الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب
كان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر
(1)
دائمًا، وهي التي قال فيها ابن عمر: حفظتُ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عشرَ ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح
(2)
. فهذه لم يكن يدعها في الحضر أبدًا.
ولما فاتته الركعتان
(3)
بعد الظهر قضاهما بعد العصر، وداوم عليهما
(4)
، لأنه كان إذا عمِل عملًا أثبته. فقضاءُ السُّنن الرواتب في أوقات النهي عامٌّ له ولأمته، وأمَّا المداومة على تلك الركعتين
(5)
في وقت النهي، فخاصٌّ به، كما سيأتي تقرير ذلك في ذكر خصائصه إن شاء الله.
وكان يصلِّي أحيانًا قبل الظهر أربعًا كما في «صحيح البخاري»
(6)
عن عائشة أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة. فإما أن يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى في بيته صلَّى أربعًا، وإذا صلَّى في المسجد صلَّى
(1)
ج: «الحضر والسفر» ، ولعله سبق قلم من ناسخها وهو لا يشعر.
(2)
أخرجه البخاري (1180).
(3)
ما عدا ص، ق، مب، ن:«الركعتين» .
(4)
أخرجه مسلم (835) من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه أيضًا البخاري (1233) ومسلم (834) من حديث أم سلمة رضي الله عنها وفيه قصتها مع النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن سبب هذه الصلاة، دون ذكر مداومته عليها.
(5)
كذا «تلك الركعتين» في النسخ الخطية والمطبوعة!
(6)
برقم (1182)، وأخرجه أيضًا مسلم (730) بسياق آخر.
ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى كلٌّ من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن في واحد منهما.
وقد يقال: إنَّ هذه الأربع لم تكن سنَّة الظهر، بل هي صلاةٌ مستقلَّةٌ كان يصلِّيها بعد الزوال، كما ذكره الإمام أحمد
(1)
عن عبد الله بن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي أربعًا بعد أن تزول الشمس، وقال:«إنَّها ساعةٌ تُفْتَح فيها أبوابُ السماء، وأُحِبُّ أن يصعَد لي فيها عملٌ صالحٌ» .
وفي «السنن»
(2)
أيضًا عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر صلَّاهن بعدها. وقال ابن ماجه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فاتته الأربع قبل الظهر صلَّاها بعد الركعتين بعد العصر
(3)
.
(1)
برقم (15396)، وأخرجه ابن أبي شيبة (878) والترمذي (478) ــ واللفظ له ــ والنسائي في «الكبرى» (329)، قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الألباني في «الأجوبة النافعة» (ص 53).
(2)
الترمذي (426) عن عبد الوارث العتكي عن ابن المبارك عن خالد الحذّاء عن عبد الله بن شقيق عن عائشة. قال الترمذي: «حسن غريب» . ووجه غرابته ما ذكره الإمام أحمد في «مسائله» رواية أبي داود (1876) أن الحديث يرويه غير واحد عن خالد به فلا يذكرون فيه هذا، وإنما يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم حافظ على أربعٍ قبل الظهر وركعتين بعدها. وقال الترمذي أيضًا:«ورواه قيس بن الربيع عن شعبة عن خالد الحذاء نحو هذا، ولا نعلم أحدًا رواه عن شعبة غير قيس بن الربيع. وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا» . قلت: قيس ضعيف، وحديثه عند ابن ماجه (1158)، وأما مرسل ابن أبي ليلى فأخرجه ابن أبي شيبة (6026).
(3)
كذا في جميع النسخ الخطية، ولعله سبق قلم وقع في أصل المصنف. والصواب:«بعد الظهر» . كما في طبعة الرسالة التي صححت الخطأ.
وفي «الترمذي»
(1)
عن علي بن أبي طالب قال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلِّي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين.
وذكر ابن ماجه
(2)
عن عائشة أيضًا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي أربعًا قبل الظهر، يطيل فيهنَّ القيام، ويُحسِن فيهنَّ الركوع والسجود. فهذه ــ والله أعلم ــ هي الأربع التي أرادت عائشة أنه كان لا يدَعُهنَّ. وأما سنَّة الظُّهر، فالركعتان اللتان قال عبد الله بن عمر.
