الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمقصود أنه كان يفعل في الصلاة أحيانًا شيئًا لعارضٍ لم يكن من فعله الراتب. ومن هذا لما بعث
(1)
صلى الله عليه وسلم فارسًا طليعةً، ثم قام إلى الصلاة وجعل
(2)
يلتفت في الصلاة إلى الشِّعب الذي يجيء منه الطليعة
(3)
. ولم يكن من هديه
الالتفات في الصلاة
. وفي «صحيح البخاري»
(4)
عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة؟ قال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» .
وفي الترمذي
(5)
من حديث سعيد بن المسيِّب عن أنس قال: قال
(1)
(2)
كذا السياق في جميع الأصول دون جواب لما.
(3)
أخرجه أبو داود (916، 2501) والنسائي في «الكبرى» (8819)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (378).
(4)
برقم (751، 3291).
(5)
برقم (589) وقال: حسن غريب. وكذلك أخرجه مطولًا الطبراني في «الأوسط» (5991) و «الصغير» (856) من طريق شيخ الترمذي. وأما إسناده فقد كفانا المؤلف مؤنته. وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» (17/ 391) أنه من أحاديث الشيوخ لا يحتج بمثلها. وقد وقع عند المزي في «تحفة الأشراف» (1/ 226) وابن عبد الهادي في «المحرر» (292) قول الترمذي: حديث حسن صحيح، وكذلك نقل الحافظ في «بلوغ المرام» (242) وأشار إليه المنذري في «الترغيب والترهيب» (760 - ط. المعارف) أنه في بعض نسخه كذلك. ولكن ذكر في «النكت الظراف» (1/ 227 - مع التحفة) أثناء الكلام على هذا الإسناد بالذات أن الترمذي قال في النسخ المعتمدة عن هذا الإسناد في أبواب الاستئذان: حسن غريب، ووقع بخط الكرخي: حسن صحيح غريب، وأن النووي اعتمد عليه في «الأذكار» ، ثم قال:«وتصحيح مثل هذا من غلط الرواة بعدَ الترمذي، فإنه لا يقع ممن له أدنى معرفة بالحديث» .
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بُنيَّ، إياك والالتفاتَ في الصلاة، فإنَّ الالتفات في الصلاة هَلَكة. فإن كان لا بدَّ ففي التطوُّع، لا في الفريضة» ، ولكن للحديث علَّتان. إحداهما: أنَّ رواية سعيد عن أنس لا تعرف. الثانية: أنَّ على طريقه
(1)
علي بن زيد بن جُدعان. وقد ذكر البزار في غير
(2)
«مسنده»
(3)
من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة للملتفت» .
(1)
كذا في جميع الأصول والطبعات القديمة، وفي حاشية ص كتب بعضهم بعد التضبيب على «على»:«في لعله» . وأثبت الفقي: «في طريقه» على الصواب دون تنبيه.
(2)
حذف الفقي كلمة «غير» مع ثبوتها في الطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة.
(3)
لعله في «أماليه» . وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 278): «رواه أحمد والطبراني في «الكبير» ، وفيه ميمون أبو محمد، قال الذهبي (4/ 236): لا يعرف» .. قلت: وأخرجه ابن أبي شيبة (4569) وأحمد (27497) عقب الحديث المرفوع، كلاهما من قول أبي الدرداء موقوفًا. وأخرجه الطبراني (376، 377) من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام هذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه الصلت بن طريف، فيه لين. وهو أيضًا في «أمالي البزار» كما في «الميزان» في ترجمة الصلت بن مهران (2/ 320). قال الدارقطني في «العلل» (1079) بعد أن ساق طرقه:«والحديث مضطرب، لا يثبت» . وانظر كذلك: «التاريخ الكبير» (4/ 303).
وأما حديث ابن عباس
(1)
: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصلاة يمينًا وشمالًا، ولا يلوي عنقَه خلفَ ظهره» ، فهذا حديث لا يثبت. قال الترمذي فيه:«حديث غريب» ، ولم يزد.
وقال الخلال: أخبرني الميموني أن أبا عبد الله قيل له: إن بعض الناس أسند أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا حتى تغيَّر وجهه، وتغيَّر لونه، وتحرَّك بدنه، ورأيته في حالٍ ما رأيته في حالٍ قطُّ سواها
(2)
، وقال: النبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يلاحظ في الصلاة؟! يعني أنه أنكر ذلك، وأحسبه قال: ليس له إسناد. وقال: مَن روى هذا؟ إنما هذا
(3)
عن سعيد بن المسيِّب
(4)
. ثم قال لي بعض أصحابنا: إن أبا عبد الله وهَّن حديثَ سعيد
(1)
أخرجه الترمذي (587) والنسائي في «الكبرى» (534) وابن خزيمة (485) وابن حبان (2288) والطبراني (11/ 223) والدارقطني (1865) والحاكم (1/ 236) والبيهقي (2/ 13)، كلهم من طريق الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس به. قد أعله الترمذي والدارقطني والبيهقي بأنه لم يروِه مسندًا غير الفضل بن موسى، وقد خالفه وكيع فرواه عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن بعض أصحاب عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، أخرجه الترمذي (588) والدارقطني (1865) والبيهقي (2/ 13). وقال أبو داود في رواية أبي الطيب الأشناني (تحفة الأشراف- 5/ 117) عن المرسل إنه أصح، وقال الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (ص 76) عن حديث الفضل إنه ليس بصحيح. وانظر:«العلل الكبير» (ص 104)، «نصب الراية» (2/ 89، 90)، «فتح الباري» لابن رجب (4/ 317، 318).
(2)
هكذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. وفي طبعة الرسالة: «أسوأ منها» ، وهذا من تصرُّف الشيخ الفقي رحمه الله.
(3)
«إنما هذا» ساقط من ص.
(4)
أخرجها ابن أبي شيبة (4584) عن هشيم قال: بعض أصحابنا أخبرني عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلحظ في الصلاة ولا يلتفت.
هذا، وضعَّف إسناده، وقال: إنما هو عن رجل عن سعيد.
وقال عبد الله بن أحمد
(1)
: حدَّثتُ أبي بحديث حسَّان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: «كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورمى ببصره في موضع سجوده» ، فأنكره جدًّا، وقال: اضرب عليه.
فأحمد رحمه الله أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول أشدَّ لأنه باطل سندًا ومتنًا؛ والثاني إنما أنكر سندَه، وإلا فمتنه غير منكر. والله أعلم.
ولو ثبت الأول
(2)
لكان حكايةَ فعلٍ، لعله كان لمصلحة تتعلَّق بالصلاة ككلامه صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين
(3)
في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود
(4)
عن أبي كبشة
(5)
السَّلُولي عن سهل ابن الحنظليَّة قال: «ثُوِّب بالصلاة ــ يعني صلاة الصبح ــ
(1)
«العلل ومعرفة الرجال» (2701)، وعنه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة حسان بن إبراهيم الكرماني (4/ 43) والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 46).
(2)
«الأول» من ق.
(3)
كذا في جميع النسخ: «أبو بكر» و «ذو اليدين» بالرفع.
(4)
برقم (916). وأخرجه أيضًا مطولًا أبو داود (2501) والنسائي في «الكبرى» (8819) والطبراني (6/ 96) والبيهقي (9/ 149). صححه ابن خزيمة (487) والحاكم والألباني في «الصحيحة» (378). وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 72، 73).
(5)
العبارة: «غريب ولم يزد
…
كبشة» ساقطة من ع.
فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: يعني: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرُس. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في تداخُل العبادات كصلاة الخوف.
وقريب منه قول عمر رضي الله عنه: «إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة»
(1)
، فهذا جمعٌ بين الجهاد والصلاة
(2)
. ونظيره التفكُّر
(3)
في معاني القرآن واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم. فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق.
فهديه الراتب صلى الله عليه وسلم إطالة الركعتين الأوليين من الرُّباعيَّة على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية. ولهذا قال سعد لعمر:«أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم»
(4)
.
وكذلك كان هديه صلى الله عليه وسلم إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة: «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد في صلاة الحضر إلا الفجرَ، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغربَ لأنها وتر النهار» . رواه أبو حاتم ابن حبان في
(1)
علقه البخاري مجزومًا به تحت (باب يفكر الرجل الشيءَ في الصلاة) قبل (1221)، وصله ابن أبي شيبة (8034)، وبنحوه أخرجه صالح بن الإمام أحمد في «مسائله» عن أبيه (2/ 192).
(2)
وانظر: «الداء والدواء» (ص 363).
(3)
ص، ج:«الفكر» .
(4)
أخرجه البخاري (770) ومسلم (453).
«صحيحه»
(1)
، وأصله في «صحيح البخاري»
(2)
.
وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم في سائر صلواته: إطالة أولها على آخرها، كما فعل في الكسوف، وفي قيام الليل لما صلَّى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، حتى أتمَّ صلاته.
ولا يناقض هذا افتتاحه صلى الله عليه وسلم صلاة الليل بركعتين خفيفتين وأمره بذلك
(3)
، لأن هاتين الركعتين مفتاح قيام الليل، فهي
(4)
بمنزلة سنة الفجر وغيرها. وكذلك الركعتان اللتان كان يصلِّيهما أحيانًا بعد وتره تارةً جالسًا وتارةً قائمًا مع قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»
(5)
، فإن هاتين الركعتين لا تنافي
(6)
هذا
(1)
برقم (2738)، وأخرجه ابن خزيمة (305، 944) والطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 183، 415) و «شرح المشكل» (4260)، من طريق محبوب بن الحسن عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة به. وأخرجه ابن أبي شيبة (6774) مختصرًا وأحمد (26042، 26282) والبيهقي (3/ 243)، من طرق عن داود عن الشعبي عن عائشة به ــ قال ابن معين في «تاريخه» برواية الدوري (3/ 485): ما روى الشعبي عن عائشة فهو مرسل ــ، وبه أعله ابن خزيمة فقال:«هذا حديث غريب، لم يسنده أحد أعلمه غير محبوب بن الحسن، رواه أصحاب داود فقالوا: عن الشعبي عن عائشة، خلا محبوب بن الحسن» ، ومحبوب هذا، ضعفه أبو حاتم والنسائي. وانظر للاختلاف في طرقه ومخارجه:«العلل» للدارقطني (3620).
