الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال صلى الله عليه وسلم: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجلٌ حضَرها بلغْوٍ، وهو حظُّه منها. ورجل حضَرها بدعاءٍ، فهو رجل دعا الله عز وجل، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضَرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطَّ رقبةَ مسلم، ولم يؤذِ أحدًا فهي كفَّارةٌ إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام. وذلك أنَّ الله عز وجل يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]» . ذكره أحمد وأبو داود
(1)
.
وكان إذا فرغ بلال من الأذان أخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخطبة، ولم يقم أحد يركع ركعتين البتة، ولم يكن إلا أذان واحد. وهذا يدل على أن
الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها
. وهذا أصحُّ قولَي العلماء، وعليه تدل السنَّة، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من بيته، فإذا رقي المنبر أخذ بلال في أذان الجمعة، فإذا أكمله أخذ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الخطبة من غير فصل. وهذا كأنَّه
(2)
رأيُ عين، فمتى كانوا يصلُّون السنَّة؟ ومن ظنَّ أنهم كانوا إذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلُّهم،
(1)
أحمد (7002) وأبو داود (1113)، وأخرجه ابن خزيمة (1813) والبيهقي (3/ 219) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والإسناد إلى عمرو بن شعيب صحيح. وانظر:«صحيح أبي داود- الأم» للألباني (4/ 276 - 277).
(2)
في النسخ المطبوعة: «كان» ، تحريف.
فركعوا ركعتين، فهو من
(1)
أجهل الناس بالسنَّة. وهذا الذي ذكرناه من أنه لا سنَّة لها قبلها هو مذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وأحدُ الوجهين لأصحاب الشافعي
(2)
.
والذين قالوا: لها
(3)
سنة، منهم من احتجَّ بأنها ظهرٌ مقصورةٌ، فيثبت
(4)
لها أحكام الظهر. وهذه حجَّة ضعيفة جدًّا، فإنَّ الجمعة صلاة مستقلَّة بنفسها تُخالِف الظهرَ في الصفة
(5)
والعدد والخطبة والشروط المعتبرة لها، وتوافقها في الوقت. وليس إلحاق مسألة النزاع بمورد الاتفاق أولى من إلحاقها بموارد الافتراق، بل إلحاقُها بموارد الافتراق أولى لأنها أكثر مما اتفقا
(6)
فيه.
ومنهم من أثبت السنَّة لها بالقياس على الظهر. وهذا أيضًا قياس فاسد، فإن السنَّة ما كان ثابتًا عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو سنَّة خلفائه الراشدين، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. ولا يجوز إثبات السُّنن في مثل هذا بالقياس، لأن هذا مما انعقد سببُ فعله في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا لم يفعله ولم يشرعه كان تركه هو السنة.
ونظير هذا أن يُشرَع لصلاة العيد سنَّةٌ قبلها أو بعدها بالقياس. ولذلك كان الصحيح أنه لا يُسَنّ الغسلُ للمبيت بمزدلفة ولا لرمي الجمار ولا
(1)
لم يرد «من» في ق، م، ن.
(2)
انظر: «مجموع الفتاوى» (24/ 189) والمصنف صادر عن كلام شيخه في المسألة.
(3)
ق، مب:«إنها» .
(4)
ما عدا ق، م، مب:«فثبت» .
(5)
ق، م:«السفر» . وفي مب: «الجهر» .
(6)
في ص: «اتفق» .
للطواف ولا للكسوف ولا للاستسقاء
(1)
، لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يغتسلوا لذلك مع فعلهم لهذه العبادات.
ومنهم من احتجَّ بما ذكره البخاري في «صحيحه»
(2)
فقال: «باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها. ثنا عبد الله بن يوسف، أبنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وقبل العشاء ركعتين. وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلِّي ركعتين» . وهذا لا حجَّة. فيه ولم يُرِد به البخاري إثبات السنَّة قبل الجمعة، وإنما مراده أنه هل ورد في الصلاة قبلها وبعدها
(3)
شيء؟ ثم ذكر هذا الحديث، أي: أنه لم يَرِد
(4)
عنه فعلُ السنة
(5)
إلا بعدها، ولم يَرِد قبلها شيء.