(1)
برقم (424) وقال: حسن غريب. وأخرجه مختصرًا ومطولًا أحمد (650، 1375، ومواضع أخر) والترمذي (598، 599) والنسائي في «المجتبى» (874) و «الكبرى» (333، 337، 343، 346، 472) وابن ماجه (1161). ومدار الحديث على عاصم بن ضمرة. قال ابن عدي في «الكامل» في آخر ترجمته (8/ 179): «وعاصم بن ضمرة لم أذكر له حديثًا لكثرة ما يروي عن عليٍّ مما ينفرد به ومما لا يتابِعه الثقاتُ عليه. والذي يرويه عن عاصم قومٌ ثقاتٌ، البَلِيّة من عاصم، ليس ممن يروي عنه» . وانظر: «المجروحين» لابن حبان (2/ 125، 126) و «البدر المنير» (4/ 76، 77). ولكن ردّ الحافظ في «تهذيب التهذيب» (5/ 45) تضعيفَ عاصم فيما يرويه عن علي، وذكر أن ابن عدي إنما تبع الجوزجاني في ذلك، وأن تعصب الجوزجانى على أصحاب عليٍّ معروف. وسيأتي إنكار شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا الحديث ووصفه إياه بأنه موضوع تبعًا للجوزجاني.
(2)
برقم (1156)، وأخرجه الطيالسي (1680) وابن أبي شيبة (6003) وإسحاق بن راهويه (1606) وأحمد (24164) من طريق قابوس عن أبيه عن امرأة أرسلها إلى عائشة. وأبو قابوس بن أبي ظبيان الجنبي، فيه لين؛ والمرأة التي أرسلها مجهولة. ولكن عند الطيالسي: أم جعفر، ولم يذكر أبا قابوس بين ابنه وبين المرأة. وانظر:«الصحيحة» (2705).
ويوضِّح هذا
(1)
: أنَّ سائر الصلوات سُنَنُها
(2)
ركعتان ركعتان. والفجر مع كونها ركعتين، والناس في وقتها أفرَغُ ما يكونون
(3)
، ومع هذا سنَّتها ركعتان. وعلى هذا، فتكون هذه الأربع قبل الظهر وردًا مستقلًّا
(4)
سببهُ
(5)
انتصاف النهار وزوال الشمس. وكان عبد الله بن مسعود يصلِّي بعد الزوال ثمان ركعات، ويقول: إنَّهنَّ يُعْدَلن بمثلهنَّ من قيام الليل
(6)
. وسرُّ هذا ــ والله أعلم ــ أنَّ انتصافَ النهار مقابلٌ لانتصاف الليل، وأبوابُ السماء تُفْتَح بعد زوال الشمس، ويحصُل النزول الإلهي بعد انتصاف الليل. فهما وقتا قرب ورحمة، هذا تُفْتَح فيه أبوابُ السماء، وهذا ينزل فيه الرَّبُّ تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا.
وقد روى مسلم في «صحيحه»
(7)
من حديث أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من صلَّى اثنتي عشرة ركعةً في يوم وليلة بُنِي له
(8)
بهنَّ بيتٌ في الجنة». زاد الترمذي والنسائي
(9)
فيه: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين
(1)
في المطبوع: «ذلك» .
(2)
ك، ع:«سنّتها» ، وكذا في المطبوع.
(3)
ما عدا ق، مب، ن:«يكون» .
(4)
ص، ج، ق، مب، ن:«ورد مستقلّ» .
(5)
ك، ع:«سنَّة» ، ولعله تصحيف. وقد أصلحه بعضهم في ع.
(6)
لم أجده.
(7)
برقم (728).
(8)
ق: «بنى الله» .
(9)
أخرجه الترمذي (415) من طريق سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن المسيب بن رافع عن عنبسة بن أبي سفيان عن أم حبيبة، وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي في «المجتبى» (1803) و «الكبرى» (1477) من طريق زهير بن معاوية عن أبي إسحاق به، وزهير سمع من أبي إسحاق بأخَرَة بعدما اختلط كما قاله أحمد وابن معين والرازيان، وعليه فقوله في روايته:«وركعتين قبل العصر» يكون غير محفوظ، والمحفوظ لفظ رواية الثوري عن أبي إسحاق.
بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر». قال النسائي:«وركعتين قبل العصر» بدل ركعتين بعد العشاء، وصحَّحه الترمذي.
وذكر ابن ماجه
(1)
عن عائشة ترفعه: «من ثابر على ثنتي عشرة ركعةً من السُّنَّة، بُني له بيتٌ في الجنَّة: أربعٍ
(2)
قبل الظهر، وركعتين بعد الظهر
(3)
، وركعتين بعد المغرب
(4)
، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل
(1)
برقم (1140)، وأخرجه الترمذي (414) والنسائي في «المجتبى» (1794، 1795) و «الكبرى» (1471)، ومداره على المغيرة بن زياد، فيه لين، والحديث ضعفه الترمذي. قال أحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (4012):«كل حديث رفعه مغيرة بن زياد فهو منكر» ، وانظر فيه أيضًا (835). وقال النسائي في «الكبرى» (1471) عقبه:«هذا خطأ (أي ذكر عائشة)، ولعله أراد عنبسة بن أبي سفيان فصحفه» .