(2)
برقم (1090)، وكذلك أخرجه مسلم (685).
(3)
أخرج مسلم فعله من حديث عائشة (767) وأمره من حديث أبي هريرة (768).
(4)
يعني: فهذه الصلاة. وفي طبعة الرسالة: «فهما» ، وهذا أيضًا من تصرُّف الفقي.
(5)
أخرجه البخاري (472) ومسلم (751) من حديث عبد الله بن عمر.
(6)
كذا في جميع النسخ، يعني الصلاة. وأصلحه الفقي في نشرته:«لا تنافيان» ، وكذا في طبعة الرسالة.
الأمر؛ كما أن المغرب وتر للنهار، وصلاة السنة شفعًا بعدها لا تُخرجها عن كونها وتر النهار. كذلك الوتر لما كان عبادةً مستقلَّةً، وهو وتر الليل، كانت الركعتان بعده جاريةً
(1)
مجرى سنة المغرب من المغرب.
ولما كانت المغرب فرضًا كانت محافظة النبي
(2)
صلى الله عليه وسلم على سنتها آكد من محافظته على سنة الوتر. وهذا على أصل من يقول بوجوب الوتر ظاهر جدًّا. وسيأتي مزيد كلام في هاتين الركعتين إن شاء الله، وهي مسألة شريفة لعلك لا تراها في مصنَّف. وبالله التوفيق.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد الأخير جلس متورِّكًا، فكان يفضي بوركه إلى الأرض ويخرج قدميه من ناحية واحدة.
فهذا
(3)
أحد الوجوه الثلاثة التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم في التورُّك. ذكرها أبو داود
(4)
في حديث أبي حُمَيد من طريق عبد الله بن لهيعة. وقد ذكر أبو حاتم في «صحيحه» هذه الصفة في حديث أبي حُمَيد من غير طريق ابن لهيعة، وقد تقدَّم حديثه.
(1)
ومثله في طبعة الرسالة. وهنا انتهى الخرم الذي وقع في ع، واستدرك بخط مغاير لخط ناسخها.
(2)
ق: «محافظته» .
(3)
ص، ج، ع:«فهذه» ، يعني الصفة.
(4)
برقم (731) برواية قتيبة بن سعيد عنه. وكذلك روى عنه عبد الله بن وهب في «جامعه» (ص 238 - ط. دار الوفاء) ومن طريقه البيهقي (2/ 128). وأخرجه أيضًا البيهقي (2/ 102) عن ابن لهيعة مقرونًا بالليث بن سعد. فالحديث حسن إن شاء الله. وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (3/ 321، 322).
الوجه الثاني: ذكره البخاري في «صحيحه»
(1)
من
(2)
حديث أبي حُمَيد أيضًا قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة
(3)
قدَّم رجله اليسرى ونصَب اليمنى، وقعد على مقعدته». فهذا موافق للأول في الجلوس على الورك، وفيه زيادة وصف في هيئة القدمين لم تتعرَّض الرواية الأولى لها.
الوجه الثالث: ما ذكره مسلم في «صحيحه»
(4)
من حديث عبد الله بن الزبير: أنه صلى الله عليه وسلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرُش قدمه اليمنى. وهذه هي الصفة التي اختارها أبو القاسم الخِرَقي في «مختصره»
(5)
. وهذا مخالف للصفتين الأوليين في إخراج اليسرى من جانبه، وفي نصب اليمنى، فلعله
(6)
كان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، وهذا أظهر. ويحتمل أن يكون من اختلاف الرواة.
ولم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم هذا التورُّك إلا في التشهد الذي يلي السلام. ثم قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهُّدان. وهذا التورُّك فيها جُعِل فرقًا بين الجلوس في التشهد الأول الذي يُسَنُّ
(7)
تخفيفه،
(1)
برقم (828).
(2)
ص، ج:«في» .
(3)
ق: «الآخرة» .
(4)
برقم (579)، وقد تقدم.
(5)
(ص 23) ونصُّه: «
…
تورَّك، فنصب رجله اليمنى. ويجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمنى، ويجعل أليتيه على الأرض». وانظر:«المغني» (2/ 225 - 226).
(6)
ق: «ولعله» .
(7)
ص: «سُنَّ» .
ويكون الجالس
(1)
فيه متهيِّئًا للقيام، وبين الجلوس في التشهد الثاني الذي يكون الجالس فيه مطمئنًّا. وأيضًا فتكون هيئة الجلوسين فارقةً بين التشهُّدين مذكِّرةً للمصلِّي حالَه فيهما. وأيضًا فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه صلى الله عليه وسلم في الجلسة في التشهد الثاني، فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وأنه كان يجلس مفترشًا ثم قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة
(2)
»، وفي لفظ
(3)
: «فإذا
(4)
جلس في الركعة الرابعة».
وأما قوله في بعض ألفاظه
(5)
: «حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه
(6)
، وجلس على شقِّه متورِّكًا»، فهذا قد احتجَّ
(7)
به من يرى التورُّك يُشرَع في كلِّ تشهُّد يليه السلام، فيتورَّك في الثنائيَّة
(8)
، وهذا قول الشافعي. وليس بصريح في الدلالة، بل سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي يلي السَّلامَ من الرباعية والثلاثية؛ فإنه ذكر صفة جلوسه في
(1)
ك، ع:«الذي يكون الجالس» بإسقاط «يسن تخفيفه» .
(2)
ق: «الآخرة» ، وهو لفظ البخاري (828).
(3)
بنحوه أخرجه أبو داود (965) وغيره من طريق ابن لهيعة، وقد تقدم تخريجه قريبًا.
(4)
ك، ع:«وإذا» .
(5)
أخرجه أحمد (23599) والدارمي (1396) وأبو داود (963) والترمذي (304) والنسائي في «المجتبى» (1262) وفي «الكبرى» (1186) وابن ماجه (1061) وابن خزيمة (587، 700) وابن حبان (1867) والبيهقي (2/ 72، 129) بنحوه.
(6)
في طبعة الرسالة: «رجله اليسرى» تبعًا لنشرة الفقي الذي غيَّر النص خلافًا للنسخ والطبعات السابقة و «صحيح ابن حبان» .
(7)
ق: «يحتج» .
(8)
ما عدا ص، ج:«الثانية» .
التشهد الأول وقيامه منه، ثم قال:«حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم جلس متورِّكًا»
(1)
. فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني. والله أعلم.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وضمَّ أصابعه الثلاثة
(2)
ونصَب السبَّابة
(3)
. وفي لفظ: «وقبض أصابعه الثلاث، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى» ، ذكره مسلم
(4)
عن ابن عمر. وقال وائل بن حجر: «جعل حدَّ مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحرِّكها يدعو بها» ، وهو في «السنن»
(5)
. وفي حديث ابن عمر في «صحيح مسلم»
(6)
(1)
أخرجه الدارمي (1396) وأبو داود (730) وابن ماجه (1061) والبيهقي (2/ 72)، صححه ابن حبان (1876).
(2)
كذا في الأصول بتأنيث العدد، والموافقة في التذكير والتأنيث سائغة في الوصف.
(3)
أخرجه مسلم (580) من حديث ابن عمر، واللفظ أشبه بلفظ الحميدي في «مسنده» (662).
(4)
برقم (580/ 116) بنحوه.
(5)
أخرجه النسائي في «المجتبى» (889، 1268) و «الكبرى» (965، 1191)، وقد تقدم تخريجه مع بيان أن زيادة «يحركها» شاذة، تفرد بها زائدة دون ثمانية عشر راويًا. وأخرجه ابن أبي شيبة مختصرًا (30295) وأحمد (18876) وأبو داود (726، 957) والنسائي في «المجتبى» (1265) و «الكبرى» (1189) والبيهقي (2/ 72) كلهم من غير طريق زائدة بغير هذه الزيادة الشاذة، وإسناده صحيح، صححه ابن خزيمة (713).
(6)
رقم (580/ 115).
وهذه الروايات كلُّها واحدة، فإن من قال:«قبض أصابعه الثلاث» أراد به أن الوسطى كانت مضمومةً لم تكن منشورةً كالسَّبَّابة. ومن قال: «وقبض
(1)
ثنتين من أصابعه» أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضةً
(2)
مع البِنْصِر، بل الخِنْصِر والبِنْصِر متساويتان في القبض دون الوسطى. وقد صرَّح بذلك من قال:«وعقد ثلاثًا وخمسين» ، فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومةً، ولا تكون مقبوضةً مع البنصر.
وقد استشكل كثير من الفضلاء هذا، إذ عقدُ ثلاثة
(3)
وخمسين لا يلائم واحدةً من الصفتين المذكورتين، فإن الخنصر لا بد أن تركب البنصر في هذا العقد
(4)
. وقد أجاب عن هذا بعض الفضلاء بأن الثلاثة لها صفتان في هذا العقد: قديمةٌ، وهي التي ذُكِرت في حديث ابن عمر، تكون فيها الأصابع الثلاث مضمومةً مع تحليق الإبهام مع الوسطى. وحديثةٌ، وهي المعروفة اليوم بين أهل الحساب. والله أعلم.
وكان يبسط ذراعه على فخذه ولا يجافيها، فيكون حدُّ مرفقه عند آخر فخذه، وأما اليسرى فمبسوطة
(5)
الأصابع على الفخذ اليسرى.
(1)
ك، ع:«قبض» دون الواو.
(2)
ص، ج:«مفتوحة» ، تصحيف.
(3)
ن: «إذا عقد ثلاثًا» .
(4)
يعني: عند أهل الحساب. والصفة المذكورة في الحديث تسمَّى عندهم: «تسعة وخمسين» . وذكر ابن الفركاح أن وضع الخنصر على البنصر في عقد ثلاثة وخمسين طريقة أقباط مصر، ولم يعتبر غيرهم فيها ذلك. انظر:«مغني المحتاج» (1/ 379).
(5)
ق، ن:«فممدودة» .
وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه، وفي ركوعه، وفي سجوده، وفي تشهُّده. ويستقبل أيضًا بأصابع رجليه القبلة في سجوده. وكان يقول في كلِّ ركعتين: التحية.
وأما المواضع التي كان يدعو فيها في الصلاة فسبعة مواطن.
أحدها: بعد تكبيرة الإحرام في محلِّ الاستفتاح.