وهذا نظير ما فعل في كتاب العيدين
(6)
فإنه قال: «باب الصلاة قبل العيد
(7)
وبعدها. وقال أبو المعلَّى
(8)
: سمعتُ سعيدًا عن ابن عباس: كره الصلاة قبل العيد». ثم ذكر حديث سعيد بن جبير «عن ابن عباس أن النبي
(1)
م: «لاستسقاء» . وفي ق: «الاستسقاء» .
(2)
قبل الحديث (937).
(3)
ما عدا ق، م:«أو بعدها» .
(4)
م، مب، ن:«يرو» ، وقد يكون مثله في ق، ولكن لم يظهر.
(5)
لفظ «السنة» ساقط من ص.
(6)
قبل الحديث (989).
(7)
ما عدا ق، م، مب، ن:«العيدين» . وفي «الصحيح» كما أثبت.
(8)
في النسخ وطبعات الكتاب غير طبعة الرسالة: «أبو العلاء» . ولعل رسمه في الأصل كان: «أبو المعلا» ، فأخطأ النساخ في قراءته، وكتبوا بعد الألف همزة.
- صلى الله عليه وسلم خرج يوم الفطر، فصلَّى ركعتين، لم يصلِّ قبلها ولا بعدها ومعه بلال» الحديث.
فترجَم للعيد مثل ما ترجَم للجمعة، وذكر للعيد حديثًا دالًّا على أنه لا تُشرَع
(1)
الصلاة قبلها ولا بعدها، فدلَّ على أن مراده من الجمعة ذلك.
وقد ظنَّ بعضهم أن الجمعة لما كانت بدلًا عن الظهر، وقد ذكر في الحديث السنَّة قبل الظهر وبعدها، دلَّ على أنَّ الجمعة كذلك. وإنما قال:«وكان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرف» بيانًا لموضع صلاة السنَّة بعد الجمعة، وأنه بعد الانصراف. وهذا الظنُّ غلط منه، لأن البخاري قد ذكر في باب التطوُّع بعد المكتوبة حديث ابن عمر
(2)
: «صلَّيتُ مع النبي
(3)
صلى الله عليه وسلم سجدتين قبل الظهر، وسجدتين بعد الظهر، وسجدتين بعد المغرب، وسجدتين بعد العشاء، وسجدتين بعد الجمعة». فهذا صريح في أنَّ الجمعة عند الصحابة صلاة مستقلَّة بنفسها غير الظهر، وإلا لم يحتَجْ إلى ذكرها لدخولها تحت اسم الظهر. فلمَّا لم يذكر لها سنةً إلا بعدها عُلِم أنه لا سنةَ لها قبلها.
ومنهم من احتجَّ بما رواه ابن ماجه في «سننه»
(4)
عن أبي هريرة وجابر
(1)
ص، ج، ع:«يشرع» .
(2)
برقم (1172).
(3)
ك، ع:«رسول الله» .
(4)
برقم (1114)، وأخرجه أبو يعلى (1946) وابن حبان (2500). وأصله عند البخاري في «جزء القراءة» (ص 42) ومسلم (875/ 59) دون زيادة:«قبل أن تجيء» وهي شاذة، تفرد بها داود بن رشيد من بين أصحاب حفص بن غياث. وانظر ما يأتي من كلام المؤلف، وكذلك تعليق محققي «المسند» (14405).
قالا: جاء سُلَيك الغطفاني، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له:«أصلَّيتَ ركعتين قبل أن تجيء؟» . قال لا. قال: «فصلِّ ركعتين، وتجوَّزْ فيهما» . وإسناده ثقات.
