الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة
كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر، ولم يقل شيئًا قبلها، ولا تلفَّظ بالنية، ولا قال: أصلِّي لله
(1)
صلاةَ كذا مستقبلَ القبلة أربعَ ركعات إمامًا أو مأمومًا، ولا قال
(2)
أداءً أو قضاءً، ولا فرضَ الوقت. فهذه عشرُ بِدَعٍ لم ينقُل عنه أحدٌ قطُّ بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا مسنَد ولا مرسَل لفظةً واحدةً منها البتة، بل ولا عن أحد من الصَّحابة، ولا استحبَّه أحدٌ من التابعين ولا الأئمة الأربعة. وإنما غرَّ بعضَ المتأخرين قولُ الشافعي رحمه الله في الصلاة: إنها ليست كالصيام، ولا يدخل فيها أحد إلا بذِكر؛ فظنَّ أن الذِّكر تلفُّظُ المصلِّي بالنية. وإنما مرادُ الشافعي رحمه الله بالذكر تكبيرةُ الإحرام ليس إلا
(3)
. وكيف يستحبُّ الشافعيُّ أمرًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة واحدة، ولا أحد من خلفائه وأصحابه؛ وهذا هديهم وسيرتهم، فإن أوجَدَنا أحدٌ حرفًا عنهم في ذلك قبِلناه وقابلناه بالقبول والتسليم، ولا هديَ أكملُ من هديهم، ولا سنَّة إلا ما تلقَّوه عن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم.
وكان دأبه في إحرامه لفظة «الله أكبر» لا غيرها، ولم ينقل عنه أحد قطُّ سواها.
وكان يرفع يده معها ممدودةَ الأصابع مستقبلًا بها القبلةَ إلى فروع
(1)
لفظ «لله» ساقط من ج.
(2)
«قال» ساقط من ك.
(3)
انظر: «البيان في مذهب الإمام الشافعي» للعمراني (2/ 160).
أذنيه
(1)
. وروي: «إلى منكبيه»
(2)
، فأبو حُميد الساعدي ومن معه قالوا:«حتى يحاذي بهما منكبيه»
(3)
. وكذلك قال ابن عمر
(4)
. وقال وائل بن حُجْر
(5)
: «إلى حيال أذنيه» . وقال البراء
(6)
: «قريبًا من أذنيه» . فقيل: هو من العمل المخيَّر فيه، وقيل: كان أعلاها إلى فروع أذنيه، وكفُّه
(7)
إلى منكبيه، فلا يكون اختلافًا، ولم يختلف عنه في محلِّ هذا الرفع.
ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى فوق
(8)
الرسغ والساعد. ولم يصحَّ عنه موضعُ وضعهما، ولكن ذكر أبو داود
(9)
عن علي بن أبي طالب أنه قال:
(1)
أخرجه البخاري (737) ومسلم (391) من حديث مالك بن الحويرث.
(2)
أخرجه ابن حبان (1868) من حديث عبد الله بن عمر.
(3)
أخرجه أحمد (23599) وأبو داود (730) والترمذي (304) والنسائي في «المجتبى» (1181) و «الكبرى» (1105) وابن ماجه (862)، صححه الترمذي وابن خزيمة (587، 651، 685، 700) وابن حبان (1865).
(4)
أخرجه مسلم (380).
(5)
أخرجه أبو داود (728). وأخرجه أيضًا أحمد (18850) والترمذي (292) وابن ماجه (810) بلفظ: «حذو منكبيه» ، صححه الترمذي وابن خزيمة (690، 713).
(6)
أخرجه عبد الرزاق (2530) ــ ومن طريقه أحمد (18702) ــ والبخاري في «جزء رفع اليدين» (35) وأبو داود (749) والدارقطني (1126)، كلهم من طريق سفيان الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء به. فيه يزيد بن أبي زياد، ضعيف.
(7)
ك، مب، ن:«وكفَّاه» .
(8)
«فوق» ساقط من ك.
(9)
في «السنن» (756)، وأخرجه أيضًا أحمد (875) والدارقطني (1102) ومن طريقه البيهقي (2/ 31). وفيه عبد الرحمن بن إسحاق، قال البيهقي:«عبد الرحمن بن إسحاق هذا هو الواسطي القرشي، جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والبخاري وغيرهم» . فالحديث ضعيف. وقال أبو داود: «وروي عن أبي هريرة وليس بالقوي» ، ثم ساق الحديث (758) عن أبي هريرة، فقال:«سمعت أحمد بن حنبل يضعف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي» ، هذا الكوفي هو الواسطي القرشي المذكور آنفًا.
وذكر أيضًا أبو داود (757) عن ابن جرير الضبي عن أبيه: «رأيت عليًّا رضي الله عنه يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة» . وفيه ابن جرير الضبي وأبوه، كلاهما مجهول. وانظر:«التمهيد» لابن عبد البر (20/ 75، 76).
السنَّةُ وضعُ الكفِّ على الكفِّ في الصلاة تحت السُّرَّة. وقال ابن أبي شيبة
(1)
: السنَّة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي ثبت عنه أنه كان يضع يمينه على شماله في الصلاة. قال أبو إسحاق الجُوزجاني
(2)
: وأما ما ذكروا من فوق السُّرَّة وتحتها، فإني لا أعرفه عن النبي صلى الله عليه وسلم، غيرَ أنَّ عليًّا قال: من السنَّة في الصلاة المكتوبة وضعُ اليمنى على اليسرى تحت السُّرَّة
(3)
.
وكان يستفتح تارةً بـ «اللهمَّ باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب. اللهمَّ اغسِلْني من خطاياي بالماء والثلج والبَرَد. اللهمَّ نقِّني من الذنوب والخطايا كما ينقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس»
(4)
.
وتارةً يقول: «وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما
(1)
لم أهتد إلى مصدره.
(2)
في كتابه «المترجَم» في شرح مسائل الشالنجي، فيما يظهر. وهو من مصادر المصنف وشيخه. وانظر كلام المصنف في موضع وضع اليد في «بدائع الفوائد» (3/ 981 - 983).
(3)
العبارة «فوق الرسغ والساعد
…
تحت السرة» ساقطة من مب، ن وكذا من النسخ المطبوعة.
(4)
أخرجه البخاري (744) ومسلم (598) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أنا من المشركين. إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين. اللهم أنت المَلِك، لا إله إلا أنت. أنت ربِّي، وأنا عبدك. ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا
(1)
، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. واهدِني لأحسنِ الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرِفْ عني سيِّئَ الأخلاق لا يصرِف عنِّي سيِّئَها إلا أنت. لبَّيك وسعدَيك، والخير في يديك، والشرُّ ليس إليك. أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك»
(2)
. ولكن المحفوظ أن هذا الاستفتاح كان يقوله في قيام الليل.
