الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة. من يُطع الله ورسوله فقد رشَد، ومن يعصهما فإنه لا يضُرُّ إلا نفسَه، ولا يضُرُّ الله شيئًا». رواه أبو داود
(1)
وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر خطبته في الحج.
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه
كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمَّرت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه حتى كأنه مُنذِر جيش؛ يقول:«صبَّحكم ومسَّاكم» . ويقول: «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين» ويقرُن بين إصبعيه السَّبَّابة والوسطى. ويقول: «أما بعد، فإنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهُدَى هُدَى محمَّد، وشرُّ الأمور محدَثاتُها، وكلُّ بدعة ضلالة» . ثم يقول: «أنا أولى بكلِّ مؤمن من نفسه. مَن تَرك مالًا فلأهله، ومَن ترَك دَينًا أو ضَياعًا فإليَّ وعليَّ» . رواه مسلم
(2)
.
وفي لفظ له
(3)
(4)
: كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته. فذكره.
وفي لفظ
(5)
: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول:«مَن يهده الله فلا مضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هادي له. وخيرُ الحديث كتابُ الله» .
(1)
برقم (1097، 2119)، وفي إسناده عبد ربه بن أبي، مستور. وأخرجه أيضًا الطبراني (10/ 211) والبيهقي (7/ 146).
(2)
برقم (867/ 43).
(3)
«له» ساقط من مب.
(4)
(867/ 44).
(5)
«صحيح مسلم» (867/ 45).
وفي لفظ للنسائي
(1)
: «وكلُّ بدعة ضلالة، وكلُّ ضلالة في النار» .
وكان يقول في خُطَبه بعد التحميد والثناء والتشهد: «أما بعد»
(2)
.
وكان يقصِّر الخطبة ويطيل الصلاة، ويُكثِر الذكر، ويقصد الكلمات الجوامع. وكان يقول:«إنَّ طولَ صلاة الرجل وقِصَرَ خطبته مَئِنَّةٌ من فقهه»
(3)
.
وكان يعلِّم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إذا عرَض له أمرٌ أو نهيٌ، كما أمر الداخلَ وهو يخطب أن يصلِّي ركعتين
(4)
، ونهى المتخطِّيَ لرقاب الناس عن ذلك، وأمَره بالجلوس
(5)
.
وكان يقطع خطبته للحاجة تَعْرِض له
(6)
، أو السؤال لأحد من أصحابه فيجيبه، ثم يعود إلى خطبته، فيُتِمُّها
(7)
.
(1)
في «المجتبى» (1578) و «الكبرى» (1799، 5861)، وإسناده صحيح.
(2)
تواتر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: «صحيح البخاري» (كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد) و (أبواب الكسوف، باب قول الإمام في خطبة الكسوف: أما بعد)، و «صحيح مسلم» (867، 901/ 2، 905، 1017/ 70، 1504/ 7 و 8).
(3)
أخرجه مسلم (869) من حديث عمار بن ياسر.
(4)
أخرجه البخاري (930، 931) ومسلم (875).
(5)
أخرجه أحمد (17697) وأبو داود (1118) والنسائي في «المجتبى» (1399) و «الكبرى» (1718) والبيهقي (3/ 231) من حديث عبد الله بن بسر، وصححه ابن خزيمة (1811) وابن حبان (2790) والحاكم (1/ 288) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 281)، واختاره الضياء المقدسي (2/ 47 - 49).
(6)
«له» ساقط من ق، م، المطبوع.
(7)
أخرجه أحمد (12201، 12284) وأبو داود (1120) والترمذي (524) والنسائي في «المجتبى» (1419) و «الكبرى» (1744) وابن حبان (2805) من طريق جرير بن حازم عن ثابت عن أنس. وقد وهِم فيه جرير بن حازم وأخطأ، قاله البخاري كما نقله عنه الترمذي في «الجامع» و «العلل الكبير» (ص 93)، وبه قال أبو داود والدارقطني. وقال البخاري:«إن الصحيح ما روي عن ثابت عن أنس قال: أقيمت الصلاة فأخذ رجل بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فما زال يكلِّمه حتى نعس بعض القوم، والحديث هو هذا» . وقال الدارقطني في «علله» (2358): «ووهم فيه، وليس هذا من حديث أنس، ولا من حديث ثابت، وإنما يروى هذا عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. وقال حماد بن زيد حين بلغه عن جرير بن حازم: وإنما سمعه من حجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه في مجلس ثابت البناني؛ فتوهَّم أنه سمعه من ثابت. ويشبه أن يكون القول قول حماد بن زيد» . فالحديث لا يصح.
وانظر لما أشار إلىه البخاري: «صحيح البخاري» (643 و 642، 6292) و «صحيح مسلم» (376/ 126، و 376). وحديث يحيى بن أبي كثير الذي أشار إليه الدارقطني أخرجه البخاري (637). وحكاية حماد بن زيد أخرجه أبو داود في «المراسيل» (64)، وانظر:«العلل الكبير» للترمذي (ص 94).