قال أبو البركات ابن تيمية
(1)
: وقوله «قبل أن تجيء» يدل عن أنَّ هاتين الركعتين سنة للجمعة، وليست تحية للمسجد. قال شيخنا حفيده
(2)
أبو العباس ابن تيمية
(3)
: وهذا غلط، والحديث المعروف في «الصحيحين»
(4)
عن جابر قال: دخل رجل يوم الجمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال:«صلَّيتَ؟» . قال: لا. قال: «فصلِّ ركعتين» . وقال: «إذا جاء أحدكم يومَ الجمعةِ، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّز فيهما» . فهذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وأفراد ابن ماجه في الغالب غير صحيحة. هذا معنى كلامه.
وقال شيخنا أبو الحجَّاج الحافظ المِزِّي: هذا تصحيف من الرواة، وإنما هو «أصلَّيتَ قبل أن تجلس» ، فغلط فيها الناسخ. قال: وكتاب ابن ماجه إنما تداوله شيوخٌ لم يعتنوا به، بخلاف «صحيح
(5)
البخاري ومسلم»، فإنَّ
(1)
في «شرح الهداية» فيما يبدو.
(2)
«حفيده» لم يرد في ص، ج.
(3)
لم يرد «ابن تيمية» في ق، م، مب، ن. ولعل المؤلف صادر عن رسالة شيخه «في الركعتين اللتين تصلَّيان قبل الجمعة» ذكرها الصفدي في «الوافي» و «أعيان العصر». انظر:«الجامع لسيرة شيخ الإسلام» (ص 358، 380).
(4)
البخاري (391، 930) ومسلم (875) والجملة الأخيرة «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة
…
» عند البخاري برقم (1171) ومسلم برقم (875/ 59) واللفظ له.
(5)
كذا في النسخ والطبعات القديمة بالإفراد، فثنَّاه الفقي، وتبعته طبعة الرسالة.
الحفاظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما. قال: ولذلك يقع فيه أغلاط وتصحيف
(1)
.
قلت
(2)
: ويدل على صحة هذا أنَّ الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنَّفوا في ذلك من أهل السنن والأحكام وغيرها، لم يذكر أحد منهم هذا الحديث في سنة الجمعة قبلها، وإنما ذكروه في استحباب فعل تحيَّة المسجد والإمامُ على المنبر، واحتجُّوا به على مَن منع فعلَها
(3)
في هذه الحال. فلو كانت هذه هي سنَّة الجمعة لكان ذكرُها هناك والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد.
ويدل عليه أيضًا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الداخلَ لأجل أنهما تحية المسجد. ولو كانت سنَّةً للجمعة لأمرَ بها القاعدين أيضًا ولم يخُصَّ بالأمر بها الداخلَ
(4)
وحده.
ومنهم من احتجَّ بما رواه أبو داود في «سننه»
(5)
: حدثنا مسدَّد، ثنا
(1)
نقله برهان الدين ابن المصنف أيضًا عن شيخه المزِّي في رسالته «تحقيق القول في سنة الجمعة» (ص 64).
(2)
في ك: «قال» ، وهو سهو من الناسخ. وقد أصلح في ع.
(3)
مب، ن:«مِن فعلها» .
(4)
ما عدا ق، م، مب، ن:«للداخل» ، ولعله تصحيف.
(5)
برقم (1128)، ومن طريق مسدد أخرجه أيضًا ابن حبان (2476) والبيهقي (6154). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (5403) والنسائي في «المجبتى» (1429) و «الكبرى» (1759) وابن خزيمة (1836) من طرق عن نافع به. والحديث صحيح، انظر:«صحيح أبي داود- الأم» (4/ 290، 291).