(3)
.
وتارةً يقول: «اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن
…
» الحديث، وقد تقدم
(4)
؛ فإن في بعض طرقه الصحيحة عن ابن
(1)
ما عدا ج: «جميعها» .
(2)
أخرجه مسلم (771) من حديث علي بن أبي طالب. وما قاله المؤلف بعده يدل عليه صنيع الإمام مسلم حيث أورده ضمن الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه بالليل، وقد بوَّب عليه ابن خير الإشبيلي في نسخته لـ «صحيح مسلم»:«باب منه» أي من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل.
(3)
أخرجه مسلم (770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه (ص 160).
عباس أنه كبَّر ثم قال ذلك
(1)
.
(2)
.
وتارةً يقول: «الله أكبر، عشر مرَّات، ثم
(3)
يسبِّح عشرًا، ثم يحمد عشرًا، ويهَلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا. ثم يقول: اللهم اغفِرْ لي وَاهْدِني وارزقني عشرًا. ثم يقول: اللهم إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم القيامة، عشرًا»
(4)
.
= فكلُّ هذه الأنواع قد صحَّت عنه.
وروي عنه أنه كان يستفتح بـ «سبحانك اللهمَّ وبحمدك، وتبارك اسمُك،
(1)
وهو عند ابن نصر المروزي في «قيام الليل» (ص 113) وابن خزيمة (1152) وأبي عوانة (2232) وابن المنذر في «الأوسط» (5/ 143) وغيرهم.
(2)
أخرجه أحمد (16739، 16740، 16784) وأبو داود (764) وابن ماجه (807) وابن خزيمة (468، 469) وابن حبان (1779، 1780) والحاكم (1/ 235) والبيهقي (2/ 35) من حديث جبير بن مطعم. قال ابن المنذر في «الأوسط» (3/ 235): «وحديث جبير بن مطعم رواه عباد بن عاصم وعاصم العنزي، وهما مجهولان لا يدرى من هما» . وانظر: حاشية محققي «المسند» (16739).
(3)
هنا انتهى الخرم في ق.
(4)
أخرجه أحمد (25102) وأبو داود (766، 5085) والنسائي في «المجتبى» (1617، 5535) و «الكبرى» (1319، 7921، 10641) وابن ماجه (1356) من حديث عائشة. صححه ابن حبان (2602) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (3/ 352، 353).
وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك»، ذكر ذلك عنه أهل «السنن»
(1)
من حديث علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكِّل، عن أبي سعيد، على أنه ربما أرسل. وقد روي مثله من حديث عائشة
(2)
. والأحاديث التي قبله أثبت منه، ولكن صحَّ عن عمر بن الخطاب أنه كان يستفتح به في مقام النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ويجهر به يعلِّمه الناس
(3)
.
قال الإمام أحمد
(4)
: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أنَّ رجلًا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاستفتاح كان حسنًا. وإنما اختار
(1)
أخرجه أبو داود (775) والترمذي (242) والنسائي في «المجتبى» (899) و «الكبرى» (974) وابن ماجه (804). قال الترمذي: «وقد تُكُلِّم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث» . وقال أبو داود: «وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر» . وقال البيهقي (2/ 34، 35): «وأصح ما روي فيه الأثر الموقوف على عمر بن الخطاب» . وقد أطال ابن عبد الهادي النفس حول شواهد هذا الحديث ومتابعاته فأجاد وأفاد، انظر:«تنقيح التحقيق» (2/ 150 - 157).
(2)
أخرجه أبو داود (776) والترمذي (243) وابن ماجه (806). قال الترمذي: «هذا حديث، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحارثة [بن أبي الرجال] قد تكلم فيه من قبل حفظه» . وقال أبو داود: «وهذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، لم يروه إلا طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة عن بُدَيلٍ جماعةٌ لم يذكروا فيه شيئًا من هذا» . وانظر: «تنقيح التحقيق» .
(3)
أخرجه مسلم (399) وعبد الرزاق (2557) وابن أبي شيبة (2387، 2389) من طرق عن عمر. وانظر: «المحرر» (219) و «تنقيح التحقيق» (2/ 151 - 152).
(4)
بنحوه في «مسائله» برواية الكوسج (185 - دار الهجرة). وانظر: «مسائله» برواية أبي داود (ص 46) وابنه عبد الله (270).
أحمد هذا لعشرة أوجه قد ذكرتها في موضع آخر
(1)
.
منها: جهرُ عمر به يعلِّمه الصحابة.
ومنها: اشتماله
(2)
على أفضل الكلام بعد القرآن، فإن أفضل الكلام بعد القرآن:«سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»
(3)
. وقد تضمَّنها هذا الاستفتاح مع تكبيرة الإحرام.
ومنها: أنه استفتاح أُخْلِصَ للثناء على الله، وغيرُه متضمِّن للدعاء؛ والثناءُ أفضل من الدعاء. ولهذا كانت سورة الإخلاص تعدِل ثلثَ القرآن، لأنها أُخلِصت لوصف الرحمن تبارك وتعالى والثناء عليه. ولهذا كان «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» أفضل الكلام بعد القرآن، فيلزم أنَّ ما تضمَّنها من الاستفتاح أفضل من غيره من الاستفتاحات.
ومنها: أن غيره من الاستفتاحات عامَّتُها إنما هي في قيام الليل في النافلة، وهذا كان عمر يعلِّمه
(4)
الناس في الفرض.
ومنها: أن هذا الاستفتاح إنشاءٌ للثناء على الرَّبِّ تعالى، متضمِّن للإخبار عن صفات كماله ونعوت جلاله؛ والاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» إخبارٌ عن عبودية العبد. وبينهما من الفرق
(5)
ما بينهما.
ومنها: أن من اختار الاستفتاح بـ «وجَّهتُ وجهي» لا يكمله، وإنما يأخذ
(1)
لم أقف عليه.
(2)
من هنا بدأت المقابلة على نسخة دار الكتب المصرية برقم 231 (م).
(3)
أخرجه مسلم (2137) عن سمرة بن جندب. واللفظ هنا لأحمد (20223).
(4)
ق: «علَّمه» .
(5)
ص: «القرب» ، تصحيف.