(2)
ك، ع:«أربعًا» .
(3)
«وركعتين بعد الظهر» ساقط من ص هنا وفي الحديث الآتي.
(4)
«وركعتين بعد المغرب» ساقط من ك، ع، ومستدرك في حاشية ك.
الفجر». وذكر أيضًا عن أبي هريرة
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وقال:«ركعتين قبل الفجر، وركعتين قبل الظهر، وركعتين بعده، وركعتين أظنُّه قال: قبل العصر، وركعتين بعد المغرب، أظنُّه قال: وركعتين بعد عشاء الآخرة» .
وهذا التفسير يحتمل أن يكون من كلام بعض الرواة مدرجًا في الحديث، ويحتمل أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا. والله أعلم.
وأما الأربع قبل العصر، فلم يصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم في فعلها شيءٌ إلا حديث عاصم بن ضَمْرة عن عليٍّ، الحديث الطويل أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بالنهار ستَّ عشرةَ ركعةً: يصلِّي إذا كانت الشَّمْسُ من هاهنا كهيئتها من هاهنا كصلاة الظهر أربع ركعات، وكان يصلِّي قبل الظهر أربع ركعات، وبعد الظهر ركعتين، وقبل العصر أربع ركعات
(2)
. وفي لفظ
(3)
: «كان إذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند العصر، صلَّى ركعتين. وإذا كانت الشمس من هاهنا كهيئتها من هاهنا عند الظهر صلَّى أربعًا. ويصلِّي قبل الظهر أربعًا، وبعدها ركعتين، وقبل العصر أربعًا. ويفصل بين كلِّ ركعتين بالتسليم على الملائكة المقرَّبين [والنبيِّين]
(4)
ومن تبعهم من المؤمنين والمرسلين
(5)
». وسمعتُ شيخَ الإسلام ابن تيمية يُنكِر هذا الحديث ويدفعه جدًّا ويقول: إنه موضوعٌ، ويَذكُر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره
(6)
.
(1)
برقم (1142)، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (1811) و «الكبرى» (1482) وقال:«هذا الحديث عندي خطأ، ومحمد بن سليمان ضعيف، وقد خالفه فليح بن سليمان فرواه عن سهيل عن أبي إسحاق» أي من حديث أم حبيبة. وكذلك قال أبو حاتم إن هذا خطأ، وذكر أن الصواب أنه من رواية أم حبيبة. وللمزيد انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (288) و «التاريخ الكبير» (7/ 37، 1/ 99) و «علل الدارقطني» (1500).
(2)
سبق تخريجه قريبًا.
(3)
عند أحمد (1375، 850) وابن ماجه (1161) والبيهقي (3/ 51).
(4)
من «المسند» .
(5)
كذا في جميع النسخ الخطية، والصواب:«والمسلمين» كما صحح في طبعة الرسالة دون تنبيه. ولعل السهو وقع في أصل المصنف، وأبقاه سقوط لفظ «النبيين» .
(6)
انظر: كتابه «أحوال الرجال» (ص 43 - 45).
وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي
(1)
من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا» . وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه
(2)
ابن حبان، وعلَّله غيره. فقال ابن أبي حاتم
(3)
: «سمعت أبي يقول: سألتُ أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنَّى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله من صلَّى قبل العصر أربعًا» ، فقال: دع ذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: «حفظتُ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم عشرَ ركعات في اليوم والليلة» ، فلو كان هذا لعدَّه. قال أبي: كان يقول: حفظت اثنتي عشرة ركعةً». وهذا ليس بعلَّة أصلًا، فإن ابن عمر إنما أخبر عمّا حفظه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لم يُخبر عن غير ذلك، فلا تنافي بين الحديثين البتة
(4)
.
وأما الركعتان قبل المغرب، فلم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلِّيهما، وصحَّ
(1)
أحمد (5980) وأبو داود (1271) والترمذي (430) وغيرهم، وحسنه الترمذي والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (5/ 13 - 15)، وصححه ابن خزيمة (1193) وابن حبان (2453)، وضعفه ابن القطان «بيان الوهم» (5/ 702). فيه محمد بن مهران بن مسلم بن المثنى، قال أبو زرعة في «الضعفاء» (209): واهي الحديث، وقال عمرو بن علي الفلاس:«روى عنه أبو داود الطيالسي أحاديثَ منكرة، وكذلك لم يرضَه يحيى القطان» . انظر: «البدر المنير» (4/ 288، 289) و «ميزان الاعتدال» (4/ 36). وقال ابن عدي في ترجمته (9/ 326): «ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه» .