إسماعيل، ثنا أيوب، عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلِّي بعدها ركعتين في بيته. وحدّث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
وهذا لا حجَّة فيه على أنَّ للجمعة سنَّةً قبلها، وإنما أراد بقوله:«إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك» أنه كان يصلِّي الركعتين بعد الجمعة في بيته، ولا يصلِّيهما في المسجد. وهذا هو الأفضل فيهما، كما ثبت في «الصحيحين»
(1)
عن ابن عمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلِّي بعد الجمعة ركعتين في بيته.
وفي «السنن»
(2)
عن ابن عمر أنه إذا كان بمكة فصلَّى الجمعة تقدَّم فصلَّى ركعتين، ثم تقدَّم فصلَّى أربعًا. وإذا كان بالمدينة صلَّى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلَّى ركعتين، ولم يصلِّ في المسجد. فقيل له، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
وأما إطالة ابن عمر الصلاةَ قبل الجمعة فإنه تطوُّع مطلَق. وهذا هو الأولى لمن جاء إلى الجمعة: أن يشتغل بالصلاة حتى يخرج الإمام، كما تقدَّم من حديث أبي هريرة ونُبَيشة الهذلي عن النبي صلى الله عليه وسلم:
قال أبو هريرة
(3)
: «من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعةَ
(4)
فصلَّى ما
(1)
البخاري (937، 1172) ومسلم (729، 882)، وقد تقدم.
(2)
برقم (1130)، وأخرجه الحاكم (1073)، وإسناده صحيح، وقد تفرد يزيد بن أبي حبيب بذكر التفريق في سنة الجمعة الآخرة، ولم يذكره غيره. وانظر تمام تخريجه في تعليق محققي «سنن أبي داود» ط. دار الرسالة العالمية.
(3)
زيد بعده في طبعة الرسالة: «عن النبي صلى الله عليه وسلم» خلافًا للطبعات السابقة.
(4)
في ق، م، مب، ن:«المسجد» ، وفي «الصحيح» كما أثبت من غيرها.
قُدِّر له، ثم أنصَت حتى يفرغَ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه= غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضلُ ثلاثة أيام»
(1)
.
(2)
.
وهكذا كان هدي الصحابة رضي الله عنهم
(3)
. قال ابن المنذر
(4)
: رُوِّينا عن ابن عمر أنه كان يصلِّي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعةً. وعن ابن عباس أنه كان يصلِّي ثمان ركعات.
وهذا دليل على أن ذلك منهم كان من باب التطوُّع المطلق، ولذلك اختلف العدد المرويّ عنهم في ذلك. وقال الترمذي في «الجامع»
(5)
: وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلِّي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا. وإليه ذهب ابن المبارك والثوري.
(1)
أخرجه مسلم (857/ 26).
(2)
أخرجه أحمد (20721)، وهو منقطع بين عطاء الخراساني ونبيشة الهذلي، وقد تقدم (ص 477).
(3)
الترضي من ق، م، مب.
(4)
في «الأوسط» (4/ 105) و «الإشراف» (2/ 112).
(5)
عقب (523). وانظر للآثار: «مصنف عبد الرزاق» (5524، 5525) و «الأوسط» لابن المنذر (4/ 138 - 139).
وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النيسابوري
(1)
: رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلِّي إلى أن يعلم أنَّ الشمس قد قاربت أن تزول. فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذِّن المؤذن. فإذا أخذ في الأذان قام فصلَّى ركعتين أو أربعًا يفصل بينهما بالسلام. فإذا صلَّى الفريضة انتظر في المسجد، ثم يخرج منه فيأتي بعضَ المساجد التي بحضرة الجامع، فيصلِّي فيه ركعتين، ثم يجلس. وربما صلَّى أربعًا، ثم يجلس، ثم يقوم فيصلِّي ركعتين أخريين. فتلك ستُّ ركعات على حديث علي. وربما صلَّى بعد الستِّ ستًّا أُخَر أو أقلَّ أو أكثر.