قطعةً من الحديث، ويذَر باقيه؛ بخلاف الاستفتاح بـ «سبحانك اللهم» ، فإنَّ
(1)
من ذهب إليه يقوله كلَّه
(2)
إلى آخره.
وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(3)
، ثم يقرأ
(4)
الفاتحة. وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارةً، ويخفيها أكثر مما يجهر بها. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا كلَّ يوم وليلة ستَّ مرَّات
(5)
أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور الصحابة وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى
(6)
يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية. فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. وهذا موضع يستدعي مجلَّدًا ضخمًا
(7)
.
وكانت قراءته مدًّا، يقف عند كلِّ آية، ويمدُّ بها صوته
(8)
.
(1)
ق، م، مب:«قال» ، تصحيف.
(2)
«كله» من ق، م، مب، ن.
(3)
ذكر الألباني في «أصل صفة الصلاة» (1/ 275) أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم الاقتصار على هذا القدر من التعوذ إلا ما ورد في مرسل الحسن. وسيأتي الكلام على التعوذ بالتفصيل.
(4)
ك: «ويقرأ» .
(5)
يعني الركعات الستَّ الجهرية في الفجر والمغرب والعشاء. وفي ن: «خمس مرَّات» ، وكذا في النسخ المطبوعة، والظاهر أنه تصرف ناسخ ظنها خمس صلوات.
(6)
ق، م:«حين» ، تصحيف.
(7)
ولابن عبد البر كتاب حافل في الموضوع بعنوان: «الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب من الاختلاف».
(8)
أخرجه البخاري من حديث أنس (5046). وروي أيضًا من حديث أم سلمة، وسيأتي تخريجه (ص 613).
فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال: آمين
(1)
. فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوتَه، وقالها مَن خلفه.
وكان له سكتتان: سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة
(2)
. واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة، وروي أنها بعد القراءة وقبل الركوع. وقيل: بل
(3)
هي سكتتان غير الأولى، فتكون ثلاثة
(4)
. والظاهر أنهما اثنتان فقط، وأما الثالثة فلطيفة جدًّا لأجل ترادِّ النفس، ولم يكن يصل القراءة بالركوع؛ بخلاف السكتة الأولى، فإنه كان يجعلها بقدر الاستفتاح. والثانية قد قيل فيها: إنها لأجل قراءة المأموم، فعلى هذا ينبغي تطويلها بقدر قراءة الفاتحة. وأما الثالثة فللراحة والنفس
(5)
فقط، فهي سكتة لطيفة. فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتةً ثالثةً، فلا اختلاف بين الروايتين. وهذا أظهر ما يقال في هذا
(6)
الحديث.
يبيِّن ذلك أن أحد من روى حديث السكتتين هو سمُرة بن جُنْدُب، وقد
(1)
أخرجه مالك (231) ومن طريقه البخاري (780) ومسلم (410) عن الزهري مرسلًا عقب حديث أبي هريرة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتأمين في الصلاة وفيه فضل التأمين. وأخرج أيضًا مالك (232) والبخاري (782) ومسلم (415) من غير طريق ابن شهاب الزهري من حديث أبي هريرة أمرَه صلى الله عليه وسلم به فقط.
(2)
أخرجه البخاري (744) ومسلم (598).
(3)
لفظ «بل» ساقط من ق، م، مب، ن.
(4)
كذا بتأنيث العدد في جميع النسخ.
(5)
م، مب:«والتنفس» .
(6)
«هذا» من ق، م، مب، ن.
قال
(1)
(2)
. وفي بعض طرق الحديث: «وإذا فرغ من القراءة سكت»
(3)
، وهذا كالمجمل، واللفظ الأول مفسَّر مبيَّن. ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن
(4)
: «للإمام سكتتان، فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب» : إذا افتتح الصلاة
(5)
، وإذا قال:{وَلَا الضَّالِّينَ} ؛ على أن تعيين محلِّ السَّكتتين إنما هو من تفسير قتادة
(6)
،
فإنه
(1)
هكذا سياق الكلام في م، ق، مب، ن، غير أن «هو» لم يرد في مب، ن كما لم يرد «قد» في ق. والسياق في غيرها: «وقد صحَّ حديث السكتتين من رواية سمرة وأُبي بن كعب وعمران بن حصين. ذكر ذلك أبو حاتم في صحيحه. هو سمرة
…
» وقد استدرك نحو هذه العبارة في هامش ن، فلفَّقت النسخ المطبوعة بين العبارتين.
(2)
أخرجه أبو داود (779) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة.
(3)
أخرجه ابن حبان (1807) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة. وقد أخرجه أيضًا أبو داود (780) والترمذي (251) وابن ماجه (844)، وعندهم أن تفسير السكتتين من كلام قتادة كما يسوق المصنف لفظه، وسيأتي تمام تخريجه هنالك.
(4)
أخرجه البخاري في «جزء القراءة» (165) وابن حزم في «المحلى» (3/ 238). وأخرج البخاري عقبه بإسناد حسن عن أبي سلمة عن أبي هريرة قوله.
(5)
ص: «القراءة» .
(6)
ولكن ورد عند أحمد (20166) والدارمي (1279) والبخاري في «جزء القراءة» (278) من طريق حميد الطويل عن الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع، فذكر ذلك لعمران بن حصين .... الحديث؛ وكذلك عند أحمد (20127، 20266) والبزار (4542) من طريق يونس عن الحسن عن سمرة. فكأن التفسير من كلام سمرة أو الحسن.
روى الحديث عن الحسن عن سمُرة قال: «سكتتان حفظتُهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، فأنكر ذلك عمران، وقال:«حفظنا سكتةً» ، فكتبنا إلى أُبيِّ بن كعب بالمدينة، فكتب أُبيّ أن قد حفظ سَمُرة. قال سعيد: فقلنا
(1)
لقتادة: ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة. ثم قال بعد ذلك: وإذا قال: {وَلَا الضَّالِّينَ} . قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يترادَّ إليه نفَسُه
(2)
. ومن يحتجُّ بالحسن عن سَمُرة يحتجُّ بهذا
(3)
.
(1)
ك: «فقلت» .
