمَّ ربَّنا وربَّ كلِّ شيء، اجعلني مخلصًا لك وأهلي في كلِّ ساعة من الدنيا والآخرة. يا ذا الجلال والإكرام، اسمَعْ واستَجِبْ. الله الأكبر الأكبر، الله نور السماوات والأرض، الله
(6)
الأكبر الأكبر، حسبي الله ونعم الوكيل، الله الأكبر الأكبر». ورواه أبو داود.
(1)
برقم (771).
(2)
ص: «يقول» .
(3)
برقم (771/ 201).
(4)
برقم (771/ 202).
(5)
برقم (19293)، وأخرجه أبو داود (1508) والنسائي في «الكبرى» (9849) وأبو يعلى (7216) والطبراني في «الدعاء» (668) و «المعجم الكبير» (5/ 210) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (1/ 181) من حديث زيد بن أرقم. ومداره على داود الطفاوي عن أبي مسلم البجلي. وداود قال ابن معين: ليس بشيء، وأبو مسلم مجهول، فالحديث ضعيف. انظر:«ضعيف أبي داود- الأم» (2/ 95، 96).
(6)
لفظ الجلالة ساقط من ك، ع.
وندب أمَّتَه إلى أن يقولوا في دبر كلِّ صلاة: «سبحان الله» ثلاثًا وثلاثين و «الحمد لله» كذلك، و «الله أكبر» كذلك. وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ
(1)
. وفي صفة أخرى: التكبير أربعًا وثلاثين فتتم به المائة
(2)
.
وفي صفة أخرى: خمسًا وعشرين تسبيحةً، ومثلها تحميد، ومثلها تكبير
(3)
، ومثلها لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ
(4)
.
وفي صفة أخرى: عشر تسبيحات، وعشر تحميدات، وعشر تكبيرات
(5)
.
وفي صفة أخرى: إحدى عشرة كما في «صحيح مسلم»
(6)
في بعض
(1)
أخرجه مسلم (597) من حديث أبي هريرة، وتمامه:«غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر» .
(2)
أخرجه مسلم (596) من حديث كعب بن عجرة. ولكن أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (622) من قول كعب وبلفظ: «معقبات لا يخيب قائلهن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، مائة مرة» . وانظر للتفصيل في اختلاف الرفع والوقف: «صحيح الأدب المفرد» للألباني و «نتائج الأفكار» (2/ 266 - 270).
(3)
في ق، مب، ن:«تحميدًا» و «تكبيرًا» .
(4)
أخرجه أحمد (21659) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 403) وابن حبان (2017) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (1/ 78) من حديث زيد بن ثابت. صححه ابن خزيمة وابن حبان والحافظ في «نتائج الأفكار» (2/ 277). وقد ورد في الحديث لفظ: «التهليل» دون تفسيره، فيحتمل أيضًا أن يكون:«لا إله إلا الله» فقط.
(5)
أخرجه البخاري (6329) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(6)
برقم (595/ 143)، وصرح بأنّ في رواية روح عن سهيل زيادةً:«يقول سهيل: إحدى عشرة إحدى عشرة، فجميع ذلك كله ثلاثة وثلاثون» .
روايات حديث أبي هريرة: «تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون
(1)
دبرَ كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، إحدى عشرة، وإحدى عشرة، وإحدى عشرة= فذلك ثلاثةٌ وثلاثون». والذي يظهر في هذه الصفة أنها من تصرُّف بعض الرواة وتفسيره، لأن لفظ الحديث:«تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين»
(2)
. وإنما مراده بهذا أن تكون الثلاث والثلاثون في كلِّ واحدة من
(3)
كلمات التسبيح والتكبير والتحميد
(4)
. أي تقولوا
(5)
: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، لأن راوي الحديث سميٌّ عن أبي صالح السَّمَّان، وبذلك فسَّره له أبو صالح فقال: تقول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر» ، حتى يكون منهن كلِّهن ثلاثٌ وثلاثون.
وأما تخصيصه بإحدى عشرة فلا نظير له في شيء من الأذكار، بخلاف المائة، فإن لها نظائر، والعشرة لها نظائر أيضًا، كما في «السنن»
(6)
من حديث
(1)
هكذا هنا وفيما يأتي في الأصول كلها، وفي «صحيح مسلم». وفي المطبوع:«وتحمدون وتكبرون» .