وقد أخذ من هذا بعضُ أصحابه روايةً عنه: أنَّ للجمعة قبلها سنَّةً ركعتين أو أربعًا. وليس هذا بصريح، بل ولا ظاهر؛ فإنَّ أحمد كان يمسك عن الصلاة في وقت النهي، فإذا زال وقتُ النهي قام فأتمَّ تطوُّعَه إلى خروج الإمام، فربما أدرك أربعًا، وربما لم يدرك إلا ركعتين.
ومنهم من احتجَّ على ثبوت السنَّة قبلها بما رواه ابن ماجه في «سننه»
(2)
: ثنا محمد بن يحيى، ثنا يزيد بن عبد ربِّه، ثنا بقية، عن مبشِّر بن عبيد، عن حجَّاج بن أرطاة، عن عطية العوفي، عن ابن عباس قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع من قبل الجمعة أربعًا، لا يفصل في شيء منهنَّ» . قال ابن ماجه: باب الصلاة قبل الجمعة، فذكره.
وهذا الحديث فيه عدة بلايا:
(1)
في «مسائله» (ص 121).
(2)
برقم (1129)، وأخرجه الطبراني (12/ 129) من طرق بقية بن الوليد به. وأخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة مبشر بن عبيد (10/ 11) من حديث أبي سعيد مرفوعًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من شاء صلى
…
».
أحدها
(1)
: بقية بن الوليد، إمام المدلِّسين، وقد عنعنه ولم يصرِّح بالسماع.
الثانية: مبشِّر بن عبيد، المنكرَ الحديث.
الثالثة: الحجاج بن أرطاة، الضعيف المدلِّس.
الرابعة: عطية العوفي، قال البخاري
(2)
: كان هُشَيم يتكلَّم فيه، وضعَّفه أحمد وغيره
(3)
.
قال عبد الله بن الإمام أحمد
(4)
: سمعت أبي يقول: شيخ يقال له: مبشِّر بن عبيد، كان يكون بحمص، أظنُّه كوفيًّا، روى عنه بقية وأبو المغيرة، أحاديثه أحاديث موضوعة كذب. وقال الدارقطني
(5)
: مبشِّر بن عُبيد متروك الحديث، أحاديثه لا يتابع عليها
(6)
.
وقال البيهقي
(7)
: عطية العوفي لا يحتجُّ به. ومبشِّر بن عبيد الحمصي
(1)
كذا في النسخ، وله نظائر في كتب أخرى للمؤلف.
(2)
«التاريخ الأوسط» (3/ 193).
(3)
«العلل ومعرفة الرجال» (1306) و «الضعفاء» للعقيلي (4/ 462، 463).
(4)
«العلل ومعرفة الرجال» (2639، 2696) والمؤلف صادر عن كتاب «الباعث على إنكار البدع والحوادث» لأبي شامة المقدسي (ص 252 - ط دار مجد الإسلام).
(5)
«السنن» (571) و «العلل» (1339) و «الضعفاء والمتروكون» (500).
(6)
العبارة «قال عبد الله
…
يتابع عليها» نقلها الفقي من هنا إلى آخر البلية الثانية بعد «المنكر الحديث» دون تنبيه كعادته، وقد خيِّل إليه أنَّ سياق الكلام مختلٌّ، فأراد إصلاحه، فأفسده. وكذا في طبعة الرسالة.
(7)
«السنن الكبرى» (2/ 126) و (6/ 281) و (1/ 12، 5/ 105، ومواضع) ولاءً.
منسوب إلى وضع الحديث. والحجَّاج بن أرطاة لا يحتجُّ به.
قال بعضهم
(1)
: ولعل الحديث انقلب على أحد
(2)
هؤلاء
(3)
الضعفاء لعدم
(4)
ضبطهم وإتقانهم، فقال:«قبل الجمعة أربعًا» . وإنما هو «بعد الجمعة» ، فيكون موافقًا لما ثبت في «الصحيح» .