(2)
أخرجه الترمذي (251) وابن ماجه (844) ــ واللفظ لهما ــ وأبو داود (780). قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم: يستحبون للإمام أن يسكت بعدما يفتتح الصلاة وبعد الفراغ من القراءة. وبه يقول أحمد وإسحاق وأصحابنا. وقد وقع عند البيهقي (2/ 196) بأتم لفظ وأوضحه: «قلنا لقتادة: ما السكتتان؟ قال: سكتة حين يكبر والأخرى حين يفرغ من القراءة عند الركوع، ثم قال الأخرى ــ يعنى المرة الأخرى ــ: سكتة حين يكبر وسكتة إذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}» . والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (1807). ولكن أعله الألباني بعنعنة الحسن والاضطراب في متنه فضعفه، وتعقب أيضًا على مَن يرى أن السكتة الثانية بعد الفاتحة ويُطوَّل فيها، انظر:«الضعيفة» (547) و «إرواء الغليل» (505).
(3)
وقد تكلم المصنف رحمه الله على السكتتين في «كتاب الصلاة» (ص 408) أيضًا وختم كلامه بقوله: «
…
وبالجملة، فلم يُنقل عنه صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها من خلفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيت. ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصحابة، ولكان معرفتهم به ونقلهم له أهم من سكتة الاستفتاح».
فإذا فرغ من قراءة الفاتحة أخذ في سورة غيرها، وكان يطيلها تارةً، ويخفِّفها
(1)
لعارض من سفر أو غيره، ويتوسَّط فيها غالبًا.
وكان يقرأ
(2)
في الفجر بنحو ستين آيةً إلى مائة
(3)
، وصلَّاها بسورة (ق)
(4)
. وصلَّاها بـ (الروم)
(5)
. وصلَّاها بـ {(42) الشَّمْسُ كُوِّرَتْ}
(6)
. وصلَّاها بـ (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما
(7)
.
وصلَّاها بالمعوذتين وكان في
(1)
بعده في ص زيادة: «تارة» .
(2)
ص، ج:«فيقرأ» .
(3)
أخرجه البخاري (771) ومسلم (461، 647) من حديث أبي برزة الأسلمي.
(4)
أخرجه مسلم من حديث قطبة بن مالك (457)، ومن حديث سمرة بن جندب (458).
(5)
أخرجه عبد الرزاق (2725) وأحمد (15873، 23125، 23072) والنسائي في «المجتبى» (947) و «الكبرى» (1021) عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وعند البزار (477 - كشف الأستار) أن الصحابي هو الأغر المزني. وفي إسناديهما لين، يتقوى كل منهما بالآخر، وبهما حسنه الألباني في «أصل صفة الصلاة» (2/ 439، 440).
(6)
أخرجه مسلم (456) من حديث عمرو بن حريث بلفظ: يقرأ في الفجر {وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ} .
(7)
أخرجه أبو داود (816) ومن طريقه البيهقي (2/ 390) من حديث معاذ بن عبد الله الجهني عن رجل من جهينة عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي في «المجموع» (3/ 384): «إسناده صحيح» . والحديث صححه الألباني في «أصل صفة الصلاة» (2/ 435). ويشهد له مرسل سعيد بن المسيب، أخرجه أبو داود في «المراسيل» (40)، وقد قرَّر المؤلف في «تهذيب السنن» (1/ 306، 2/ 401، 3/ 384 - 385) أن مراسيل سعيد بن المسيب حجة، ومن لم يقبل المرسل قد قبِل مرسل سعيد؛ وقد بسط الكلام حوله في مواضع من «تهذيب السنن». وانظر:«جامع التحصيل» (ص 38، 46، 47).
السفر
(1)
. وصلَّاها فاستفتح سورة المؤمنين حتى بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى، أخذته سَعْلةٌ، فركع
(2)
. وكان يصلِّيها يوم الجمعة بـ (ألم تنزيل) السجدة
(3)
، وسورة {هَلْ أَتَى} كاملتين
(4)
، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه
(5)
أو قراءة السجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السنة.
وأما ما يظنه كثير من الجهال أنَّ صبحَ الجمعة فُضِّلت
(6)
بسجدة فجهلٌ عظيمٌ، ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن. وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار؛ وذلك مما كان ويكون يوم الجمعة. وكان
(7)
يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة
(8)
(ق)
(1)
أخرجه أبو داود (1462) والنسائي في «المجتبى» (952) و «الكبرى» (1026، 7802) من حديث عقبة بن عامر، صححه ابن حبان (1818) والحاكم (1/ 567)، وأصله في مسلم (814).
(2)
أخرجه مسلم (455).
(3)
ج: «الم السجدة» .
(4)
أخرجه البخاري (891، 1068) ومسلم (880) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم أيضًا (879) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
«وبعض هذه» ساقط من ك، مب.
(6)
كذا في النسخ، أعاد الضمير إلى المضاف إليه «الجمعة» .
(7)
م، مب:«فكان» .
(8)
م، ق، مب، ن:«سورة» .
و (اقتربت) و (سبِّح) و (الغاشية).
فصل
وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانًا، حتى قال أبو سعيد:«كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ويدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى= مما يطيلها» . رواه مسلم
(1)
.
وكان يقرأ فيها تارةً بقدر سورة (الم تنزيل)
(2)
، وتارةً ب (سبح اسم ربك الأعلى)
(3)
، ونحو (والليل إذا يغشى)
(4)
، وتارةً بِـ (السماء ذات البروج) و (السماء والطارق)
(5)
.
وأما العصر، فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت، وبقدرها إذا قصرت
(6)
.
(1)
برقم (454).
(2)
أخرجه مسلم (452) من حديث أبي سعيد الخدري.
(3)
أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة (460)، ومن حديث عمران بن حصين (398).
(4)
أخرجه مسلم (459) من حديث جابر بن سمرة.
(5)
أخرجه أحمد (20982) والبخاري في «جزء القراءة» (185) وأبو داود (805) والترمذي (307) والنسائي في «المجتبى» (979) وفي «الكبرى» (1053، 11598) من حديث جابر بن سمرة، من طريق حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عنه. والحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان (1827)، وقد احتج مسلم بهذا الإسناد (1821)، وبسماك عن جابر عمومًا كما سلف في الحديثين السابقين.
(6)
انظر ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (452) وجابر بن سمرة (459).
وأما المغرب، فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم، فإنه صلَّاها مرَّةً بـ (الأعراف) فرَّقها
(1)
في الركعتين
(2)
، ومرَّةً بالطور
(3)
، ومرَّةً بـ (المرسلات)
(4)
. قال أبو عمر بن عبد البر
(5)
: روي
(6)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بـ (المص)، وأنه قرأ فيها بـ (الصافات)
(7)
،
وأنه قرأ فيها بـ (حم
(1)
«فرَّقها» ساقط من ص.