الثاني: قبل الركوع وبعد الفراغ من القراءة في الوتر، والقنوت العارض
(1)
في الصبح، إن صحَّ عنه ذلك، فإنَّ فيه نظرًا
(2)
.
الثالث: بعد الاعتدال من الركوع، كما ثبت ذلك في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن أبي أوفى: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربَّنا لك الحمد، ملءُ السماوات وملءُ الأرض، وملءُ ما شئت من شيء بعد. اللهمَّ طهِّرني بالثلج والبرد والماء البارد. اللهمَّ طهِّرني من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الوسخ»
(3)
.
الرابع: في ركوعه كان يقول: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك. اللهمَّ اغفر لي»
(4)
.
الخامس: في سجوده، وفيه كان غالب دعائه.
(1)
ك، ع:«لعارض» .
(2)
ك، ع:«نظر» .
(3)
أخرجه مسلم، وقد تقدم تخريجه.
(4)
أخرجه البخاري ومسلم، وقد تقدم تخريجه.
السادس: بين السجدتين.
السابع: بعد التشهُّد وقبل السلام. وبذلك أمَر في حديث أبي هريرة وحديث فَضالة بن عبيد
(1)
، وأمَر أيضًا بالدعاء في السجود.
وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبلَ القبلة أو المأمومين
(2)
، فلم يكن ذلك من هديه أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن
(3)
. وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعله هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته؛ وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. والله أعلم.
وعامَّة الأدعية المتعلِّقة بالصلاة إنما فعَلها فيها وأمرَ بها فيها. وهذا هو اللائق بحال المصلِّي، فإنه مقبل على ربِّه، يناجيه ما دام في الصلاة. فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه. فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا
(4)
الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن هاهنا نكتةً لطيفةً، وهي أنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استُحِبَّ له أن
(1)
أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (588) وفيه أمره صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من أربع. وأما حديث فضالة بن عبيد فسيأتي تخريجه.
(2)
نقله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (11/ 133) على هذا الوجه: «
…
مستقبل القبلة سواءٌ الإمامُ والمنفرد والمأموم»، وهو غريب.
(3)
ما عدا ق، ن:«حسن ولا صحيح» .
(4)
ج، ق، ن:«هذه» .
يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، ويدعو بما شاء. ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة
(1)
؛
فإنَّ كلَّ من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسوله صلى الله عليه وسلم استُحِبَّ له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد
(2)
: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم ليدعُ بعدُ ما شاء» ، قال الترمذي: حديث صحيح.
فصل
ثم كان صلى الله عليه وسلم يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك
(3)
.
هذا كان فعله الرَّاتب رواه عنه خمسة عشر صحابيًّا، وهم
(4)
:
(1)
نقل ابن حجر في «الفتح» (11/ 133 - 134) كلام المؤلف من قوله: «وأما الدعاء بعد السلام» إلى هنا، وعقَّب عليه بقوله: «وما ادَّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ
…
» ونقل أحاديث في الدعاء دبر كلِّ صلاة ثم قال: «فإن قيل: المراد بدبر كلِّ صلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه» . ثم قال: «وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنَّه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلِّي القبلة وإيراده بعد السلام. وأما إذا انتقل بوجهه أو قدَّم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ» .
قلت: وفي كلام الحافظ نظر.
(2)
أخرجه أحمد (3477) وأبو داود (1481) والترمذي (3477) والنسائي في «المجتبى» (1284) و «الكبرى» (1208) والبيهقي (2/ 147، 148)، صححه الترمذي وابن خزيمة (710، 709) وابن حبان (1960) والحاكم (1/ 230).
(3)
أخرجه مسلم (582، 481) من حديث سعد بن أبي وقاص و جابر بن سمرة.
(4)
ما عدا ق، ن:«منهم» .
عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقَّاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حُجْر، وأبو موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمَّار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمُرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطَلْق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثة، وعدي بن عُمَيرة
(1)
.
وقد روي عنه أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه
(2)
، لكن لم يثبت
(1)
أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود (295) وصححه، وذكر في الباب عن ثمانية، منهم جابر بن عبد الله ولم يذكره المؤلف، فصار عددهم ستة عشر. انظر:«نزهة الألباب» للوائلي (2/ 647 - 650). وأما الذين لم يذكرهم الترمذي فسهل بن سعد [أحمد (22864)] وأبو موسى الأشعري [ابن ماجه (917)] وحذيفة بن اليمان [ابن ماجه (916)] وأبو مالك الأشعري [«معاني الآثار» (1/ 269)] وطلق بن علي [أحمد (39/ 464)] وأوس بن أوس [«معاني الآثار» (1/ 269) و «معجم الطبراني» (1/ 219)] وأبو رمثة [«معاني الآثار» (1/ 269) و «معجم الطبراني» (727، 728)]. وزاد ابن الملقن عن واثلة بن الأسقع ويعقوب بن حصين، انظر:«البدر المنير» (4/ 61، 62).
(2)
أخرجه الترمذي (296) وابن ماجه (919) وابن حبان (1995) من حديث عائشة، فيه زهير بن محمد، رواية أهل الشام عنه منكرة، كما نقل الترمذي عن البخاري، وهذه رواية شامية. قال أبو حاتم في «العلل» (414):«هذا حديث منكر، هو عن عائشة موقوف» . وكذلك رجح الموقوفَ الدارقطني في «علله» (3513). وله شاهد من حديث سهل بن سعد لا يفرح به، أخرجه ابن ماجه (918) والطبراني (6/ 122) والدارقطني (1354، 1355)، وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (6/ 137):«منكر الحديث» . وله شاهد آخر من حديث سلمة بن الأكوع ضعيف كذلك، أخرجه ابن ماجه (920) والبيهقي (2/ 179)، وفيه يحيى بن راشد، ضعيف.
ذلك عنه من وجه صحيح. وأجود ما فيه حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يسلِّم تسليمةً واحدةً: «السلام عليكم» يرفع بها صوته حتى يوقظنا. وهو حديثٌ معلولٌ
(1)
، وهو في «السنن»
(2)
لكنه كان في قيام الليل. والذين رووا عنه التسليمتين رووا ما شاهدوه في الفرض والنفل؛ على أن حديث عائشة ليس صريحًا في الاقتصار على التسليمة الواحدة، بل أخبرت أنه كان يسلِّم تسليمةً
(3)
يوقظهم بها، ولم تَنْفِ الأخرى، بل سكتت عنها. وليس سكوتها عنها مقدَّمًا على رواية من حفظها وضبطها. وهم أكثر عددًا، وأحاديثهم أصحُّ، وكثيرٌ من أحاديثهم صحيحة، والباقي حسانٌ.
قال أبو عمر بن عبد البرِّ
(4)
: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلِّم تسليمةً واحدةً من حديث سعد بن أبي وقَّاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس؛ إلا أنها معلولةٌ لا يصحِّحها
(5)
أهل العلم بالحديث. ثم ذكر علَّة حديث سعد أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يسلِّم في الصلاة تسليمةً واحدةً
(6)
، وقال: هذا
(1)
ولعل العلة المرادة هي أنه من رواية زرارة بن أوفى عن عائشة كما عند أحمد (25987) وأبي داود (1346 - 1348)، وزرارة لم يسمع هذا الحديث منها. وقد جاء في رواية أخرى عند أحمد (25988) وأبي داود (1349) وأبي عوانة (2060) أن بينهما سعد بن هشام، وليس فيها أن التسليمة كانت واحدة.
(2)
أبو داود (1346 - 1349)، وانظر التعليق السابق.
(3)
بعده في هامش ن: «واحدة» .
(4)
في «الاستذكار» (4/ 291 - 296).
(5)
ق، ن:«ولا يصححها» . وفي «الاستذكار» كما أثبت من النسخ الأخرى.
(6)
أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 266) وأعله بتفرد عبد العزيز الدراوردي به من بين أصحاب مصعب بن ثابت، وكذلك قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (4/ 292) بعد أن ساق الحديث من طرق عن مصعب بن ثابت وغيره.
وهمٌ وغلطٌ، وإنما الحديث:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم عن يمينه وعن يساره»
(1)
. ثم ساق من طريق ابن المبارك
(2)
، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسلِّم عن يمينه وعن شماله
(3)
، كأني أنظر إلى صفحة خدِّه»، فقال الزُّهريُّ: ما سمعنا هذا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له إسماعيل بن محمد: أكُلَّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعتَه؟ قال: لا. قال: فنصفه؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع!
(4)
.
قال: وأما حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسلم تسليمةً واحدةً فلم يرفعه أحدٌ إلا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره. وزهير بن محمد ضعيفٌ عند الجميع،
(1)
أخرجه مسلم (582)، وقد تقدم.
(2)
من طريقه أخرجه ابن خزيمة (727، 1712) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (1/ 267) وابن حبان (1992) والبيهقي (2/ 178)، وأخرجه أيضًا أحمد (1564) من طريق آخر عن مصعب بن ثابت.
(3)
في ن بعده: «حتى» ، ثم ضرب عليها.
(4)
وكذلك ذكر قصة الزهري عقب الحديث ابنُ خزيمة (727، 1712) وابنُ حبان (1992) والبيهقي (2/ 178). وللقصة لفظ آخر أخرجه أبو عوانة (2049): « .... عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: اجتمعت أنا والزهري، فتذاكرنا تسليمة واحدة، فقال الزهري: تسليمة واحدة، فقلت أنا: ابن أبي إسحاق أَحدَث بها عليك، حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره» ، وأصله في مسلم (582) كما سبق مرارًا لكن دون القصة.
كثير الخطأ لا يُحتجُّ به. وذُكِر ليحيى بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما.
قال: وأما حديث أنس
(1)
، فلم يأت إلا من طريق أيوب السَّختياني عن أنس، ولم يسمع أيوب من أنس عندهم شيئًا
(2)
.
قال: وقد روي [من]
(3)
مرسل الحسن
(4)
أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يسلِّمون تسليمةً واحدةً.
وليس مع القائلين بالتسليمة غير عمل أهل المدينة. قالوا
(5)
: وهو عملٌ قد توارثوه كابرًا عن كابر، ومثله يصحُّ الاحتجاج به، لأنه لا يخفى لوقوعه في كلِّ يوم مرارًا.