قال: ونظير هذا قول الشافعي في رواية عبد الله بن عمر العمري: «للفارس سهمَين وللراجل سهمًا
(5)
». قال الشافعي
(6)
: كأنه سمع نافعًا يقول: «للفرس سهمين، وللراجل سهمًا» ، فقال:«للفارس سهمين، وللراجل سهمًا»
(7)
. يعني: فيكون موافقًا لرواية أخيه عبيد الله. قال: وليس يشكُّ أحد من أهل العلم في تقدمة عبيد الله بن عمر على أخيه في الحفظ
(8)
.
قلت: ونظير هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في حديث أبي
(1)
هو أبو شامة في كتاب «الباعث» (ص 253).
(2)
هكذا في ج ومصدر النقل وكذا كان في ص، فصحِّح في الهامش. وفي غيرهما:«بعض» ، وكذا في المطبوع.
(3)
في ق، م، مب، ن بعده:«الثلاثة» ، ولم ترد هذه الزيادة في مصدر النقل.
(4)
ق، م:«بعدم» .
(5)
في طبعة الرسالة: «سهمان» و «سهم» بالرفع هنا وفيما يأتي خلافًا للنسخ والطبعات السابقة ومصدر النقل.
(6)
في القديم كما في كتاب أبي شامة من «السنن الكبير» للبيهقي.
(7)
«وللراجل سهمًا فقال
…
» إلى هنا ساقط من ص، ج لانتقال النظر.
(8)
قال أبو شامة: «نقل ذلك عنه ــ يعني عن الشافعي ــ الحافظ البيهقي في «السنن الكبير» [6/ 325]». وانظر: «معرفة السنن» (9/ 247 - 248).
هريرة
(1)
: «لا تزال جهنَّم يُلقى فيها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمه، فينزوي بعضُها إلى بعض، وتقول
(2)
: قَطْ قَطْ. وأما الجنة: فينشئ الله لها خلقًا آخرين»، فانقلب على بعض الرواة فقال:«وأما النار فينشئ الله لها خلقًا آخرين» .
قلت: ونظيره أيضًا حديث عائشة: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» وهو في «الصحيحين»
(3)
، فانقلب على بعض الرواة فقال:«ابنُ أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ بلال» .
ونظيره أيضًا عندي حديث أبي هريرة: «إذا صلَّى أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُك البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه» . وأظنُّه
(4)
ــ والله أعلم بما
(5)
قاله رسوله الصادق المصدوق ــ: «وليضع ركبتيه قبل يديه» كما قال وائل بن حُجْر: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه» ، قال الخطابي
(1)
أخرجه البخاري (4850) ومسلم (2846). وأما الرواية المقلوبة فقد أخرجها البخاري (7449). وقد تقدم بالتفصيل في مبحث وضع اليدين قبل الركبتين في السجود.
(2)
كان في متن م: «يضع الرحمن» ، فوضعت علامة اللحق قبل «الرحمن» ، وكتب في الهامش:«رب العزة صح» . ومن هنا جاء في متن ق: «رب العزة الرحمن» .
(3)
البخاري (622، 1918) مقرونًا بابن عمر، ومسلم عقب (1092/ 38)، وقد تقدم من حديث ابن عمر. والرواية المقلوبة أخرجها أبو يعلى (4385) وابن خزيمة (406، 407) وابن حبان (3473)، وقد تقدم. وقد حاول الحافظ في «فتح الباري» (2/ 102، 103) ردّ ما قاله ابن عبد البر وغيره من الأئمة من أن حديث عائشة مقلوب. وقد تقدم في مبحث وضع اليدين قبل الركبتين في السجود.
(4)
بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «وهِمَ» ، وهي زيادة ناشر أو ناسخ خفي عليه السياق.
(5)
غيَّره الفقي إلى «فيما» ليكون متعلِّقًا بفعل «وهم» المقحَم! وكذا في طبعة الرسالة.