(2)
أخرجه البخاري (764) من حديث زيد بن ثابت، بلفظ:«بطولى الطوليين» من غير تفسير له. ووقع في رواية النسائي في «المجتبى» (989) و «الكبرى» (1063): «بأطول الطوليين (المص)» ، وفي رواية أبي داود (812):«الأعراف» . وقد اختلف في قائل تفسيره، والصحيح أنه من تفسير عروة بن الزبير كما في رواية النسائي في «المجتبى» (990) و «الكبرى» (1064) والبيهقي (2/ 392).
(3)
أخرجه البخاري (765) ومسلم (463) من حديث جبير بن مطعم.
(4)
أخرجه البخاري (763) ومسلم (462) من حديث ابن عباس عن أمه أم الفضل بنت الحارث.
(5)
في «التمهيد» (9/ 145 - 146).
(6)
ك: «يروى» . وفي «التمهيد» كما أثبت من غيرها.
(7)
ذكر ذلك قبل ابنِ عبد البرّ ابنُ بطال في «شرح صحيح البخاري» (2/ 186) من أدلة القائلين بأن للمغرب وقتين. وكذا ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (8/ 82) و «الاستذكار» (1/ 29). وأخرج في «التمهيد» (19/ 8) عن ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف ويؤمّنا بالصافات. ثم قال: زاد بعضهم في هذا الحديث: «في الصبح» ، وقد قيل:«في المغرب» . والحديث أخرجه الشافعي كما في «معرفة السنن» (5889) وأحمد (4796، 6471) والنسائي في «المجتبى» (826) و «الكبرى» (902، 11368) من حديث عبد الله بن عمر، صححه ابن خزيمة (1606) وابن حبان (1817). ووقع عند أحمد (4989):«في الصبح» وابن حبان (1817): «في الفجر» كلاهما من رواية يزيد بن هارون الواسطي، وكذلك وقع عند الطيالسي (1925):«في الصبح» . ولم أقف على القول بأنه في المغرب ..
الدخان)
(1)
، وأنه قرأ فيها بـ (سبح اسم ربك الأعلى)
(2)
، وأنه قرأ فيها بـ (التين والزيتون)
(3)
، وأنه قرأ فيها بـ (المعوذتين)
(4)
، وأنه قرأ فيها بـ (المرسلات)، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصَّل
(5)
. قال: وهي كلُّها آثار
(1)
أخرجه النسائي في «المجتبى» (988) و «الكبرى» (1062) من حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود مرسلًا. وقد أخرج ابن أبي شيبة (3616) أن ابن عباس قرأ الدخان في المغرب.
(2)
أخرجه الطبراني في «الكبير» كما في «مجمع الزوائد» (2/ 188) من حديث عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب، وكذا عزاه إليه الحافظ في «نتائج الأفكار» (1/ 461)، وأعلّاه بضعف حجاج بن نصير. ثم ذكر الحافظ أنه قد ورد أمره صلى الله عليه وسلم بقراءتها في المغرب. قلت: هو عند النسائي في «المجتبى» (984) و «الكبرى» (1508) من حديث جابر في عِتاب النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل في تطويله الصلاة بالناس. والصحيح أن القصة في صلاة العشاء لا المغرب كما سيأتي، وهي في «الصحيحين» .
(3)
أخرجه الطيالسي (769) والحميدي (743) وابن أبي شيبة (3628) وأحمد (18528) من حديث البراء. والمشهور أنه كان في صلاة العشاء. والشيخ الألباني حاول التوفيق بين الروايتين رواية ودراية، انظر:«أصل صفة الصلاة» (2/ 475 - 476).
(4)
أخرجه العقيلي في «الضعفاء» في ترجمة عبد الله بن كرز (3/ 307) وابن المقرئ في «معجمه» (544) من طريق ابن كرز عن نافع عن عبد الله بن عمر مرفوعًا، وقال العقيلي:«ولا يُتابَع عليه» .
(5)
أخرجه أحمد (7991) والنسائي في «المجتبى» (982، 983) و «الكبرى» (1056، 1057) من حديث أبي هريرة. صححه ابن خزيمة (520) وابن حبان (1837). ويشهد له ما أخرجه مالك (209) ــ ومن طريقه عبد الرزاق (2698) والبيهقي (2/ 391) ــ أن أبا بكر صلَّى في المغرب بسورة من قصار المفصل.
صحاح مشهورة. انتهى
(1)
.
وأما المداومة فيها على قراءة قصار المفصَّل دائمًا، فهو فعل مروان بن الحكم. ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت، وقال له
(2)
: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصَّل؟ وقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بطولى الطُّولَيَيْن. قال: قلتُ: وما طولى الطوليين؟
(3)
قال: (الأعراف). وهذا حديث صحيح رواه أهل «السنن»
(4)
. وذكر النسائي
(5)
عن عائشة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب سورة (الأعراف) فرَّقها في ركعتين
(6)
. فالمحافظة فيها على الآية القصيرة والسورة من قصار المفصَّل
(7)
خلاف السنة، وهو من فعل مروان بن الحكم.
(1)
«انتهى» من ق، مب، ن.
(2)
«له» ساقط من ق، م.
(3)
«قال: قلت
…
الطوليين» ساقط من ك لانتقال النظر.
(4)
أخرجه أيضًا البخاري (764) كما سبق (ص 235).
(5)
في «المجتبى» (991) و «الكبرى» (1065)، وأخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (3362) والبيهقي (2/ 392) من حديث عائشة، من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها. قال ابن حجر في «التلخيص» (2/ 486):«وهو معلول» . وهو كذلك؛ سأل ابن أبي حاتم أباه عن حديث عائشة فقال: «هذا خطأ، إنما هو عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، مرسل» ، «العلل» (484). وكذلك قال البيهقي في «معرفة السنن» (3/ 340) عقب ذكر هذا الحديث:«والصحيح رواية ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان، عن زيد بن ثابت» وهو الحديث السابق. وقد اختلف على هشام بن عروة في هذا الحديث، انظر:«العلل الكبير» للترمذي (ص 76، 77) و «العلل» للدارقطني (1144).
(6)
ك، مب:«الركعتين» .
(7)
بعده في ج زيادة: «هو» .
وأما عشاء الآخرة، فقرأ صلى الله عليه وسلم فيها بـ (التين والزيتون)
(1)
. ووقَّت لمعاذ فيها (الشمس
(2)
وضحاها) و (سبح اسم ربك الأعلى) و (الليل إذا يغشى) ونحوها، وأنكر عليه قراءته فيها بـ (البقرة) بعد ما صلَّى معه، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف، فأعادها بهم بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، وقرأ (البقرة)، فلهذا قال له:«أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟»
(3)
. فتعلَّق النقَّارون بهذه الكلمة، ولم يلتفتوا إلى ما قبلها ولا ما بعدها!