(2)
ك، ع:«وصححه» .
(3)
في «علل الحديث» (322).
(4)
وبنحوه قال ابن الملقن في «البدر المنير» (4/ 289).
عنه أنه أقرَّ الصحابةَ
(1)
عليهما. وكان يراهم يصلُّونهما، فلم يأمرهم، ولم ينههم. وفي «الصحيحين»
(2)
عن عبد الله المُزَني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صلُّوا قبل المغرب» ، قال في الثالثة:«لمن شاء» كراهةَ أن يتخذها الناس سنَّةً. وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين: أنهما مستحبَّتان
(3)
مندوبٌ إليهما، وليستا
(4)
بسنَّة راتبة كسائر السنن الرواتب.
وكان يصلِّي عامَّةَ السُّنن والتطوُّع الذي لا سبب له في بيته، ولا سيما سنَّة المغرب، فإنه لم يُنقل عنه فعلُها في المسجد البتَّة. قال الإمام أحمد في رواية حنبل
(5)
: السنَّة أن يصلِّي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته. كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال السائب بن يزيد
(6)
: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا، حتى لا يبقى في المسجد أحدٌ، كأنَّه
(7)
لا يصلُّون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم. انتهى كلامه.
فإن صلَّى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟
(1)
ج، ن:«أصحابه» .
(2)
أخرجه البخاري (1183)، ولم أجده عند مسلم.
(3)
ص، ج:«مستحبَّة» .
(4)
ما عدا ق، مب، ن:«وليست» .
(5)
هذه الرواية إلى آخرها نقلها المؤلف في «بدائع الفوائد» (4/ 1508 - 1509).
(6)
أخرجه الأثرم كما في «التمهيد» لابن عبد البر (14/ 178)، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن نصر في «قيام الليل» (ص 80)، وفي إسناده لين.
(7)
غيَّره بعضهم في ن إلى: «كأنهم» .
اختلف قوله، فروى عنه ابنه عبد الله
(1)
أنه قال: بلغني عن رجل سمَّاه أنه قال: لو أنَّ رجلًا صلَّى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه. فقال: ما أحسن ما قال هذا الرجل، وما أجود ما انتزع! قال أبو حفص: ووجُهه أمرُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. يعني: بهذه الصلاة في البيوت.
وقال له المرُّوذي
(2)
: من صلَّى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا؟ قال: ما أعرف هذا. قلتُ له: يُحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاصٍ. قال: لعله ذهب إلى قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اجعلوها في بيوتكم»
(3)
.
قال أبو حفص: ووجهُه أنه لو صلَّى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه، فكذلك السنَّة. انتهى كلامه. وليس هذا وجهه عند أحمد، وإنما وجهُه أنَّ السنن لا يشترط لها مكانٌ معيَّن ولا جماعة، فيجوز فعلها في البيت والمسجد. والله أعلم.
وفي سنَّة المغرب سنَّتان، إحداهما: أن لا يُفصَل بينها وبين المغرب بكلام. قال أحمد في رواية الميموني والمرُّوذي: يُستحبُّ أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يصلِّيهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلَّم من صلاة المغرب قام ولم يتكلَّم، ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار. قال أبو حفص: ووجهُه قول مكحول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1)
في «مسائله» (ص 97)، وبنحوه في «المسند» عقب (23628). وقد نقل المصنف رواية عبد الله بهذا اللفظ مع توجيه أبي حفص العكبري ــ دون تسميته ــ في «بدائع الفوائد» (4/ 1509).
(2)
انظر روايته مع توجيه أبي حفص في «البدائع» (4/ 1510) أيضًا.
(3)
سيأتي تخريجه.
«من صلَّى ركعتين بعد المغرب قبل أن يتكلَّم، رُفِعت صلاته في عِلِّيِّين»
(1)
؛ ولأنه يصِل النفلَ بالفرض
(2)
. انتهى كلامه.
والسنَّة الثانية: أن تُفعَل في البيت. فقد روى النسائي وأبو داود والترمذي
(3)
من حديث كعب بن عُجْرة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلَّى فيه المغرب. فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبِّحون بعدها فقال:«هذه صلاة البيوت» . ورواه ابن ماجه
(4)
من حديث رافع بن خَديج وقال فيه: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم» .
(1)
أخرجه عبد الرزاق (4833) وابن أبي شيبة (5986) وأبو داود في «المراسيل» (73).