وهذه طريقةٌ قد خالفهم فيها سائر الفقهاء، والصواب معهم. والسنن الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تُدفَع ولا تُرَدُّ لعمل أحد
(6)
كائنًا من كان. وقد
(1)
أخرجه البزار (13/ 141) من طريق جرير عن أيوب عن أنس، ونقل ابن رجب في «فتح الباري» (5/ 164) عن الأثرم أنه قال:«هذا حديث مرسل، وهو منكر، وسمعت أبا عبد الله يقول: جرير بن حازم يروي عن أيوب عجائب» .
(2)
قال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (ص 39): «سمعت أبي يقول: أيوب بن أبي تميمة السختياني رأى أنس بن مالك ولم يسمع منه، وهو مثل الأعمش» .
(3)
ما بين الحاصرتين من «الاستذكار» . وقد زاد بعضهم بعد «مرسل» في ع فوق السطر: «عن» ، ومثله في ن.
(4)
أخرجه ابن أبي شيبة (3081)، وفي إسناده لين.
(5)
وهو قول ابن عبد البر في «الاستذكار» ، وهنا انتهى النقل منه.
(6)
في النسخ المطبوعة: «بعمل أهل بلد» ، ولعله تصرُّف من بعض النسَّاخ.
أحدث الأمراء بالمدينة وغيرها في الصلاة أمورًا استمرَّ عليها العمل، ولم يُلتفَت إلى استمراره. وعملُ أهل المدينة الذي يُحْتَجَّ به ما كان في زمن الخلفاء الراشدين. وأما عملهم بعد موتهم وبعد انقراض عصر من بها من الصحابة، فلا فرق بينه وبين عمل غيرهم. والسُّنَّةُ تحكم بين الناس، لا عملُ أحدٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه. وبالله التوفيق.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم يدعو في صلاته فيقول: «اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجَّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهمَّ إني أعوذ بك من المغرم والمأثم»
(1)
.
وكان يقول في صلاته أيضًا: «اللهمَّ اغفر لي ذنبي، ووسِّع لي في ذاتي
(2)
، وبارك لي فيما رزقتني»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (832، 2397) ومسلم (589/ 129) من حديث عائشة.
(2)
هكذا في جميع الأصول. وهو لفظ الحديث في «المسند» (23114، 23188 - ط الرسالة). قال السندي: «يريد سعة الخلق وشرح الصدر» . وقد أشار ناسخ ق في حاشيتها إلى أن الصواب: «في داري» . وهي الرواية المشهورة.
(3)
أخرجه ابن أبي شيبة (30004) وأحمد (19574) وأبو يعلى (7273) والنسائي في «الكبرى» (9828) والطبراني في «الدعاء» (656) و «الأوسط» (6891) من حديث أبي موسى الأشعري. صححه النووي في «الأذكار» ، فتعقبه الحافظ في «نتائج الأفكار» (1/ 263) بأن أبا مِجْلَز لم يلق سمرة بن جندب ولا عمران بن حصين وقد تأخرا بعد أبي موسى، ففي سماعه من أبي موسى نظر، وقد عُهِد منه الإرسال ممن لم يلقه. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي (3500) وضعفه، وشاهد آخر عن رجل رمق النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد (16598)، وإسناده ضعيف.
(1)
.
وكان يقول في سجوده: «ربِّ أعطِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها»
(2)
. وقد تقدَّم ذكرُ بعض ما كان يقوله في ركوعه وسجوده وجلوسه واعتداله في الركوع.
(1)
أخرجه أحمد (17114، 17133) والترمذي (3407) والنسائي (1304) والطبراني في «الدعاء» (626 - 632) و «المعجم الكبير» (7135، 7157، 7175 - 7180) وغيرهم من حديث شداد بن أوس من طرق لا تخلو من ضعف. ورأى الحافظ في «نتائج الأفكار» (3/ 77) أن طرقه يقوي بعضها بعضًا يمتنع معها إطلاق القول بضعفه، وأن تصحيح ابن حبان [935، 1974] والحاكم [1/ 508] له هو لعدم تفريقهما بين الصحيح والحسن. وانظر: «الصحيحة» (3228).
(2)
أخرجه أحمد (25756) بهذا اللفظ من حديث عائشة أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت يدها عليه وهو ساجد، وهو يقول هذا الدعاء. في إسناده صالح بن سعيد، فيه لين، ولم يدرك عائشة. ولعل الخطأ منه، إذ أخرج مسلم (486) وغيره من حديث عائشة في هذه القصة أنه كان يقول:«اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» ، وهو المحفوظ. وأما الدعاء الذي ذكره المؤلف فالصحيح فيه أنه جزء من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم (2722) من حديث زيد بن أرقم، وليس فيه أنه كان يقوله في سجوده.
فصل
والمحفوظ في أدعيته صلى الله عليه وسلم في الصلاة كلِّها بلفظ الإفراد كقوله: «ربِّ اغفر لي، وارحَمْني، واهدِني»
(1)
. وسائر الأدعية المحفوظة عنه فيها
(2)
. ومنها قوله في دعاء الاستفتاح: «اللهمَّ اغسلني من خطاياي بالثلج والماء البارد
(3)
، اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي
…
» الحديث
(4)
.
وروى الإمام أحمد وأهل «السنن»
(5)
من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمَّ عبدٌ قومًا فيخُصَّ نفسَه بدعوة، فإن فعَل فقد خانهم» ، فقال ابن خزيمة في «صحيحه»
(6)
، وقد ذكر حديث «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي
…
» الحديث، قال: في هذا دليلٌ على ردِّ الحديث الموضوع «لا يؤمَّ عبدٌ قومًا فيخُصَّ نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم» . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي يدعو به الإمام
(1)
أخرجه أحمد (2895) وأبو داود (850) والترمذي (284، 285) وابن ماجه (898) من حديث ابن عباس، والحديث ضعيف لضعف كامل أبي العلاء، وقد تقدم.
(2)
«عنه فيها» ساقط من ق، ن.
(3)
ج: «والماء والبرد» . والمثبت من غيرها لفظ الدارمي (1280).
(4)
متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم.
(5)
أخرجه الإمام أحمد (22415) وأبو داود (90) والترمذي (357) وابن ماجه (923) من حديث ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي إسناده اختلاف أشار إليه الترمذي والدارقطني في «العلل» (1568). وانظر للتفصيل:«ضعيف أبي داود- الأم» للألباني (1/ 32 - 35) فقد أطال النفس فيه فأجاد وأفاد.
(6)
في التبويب على الحديث (1630) ولفظه: «باب الرخصة في خصوصية الإمام نفسه بالدعاء دون المأمومين، خلاف الخبر غير الثابت المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم
…
».
لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه، كدعاء القنوت ونحوه
(1)
. والله أعلم.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه. ذكره الإمام أحمد
(2)
.
وكان في التشهُّد لا يجاوز بصرُه إشارتَه، وقد تقدَّم.
وكان قد جعل الله تعالى قرَّة عينه ونعيمه وسروره وروحه في الصلاة، فكان
(3)
يقول: «يا بلال، أَرِحْنا بالصلاة»
(4)
. وكان يقول: «جُعِلَتْ قرَّةُ عيني في الصلاة»
(5)
.
ومع هذا، فلم يكن يشغله ما هو فيه من ذلك عن مراعاة أحوال
(1)
وانظر نحوه في «مجموع الفتاوى» (23/ 116).
(2)
في «الناسخ والمنسوخ» عن ابن سيرين كما في حاشية في ج و «المبدع» (1/ 379). وأخرجه الحاكم (2/ 393) والبيهقي (2/ 283) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة. قال البيهقي الصحيح أنه مرسل عن ابن سيرين. وانظر: «إرواء الغليل» (2/ 71 - 73).
(3)
ق، ن:«وكان» .
(4)
أخرجه أحمد (23088) وأبو داود (4985) والطبراني (6214) كلهم من طريق عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن رجل من خزاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد اختلف فيه على سالم بن أبي الجعد، ومِن ثَمّ في الصحابي. وقد فصل القول فيه الدارقطني في «العلل» (461) وقال عن الطريق المذكور إنه أصح. وسالم بن أبي الجعد هذا مع ثقته كثير الإرسال. ومع هذا صححه الزيلعي في «تخريج الكشاف» (1/ 62) والعراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 118 - دار طبرية). وانظر: حاشية محققي «المسند» (23154).
(5)
أخرجه أحمد (12294)، والصواب فيه أنه مرسل، وقد تقدم (ص 151).
المأمومين وغيرهم، مع كمال إقباله، وقربه من الله، وحضور قلبه بين يديه، واجتماعه عليه. فكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها، فيسمع بكاء الصبي، فيخفِّفها مخافةَ أن يشُقَّ على أمِّه
(1)
.
وأرسل مرةً فارسًا طليعةً له، فقام يصلِّي وجعل يلتفت إلى الشعب الذي يجيء منه الفارس
(2)
، ولم يشغله ما هو فيه عن مراعاة حال فارسه.
وكذلك كان يصلِّي الفرض وهو حاملٌ أمامة بنت أبي العاص بن الربيع ابنة ابنته على عاتقه، إذا قام حملها، وإذا ركع وسجد وضعها
(3)
.
وكان يصلِّي، فيجيء الحسن أو الحسين
(4)
، فيركب ظهره، فيطيل السجدة كراهة
(5)
أن يلقيه عن ظهره
(6)
.
وكان يصلِّي، فتجيء عائشة من حاجتها والباب مغلقٌ، فيمشي فيفتح لها الباب، ثم يرجع إلى مصلَّاه
(7)
(8)
.
(1)
أخرجه البخاري (708) ومسلم (470) من حديث أنس.
(2)
أخرجه أبو داود (916)، وهو صحيح، وقد تقدمّ (ص 285).
(3)
أخرجه البخاري (5996) ومسلم (543) من حديث أبي قتادة الأنصاري.
(4)
ص، ق:«والحسين» .
(5)
ق، ن:«كراهية» .
(6)
أخرجه أحمد (16033، 27647) والنسائي في «المجتبى» (1141) و «الكبرى» (731) والبيهقي (2/ 263) من حديث شداد بن الهاد. صححه الحاكم (3/ 165، 626) والألباني في «أصل صفة الصلاة» (2/ 772، 773).
(7)
ن: «الصلاة» .
(8)
أخرجه أحمد (24027) وأبو داود (922) والترمذي (601) والنسائي في «المجتبى» (1206) و «الكبرى» (528، 1130)، وفيه برد بن سنان، فيه لين. والحديث ضعفه الترمذي، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 77). وانظر: تعليق محققي «المسند» .