وكان ربما نزل عن المنبر للحاجة، ثم يعود فيُتِمُّها، كما نزل لأجل
(1)
الحسن والحسين، فأخذهما، ثم رقي
(2)
بهما المنبرَ، فأتمَّ الخطبة
(3)
.
(1)
في ق، م، مب، ن:«لأخذ» .
(2)
رسمه فيما عدا ص، ج:«رقا» .
(3)
أخرجه أحمد (22995) وأبو داود (1109) والترمذي (4108) والنسائي في «المجتبى» (1413، 1585) و «الكبرى» (1743، 1803، 1804) والبيهقي (3/ 218) من حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي. حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة (1456، 1801، 1802) وابن حبان (6038) والحاكم (1/ 287) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 272).
وكان يدعو الرجل في خطبته: «تعال يا فلان» ، «اجلس يا فلان» ، «صلِّ يا فلان»
(1)
.
وكان يأمرهم في خطبته
(2)
بمقتضى الحال. فإذا رأى بينهم ذا فاقة وحاجةٍ
(3)
أمَرهم بالصدقة، وحضَّهم عليها
(4)
.
وكان يشير بإصبعه السَّبَّابة في خطبته عند ذكر الله ودعائه
(5)
.
وكان يستسقي بهم إذا قحَط المطر في خطبته
(6)
.
وكان يُمهِل يوم الجمعة حتى يجتمع الناس، فإذا اجتمعوا خرَج إليهم
(1)
أما قوله: «تعال يا فلان» ، ففي «سنن أبي داود» (1091) وابن خزيمة (1780) من طريقين عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: لما استوى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، قال:«اجلسوا» ، فسمع ذلك ابن مسعود، فجلس على باب المسجد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«تعال يا عبد الله بن مسعود» . قال أبو داود: «هذا يعرف مرسلًا، إنما رواه الناس عن عطاء، عن النبي صلى الله عليه وسلم» . وكذلك أشار إليه ابن خزيمة في تبويبه على الحديث، وهو الذي رجحه الدارقطني في «علله» (3274). والمرسل أخرجه عبد الرزاق (5368) عن ابن جريج به. ومع ذلك صحح الألباني الحديث الموصول في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 256).
وأما قوله: «اجلس يا فلان» ففي حديث نهيه صلى الله عليه وسلم المتخطي رقاب الناس، السابق الذكر. وأما قوله:«صلّ يا فلان» ففي حديث أمره صلى الله عليه وسلم الداخل المسجد وهو يخطب.
(2)
ما عدا ق، م، مب، ن:«الخطبة» .
(3)
ما عدا ق، م، مب:«من حاجة» .
(4)
أخرجه مسلم (1017) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.
(5)
أخرجه مسلم (874) من حديث عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه.
(6)
أخرجه البخاري (933) ومسلم (897/ 8 - 12) من حديث أنس.
وحده من غير شاويشٍ يصيح بين يديه، ولا لُبْسِ طَيلَسان ولا طَرْحَة ولا سَواد
(1)
.
فإذا دخل المسجدَ سلَّم عليهم. فإذا صعِد المنبرَ استقبل الناسَ بوجهه وسلَّم عليهم. ولم يدعُ مستقبلَ القبلة. ثم يجلس، ويأخذ بلال في الأذان، فإذا فرغ منه قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فخطَب من غير فصل بين الأذان والخطبة، لا بإيراد خبرٍ ولا غيره.
ولم يكن يأخذ بيده سيفًا ولا غيره. وإنما كان يعتمد على قوس أو عصًا قبل أن يتخذ المنبر
(2)
. وكان في الحرب يعتمد على قوس، وفي الجمعة يعتمد على عصًا. ولم يُحفظ عنه أنه اعتمد على سيف.
وما يظنُّه بعض الجهَّال أنه كان يعتمد على السيف دائمًا، وأنَّ ذلك إشارة إلى أنَّ الدِّين قام بالسيف= فمِن فرط جهله
(3)
. فإنه لا يُحفَظ عنه بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه كان يأخذ بيده سيفًا البتة. وإنما كان يعتمد على عصًا أو قوس.
(1)
تقدَّم تفسير الشاويش والطيلسان والطرحة.
(2)
أخرجه أحمد (17856) وأبو داود (1096) وأبو يعلى (6826) والطبراني (3/ 213)، فيه شهاب بن خِرَاش وشعيب بن رُزَيق، كلاهما صدوق مع لين فيهما، وحسن إسناده الحافظ في «التلخيص الحبير» (3/ 1021)، والحديث صححه ابن خزيمة (1452)، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 261). وانظر:«البدر المنير» (4/ 632 - 636).