(2)
مسلم (595/ 142).
(3)
«من» من ق، ن. وقد زادها بعضهم في ع.
(4)
مب: «والتحميد والتكبير» .
(5)
لم ينقط حرف المضارع في ج، ن. وفي ص، ك:«يقولوا» . وفي ق بزيادة نون الرفع مع إهمال أوله. وكان في ع: «تقول» ، فغيَّره بعضهم إلى «تقولون». وفي مب:«قولوا» .
(6)
الترمذي (3474) والنسائي في «الكبرى» (9877، 9878) من طرق عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي ذر مرفوعًا، ولكن أخرجه أحمد (17990) عن ابن غنم مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه:«من صلاة المغرب» وهو الذي رجحه الدارقطني وجعل الاضطراب من قبل شهر. انظر للتفصيل: «علل الدارقطني» (966، 1109) و «نتائج الأفكار» (2/ 321، 322).
أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال في دبر صلاة الفجر، وهو ثانٍ رجليه، قبل أن يتكلَّم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشر مرَّات، كُتِبت
(1)
له عشرُ حسنات، ومُحِي عنه عشرُ سيِّئات، ورُفِع له عشرُ درجات، وكان يومه ذلك كلَّه في حِرْزٍ من كلِّ مكروه، وحُرِس من الشيطان، ولم ينبغِ للذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ.
(2)
من حديث أمِّ سلَمة أنه صلى الله عليه وسلم علَّم ابنته فاطمة لما جاءته تسأله الخادم أن تسبِّح الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، وتحمِّده ثلاثًا وثلاثين، وتكبِّره أربعًا وثلاثين
(3)
. وإذا صلَّت الصبح أن تقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد
(4)
، وهو على كل شيء قديرٌ»، عشر مرات، وبعد صلاة المغرب عشر مرَّات.
وفي «صحيح ابن حبان»
(5)
عن أبي أيوب الأنصاري يرفعه: «من قال إذا
(1)
ص: «كتب» . وفي «جامع الترمذي» ما أثبت من الأصول الأخرى.
(2)
برقم (26551)، وعنده التحميد أربعًا وثلاثين بدل التكبير، وأخرجه الطبراني (23/ 339) وعنده كما ذكره المصنف. وفي إسناده لين لأجل شهر بن حوشب، ولعل هذا أيضًا من تخاليطه. انظر التخريج السابق والتعليق على «مسند أحمد» (17990).
…
وقد أخرج البخاري (5362) ومسلم (2727) من حديث علي بن أبي طالب قصة فاطمة هذه، وليس فيها توقيت الذكر بعد صلاتي الصبح والمغرب.
(3)
في النسخ المطبوعة غير الهندية: «ثلاثًا وثلاثين» .
(4)
في «المسند» بعده: «يحيي ويميت، بيده الخير» .
(5)
برقم (2023)، وأخرجه أحمد (23518)، وفي إسناده عبد الله بن يعيش، مجهول، ومع ذلك حسنه الحافظ في «الفتح» (11/ 205). وله طريق آخر أخرجه أحمد (23516) والطبراني (4/ 185) من طريق أبي محمد الحضرمي عن أبي أيوب به، وفيه أبو الورد، أيضًا مجهول.
وأصله عند مسلم (2693) من طريق أبي عامر العقدي عن عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن عمرو بن ميمون عن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب به، وليس فيه ذكره صباحًا ومساءً. ولكن أخرجه البخاري (6404) من طريق عبد الملك بن عمرو عن عمر بن أبي زائدة به، وفيه: «من قال عشرًا كان كمن أعتق رقبةً من ولد إسماعيل
…
» وقال عقب الرواية: «ورواه أبو محمد الحضرمي عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم
…
والصحيح قول عبد الملك بن عمرو» أي: يعدل قولُه عتقَ رقبةٍ واحدةٍ لا أربعٍ.
أصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قديرٌ= عشرَ مرَّات، كُتِب له بهن عشرُ حسنات، ومُحِي عنه بهنَّ عشرُ سيِّئات، ورُفع له بهنَّ عشرُ درجات، وكُنَّ له عَدْلَ عَتاقةِ أربع رقاب، وكنَّ له حرَسًا من الشيطان حتى يمسي. ومن قالهن إذا صلَّى المغرب دبرَ صلاته فمثلُ ذلك حتى يصبح».
وقد تقدَّم قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح: «الله أكبر عشرًا، والحمد لله عشرًا، وسبحان الله عشرًا، ولا إله إلا الله عشرًا، ويستغفر الله عشرًا، ويقول: اللهم اغفر لي، واهدني وارزقني عشرًا، ويتعوَّذ من ضيق يوم القيامة عشرًا» .
فالعشر في الأذكار والدعوات كثيرةٌ. وأما الإحدى عشرة فلم يجئ ذكرها في شيء من ذلك البتة، إلا في بعض طرق حديث أبي هريرة المتقدِّم، فالله
(1)
أعلم.
(1)
ك، مب:«والله» ، وكذا كان في ع قبل التغيير.
وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه»
(1)
أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول عند انصرافه من صلاته: «اللهمَّ أصلِحْ لي ديني الذي جعلتَه عِصْمةَ أمري، وأصلِحْ لي دنياي التي جعلتَ فيها معاشي، اللهمَّ إنِّي أعوذ برضاك من سَخَطك، وأعوذ بعفوك من نِقْمتك، وأعوذ بك منك، لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ» .
وذكر الحاكم في «مستدركه»
(2)
عن أبي أيوب أنه قال: ما صلَّيتُ وراء نبيِّكم صلى الله عليه وسلم إلا سمعتُه حين ينصرف من صلاته يقول: «اللهمَّ اغفر لي خطاياي وذنوبي كلَّها. اللهمَّ انعَشْني
(3)
وأَحْيِني وارزقني، واهْدِني لصالح الأعمال
(1)
برقم (2026)، وأخرجه البزار (6/ 22) والنسائي في «المجتبى» (1346) و «الكبرى» (1270، 9888) وابن خزيمة (745) والطبراني في «الدعاء» (653) و «المعجم الكبير» (8/ 33) والبيهقي في «الدعوات الكبير» (1/ 184) والضياء المقدسي (8/ 65، 66). وفي إسناده أبو مروان والد عطاء ليس بمعروف، ومع ذلك حسنه الحافظ في «نتائج الأفكار» (2/ 334، 335) وقد أشار إلى اختلافٍ في إسناده، وضعفه الألباني، انظر:«تمام المنة» (ص 219 وما بعدها).
(2)
(3/ 462)، وأخرجه الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (4/ 287، 288) والطبراني في «الأوسط» (4442) و «الكبير» (4/ 125) من طريق عمر بن مسكين عن نافع عن ابن عمر عن أبي أيوب به. ومدار الحديث على عمر بن مسكين هذا، وهو من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 198): «يروي عن نافع عن ابن عمر
…
لا يتابع عليه».
(3)
كذا ضبط في ج. وضبط في ق بكسر العين يعني: «أَنْعِشْني» . ونعَش فلانًا وأنعشَه: رفعه وأقامه. وبهذا اللفظ جاء الحديث عند الطبراني والحاكم (في ط. دار الميمان 7/ 365) وغيرهما. وكذا في الطبعة الهندية. وأثبت في الطبعة الميمنية: «ابعثني» ، وكذا في الطبعات التالية و «المستدرك» ط. دار التأصيل (6/ 302)، ثم غيِّر في طبعة الرسالة إلى «أنعمني» ، كما جاء في مطبوعة «المستدرك» بالهند.
والأخلاق، إنه لا يهدي لصالحها ولا يَصْرف سيِّئَها
(1)
إلا أنت».
وذكر ابن حِبَّان في «صحيحه»
(2)
عن الحارث بن مسلم التميمي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا صلَّيتَ الصبح فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أَجِرْني من النار، سبع مرَّات، فإنك إن متَّ من يومك كتب الله لك جوارًا من النار. وإذا صلَّيت المغرب، فقل قبل أن تتكلَّم: اللهمَّ أجِرْني من النار، سبع مرات؛ فإنك إن متَّ من ليلتك كتَب الله لك جوارًا من النار
(3)
».