وكان يردُّ السلام بالإشارة على من يسلِّم عليه وهو في الصلاة، فقال جابر: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة، ثم أدركتُه وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه
(1)
، فأشار إليَّ. ذكره مسلم في «صحيحه»
(2)
.
وقال أنس: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يشير في الصلاة. ذكره أحمد
(3)
.
وقال صهيب: مررتُ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي، فسلَّمتُ عليه، فردَّ إشارةً. قال الراوي: لا أعلم
(4)
إلا قال: إشارةً بإصبعه. وهو في «السنن» و «المسند»
(5)
.
(1)
«عليه» ساقط من ص.
(2)
برقم (540).
(3)
برقم (12407)، وأخرجه عبد الرزاق (3276) وعبد بن حميد (1160) وأبو داود (943) وأبو يعلى (3569، 3588) والدارقطني (1868) والبيهقي (2/ 262). وصححه ابن خزيمة (885) وابن حبان (2264).
(4)
ق، ن:«أعلمه» .
(5)
أبو داود (925) والترمذي (367) والنسائي في «المجتبى» (1186) و «الكبرى» (1110) وأحمد (18931) من حديث عبد الله بن عمر عن صهيب، وفيه نابل صاحب العباء، فيه لين. ويغني عنه ما أخرجه أحمد (4568) والترمذي (368) والنسائي في «المجتبى» (1187) وفي «الكبرى» (1111) وابن ماجه (1017) من حديث عبد الله بن عمر، وصححه الترمذي وابن خزيمة (888) وابن حبان (2258) والحاكم (3/ 12)، وفيه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجال الأنصار ــ وهو في مسجد قباء يصلي ــ يسلمون عليه وصهيب معه صلى الله عليه وسلم، فسأل ابن عمر صهيبًا: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع إذا سلم عليه؟ قال: «يشير بيده» .
وقال عبد الله بن عمر: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلِّي فيه. قال: فجاءته الأنصار، فسلَّموا عليه وهو يصلِّي. قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يردُّ عليهم حين كانوا يسلِّمون عليه وهو يصلِّي؟ قال: يقول هكذا. وبسط جعفر بن عون كفَّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. وهو في «السنن» و «المسند»
(1)
. وصححه الترمذي ولفظه: كان يشير بيده.
وقال عبد الله بن مسعود: لما قدِمتُ من الحبشة أتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلَّمتُ عليه، فأومأ برأسه. ذكره البيهقي
(2)
.
وأما حديث أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أشار في صلاته إشارةً تُفْهَم عنه فَلْيُعِدْ صلاته» فحديثٌ باطلٌ، ذكره الدارقطني
(3)
(1)
كذا قال، ولم أجده إلا في «السنن» كما سبق في التخريج السالف، واللفظ لأبي داود. والذي رواه أحمد (4586) السائل فيه ابن عمر، وقد سبق في التخريج السالف.
(2)
في «السنن الكبرى» (2/ 368) من حديث محمد بن سيرين عن ابن مسعود، وقال:«هذا هو المحفوظ، مرسل» . ثم ساق من طريق أبي يعلى التوزي ــ أخرجه أيضًا السراج في «حديثه» (948) ــ بذكر أبي هريرة بين ابن سيرين وابن مسعود، وقال:«تفرد به أبو يعلى» ، وكذلك أنكر ابن المديني وصله بذكر أبي هريرة وقال:«إنما هو عن ابن سيرين أن ابن مسعود» كما في «فتح الباري» لابن رجب (6/ 322). ويقوي المرسل ما أخرجه ابن أبي شيبة (4854) وأبو داود في «مراسيله» (ص 98) من طريقين عن ابن سيرين مرسلًا قصة مَقدَم ابن مسعود من الحبشة وسلامه على النبي صلى الله عليه وسلم.
(3)
برقم (1866، 1867) ومن طريقه البيهقي (2/ 262)، وكلامه عقب (1867) وفيه أيضًا أن ابن أبي داود استظهر أن اللفظ المذكور من قول ابن إسحاق. وكذلك ضعفه أبو حاتم في «العلل» (199) وجعل الحمل فيه على ابن إسحاق. وأخرجه أيضًا إسحاق بن راهويه (543) وأبو داود (944) والبزار (15/ 116)، وقال أبو داود:«هذا الحديث وهْم» .
وقال: قال لنا ابن أبي داود: «أبو غطفان هذا رجلٌ مجهولٌ
(1)
، والصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يشير في الصلاة رواه أنس وجابر وغيرهما». والله أعلم.
وكان صلى الله عليه وسلم يصلِّي، وعائشةُ معترضةٌ بينه وبين القبلة، فإذا سجد غمَزها بيده فقبضت رجليها، فإذا
(2)
قام بسطتهما
(3)
.
وكان صلى الله عليه وسلم يصلي، فجاءه الشيطان ليقطع عليه صلاته، فأخذه، فخنَقَه حتى سال لعابه على يده
(4)
.
وكان يصلِّي على المنبر ويركع عليه، فإذا جاءت السجدة نزل القهقرى، فسجد على الأرض، ثم صعد عليه
(5)
.
وكان يصلِّي إلى جدار، فجاءت بَهْمَةٌ تمرُّ بين يديه
(6)
، فما زال يدارئها
(1)
في ج حاشية نصُّها: «ذكر الذهبي في ميزانه [4/ 561] أبا غطفان عن أبي هريرة، وقول الدارقطني إنه مجهول، ثم تعقَّبه بأن الظاهر أنه أبو غطفان بن طريف المرِّي، وماذا بالمجهول، وثَّقه غير واحد. انتهى» .
(2)
ك، ع:«وإذا» .
(3)
أخرجه البخاري (382) ومسلم (512).
(4)
أخرجه أحمد (11780) والطبري في «تهذيب الآثار» (618 - نشرة علي رضا) من حديث أبي سعيد الخدري. وفيه مسرة بن معبد، لا بأس به، وقال ابن حبان في «المجروحين» (3/ 42):«كان ممن ينفرد عن الثقات بما ليس من أحاديث الأثبات على قِلّة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد» . وقد جوّد إسناده ابن رجب في «الفتح» (6/ 305)، وحسنه الألباني في «أصل صفة الصلاة» (1/ 126). وانظر:«الصحيحة» (3251).
(5)
أخرجه البخاري (377) ومسلم (544) من حديث سهل بن سعد.
(6)
ن: «من بين يديه» .
حتى لصِق بطنه بالجدار، ومرَّت من ورائه
(1)
. يدارئها: يفاعلها من المدارأة وهي المدافعة.
وكان يصلِّي، فجاءت جاريتان من بني عبد المطلب قد اقتتلتا، فأخذهما بيديه، فنزع إحداهما من الأخرى، وهو في الصلاة
(2)
. ولفظ أحمد
(3)
فيه: فأخذتا بركبتي النبي صلى الله عليه وسلم، ففرَّع
(4)
بينهما ــ أو فرَّق بينهما ــ ولم ينصرف.
وكان يصلِّي، فمرَّ بين يديه غلامٌ، فقال بيده هكذا، فرجع. فمرَّت بين يديه جاريةٌ، فقال بيده هكذا، فمضت. فلما صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«هنَّ أغلب» . ذكره الإمام أحمد
(5)
.
وكان ينفخ في صلاته. ذكره الإمام أحمد، وهو في «السنن»
(6)
. وأما
(1)
أخرجه أحمد (6852) وأبو داود (708) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصحح إسناده النووي في «خلاصة الأحكام» (1/ 523)، وهو كذلك إلى عمرو بن شعيب، فالحديث حسن، والحمد لله.
(2)
أخرجه أحمد (2095، 3167) وأبو داود (716، 717) والنسائي (754) من حديث عبد الله بن عباس، وصححه ابن خزيمة (882) وابن حبان (2356). وانظر: تعليق محققي «المسند» (3167).
(3)
برقم (3167).
(4)
أي حجَز بينهما وفرَّق. وفي النسخ الأخرى: «نزع» ، تصحيف.
(5)
برقم (26523) وابن ماجه (948) من حديث أم سلمة. وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (2935) والطبراني (23/ 362). وإسناده فيه ضعف لجهالة أم محمد بن قيس أو أبيه على الروايتين. والغلام المذكور هو عبد الله أو عمر بن أبي سلمة، والجارية زينب بنت أم سلمة.
(6)
أحمد (6483، 6763، 6868) وأبو داود مختصرًا (1194) والنسائي في «المجتبى» (1482، 1496) وفي «الكبرى» (1880، 1896)، وأخرجه ابن خزيمة (1392) والبيهقي (2/ 252) من حديث عبد الله بن عمرو، كلهم من طرق عن عطاء بن السائب عن أبيه عن ابن عمرو به. وعطاء قد اختلط، ولكن في بعض الطرق المذكورة روى عنه حماد وشعبة والثوري؛ وهم ممن سمعوا منه قبل اختلاطه، فالحديث حسن إن شاء الله. ولذلك علقه البخاري بغير صيغة الجزم تحت «باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة» قبل (1213)، انظر:«تغليق التعليق» (2/ 446، 447).
حديث: «النفخ في الصلاة كلامٌ» فلا أصل له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما رواه سعيد في «سننه»
(1)
عن ابن عباس قوله ــ إن صحَّ.
وكان يبكي في صلاته، وكان يتنحنح في صلاته. قال علي بن أبي طالب: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعةٌ آتيه فيها. فإذا أتيته استأذنت، فإن وجدته يصلِّي تنحنَح دخلتُ، وإن وجدته فارغًا أذِن لي. ذكره النسائي وأحمد
(2)
. ولفظ أحمد: كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان بالليل والنهار، وكنت إذا دخلتُ عليه وهو يصلِّي تنحنَح
(3)
. فهذا رواه أحمد، وعمل به. فكان يتنحنح
(1)
وأخرجه عبد الرزاق (3018) وابن أبي شيبة (6604، 6605) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 428، 429) بأسانيد جيدة يشد بعضها بعضًا.