(2)
هذه الفقرة أيضًا في «البدائع» (4/ 1510).
(3)
النسائي (1600) وأبو داود (1300) والترمذي (604)، وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 178) وابن خزيمة (1200)، فيه إسحاق بن كعب بن عجرة، مجهول. والحديث ضعفه الترمذي وقال:«والصحيح ما روي عن ابن عمر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى الركعتين بعد المغرب في بيته» ، وحديث ابن عمر متفق عليه وقد سبق. ولحديث كعب شاهد من حديث محمود بن لبيد، سيأتي بيانه في تخريج الحديث الآتي.
(4)
برقم (1165)، وأخرجه الطبراني (4295)، كلاهما من طريقين ــ فيهما لين ــ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج به. وإسماعيل ضعيف في الرواية عن غير الشاميين، وابن إسحاق مدني. ومما يدل على ضعفه ما أخرجه ابن أبي شيبة (6433) وأحمد (23624) وابن خزيمة (1200) من طرق صحاح عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، دون ذكر رافع بن خديج رضي الله عنه، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد، فالحديث حسن أو صحيح من مسند محمود بن لبيد.
والمقصود أنَّ هديَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فعلُ عامَّة السُّنَن والتطوُّع في بيته، كما في «الصحيحين»
(1)
عن ابن عمر: حفظتُ من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، [وركعتين قبل صلاة الصبح]
(2)
.
وفي «صحيح مسلم»
(3)
عن عائشة قالت: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي في بيتي أربعًا قبل الظهر، ثم يخرج فيصلِّي بالناس. ثم يدخل، فيصلِّي ركعتين. وكان يصلِّي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلِّي ركعتين. ويصلِّي
(4)
بالناس العشاء، ويدخل
(5)
بيتي فيصلِّي ركعتين.
وكذلك المحفوظ عنه في سنَّة الفجر، إنما كان يصلِّيها في بيته كما قالت حفصة
(6)
. وفي «الصحيحين»
(7)
عن حفصة وابن عمر
(8)
أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي
(1)
ق: «الصحيح» . وهو عند البخاري (1180) ــ واللفظ له ــ ومسلم (729)، وقد تقدم (ص 357).
(2)
ما بين الحاصرتين من «صحيح البخاري» ، وقد زاده بعضهم في هامش ن، وهو ساقط من جميع النسخ.
(3)
برقم (730).
(4)
ج: «وكان يصلِّي» .
(5)
ما عدا ص، ج:«ثم يدخل» .
(6)
أخرجه مسلم (723).
(7)
البخاري (937، 1172) ومسلم (882)، وقد تقدم تخريجه ضمن تخريج حديث كعب بن عجرة.
(8)
كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة. ولم يرد حديث حفصة في «الصحيحين» ، فحذف ذكر حفصة في طبعة الرسالة دون تنبيه. وحديثها أخرجه أحمد (4506) وابن الجارود (276) وابن خزيمة (1197) وغيرهم.
ركعتين بعد الجمعة في بيته. وسيأتي الكلام على ذكر سنَّة الجمعة بعدها والصلاة قبلها عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله. وهذا موافقٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيها النَّاسُ صلُّوا في بيوتكم، فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»
(1)
.
وكان هديه صلى الله عليه وسلم فعل السُّنن والتطوُّع في البيت إلا لعارض، كما أنَّ هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد.
وكان تعاهده ومحافظته على سنَّة الفجر أشدَّ من جميع النوافل. ولذلك لم يكن يدَعها هي والوتر حضرًا ولا سفرًا، وكان في السفر يواظب على سنَّة الفجر والوتر
(2)
دون سائر السنن
(3)
، ولم يُنقل عنه في السفر أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى سنَّةً راتبةً غيرهما.
وكذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، ويقول: سافرتُ مع رسول الله
(4)
صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين
(5)
. وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربِّعون، لا أنهم
(6)
لم يصلُّوا السنَّة؛ لكن قد
(1)
أخرجه البخاري (731، 7290) ومسلم (781) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه.
(2)
في مب بعده زيادة: «أشدَّ من جميع النوافل» ولعلها من انتقال النظر إلى ما سبق.
(3)
أما سنة الفجر، فأخرجه مسلم من حديث أبي قتادة (681) وحديث أبي هريرة (680/ 310) كليهما في قصة النوم عن صلاة الصبح. وأما الوتر، فأخرجه البخاري (999) ومسلم (502) من حديث ابن عمر.
(4)
ص: «مع النبي» .
(5)
أخرجه البخاري (1102) ومسلم (689).
(6)
مب: «إلا أنهم» ، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو غلط.
ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنَّة الظهر في السفر فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممتُ
(1)
. وهذا من فقهه رضي الله عنه، فإن الله سبحانه خفَّف عن المسافر
(2)
من الرباعية
(3)
شطرها، فلو شُرع له الركعتان قبلها وبعدها كان الإتمام أولى له.
وقد اختلف الفقهاء: أيُّ الصلاتين آكد: سنَّة الفجر أو الوتر؟ على قولين: ولا يمكن الترجيح باختلاف الناس في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضًا في وجوب سنَّة الفجر. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنَّة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان يصلِّي سنَّة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص
(4)
، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد. انتهى.
فسورة (قل هو الله أحدٌ) متضمنةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَّبِّ تعالى من الأحديَّة المنافية لمطلق الشَّرِكة
(5)
بوجه من الوجوه، والصَّمديَّة المثبِتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم صمديَّته
(6)
وغناه وأحديَّته، ونفي الكُفْء المتضمِّن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمَّنت السورةُّ إثباتَ كلِّ كمال له، ونفيَ كلِّ نقص عنه، ونفيَ إثبات شبيه له أو مثل في
(1)
أخرجه مسلم (689) وهو جزء الحديث السابق.
(2)
ص، ق:«على المسافر» ، وفي ك، ع:«على المسافرين» .
(3)
ع: «الرباعيات» .
(4)
انظر نحوه دون ذكر شيخ الإسلام في «بدائع الفوائد» (1/ 244).
(5)
مب: «المشاركة» .
(6)
ص، ج: «
…
الوالد المقرِّر لكمال صمديَّته».
كماله، ونفيَ مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي
(1)
الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَق الضلال والشرك.
ولذلك كانت تعدِل ثلثَ القرآن، فإنَّ القرآن مداره على الخبر والإنشاء. والإنشاء ثلاثةٌ: أمرٌ، ونهيٌ، وإباحةٌ. والخبر نوعان: خبرٌ عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبرٌ عن خلقه. فأُخلِصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه، وصفاته، فعدَلت ثلثَ القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمي، كما خلَّصته سورة (قل ياأيها الكافرون) من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل، وهو إمامه، وقائده وسائقه، والحاكم عليه، ومُنزِلُه منازلَه، كانت سورة (قل هو الله أحدٌ) تعدِل ثلثَ القرآن. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر. وسورة (قل ياأيها الكافرون) تعدِل ربعَ القرآن، والحديث بذلك في الترمذي
(2)
من رواية ابن عباس يرفعه: «(إذا زلزلت) تعدل نصف القرآن و (قل هو الله أحدٌ) تعدل ثلث القرآن، و (قل ياأيها الكافرون) تعدل ربع القرآن» . ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد.
ولما كان الشركُ العمليُّ الإراديُّ أغلبَ على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثيرٌ منها ترتكبه
(3)
مع علمها بمضرَّته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه وقلعُه منها أصعب وأشدُّ من قلعِ الشرك العلمي وإزالته،
(1)
ص: «والاعتقادي» .
(2)
برقم (2894) وضعفه. وأخرجه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص 126 - دار الفكر، دمشق) والحاكم (1/ 566) والبيهقي في «شعب الإيمان» (2284). وقال الألباني: منكر. انظر: «الضعيفة» (1342).
(3)
ص، ج، ق، مب:«يرتكبه» .
لأنَّ هذا يزول بالعلم والحجَّة، ولا يمكن صاحبَه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإنَّ صاحبه يرتكب ما يدلُّه العلم على بطلانه وضرره، لأجل غلبة هواه، واستيلاء سلطان
(1)
الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد
(2)
والتكرير في سورة (قل ياأيها الكافرون) المتضمِّنة لإزالة الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة (قل هو الله أحدٌ).
ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامها، ومتعلِّقاتها، والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلَّفين وغيرها؛ وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أُخلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها= كانت تعدل نصفَ القرآن، فأَحْرِ
(3)
بهذا الحديث أن يكون صحيحًا. والله أعلم.
ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف
(4)
، لأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، وكان
(5)
يفتتِح بهما عملَ النهار، ويختمه
(6)
بهما
(1)
لفظ «سلطان» ساقط من ك، ع.
(2)
ما عدا ق، مب، ن:«فجاء التوكيد» .
(3)
ص: «فأخبر» ، تصحيف.
(4)
كما ورد في حديث جابر الطويل في وصف حجته صلى الله عليه وسلم عند مسلم (1218/ 147).
(5)
ما عدا ق، مب، ن:«فكان» .
(6)
ما عدا ق، مب، ن:«ويختم» .