وقد ذكر النَّسائي في «الكبير»
(4)
من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله
(1)
هنا أيضًا تصرَّف ناشرا طبعة الرسالة، فأثبتا:«لصالحها إلا أنت، ولا يصرف عن سيئها» كما جاء في مطبوعة «المستدرك» .
(2)
برقم (2022) بسياقٍ أتمَّ، وأخرجه مختصرًا أحمد (18054) وأبو داود (5079) والنسائي في «الكبرى» (9859) والطبراني في «الكبير» (19/ 433) و «الدعاء» (665)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن حسان الكناني عن مسلم بن الحارث (أو الحارث بن مسلم، على خلاف فيه) عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم به. قد سأل البرقاني (ص 68 - ت. مجدي) الدارقطني عن هذه الترجمة فقال: «عبد الرحمن حمصي لا بأس به، ومسلم مجهول» . والحديث ضعفه الألباني وفصل القول فيه، انظر:«الضعيفة» (1624).
(3)
«من النار» ساقط من ك.
(4)
برقم (9848)، وفي إسناده الحسين بن بشر، وسيأتي الكلام عليه عند المؤلف. وأخرجه أيضًا أبو بكر الروياني في «مسنده» (2/ 311)، وفي إسناده علي بن صدقة، قال الحافظ في «اللسان» (5/ 550):«يغرب» . وكذلك أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (124)، وفي إسناده أحمد بن هارون، صاحب مناكير، مع آخرَين فيهما لين. وكذلك أخرجه الطبراني في «الكبير» (8/ 114) و «الدعاء» (675) و «مسند الشاميين» (824) بأسانيد، في بعضها الحسين بن بشر؛ وفي آخر محمد بن إبراهيم بن العلاء ابن زبريق، كان يسرق الأحاديث، انظر:«تاريخ الإسلام» (5/ 1210) و «لسان الميزان» (6/ 472)؛ وفي آخر هارون بن داود النجار الطرسوسي، لم أجد من ترجم له. وانظر:«نتائج الأفكار» (2/ 294 - 295) و «تنزيه الشريعة» لابن عرَّاق (1/ 288). والظاهر ــ والله أعلم ــ أن الحديث لا يثبت إذ لا يخلو إسناد من أسانيده من مغرب أو صاحب مناكير أو سارق.
- صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر كلِّ صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» . هذا الحديث تفرَّد به محمد بن حِمْيَر عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة، رواه النسائي عن الحسين بن بشر، عن محمد بن حِمْيَر. وهذا الحديث من الناس من يصحِّحه
(1)
، ويقول: الحسين بن بشر
(2)
قد قال فيه النسائي: لا بأس به، وفي موضع وثَّقه
(3)
. وأما المحمَّدان، فاحتجَّ بهما البخاري في «صحيحه». قالوا: فالحديث على رسمه.
ومنهم من يقول: بل
(4)
هو موضوعٌ. وأدخله أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات»
(5)
، وتعلَّق على محمَّد بن حِمْيَر، وأن أبا حاتم الرَّازي قال: لا يحتجُّ به، وقال يعقوب بن سفيان: ليس بقويّ. فأنكر ذلك
(1)
ص: «صححه» .
(2)
العبارة «عن محمد بن حمير
…
بشر» ساقطة من ك، ع لانتقال النظر، وقد استدركت في حاشية ع.
(3)
في مب، ن:«وفي موضع آخر: ثقة» .
(4)
لفظ «بل» ساقط من مب، ن.
(5)
(1/ 397).
عليه بعضُ الحفاظ
(1)
، ووثَّقوا محمدًا، وقالوا: هو أجلُّ من أن يكون له حديثٌ موضوعٌ، وقد احتجَّ به أجلُّ من صنَّف في الصحيح وهو البخاري، ووثَّقه أشدُّ الناس مقالةً في الرجال: يحيى بن معين.
وقد رواه الطبراني في «معجمه»
(2)
أيضًا من حديث عبد الله بن حسن بن حسن
(3)
عن أبيه عن جدِّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمَّة الله إلى الصلاة الأخرى» . وقد روي هذا الحديث من حديث أبي أمامة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عُمَر
(4)
، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك
(5)
.