(2)
النسائي (1211) وأحمد (598)، وأخرجه البزار (882) والبيهقي (3467) وقال:«فهو حديث مختلف في إسناده ومتنه، فقيل: سبح، وقيل: تنحنح. ومداره على عبد الله بن نُجَيّ الحضرمي، قال البخاري [«التاريخ الكبير» (5/ 214)]: فيه نظر، وضعفه غيره». وأوضح الحافظ الاختلاف في إسناده فقال:«قلت: واختلف عليه، فقيل: عنه عن علي؛ وقيل: عن أبيه عن علي» . انظر: «البدر المنير» (4/ 186، 187) و «التلخيص» (2/ 816، 817).
(3)
في مطبوع «المسند» (598): «سبح» ، وعلقوا أنه على حاشية بعض النسخ:«تنحنح» . وانظر قول البيهقي في تخريج الحديث.
في صلاته
(1)
، ولا يرى النحنحة مبطلةً للصلاة.
وكان يصلِّي حافيًا تارةً، ومنتعلًا أخرى. كذلك قال عبد الله بن عمرو عنه
(2)
. وأمَر بالصلاة في النعل مخالفةً لليهود
(3)
.
وكان يصلِّي في الثوب الواحد تارةً، وفي الثوبين تارةً وهو أكثر
(4)
.
وقنَت في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت
(5)
. ولم يكن من هديه القنوت فيها دائمًا. ومن المحال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في كلِّ غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: «اللهمَّ اهدنا فيمن هديتَ، وتولَّنا فيمن تولَّيتَ» إلى آخره، ويرفع بذلك صوته، ويؤمِّن عليه الصحابة، دائمًا إلى أن فارق الدنيا؛ ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيِّعه أكثرُ أمته وجمهورُ أصحابه بل كلُّهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه محدَثٌ، كما قال سعد بن طارق
(1)
رواه المرُّوذي ومهنا. انظر: «المغني» لابن قدامة (2/ 452).
(2)
أخرجه أبو داود (653) وابن ماجه (1038) من طريقين صحيحين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك أخرجه أحمد من طرق حسان يقوي بعضها بعضًا، انظر الحديث (6627) والتعليق عليه.
(3)
أخرجه أبو داود (652) والبزار (8/ 405) والطبراني (7165) والبيهقي (4430) من حديث شداد بن أوس. وإسناده حسن، والحديث صححه ابن حبان (2186) والحاكم (1/ 260) والألباني في «أصل صفة الصلاة» (1/ 109).
(4)
أما صلاته في الثوبين فمنه ما رواه أبو جحيفة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وسمته، وفيه لبسه صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء وصلاته فيها، أخرجه البخاري (376) ومسلم (503). وأما صلاته في ثوب واحد فقد رواه عمر بن أبي سلمة [البخاري (354) ومسلم (517)] وجابر [خ (361) وم (518)] وأبو سعيد الخدري [م (519)] وغيرهم.
(5)
سيأتي تخريجه قريبًا.
الأشجعي: قلت لأبي: يا أبتِ، إنك قد صلَّيتَ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا وبالكوفة نحوًا من خمس سنين، فكانوا يقنتُون في الفجر؟ قال: أي بُنيَّ، مُحدَثٌ. رواه أهل «السنن» وأحمد
(1)
. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذكر الدارقطني
(2)
عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعةٌ.
وذكر البيهقي
(3)
عن أبي مِجْلَز قال: صلَّيتُ مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنُت، فقلت لابن عمر: لا أراك
(4)
تقنت. قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا.
ومن المعلوم بالضرورة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان يقنُت كلَّ غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمِّن الصحابة لكان نقلُ الأمة لذلك كنقلهم لجهره بالقراءة
(1)
الترمذي (404، 405) والنسائي في «المجتبى» (1080) و «الكبرى» (671) وابن ماجه (1241) وأحمد (15879)، صححه الترمذي وابن حبان (1989).
(2)
برقم (1704)، وأخرجه من طريقه البيهقي (2/ 213) وقال:«فإنه لا يصح، وأبو ليلى الكوفى متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت فى صلاة الصبح» . أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (7086، 7087)، وانظر أيضًا عنده (7043، 7068).
(3)
في «السنن الكبرى» (2/ 213). وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (679 - مسند ابن عباس) والطبراني (13/ 229)، وقال البيهقي:«نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدح فى رواية من حفظه وأثبته» . وقد تعقبه التركماني واستبعد نسيانهم أو غفلتهم، وكيف وابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت، فترْك ابن عمر وغيرِه ذلك دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما داوم عليه
…
«الجوهر النقي» .
(4)
ك، ع:«إني لا أراك» .
فيها وعددها ووقتها. وإن جاز عليهم تضييعُ أمر القنوت فيها جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق. وبهذا الطريق علِمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كلَّ يوم وليلة ستَّ مرَّات
(1)
دائمًا مستمرًّا، ثم يضيِّع أكثر الأمة ذلك ويخفى عليها، هذا من أمحل المحال. بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقلُه كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها. والله الموفِّق.
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه جهرَ وأسرَّ، وقنَت وتَرك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه للقنوت أكثر من فعله؛ فإنه إنما قنتَ عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدِم من دعا لهم، وخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين. فكان قنوته لعارضٍ، فلما زال ترك القنوت.
ولم يكن يختصُّ بالفجر، بل كان يقنُت في صلاة الفجر والمغرب. ذكره البخاري في «صحيحه»
(2)
عن أنس، وقد ذكره مسلم
(3)
عن البراء. وذكر الإمام أحمد
(4)
عن ابن عباس قال: قنَت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا، في
(1)
هكذا على الصواب في جميع النسخ والطبعات القديمة، وقد غيَّره الفقي غلطًا ــ وتابعته طبعة الرسالة ــ إلى «خمس مرات» دون تنبيه. وقد سبق مثله في بحث الجهر بالبسملة.
(2)
برقم (798، 1004).
(3)
برقم (678).
(4)
برقم (2764)، وأخرجه أبو داود (1443) والطبراني (11/ 331) مختصرًا والبيهقي (2/ 200، 212). وصححه ابن خزيمة (618) والحاكم (1/ 225)، واختاره الضياء المقدسي (12/ 283 - 284).
الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، في دبر كلِّ صلاة إذا قال:«سمع الله لمن حمده» من الركعة الأخيرة، يدعو عليهم: على حيٍّ من بني سُليم: على رِعْلٍ وذكوانَ وعُصَيَّةَ، ويؤمِّن مَن خلفه. ورواه أبو داود.
فكان
(1)
هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصةً، وتركه عند عدمها. ولم يكن يخصُّه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما يشرَع فيها من الطول، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السحر وساعة الإجابة والتنزُّل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي هذا وهذا في تفسير قوله تعالى:{إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]
(2)
.
وأما حديث ابن أبي فُديك، عن عبد الله بن سعيد المقبُري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية يرفع يديه فيدعو بهذا الدعاء: «اللهمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمن تولَّيتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وقِني شرَّ ما قضيتَ، إنَّك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذِلُّ من واليتَ
(3)
، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ»
(4)
، فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا أو حسنًا!
(1)
ك، ع:«وكان» .
(2)
تقدم تخريج الحديثين في فصل إطالته صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى على الثانية من صلاةِ الصبح وغيرِها.
(3)
بعده في ك، ع:«ولا يعزّ ما عاديت» .
(4)
لم أجده بهذا الإسناد، والإسناد ضعيف كما سيبيِّن المؤلف.
ولكن لا يُحتَجُّ بعبد الله هذا، وإن كان الحاكم
(1)
صحَّح حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد الله المزَني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك؛ فذكره.
نعم، صحَّ عن أبي هريرة
(2)
أنه قال: والله لأنا أقربكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده» ، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار.
ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم تركه، فأحبَّ أبو هريرة أن يُعلمهم أن مثل هذا القنوت سنَّةٌ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله. وهذا ردٌّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها، ويقولون: منسوخٌ
(3)
، وفعله بدعةٌ. فأهل الحديث متوسِّطون بين هؤلاء وبين من استحبَّه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالأحاديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنَّةٌ وتركه سنَّةٌ. ومع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعةً، ولا فاعلَه مخالفًا للسنة، كما لا ينكرون على من تركه عند النوازل، ولا يرون تركه بدعةً، ولا تاركَه مخالفًا للسنَّة. بل من قنَت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن. وركنُ الاعتدال محلٌّ
(1)
في كتاب «القنوت» له، فيما يظهر. ولعله من مصادر المؤلف في هذا الفصل.
(2)
أخرجه البخاري (797) ومسلم (676). ولفظه عند البخاري: «لأُقرِّبَنّ صلاةَ النبي صلى الله عليه وسلم» ، وعند مسلم وغيره من أصحاب «السنن»:«واللهِ لأقربن بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، واللفظ المذكور أشبه بلفظ أحمد (8445).
(3)
ن: «هو منسوخ» بزيادة «هو» .
للدعاء والثناء، وقد جمعهما النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه. ودعاء القنوت ثناءٌ ودعاءٌ، فهو أولى بهذا المحلِّ.
وإذا جهَر به الإمام أحيانًا ليعلِّمه المأمومين، فلا بأس بذلك. فقد جهَر عمر بالاستفتاح ليعلِّم المأمومين
(1)
، وجهَر ابن عباس بقراءة الفاتحة
(2)
في صلاة الجنازة ليعلِّمهم أنها سنَّةٌ
(3)
؛ ومن هذا أيضًا جهرُ الإمام بالتأمين. وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنَّف فيه مَن فعله ولا مَن تركه. وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهُّدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النُّسُك من الإفراد والقِران والتمتُّع.
وليس مقصودنا إلا ذكر هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجُّه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب. وهذا شيءٌ، والجائز الذي لا ينكَر فعلُه وتركُه شيءٌ. فنحن لم نتعرَّض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هديُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله. فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدلَّ ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعةٌ؛ ولكن هديه صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي وأفضله. والله المستعان.
وأما حديث أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: «ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنُت في الفجر حتى فارق الدنيا» ــ وهو في «المسند»
(1)
تقدم في فصل هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة في معرض ذكر أدعية الاستفتاح (ص 226).
(2)
ك، ع:«في قراءة الفاتحة» .
(3)
سيأتي بعد فصل سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الميت قبل الصلاة عليه: هل عليه دين أم لا؟
والترمذي
(1)
وغيرهما ــ فأبو جعفر الرازي قد ضعَّفه أحمد وغيره. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهِم كثيرًا. وقال ابن حبَّان: كان ينفرد
(2)
بالمناكير عن المشاهير.