(1)
، ويقرأ بهما في الحجِّ الذي هو شعار التوحيد.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم يضطجع بعد سنَّة الفجر على شِقِّه الأيمن. هذا الذي ثبت عنه في «الصحيحين»
(2)
من حديث عائشة.
وذكر الترمذي
(3)
من حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا صلَّى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصُّبح، فليضطجع على جنبه الأيمن» . قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وسمعت
(4)
شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: هذا باطلٌ، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعلُ لا الأمرُ بها، وهذا انفرد به عبد الواحد بن زياد، وغلِط فيه
(5)
. انتهى.
وذكر ابن أبي شيبة
(6)
عن أبي الصدِّيق الناجي أنَّ ابن عمر رأى قومًا
(1)
لعله أراد حديث ابن عمر الذي رواه أحمد (5742) والنسائي في «المجتبى» (992) و «الكبرى» (1066) وغيرهما. ولفظه: «رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد). وقد اختلف فيه على أبي إسحاق، وقد أورده الألباني في «الصحيحة» (3328).
(2)
أخرجه البخاري (626، 994، 1123، 1160، 6310) ومسلم (736).
(3)
برقم (420)، وأخرجه أحمد (9368) وأبو داود (1261) وابن خزيمة (1120) وابن حبان (2468) والبيهقي (3/ 45). في إسناده عبد الواحد بن زياد، له مناكير، وهذا منها، انظر التعليق على كلام شيخ الإسلام الآتي.
(4)
ص، ج:«فسمعت» .
(5)
قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» في ترجمة عبد الواحد بن زياد (2/ 672): «
…
أحد المشاهير، احتجا به في الصحيحين، وتجنَّبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه
…
».
(6)
برقم (6455)، وأخرجه البيهقي (3/ 46). وفيه زيد العمي وهو ابن الحواري، ضعيف.
اضطجعوا بعد ركعتي الفجر، فأرسل إليهم، فنهاهم. فقالوا: نريد بذلك السنَّة. فقال ابن عمر: ارجع إليهم، فأخبِرهم أنها بدعةٌ.
وقال أبو مِجْلَز
(1)
: سألتُ ابن عمر عنها، فقال: يتلعَّب
(2)
بكم الشيطان.
وقال ابن مسعود
(3)
: ما بالُ الرجل إذا صلَّى الركعتين يتمعَّكُ كما يتمعَّكُ الحمار! إذا [سلَّم فقد] فَصَل
(4)
.
وأما ابن حزم ومن تابعه فإنَّهم يوجبون هذه الضِّجعة، ويُبطل ابنُ حزم صلاة من لم يضطجعها لهذا الحديث؛ وهذا مما انفرد به عن الأمة. ورأيتُ فيها
(5)
مجلَّدًا لبعض أصحابه قد نصَر فيه هذا المذهب.
وقد ذكر عبد الرزاق في «المصنف»
(6)
عن معمَر، عن أيوب، عن
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (6450)، وإسناده ثقات.
(2)
من ص، ج، وكذا في مصدر النقل. وفي ك، ن:«يلعب» ، ولم ينقط في ق، ع.
(3)
في طبعة الرسالة تبعًا للفقي: «ابن عمر» ، وهو غلط. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة (6449)، وفي إسناده حماد، ولعله ابن أبي سليمان، وفيه لين.
(4)
ما بين الحاصرتين من مصدر النقل. ويعني أن السلام يكفي للفصل بين سنة الفجر وفريضته، فلا حاجة إلى هذه الضجعة من أجل الفصل. وفي ك، ع، ق، مب، ن:«يفعل كما يفعل الحمار إذا تمعَّك» وكذا في النسخ المطبوعة غير الهندية. ويظهر لي أن «تمعَّك» في هذه النسخ تحريف «فصل» ، فلما فسد السياق بهذا التحريف غيَّروا «يتمعَّك» إلى «يفعل» في الموضعين. والمثبت من ص، ج موافق لما في «مصنف ابن أبي شيبة» .
(5)
«فيها» ساقط من ق، مب.
(6)
برقم (4719)، وأخرجه ابن أبي شيبة (6440، 6441) من طرق عن ابن سيرين عنه، وإسناده أئمة. وذكره أيضًا ابن حزم في «المحلى» (2/ 198) من طريق الحجاج بن منهال عن جرير بن حازم عن ابن سيرين بنحوه.
ابن سيرين، أن أبا موسى ورافع بن خَديج وأنس بن مالك كانوا يضطجعون عند ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك.
وذكر
(1)
عن معمر، عن أيوب، عن نافع أن ابن عمر كان لا يفعله، ويقول: كفى بالتسليم.