وفيها كلِّها
(1)
لعله يقصد الحافظ ضياء الدين المقدسي. قال ابن حجر في «نتائج الأفكار» (2/ 295): «وقد أنكر الحافظ الضياء هذا على ابن الجوزي، وأخرجه في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين» . قلت: لم يرد هذا الحديث في المطبوع.
(2)
(8/ 114)، وأيضًا في «الدعاء» (674)، وفيه كثير بن يحيى صاحب البصري، قال الذهبي في «الميزان» (3/ 410):«شيعي، نهى عباس العنبري الناسَ عن الأخذ عنه، وقال الأزدي: عنده مناكير» . وأخرجه الجورقاني في «الأباطيل» (682) عن الحارث بن عمير عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب به، وقال عقبه:«هذا حديث باطل، تفرد به عن جعفرِ بن محمد الحارثُ بن عمير» ، وانظر:«الميزان» (1/ 440). وأخرجه البيهقي بطريق آخر في «شعب الإيمان» (2174) وقال: إسناده ضعيف.
(3)
«بن حسن» ساقط من ج.
(4)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وقد ضبط في ق بضم العين وفتح الميم. وفي ج بضم العين. وقد غيَّره بعضهم في ع إلى «عمرو» .
(5)
لم أجد حديث ابن عمر، ولعل الصواب:«ابن عمرو» . وقد ذكر السيوطي أن شرف الدين الدمياطي نقل حديثه في جزء ألَّفه في تقوية هذا الحديث، ولعل المؤلف أيضًا صادر عن هذا الجزء.
وأما حديث المغيرة فقد أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (3/ 221) وقال: غريب من حديث المغيرة، ومحمد (بن المغيرة بن شعبة) تفرد به هاشم (بن هاشم) عن عمر (بن إبراهيم) عنه.
وأما حديث جابر فقد أخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي (2/ 109، 110) وقال عنه وعن حديث آخر: «هذان الحديثان عن ابن جريج بإسناديهما باطلان، لا يحدث بهما عن ابن جريج إلا إسماعيل» ، وقال:«يحدث عن الثقات بالبواطيل» ، وانظر:«الموضوعات» لابن الجوزي (1/ 396). وأخرجه ابن الجوزي عقب الطريق الأول بطريق آخر وقال: «وهذا طريق فيه مجاهيل، وأحدهم قد سرقه من الطريق الأول» .
وأما حديث أنس فانظر: «الضعيفة» (6175، 5135، 3901).
ضعفٌ، ولكن إذا انضمَّ بعضها إلى بعض، مع تباين
(1)
طرقها واختلاف مخارجها، دلَّت على أن الحديث له أصلٌ وليس بموضوع. وبلغني عن شيخنا أبي العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه أنه قال: ما تركتُها عَقيبَ كلِّ صلاة
(2)
.
وفي «المسند» و «السنن»
(3)
عن عُقبة بن عامر قال: أمرني رسول الله
(1)
ما عدا ق، مب، ن:«بيان» ، ولعله سبق قلم كان في بعض الأصول. وقد أصلح بعضهم في ع.
(2)
وكذا نقله المصنف عن شيخه في «الوابل الصيب» (ص 286). وفي «مجموع الفتاوى» (22/ 516): «وأما قراءة آية الكرسي فقد رويت بإسناد لا يمكن أن يثبت به سنة» . وانظر أيضًا (22/ 508).
(3)
أحمد (17417) وأبو داود (1523) والترمذي (2903) والنسائي في «المجتبى» (1336) و «الكبرى» (1260، 9890) وابن خزيمة (755) وابن حبان (2004) والطبراني في «الدعاء» (677) و «الكبير» (17/ 294) والحاكم (1/ 253). قال الترمذي: حديث حسن غريب، وبمثله قال الذهبي في «الميزان» (4/ 433). لكن صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والحافظ في «نتائج الأفكار» (2/ 290) والألباني في «الصحيحة» (1514)، وانظر:«صحيح أبي داود- الأم» (5/ 254، 255).