وأما الجمعة، فكان يقرأ فيها بسورتي
(4)
(الجمعة) و (المنافقين)
(5)
كاملتين
(6)
وسورتي
(7)
(سبِّح) و (الغاشية)
(8)
. وأما الاقتصار على قراءة
(9)
أواخر السورتين من {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلى آخرها فلم يفعله قطُّ، وهو مخالف لهديه الذي كان يحافظ عليه.
وأما قراءة الأعياد، فتارةً كان يقرأ بسورتي (ق) و (اقتربت) كاملتين
(10)
،
(1)
أخرجه البخاري (767) ومسلم (464) من حديث البراء بن عازب.
(2)
ع: «بالشمس» .
(3)
أخرجه البخاري (705) ومسلم (465) من حديث جابر بن عبد الله.
(4)
ك: «سورتي» . وفي ق، م:«بسورة» .
(5)
ك: «المنافقون» .
(6)
أخرجه مسلم (879) من حديث ابن عباس.
(7)
ك: «وسورة» .
(8)
أخرجه مسلم (878) من حديث النعمان بن بشير، وفيه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة
…
».
(9)
لفظ «قراءة» ساقط من ك.
(10)
أخرجه مسلم (891).
وتارةً بسورتي
(1)
(سبِّح) و (الغاشية)
(2)
.
وهذا هو الهَدْي الذي استمرَّ عليه إلى أن لقي الله، لم ينسخه شيء. ولهذا أخذ به خلفاؤه الراشدون من بعده. فقرأ أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه في الفجر سورة
(3)
(البقرة) حتى سلَّم منها قريبًا من طلوع الشمس، فقالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع. فقال: لو طلعَتْ لم تجدنا غافلين!
(4)
. وكان عمر رضي الله عنه يقرأ فيها بـ (يوسف)
(5)
و (النحل)
(6)
، وبـ (هود)
(7)
و (بني
(1)
ك، مب:«بسورة» .
(2)
وهو في حديث النعمان بن بشير السابق.
(3)
ق، م، مب، ن:«بسورة» .
(4)
أخرجه الشافعي في «اختلاف مالك» (8/ 629 - الأم) ــ ومن طريقه البيهقي (2/ 389) ــ وعبد الرزاق (2711، 2712) وابن أبي شيبة (3565) وحرب الكرماني في «مسائله» (ص 137 - ط آل فريان) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 71) من حديث أنس بإسنادين صحيحين، والقائل لأبي بكر هو عمر.
(5)
أخرجه مالك (219) ومن طريقه الشافعي في «اختلاف مالك» (8/ 566 - الأم) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر قرأ في الفجر بيوسف والحج قراءة بطيئة. قد تَكلَّم على إسناد مالك مسلمٌ، انظر:«التمييز» (ص 199 - 201) والتعليق عليه. وأخرجه ابن أبي شيبة (3568) وأحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (3736) من طريق هشام عن عبد الله بن عامر به، وفيه ذكر سورة يوسف فقط. وعلى كلٍّ فالأثر صحيح.
(6)
أخرج ابن أبي شبية (4425) أن عمر قرأ بالنحل وبني إسرائيل في الفجر وسجد فيهما جميعًا. إسناده منقطع إذ بكر بن عبد الله لم يدرك عمر.
(7)
أخرج عبد الرزاق (2710) أن عمر قرأ بالكهف ويوسف أو بيوسف وهود على شك من الراوي. وأخرج ابن أبي شيبة (3566) وحرب الكرماني في «مسائله» (ص 138 - ط آل فريان) أنه قرأ بيونس وهود ونحوهما، وفي إسناده لين، وبنحوه أخرج ابن أبي شيبة (3572) بنفس الإسناد عن أبي هريرة من فعله.
إسرائيل)
(1)
ونحوها من السور ولو كان تطويله صلى الله عليه وسلم منسوخًا لم يخف على خلفائه ويطلع عليه النقارون.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في «صحيحه»
(2)
عن جابر بن سَمُرة أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يقرأ في الفجر بـ (قاف
(3)
والقرآن المجيد) وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا»، فالمراد بقوله:«بعدُ» أي بعد الفجر، أي أنه كان يطيل قراءة الفجر أكثر من غيرها، وصلاته بعدها تخفيفًا. ويدل على ذلك قول أمِّ الفضل وقد سمعتْ ابنَ عباس يقرأ (والمرسلات) فقالت: «يا بُنيَّ، لقد أذكرتَني
(4)
بقراءتك هذه السورة. إنَّها لآخرُ ما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب»
(5)
. فهذا في آخر الأمر.
وأيضًا فإن قوله: «وكانت صلاته بعدُ» غايةٌ قد حُذِف ما هي مضافة إليه، فلا يجوز إضمارُ ما لا يدلُّ عليه السياق، ويتركُ
(6)
إضمار ما يقتضيه السياق، والسياق إنما يقتضي أن صلاته بعد الفجر كانت
(7)
تخفيفًا، لا يقتضي أن
(1)
أخرج الطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 180) عن زيد بن وهب أن عمر قرأ ببني إسرائيل والكهف في الصبح، وإسناده صحيح ..
(2)
برقم (458).
(3)
كذا ورد في جميع النسخ، ومثله في «تهذيب السنن» (1/ 418 - نشرة مرحبا).
(4)
ك، ق، م، مب، ن:«ذكرتني» .
(5)
أخرجه البخاري (763) ومسلم (462) من حديث ابن عباس عن أمه أم الفضل.
(6)
ما عدا ص، ج، ع:«وترك» .
(7)
ك: «كان» .
صلاته كلَّها بعد ذلك اليوم كانت تخفيفًا
(1)
. هذا ما لا يدل عليه اللفظ، ولو كان هو المراد لم يخفَ على خلفائه الراشدين، فيتمسَّكون بالمنسوخ ويدَعُون الناسخ.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّكم أمَّ الناسَ فَلْيخفِّفْ»
(2)
، وقول أنس:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخفَّ الناس صلاةً في تمامٍ»
(3)
، فالتخفيف أمر نِسْبيٌّ يرجع إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يأمرهم بأمرٍ ثم يخالفه. وقد عَلِم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة، فالذي فعله هو التخفيف الذي أمر به. فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من تلك
(4)
بأضعاف مضاعفة، فهي خفيفة بالنسبة إلى أطول منها. وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كلِّ ما تنازع فيه المتنازعون. ويدل عليه ما رواه النسائي
(5)
وغيره عن ابن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالتخفيف، ويؤمُّنا بـ (الصَّافَّات)» . فالقراءة بـ (الصَّافَّات) من التخفيف الذي كان يأمر به. والله أعلم.