(3)
تقدَّم مثله في (ص 205 - 206).
وكان منبره ثلاث درجات
(1)
. وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جِذْعٍ يستند إليه، فلما تحوَّل إلى المنبر حنَّ الجِذعُ حنينًا سمعه أهل المسجد، فنزل إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وضمَّه. قال أنس
(2)
: حنَّ لِما فقَد ما كان يسمع من الوحي
(3)
.
ولم يوضع المنبر في وسط المسجد، وإنما وُضِع في جانبه الغربي قريبًا من الحائط، وكان بينه وبين الحائط مقدار ممرِّ الشاة
(4)
.
وكان إذا جلس عليه في غير الجمعة، أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، فكان وجهه قبلتهم وقتَ الخطبة
(5)
.
وكان يقوم فيخطب، ثم يجلس جلسةً خفيفةً، ثم يقوم فيخطب
(1)
أخرجه مسلم (544) من حديث سهل بن سعد.
(2)
أخرجه البخاري (3584، وانظر: 918، 2095، 3585) من حديث جابر بن عبد الله. والقائل جابر، لا أنس. ولفظه في (2095) قال:«بكت على ما كانت تسمع من الذكر» . قال الحافظ في «الفتح» (4/ 319): «يحتمل أن يكون فاعل «قال» راوي الحديث ــ يعني جابرًا ــ لكن صرَّح وكيع في روايته عن عبد الواحد بن أيمن بأنه النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه أحمد [14206] وابن أبي شيبة [32407] عنه».
(3)
في هامش م، ن:«وفقده التصاق النبي صلى الله عليه وسلم إليه» مع علامة صح، وكذا في ق في المتن بعد كلمة «الوحي» دون لفظ «إليه» . وكذا في النسخ المطبوعة. وأنا أشكُّ في كون العبارة جزءًا من المتن، فالسياق نابٍ عنه، والمذكور في الهامش ليس من كلام أنس ولا جابر.
(4)
أخرجه البخاري (497) ومسلم (509/ 263) من حديث سلمة بن الأكوع، واللفظ لأبي داود (1082).
(5)
انظر: حديث أبي سعيد في «صحيح البخاري» (921) و «صحيح مسلم» (1052). وقد بوّب عليه البخاري في «صحيحه» : «باب يستقبل الإمامُ القومَ، واستقبال الناس الإمامَ إذا خطب
…
».
الثانية
(1)
. فإذا فرغ منها أخذ بلال في الإقامة. وكان يأمر الناسَ بالدنوِّ منه، ويأمرهم بالإنصات، ويخبرهم أنَّ الرجل إذا قال لصاحبه: أنصِتْ، فقد لغا. ويقول:«من لغا فلا جمعة له» . وكان يقول: «من تكلَّم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا. والذي يقول: أنصِتْ، ليست له جمعة» . رواه الإمام أحمد
(2)
.
وقال أبيُّ بن كعب: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكَّرَنا بأيام الله، وأبو الدَّرداء أو أبو ذَرٍّ يغمِزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ إنّي لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكُتْ. فلما انصرفوا قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة؟ فلم تخبرني. فقال أبيٌّ
(3)
: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له، وأخبره الذي قال أبيٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«صدق أُبَيّ» . ذكره ابن ماجه وسعيد بن منصور
(4)
، وأصله في «مسند أحمد»
(5)
.
(1)
أخرجه البخاري (920) ومسلم (861) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه مسلم (862) من حديث سمرة بن جندب؛ غير أن مقدار الجلسة بين الخطبة أخرجه أبو داود في «المراسيل» (55) من مرسل ابن شهاب الزهري.
(2)
برقم (2033) من حديث ابن عباس، وفيه مجالد، وقد تقدم تخريجه والذي قبله.
(3)
في النسخ المطبوعة: «انه» ، ولعله تصحيف.
(4)
«السنن والأحكام» للمقدسي (2247). أخرجه ابن ماجه (1111) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي بن كعب؛ وإسناده حسن إلا أن في سماع عطاء بن يسار عن أبي بن كعب نظرًا، كما أشار إليه الذهبي في «تلخيص المستدرك» والحافظ في «إتحاف المهرة» (14/ 172، 173). وانظر التخريج الآتي.
(5)
برقم (21287) من زيادات عبد الله بن أحمد، من طريق عبد العزير بن محمد به. وأخرجه ابن خزيمة (1807، 1808) والحاكم (1/ 287، 288 و 2/ 229، 230) والبيهقي (3/ 219، 220) من طرق عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي ذر. فلعل الاضطراب من قبل شريك بن عبد الله بن أبي نمر الليثي ــ وهو صدوق يخطئ ــ فجعله من حديث أبي ذر بدل أبي بن كعب. وانظر: «نصب الراية» (2/ 202) وتعليق محققي «المسند» .