وقال لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدَّس الله روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ} [الأعراف: 172]: حديث أُبَيِّ بن كعب الطويل
(3)
، وفيه:«وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أُخِذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأُرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا، فأرسله الله في صورة بشر، فتمثَّل لها بشرًا سويًّا» . قال: «فحملتِ الذي يخاطبها، فدخَل مِن فيها» . وهذا غلطٌ محضٌ، وإنما الذي أُرسِل إليها الملَكُ الذي قال لها:{إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا}
(4)
[مريم: 19]. ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى، هذا محالٌ
(5)
.
(1)
لم أجده عند الترمذي، وهو عند أحمد (12657) من طريق عبد الرزاق (4964) عن أبي جعفر به. وأخرجه أيضًا الدارقطني (1692 - 1694) والبيهقي (2/ 201) من طرق عن أبي جعفر به. ومدار الحديث عليه وفيه لين كما سيبين المؤلف. وانظر لأقوال الأئمة الآتية:«تهذيب الكمال» (33/ 194 - 196) و «تهذيب التهذيب» (12/ 57).
(2)
ص، ج:«يتفرد» .
(3)
أخرجه الحاكم (2/ 323، 324 و 373) والبيهقي في «القضاء والقدر» (66) والضياء المقدسي في «المختارة» (3/ 363 - 366). وقال ابن كثير في «تفسيره» (مريم: 17): «وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي» .
(4)
في ك، ع:«ليهب» على قراءة أبي عمرو ونافع في رواية ورش، وفي غيرهما كما أثبت على قراءة عاصم وغيره من السبعة. انظر:«الإقناع» لابن الباذش (2/ 696).
(5)
تكلَّم المؤلف على حديث أبيٍّ هذا في كتابه «الروح» (2/ 473 - 474)، ونقل الأقوال في توثيق أبي جعفر الرازي وتضعيفه، ولكن لم يشر إلى شيخه. وانظر:«أحكام أهل الذمة» (2/ 1059).
والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يحتجُّ بما تفرَّد به أحدٌ من أهل الحديث البتة. ولو صح لم يكن فيه دليلٌ على هذا القنوت المعيَّن البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هو الدعاء؛ فإنَّ «القنوت» يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخضوع، كما قال تعالى:{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: 26]، وقال تعالى:{(8) أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9]. وقال تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12]. وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت»
(1)
. وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أُمِرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام
(2)
.
وأنس رضي الله عنه لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعًا صوته بـ «اللهم اهدنا فيمن هديتَ» إلى آخره ويؤمِّن مَن خلفه. ولا ريب أنَّ قولَ: «ربَّنا ولك الحمد، ملءُ السموات وملءُ الأرض، وملءُ ما شئتَ من شيء بعدُ، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد»
(3)
إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله قنوتٌ، وتطويل هذا الركن
(4)
قنوتٌ، وتطويل القراءة قنوتٌ، وهذا الدعاء
(1)
أخرجه مسلم (756) من حديث جابر بن عبد الله، وقد تقدَّم.
(2)
أخرجه البخاري (1200) ومسلم (539). وسيأتي بأتم من هذا (3/ 29 - 34).
(3)
أخرجه مسلم (477، 478)، وقد تقدَّم.
(4)
ما عدا ج: «الذكر» ، تصحيف.
المعيَّن قنوتٌ؛ فمن أين لكم أن أنسًا إنما أراد هذا الدعاء المعيَّن دون سائر أقسام القنوت؟
ولا يقال: تخصيصُه القنوتَ بالفجر دون غيرها من الصلوات دليلٌ على إرادة الدعاء المعيَّن، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشتركٌ بين الفجر وغيرها، وأنسٌ خصَّ الفجرَ دون سائر الصلوات بالقنوت. ولا يمكن أن يقال
(1)
: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين، لأن أنسًا قد أخبر أنه كان قنَت شهرًا ثم تركه؛ فتعيَّن أن يكون هذا
(2)
الذي داوم عليه هو القنوت المعروف. وقد قنت أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وغيرهم
(3)
.
والجواب من وجوه:
أحدها: أن أنسًا رضي الله عنه قد أخبر أنه صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الفجر والمغرب كما ذكره البخاري، فلم يخصِّص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواءً، فما بال القنوت اختصَّ بالفجر؟
فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخٌ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوت الفجر سواءً. ولا تأتون بحجَّة على نسخ قنوت المغرب إلا كانت دليلًا على نسخ قنوت الصبح
(4)
. ولا يمكنكم أبدًا أن تقيموا دليلًا
(1)
«أن يقال» ساقط من ك، ع واستدرك في حاشية ع.
(2)
في ك، ع:«هو» ، ثم أصلح في ع.
(3)
انظر: «مصنف عبد الرزاق» (باب القنوت؛ 3/ 105 - 123).
(4)
ق: «قنوت الفجر سواء» ، وكأن الناسخ انتقل بصره إلى السطر السابق.
على نسخ قنوت المغرب وإحكام قنوت الفجر.
وإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتًا للنَّوازل، لا قنوتًا راتبًا، قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواءً، وما الفرق؟ قالوا: ويدلُّ على أنَّ قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتًا راتبًا أن أنسًا نفسه أخبر بذلك. وعمدتُكم في القنوت الرَّاتب إنما هو أنس، وأنس قد أخبر أنه كان قنوتَ نازلة، ثم تركه. ففي «الصحيحين»
(1)
عن أنس قال: «قنَت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على أحياءٍ
(2)
من أحياء العرب، ثم تركه».
الثاني: أن شبابة روى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان قال: قلنا لأنس بن مالك: إنَّ قومًا يزعمون أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنُت بالفجر، فقال: كذبوا، إنما قنَت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا واحدًا يدعو على حيٍّ
(3)
من أحياء المشركين»
(4)
. وقيس بن الرَّبيع وإن كان يحيى ضعَّفه، فقد وثَّقه غيره، وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجَّةً في قوله:«لم يزل يقنُت حتى فارق الدنيا» ، وقيس ليس حجَّةً في هذا الحديث، وهو أوثق منه أو مثله؛ والذين ضعَّفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعَّفوا قيسًا. وإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى، وذكر سببَ تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سألتُ يحيى عن قيس بن الربيع فقال: «ضعيفٌ لا
(1)
البخاري (4089، 4090) ومسلم (677).
(2)
ك، ع:«حَيٍّ» .
(3)
ق، ن:«أحياء» .
(4)
أخرجه ابن الجوزي في «التحقيق» (1/ 460).
يكتَب حديثه، كان يحدِّث بالحديث عن عبيدة، وهو عنده عن منصور»
(1)
. ومثلُ هذا لا يوجب ردَّ حديث الراوي، لأن غاية ذلك أن يكون غلِط ووهِم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومَن الذي يسلم من هذا من المحدِّثين؟
الثالث: أن أنسًا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأنَّ بدء القنوت هو قنوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على رِعْلٍ وذكوان، ففي «الصحيحين»
(2)
من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم القُرَّاء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة. فقال القوم: والله ما إيَّاكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلوهم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا في صلاة الغداة، فذلك بدءُ القنوت، وما كنَّا نقنُت
(3)
».
فهذا يدلُّ على أنه لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم القنوت دائمًا. وقولُ أنس: «فذلك بدء القنوت» مع قوله: «قنَت شهرًا، ثم تركه» دليلٌ على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل، وهو الذي وقَّته بشهر. وهذا كما قنَت في صلاة العتَمة شهرًا كما في «الصحيحين»
(4)
عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة،
(1)
أخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة قيس بن الربيع (8/ 675) والخطيب في «تاريخ بغداد» (14/ 473)، وانظر:«تهذيب الكمال» (24/ 32).
(2)
البخاري (4088) ومسلم (677)، ولكن ليس عند مسلم ذكر بدء القنوت.
(3)
ج، ك، ع:«كان يقنت» .
(4)
البخاري (6393) ومسلم (675/ 295) من طريق يحيى بن أبي كثير به بنحوه، ولفظ البخاري أخصر، وليس عند مسلم تحديد الصلاة. واللفظ أشبه بلفظ أبي داود (1442).
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قنَت في صلاة العتَمة شهرًا يقول في قنوته:«اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بن الوليد، اللهمَّ أَنْجِ سلَمةَ بن هشام، اللهمَّ أَنْج عيَّاشَ بن أبي ربيعة، اللهمَّ أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين. اللهمَّ اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . قال أبو هريرة: وأصبح ذاتَ يوم، فلم يدعُ لهم، فذكرت ذلك له، فقال:«أوما تراهم قد قَدِموا؟» . فقنوته في الفجر كان هكذا سواءً، لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقَّته أنس بشهر. وقد روى أبو هريرة أنه قنَت لهم أيضًا في الفجر شهرًا
(1)
، وكلاهما صحيحٌ.
وقد تقدَّم
(2)
ذكرُ حديث عكرمة عن ابن عباس: قنَت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ورواه أبو داود وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وقد ذكر الطبراني في «معجمه»
(3)
من حديث محمد بن أنس: حدثنا مطرِّف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يصلِّي صلاةً مكتوبةً إلا قنَت فيها. قال الطبراني: لم يروه عن مطرِّف إلا محمد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم
(4)
به حجةٌ، فالحديث صحيحٌ
(1)
أخرجه مسلم (675/ 294).
(2)
في (ص 315).
(3)
«الأوسط» (9450)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (1687) والبيهقي (2/ 198) وابن حزم في «المحلى» (4/ 139، 140). ومحمد بن أنس هو القرشي، يُغرِب. وانظر:«أصل صفة الصلاة» (3/ 963).
(4)
ص، ج:«لا يقوم» .
من جهة المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلومٌ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ صلاةً مكتوبةً إلا دعا فيها كما تقدَّم. وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر ــ إن صحَّ ــ أنه لم يزل يقنُت حتى فارق الدنيا؛ ونحن لا نشكُّ ولا نرتاب في
(1)
صحة ذلك، وأنَّ دعاءه في الفجر استمرَّ إلى أن فارق الدنيا.
الوجه الرابع: أن طرق أحاديث أنس تبيِّن المراد، ويصدِّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. وفي «الصحيحين»
(2)
من حديث عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة، قال: نعم
(3)
. فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإنَّ فلانًا أخبرني عنك أنَّك قلت: قنَت بعده. قال: كذب، إنما حديثٌ قنَت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الركوع شهرًا.