(1)
وانظر نحو هذا الكلام في «كتاب الصلاة» (ص 300 - 301) و «تهذيب السنن» (1/ 232).
(2)
أخرجه بهذا اللفظ الحميدي في «مسنده» (453) من حديث أبي مسعود البدري، وهو في البخاري (90) بنحوه. وبنحوه أخرجه أيضًا البخاري (703) ومسلم (467) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه مسلم (469)، وبنحوه أخرجه البخاري (708).
(4)
ق، م، مب، ن:«ذلك» .
(5)
في «المجتبى» (826) و «الكبرى» (902، 11368) وقد سبق تخريجه (ص 235).
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم لا يعين في الصلوات سورةً بعينها لا يقرأ إلا بها، إلا في الجمعة والعيدين. وأما في سائر الصلوات فقد ذكر أبو داود
(1)
من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنه قال: ما من المفصَّل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يؤمُّ الناسَ بها في الصلاة المكتوبة.
وكان من هديه قراءة السورة كاملةً. وربما قرأها في ركعتين، وربما قرأ أول السورة. وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يُحفَظ عنه. وأما قراءة السورتين في ركعة، فكان يفعله في النافلة، وأما في الفرض فلم يُحفَظ عنه.
وأما حديث ابن مسعود: إني لأعرف النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرُن
(2)
بينهن: السورتين في ركعة، (الرحمن) و (النجم) في ركعة، و (اقتربت) و (الحاقة)
(3)
في ركعة، و (الطور) و (الذاريات) في ركعة، و (إذا وقعت) و (ن) في ركعة
(4)
…
الحديث، فهذا حكايةُ فعلٍ لم يعيَّن محلُّه، هل
(1)
برقم (814)، وأخرجه البيهقي (2/ 388)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، إسناده حسن مع أن فيه عنعنة محمد بن إسحاق. وله شاهد عند الطبراني (12/ 365) من حديث عبد الله بن عمر، فيه إسماعيل بن عياش وقد روى عن غير بلديِّه.
(2)
ق، م:«كان يقرن» ، تكرَّرت «كان» سهوًا.
(3)
من هنا وقع خرم طويل في م.
(4)
أخرجه البخاري (775) ومسلم (822) من طرق عن أبي وائل عن ابن مسعود به، مجملًا مع ذكر بعضها. وقد جاء هكذا مفسرًا عند أبي داود (1396) بإسناد صحيح عن علقمة والأسود كليهما عن ابن مسعود به، وتتمته:«و (سأل سائل، والنازعات) في ركعة، و (ويل للمطففين، وعبس) في ركعة، و (المدثر، والمزمل) في ركعة، و (هل أتى، ولا أقسم بيوم القيامة) في ركعة، و (عم يتساءلون، والمرسلات) في ركعة، و (الدخان، وإذا الشمس كورت) في ركعة» .
كان في الفرض أم
(1)
في النفل؟ وهو محتمل.
وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معًا فقلمَّا كان يفعله. وقد ذكر أبو داود
(2)
عن رجل من جهينة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح (إذا زلزلت) في الركعتين كلتيهما، قال: فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدًا.
فصل
وكان يطيل الركعة الأولى على الثانية من صلاة الصبح، ومن كلِّ صلاة. وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقعَ قدمٍ.
وكان يطيل صلاة الصبح أكثر من سائر الصلوات
(3)
. وهذا لأن قرآن الفجر مشهود. قيل: يشهده الله وملائكته، وقيل: تشهده
(4)
ملائكة الليل والنهار
(5)
. والقولان مبنيَّان على أن النزول الإلهي هل يدوم إلى انقضاء
(1)
ك: «أو» .
(2)
برقم (816)، وقد سبق تخريجه (ص 232).
(3)
أخرجه أحمد (19146) وأبو داود (802) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، والراوي عنه مبهم. وأخرجه البيهقي (2/ 66) من طريق آخر فيه أن الرجل المبهم هو طرفة الحضرمي. وطرفة هذا مجهول، وفيه أيضًا أبو إسحاق الحميسي، ضعيف، والحماني وهو يحيى بن عبد الرحمن، حافظ متهم بسرقة الحديث. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (513) وفصل القول فيه في «ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 312 - 313).
(4)
ك، ع:«يشهده» .
(5)
أما الأول فقد أخرجه الطبري في «جامع البيان» (15/ 34) وابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 279) من حديث أبي الدرداء، وفي إسناده زيادة بن محمد، منكر الحديث.
وأما الثاني فقد أخرجه البخاري (648) ومسلم (649) من حديث أبي هريرة. وأخرج أيضًا البخاري (555) ومسلم (632) من حديث أبي هريرة بلفظ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر» .
صلاة الصبح أو إلى طلوع الفجر؟ وقد ورد فيه هذا وهذا
(1)
.
وأيضًا فإنها لما نقصت
(2)
عددُ ركعاتها جُعِل تطويلُها عوضًا عما نقصته من العدد.
وأيضًا فإنها تكون عقيب النوم، والناس مستريحون.
وأيضًا فإنهم لم يأخذوا بعدُ في أشغال
(3)
المعاش وأسباب الدنيا.
وأيضًا فإنها تكون في وقتٍ يواطئ فيه السمعُ واللسانُ القلبَ، لفراغه وعدم تمكُّن الأشغال منه
(4)
، فيفهم القرآن ويتدبَّره.
(1)
أما إلى طلوع الفجر فقد أخرجه البخاري (1145) ومسلم (758) من حديث أبي هريرة، من طرق عنه. وذِكْر طلوع الفجر عند مسلم (758/ 169، 170) فقط، بلفظ:«يضيء الفجر» ، «ينفجر الصبح» .
وأما إلى صلاة الصبح فقد ورد في بعض طرق حديث أبي هريرة هذا بزيادة شك من أحد الرواة: «أو ينصرف القارئ من صلاة الصبح» . أخرجه أحمد (10544) وهناد بن السري في «الزهد» (884) والدارمي (1519) والبزار (14/ 319) وابن خزيمة في «التوحيد» (1/ 267، 268) والدارقطني في «النزول» (18، 19 - نشرة نشأت بن كمال) كلهم من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ومحمد بن عمرو هو ابن علقمة، صدوق له أوهام، ولعل هذا من أوهامه إذ لم يتابع عليه.