- صلى الله عليه وسلم: أن أقرأ بالمعوِّذات في دبر كلِّ صلاة. ورواه أبو حاتم ابن حِبَّان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» وقال: صحيحٌ على شرط مسلم. ولفظ الترمذي: «بالمعوِّذتين» .
وفي «معجم الطبراني» و «مسند أبي يعلى الموصلي»
(1)
من حديث عمر بن نبهان ــ وقد تُكُلِّم فيه ــ عن جابر يرفعه: «ثلاثٌ مَن جاء بهن مع الإيمان، دخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، وزُوِّج من الحُور العِين حيث شاء: من عفا عن قاتله، وأدَّى دَينًا خفيًّا، وقرأ في دبر كلِّ صلاة مكتوبة عشر مرَّات: قل هو الله أحد» . فقال أبو بكر: أو إحداهنَّ يا رسول الله: قال: «أو إحداهنَّ» .
وأوصى معاذًا أن يقول في دبر كلِّ صلاة: «اللهمَّ أعنِّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك»
(2)
.
و «دبر الصلاة» هنا يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا يرجِّح أن
(1)
«الأوسط» (3361) و «الدعاء» (673) و «مسند أبي يعلى» (1794)، وعمر بن نبهان ضعيف جدًّا. والحديث ضعفه الحافظ والألباني، انظر:«نتائج الأفكار» (2/ 293) و «الضعيفة» (654).
(2)
أخرجه أحمد (22119) والبخاري في «الأدب المفرد» (690) وأبو داود (1523) والنسائي في «المجتبى» (1303) و «الكبرى» (1227، 9857) والطبراني في «الكبير» (20/ 60) و «الدعاء» (654)، صححه ابن خزيمة (751) وابن حبان (2020، 2021) والحاكم (1/ 273 و 3/ 273، 274) والحافظ في «نتائج الأفكار» (2/ 296، 297) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (5/ 253).
يكون قبل السلام، فراجعتُه فيه، فقال: دبر الشيء منه، كدبر الحيوان
(1)
.
فصل
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلَّى إلى الجدار جعل بينه وبينه قدر ممَرِّ الشاة
(2)
. ولم يكن يتباعد منه، بل أمَر بالقرب من السترة
(3)
. وكان إذا صلَّى إلى عود أو عمود أو شجرة جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولم يصمُد له صَمْدًا
(4)
. وكان يركُز الحَرْبة في السَّفر والبرِّيَّة، فيصلِّي إليها فتكون سترته
(5)
. وكان يعرِّض راحلته
(6)
، فيصلِّي إليها. وكان يأخذ الرَّحْلَ فيعدِّله،
(1)
وانظر ما يأتي في رمي الجمار، و «كتاب الصلاة» للمصنف (ص 378).
(2)
أخرجه البخاري (496) ومسلم (262) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(3)
أخرجه أحمد (16090) وأبو داود (695) والنسائي في «المجتبى» (748) و «الكبرى» (826) والبيهقي (2/ 272) من حديث سهل بن أبي حثمة. صححه ابن خزيمة (803) وابن حبان (2373) والحاكم (1/ 251، 252) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (3/ 277)، وقال العقيلي في «الضعفاء» (6/ 25) عن هذا الحديث:«وهذا ثابت» .
(4)
أخرجه أحمد (23820) وأبو داود (693) والطبراني (20/ 259) والبيهقي (2/ 271) من حديث المقداد بن الأسود. فيه الوليد بن كامل، قال البخاري في «التاريخ الأوسط» (4/ 678):«عنده عجائب» . وفيه أيضًا المهلب بن حجر وضباعة، كلاهما مجهول.
(5)
أما في السفر فقد أخرجه البخاري (495) ومسلم (503) من حديث أبي جحيفة، وأما في البرية فقد أخرجه البخاري (494) ومسلم (501) من حديث ابن عمر وفيه أنه كان يفعله يوم العيد.
(6)
أي يجعلها عرضًا.
فيصلِّي إلى آخرته
(1)
، وأمر المصلِّيَ أن يستتر ولو بسهم أو عصًا، فإن لم يجد فليخُطَّ خطًّا بالأرض
(2)
.