وقد ظنَّ طائفةٌ أن هذا حديثٌ معلولٌ تفرَّد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقةٌ جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، والحافظ قد يهِم، والجواد ربما يعثُر.
وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: يقول أحدٌ في حديث أنس: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قنَت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمتُ أحدًا يقوله غيره. قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كلَّهم. هشام عن قتادة عن أنس، والتَّيمي
(4)
عن أبي مِجْلَز
(1)
هنا انتهى الخرم في مب.
(2)
البخاري (4096) ومسلم (677).
(3)
غيَّره الفقي إلى «فقال: قد كان القنوت» ، وهو لفظ البخاري (1002). وفي الأصول جميعًا والطبعات القديمة ما أثبت، وهو لفظ البخاري (4096).
(4)
ك، ع:«التميمي» ، تصحيف.
عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم: قنَت بعد الركوع. وأيوب عن محمد قال: سألتُ أنسًا. وحنظلة السَّدوسي عن أنس= أربعة وجوه. وأما عاصم فقال: قلت له، فقال: كذبوا، إنما قنَت بعد الركوع شهرًا. قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره. قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى، كلُّها خُفَافُ بن إيماء بن رَحَضة وأبو هريرة. قلت لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّص إذن في القنوت قبل الركوع، وإنما صحَّ الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع. وفي الوتر يختار بعد الركوع، ومن قنَت قبل الركوع فلا بأس، لفعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واختلافهم. فأما في الفجر فبعد الركوع
(1)
.
فيقال: من العجب تعليلُ هذا الحديث الصحيح المتَّفَق على صحَّته، ورواتُه أئمّة ثقات أثبات حفَّاظ، والاحتجاجُ بمثل أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع، وعمر
(2)
بن أيوب، وعمرو
(3)
بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي
(4)
! وقلَّ من تحمَّل
(5)
مذهبًا، وانتصر له في كلِّ شيء إلا اضطُرَّ إلى هذا المسلك.
(1)
من أول الرواية إلى قوله: «أربعة وجوه» أوردها ابن رجب في «فتح الباري» (9/ 194). ونقل ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (2/ 451 - 452) من قوله: «وسائر الأحاديث» إلى آخر الرواية أيضًا.
(2)
في النسخ المطبوعة: «عمرو» ، وهو خطأ.
(3)
في النسخ الخطية: «عمر» والصواب ما أثبتنا.
(4)
يردّ المؤلف هنا على الخطيب البغدادي الذي احتج في كتاب «القنوت» له بأحاديث المذكورين، وقد ذكرها ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» وشنَّع على الخطيب (2/ 442).
(5)
هكذا في مب. وفي ص، ج:«يحمل» ، وأهمل النقط في غيرها.
فنقول وبالله التوفيق: أحاديثُ أنس كلُّها صحاحٌ، يصدِّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. فالقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقَّته غيرُ الذي أطلقه. فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:«أفضل الصلاة طول القنوت» . والذي ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، ففعله شهرًا يدعو على قوم ويدعو لقوم، ثم استمرَّ يطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما في «الصحيحين»
(1)
عن ثابت عن أنس قال: «إني لا آلو أن أصلِّي بكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بنا» . قال: وكان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة مكَث حتى يقول القائل: قد نسي.
فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. ومعلومٌ أنه لم يكن يسكت في مدَّة هذا الوقوف الطويل، بل كان يثني على ربِّه ويمجِّده
(2)
ويدعوه. وهذا غير القنوت الموقَّت بشهر، فإن ذاك دعاءٌ على رِعْلٍ وذكوان وعُصَيَّة وبني
(3)
لِحيان، ودعاءٌ للمستضعفين الذين كانوا بمكة.
وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل، فإنه إنما سأل عن قنوت الفجر، فأجابه عمَّا سأله عنه. وأيضًا فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ويقرأ فيها بالستِّين إلى المائة. وكان ــ كما قال البراء بن
(1)
أخرجه البخاري (821) ومسلم (472)، وقد تقدم منه قول ثابت في هديه صلى الله عليه وسلم في إطالة الجلوس بين السجدتين.
(2)
ج: «يحمده» .
(3)
لفظ «بني» ساقط من ص.
عازب ــ ركوعه واعتداله وسجوده وقيامه متقاربًا، فكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات
(1)
. ومعلومٌ أنه كان يدعو ربَّه ويثني عليه ويمجِّده في هذا الاعتدال، كما تقدَّمت الأحاديث بذلك، وهذا قنوتٌ منه بلا ريب. فنحن لا نشكُّ ولا نرتاب أنه لم يزل يقنُت في الفجر حتى فارق الدنيا.
ولمَّا صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثر الناس هو
(2)
هذا الدعاء المعروف «اللهمَّ اهدني فيمن هديت» إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر إلى أن فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة= حملوا القنوتَ في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَن لا يعرف غير ذلك، فلم يشُكَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا مداومين على هذا كلَّ غداة. وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت
(3)
عنه أنه فعله.
وغاية
(4)
ما روي عنه في هذا القنوت أنه علَّمه للحسن بن عليّ كما في «المسند» و «السنن الأربعة
(5)
»
(6)
عنه قال: علَّمني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كلماتٍ
(1)
أخرجه البخاري (792) ومسلم (471)، وقد تقدم مرارًا.
(2)
لم يرد «هو» في ك، ع.
(3)
«بل» ساقط من ك، ع. وفي ص، ج، ن:«ثبت» في موضع «يثبت» .
(4)
ك، ع:«وغايته» .
(5)
في النسخ المطبوعة: «الأربع» ، والوارد في الأصول لا غبار عليه.
(6)
أبو داود (1425) والترمذي (464) والنسائي في «المجتبى» (1745) و «الكبرى» (1446) وابن ماجه (1178) وغيرهم من طريق أبي إسحاق السَّبِيعي عن بُريد بن أبي مريم عن أبي الحَوراء السَّعدي عن الحسن بن علي، بزيادة كون هذا الدعاء في القنوت أو قنوت الوتر. وتابعه عليه ابنه يونس وغيره عند أحمد (1718) وعبد الرزاق (4984) وابن خزيمة (1095) والبيهقي في «معرفة السنن» (3/ 130) والطبراني (3/ 75).
وروى شعبة عن بريد بسياق آخر وأطول، وفيه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء دون ذكر القنوت والوتر، كما أخرجه الطيالسي (1275) وأحمد (1723) والدارمي (1632) والبزار (4/ 175) وأبو يعلى (6759) والطبراني (3/ 75)، وصححه ابن خزيمة (1096) وابن حبان (945). قال ابن خزيمة:«ولم يذكر القنوت ولا الوتر، وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق، وأبو إسحاق لا يُعلَم أسمِع هذا الخبر من بُريد أو دلسه عنه، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا أن كل ما رواه يونس عن من رواه عنه أبوه أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ممن روى عنه. ولو ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالقنوت في الوتر، أو قنت في الوتر لم يجُز عندي مخالفة خبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولست أعلمه ثابتًا» . وبنحوه قال ابن حبان في كتابه «وصف الصلاة بالسنة» كما نقله عنه ابن الملقن في «البدر المنير» (3/ 634) وزاد: «وهذه اللفظة (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر) ليست بمحفوظة، لأن الحسن بن علي قُبِض المصطفى وهو ابن ثمان سنين، فكيف يعلِّم المصطفى ابنَ ثمان سنين دعاء القنوت في الوتر ويترك أولي الأحلام والنُّهى من الصحابة و لا يأمرهم به
…
فلو كانت هذه اللفظة محفوظة لبادر بها شعبة في خبره، إذ الإتقان به أحرى، والضبط للإسناد به أولى من أبي إسحاق وابنيه». وقد نقل أحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (4682) عن يحيى القطان أنه قال:«كان شعبة ينكر القنوت في الوتر وفي الفجر» .
وانظر: «دراسة وتحقيق كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم للألباني» لسامي الخليل (ص 460 - 464).
أقولهن في قنوت الوتر: «اللهمَّ اهدني فيمن هديتَ، وعافِني فيمن عافيتَ، وتولَّني فيمنْ تولَّيتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وقِني شرَّ ما قضيتَ، فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك. إنه لا يذِلُّ من واليتَ، تباركتَ ربَّنا وتعاليتَ» ، قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ، ولا نعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت شيئًا أحسنَ من
هذا. وزاد فيه البيهقي بعد «ولا يذِلُّ من واليت» : «ولا يعِزُّ من عاديتَ» .
ومما يدل على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء: ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا أبو هلال، حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة ــ قلت: هو السَّدوسي ــ قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع. فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك، فقال:«أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، فكبَّر وركع، ورفع رأسه، ثم سجد. ثم قام في الثانية، فكبَّر وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعةً ثم وقع ساجدًا»
(1)
.
وهذا مثل حديث ثابت عنه سواءً، وهو يبيِّن مراد أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلًا لمن قال: إنه قنَت بعد الركوع. فهذا القيام والتطويل هو كان مراد أنس، واتفقت أحاديثه كلُّها. وبالله التوفيق.
وأما المروي عن الصحابة فنوعان:
أحدهما: قنوتٌ عند النوازل، كقنوت الصدِّيق في محاربة الصَّحابة لمُسَيلمة
(2)
وعند محاربة أهل الكتاب
(3)
، وكذلك قنوت عمر
(4)
، وقنوتُ
(1)
لعل المؤلف نقله من كتاب «القنوت» للحاكم. وفي إسناده أبو هلال ــ وهو محمد بن سليم البصري الراسبي ــ وحنظلة السدوسي، كلاهما ضعيف، وحنظلة يروي عن أنس مناكير وكان إمام مسجد قتادة، كما قال أحمد في رواية الفضل بن زياد، نقله ابن عدي في «الكامل» في ترجمة حنظلة هذا (4/ 150).
(2)
لم أجده مسندًا إليه، وقد ذكر الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (ص 99) أن أبا بكر قنت على أهل الردَّة.
(3)
لم أقف عليه.
(4)
أخرجه عبد الرزاق (4969) وابن أبي شيبة (7104) من طريق عبيد بن عمير عنه، وإسناده صحيح، وعبيد سمع من عمر، انظر:«سير أعلام النبلاء» (4/ 156 وما بعدها).