وذكر
(2)
عن ابن جريج: أخبرني من أصدِّق أن عائشة كانت تقول: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكن يضطجع لسنَّة، ولكنه كان يدأَب ليلته فيستريح، قال: وكان ابن عمر يَحْصِبهم إذا رآهم يضطجعون على أيمانهم
(3)
.
وقد غلا في هذه الضِّجعة طائفتان، وتوسَّطت فيها ثالثة
(4)
. فأوجبها جماعةٌ من أهل الظاهر، وأبطلوا الصلاة بتركها كابن حزم ومَن وافقه
(5)
. وكرهها جماعةٌ من الفقهاء، وسمَّوها بدعةً. وتوسَّط فيها مالك وغيره، فلم يروا بها بأسًا لمن فعلها راحةً، وكرهوها لمن فعلها استنانًا. واستحبَّها طائفةٌ على الإطلاق، سواءٌ استراح بها أو لا، واحتجُّوا بحديث أبي هريرة.
والذين كرهوها، منهم من احتجَّ بآثار الصحابة كابن عمر وغيره، حيث
(1)
برقم (4720) من قول ابن عمر: «لا نفعله» ، وإسناده أئمة.
(2)
برقم (4722).
(3)
قول المصنف: «وأما ابن حزم ومَن تابعه
…
» إلى هنا وقع في ق، مب، ن قبل «وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصدِّيق» .
(4)
ما عدا ص، ج:«طائفة ثالثة» .
(5)
«كابن حزم ومَن وافقه» لم يرد في ص، ج.
كان يحصِبُ مَن يفعلها
(1)
. ومنهم من أنكر فعلَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لها، وقال: الصحيح أن اضطجاعه كان بعد الوتر وقبل ركعتي الفجر، كما هو مصرَّحٌ به في حديث ابن عباس.
قال
(2)
: وأما حديث عائشة فاختُلِف على ابن شهاب فيه، فقال مالك
(3)
عنه: «فإذا فرغ ــ يعني من قيام الليل ــ اضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيصلِّي ركعتين خفيفتين» . فهذا صريحٌ أنَّ الضِّجعة قبل سنَّة الفجر. وقال غيره
(4)
عن ابن شهاب: «فإذا سكت المؤذِّن من أذان الفجر، وتبيَّن له الفجر، وجاءه المؤذِّن= قام، فركع ركعتين خفيفتين، ثم اضطجع على شِقِّه الأيمن» . قالوا: وإذا اختلف أصحاب ابن شهاب، فالقول ما قال مالك، لأنه أثبتهم فيه وأحفظهم.
قال الآخرون: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكًا. قال أبو بكر الخطيب
(5)
: روى مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي من الليل إحدى عشرة ركعةً، يوتر منها بواحدة. فإذا فرغ منها اضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيصلِّي ركعتين خفيفتين» . وخالف مالكًا عقيلٌ ويونس وشعيب وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم، فرووا عن
(1)
ق، مب، ن:«فعلها» .
(2)
انظر: «الاستذكار» (2/ 95 - 97).
(3)
في «الموطأ» (314).
(4)
مثل شعيب بن أبي حمزة عند البخاري (626) ومعمر بن راشد كذلك (6310)، وعمرو بن الحارث عند مسلم (736/ 122).
(5)
في «كتاب القنوت» له، لعله.
الزهري أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيخرج معه. فذكر مالك أنَّ اضطجاعه
(1)
قبل ركعتي الفجر، وفي حديث الجماعة أنه يضطجع بعدهما، فحكَم العلماء أنَّ مالكًا أخطأ وأصاب غيره. انتهى كلامه
(2)
.
وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا
(3)
أبو الصَّلْت، عن أبي كُدَينة، عن سهيل [بن أبي صالح عن أبيه]
(4)
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر. قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع، عليه شيءٌ؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المرُّوذي
(5)
أن أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدِّث به عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدِّث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله. وإن فعله رجلٌ فحسنٌ. انتهى
(6)
.
فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح
(1)
بعده في ك، ع زيادة:«كان» .
(2)
«انتهى كلامه» لم يرد في ص، ج.
(3)
ك، ع:«أنبأنا» .
(4)
زيادة من «سنن النسائي الكبرى» . وقد زادها الفقي في نشرته على الصواب، ولكن دون تنبيه ودون معقوفين. وكذا في طبعة الرسالة.
(5)
في النسخ المطبوعة: «المروزي» ، تصحيف.
(6)
لفظ «انتهى» من ق، مب، ن. وانظر:«مسائل ابن هانئ» (ص 139) و «مسائل الكوسج» (2/ 651).