وقال أبو داود
(3)
: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الخَطُّ عرضًا مثل الهلال. وقال عبد الله بن داود
(4)
: الخَطُّ بالطول. وأما العصا، فتُنْصَب نصبًا.
(1)
أخرجه البخاري (507) ومسلم (502) من حديث عبد الله بن عمر.
(2)
أخرجه أحمد (7394) وأبو داود (689) وابن ماجه (943) وابن خزيمة (811) وابن حبان (2361، 2376) والبيهقي (2/ 270، 271) من حديث أبي هريرة .. وقد اضطرب في إسناده إسماعيل بن أمية اضطرابًا شديدًا، ذكره المزي وفصّل القول فيه، انظر:«تهذيب الكمال» (5/ 567) و «العلل» للدارقطني (2010). ورجح أبو زرعة في «العلل» لابن أبي حاتم (534) أن الصواب ما رواه الثوري عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة. وأبو عمرو هذا مجهول.
ونقل أبو داود عقب الحديث عن ابن المديني عن سفيان بن عيينة أنه قال: «لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه» . ونقل البيهقي في «الكبرى» و «معرفة السنن» (3/ 191) عن الشافعي أنه قال في «البويطي» (ص 159): «ولا يخط المصلي بين يديه خطًّا، إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع» ، وانظر:«التلخيص الحبير» (2/ 823، 824).
ونقل ابن عبد البر عن أحمد وابن المديني تصحيح الحديث، انظر:«التمهيد» (4/ 198 - 200) و «الاستذكار» (6/ 174، 175)، ولكن قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» (12/ 181):«ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: الخط ضعيف» . والحديث ضعفه أيضًا النووي في «خلاصة الأحكام» (1/ 520) وابن عبد الهادي في «المحرر» (283) والألباني في «ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 239).
(3)
عقب (690).
(4)
«بن داود» ساقط من النسخ المطبوعة. وهو الخريبي الذي روى أبو داود الحديث عن مسدَّد عنه.
فإن لم تكن
(1)
سترةٌ فإنه صحَّ عنه أنه يقطع صلاته
(2)
المرأة والحمار والكلب الأسود. ثبت ذلك عنه من رواية أبي ذرٍّ وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفَّل
(3)
.
ومُعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيحٌ غير صريح، وصريحٌ غير صحيح، فلا يُترَك
(4)
لمعارضٍ هذا شأنه. وكان يصلِّي وعائشة نائمةٌ في قبلته
(5)
، وذلك ليس كالمارِّ، فإنَّ الرَّجل يحرم عليه المرورُ بين يدي المصلِّي، ولا يُكرَه له أن يكون لابثًا بين يديه. وهكذا المرأة يقطع مرورُها الصلاة، دون لبثها. والله أعلم.
(1)
بعده في ك، ع زيادة:«له» .
(2)
ك، ع:«الصلاة» .
(3)
أما حديث أبي ذر فأخرجه مسلم (510) وكذلك حديث أبي هريرة (511).
وأما حديث ابن عباس فقد أخرجه أحمد (3241) وأبو داود (703) والترمذي (337) وابن ماجه (949) والنسائي في «المجتبى» (751)، وصححه الترمذي وابن خزيمة (832) وابن حبان (2387)، وفيه المرأة الحائض والكلب فقط. قال الألباني في تعليقه على ابن خزيمة:«الذي يظهر لي أن المراد بالحائض هنا إنما هي المرأة البالغة، فهو كالحديث الآخر (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)، فإن التفريق بين المرأة الطاهرة وغير الطاهرة ــ أي الحائض ــ أمر عسير، يبعد تكليف الناس بمثله، فتأمل» .
وأما حديث عبد الله بن مغفل فقد أخرجه أحمد (16797) وابن ماجه (951) والطبري في «تهذيب الآثار» (575، 576 - نشرة علي رضا) وابن حبان (2386)، صحح إسناده ابن عبد الهادي في «التنقيح» (2/ 316).
(4)
يعني الثابت عنه صلى الله عليه وسلم من رواية المذكورين. وفي ج: «فلا تُترك» يعني: «هذه الأحاديث» .
(5)
أخرجه البخاري (382، 514 ومواضع أخر) ومسلم (512).