(2)
كذا في جميع الأصول والطبعة الهندية وغيرها، أنَّث الفعل من أجل الركعات، فاعتبر فيه المضاف إليه.
(3)
ص: «اشتغال» . وفي النسخ المطبوعة: «استقبال» ، تصحيف.
(4)
ص: «الاشتغال» . وفي ق، مب، ن:«فيه» ، تصحيف.
وأيضًا فإنها أساس العمل وأوله، فأعطيت فضلًا من الاهتمام بها وتطويلها.
وهذه أسرارٌ إنما يعرفها مَن له التفاتٌ إلى أسرار الشريعة ومقاصدها وحِكَمها. والله المستعان
(1)
.
فصل
وكان إذا فرغ من القراءة سكَت قدرَ
(2)
ما يترادُّ إليه نفَسُه
(3)
، ثم رفع يديه كما تقدَّم، وكبَّر راكعًا، ووضع كفَّيه على ركبتيه كالقابض عليهما، ووتَّر يديه فنحَّاهما عن جنبيه، وبسَط ظهرَه ومدَّه، واعتدل، فلم ينصِبْ رأسه ولم يخفِضه، بل يجعله حيالَ ظهره معادلًا له.
وكان يقول: «سبحان ربي العظيم»
(4)
. وتارةً يقول مع ذلك أو مقتصرًا عليه: «سبحانك اللهم ربَّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»
(5)
.
وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات، وسجوده كذلك
(6)
. وأما حديث البراء بن عازب: «رمَقتُ الصلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فكان قيامه، فركوعه، فاعتداله، فسجدته، فجلسته ما بين السجدتين= قريبًا من
(1)
ج: «والله أعلم» .
(2)
ك: «بقدر» .
(3)
تقدم تخريجه (ص 231).
(4)
أخرجه مسلم (772) من حديث حذيفة بن اليمان.
(5)
أخرجه البخاري (794) ومسلم (484) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(6)
هذا ما حزره سعيد بن جبير من صلاة عمر بن عبد العزيز في حديث أنس الآتي.
السَّواء»
(1)
، فهذا قد فهم منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره، ويعتدل كذلك.
وفي هذا الفهم شيء، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصبح بالمائة آية ونحوها، وقد تقدَّم أنه قرأ في المغرب بـ (الأعراف) و (الطور) و (المرسلات)، ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن بقدر هذه القراءة. ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل «السنن»
(2)
أنه قال: ما صلَّيتُ وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبهَ صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى. يعني: عمر بن عبد العزيز. قال: فحزَرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. هذا مع قول أنس
(3)
: إنه كان يؤمُّهم بـ (الصافات). فمراد البراء ــ والله أعلم ــ أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وتارةً يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحده، وفعَله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف. وهديهُ الغالب صلى الله عليه وسلم تعديل الصلاة وتناسبها.
وكان يقول أيضًا في ركوعه: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح»
(4)
،
(1)
أخرجه البخاري (792) ومسلم (471).
(2)
أبو داود (888) والنسائي في «المجتبى» (1135) و «الكبرى» (725)، وأخرجه أحمد (12661) والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 308) وغيرهم. وفيه وهب بن مانوس، مجهول الحال. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 344).
(3)
كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو وهْم، والحديث لابن عمر كما سبق قريبًا.
(4)
أخرجه مسلم (487) من حديث عائشة رضي الله عنها.
وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي»
(1)
، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.
ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده»
(2)
، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا
(3)
، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء
(4)
: «ثم لا يعود» ، بل هي من زيادة يزيد
(5)
. وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ
(6)
مما يقدَّم
(1)
أخرجه مسلم (771) من حديث علي بن أبي طالب.
(2)
وهو في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم.
(3)
للمؤلف كتاب جليل في هذه المسألة: «رفع اليدين في الصلاة» ، وقد عدّ فيه أكثر من ثلاثين نفسًا من الصحابة في بداية الكتاب (ص 7 - 8) وسردها كلها بأسانيدها. وقد سبق إليه البخاري إذ عدّ 17 نفسًا بعد ما روى عن علي بن أبي طالب في أول كتابه الحافل:«جزء رفع اليدين» .
(4)
أخرجه البخاري في «رفع اليدين» (ص 84) وأبو داود (749) وأبو يعلى (1690) والدارقطني (1129). قال أبو داود عقب (752): «هذا الحديث ليس بصحيح» . وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص 43 - 50).
(5)
زاد الفقي بعده: «بن زياد» خلافًا للطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة. والصواب أنه يزيد بن أبي زياد.
(6)
أخرجه أحمد (3681) وأبو داود (748، 751) والترمذي (257) والنسائي في «المجتبى» (1058) و «الكبرى» (749، 110) والبيهقي (2/ 78) وغيرهم. قال أبو داود عقب (748): «وليس هو بصحيح على هذا اللفظ» . وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص 50 - 56). ونقل الترمذي عقب (256) عن ابن المبارك أنه قال: «ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرفع إلا في أول مرة» .
على هديه المعلوم. فقد تُرِك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء
(1)
ليس معارضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فتُرِك من فعله: التطبيقُ، والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما
(2)
، وصلاته الفرضَ في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء. وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحَّةً وصراحةً وعملًا؟ وبالله التوفيق.
وكان دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع
(3)
والسجود». ذكره ابن خزيمة في «صحيحه»
(4)
.
وكان إذا استوى قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد»
(5)
، وربما قال: «ربَّنا لك
(1)
ج، ك:«أشياء في الصلاة» ..
(2)
في جميع النسخ: «عليهم» ، وكذا «وسطهم» من قبل إلا في ق، مب، ن، فإن فيها «وسطهما» .
(3)
العبارة «وبين السجدتين
…
الركوع» ساقطة من ك لانتقال النظر.
(4)
برقم (591، 592، 666) من حديث أبي مسعود البدري. وأخرجه أحمد (17073) وأبو داود (855) والترمذي (265) والنسائي في «المجتبى» (1027، 1111) و «الكبرى» (703، 1101) وابن ماجه (870). صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان (1892، 1893) والدارقطني في «السنن» (1315) والبيهقي (2/ 88). وأخرجه ابن خزيمة (593، 667) أيضًا من حديث علي بن شيبان بلفظ: «لا صلاة لمن لا يقيم صلبه
…
»، وكذلك ابن أبي شيبة (2974) وأحمد (16297) وابن ماجه (871) والبيهقي (3/ 105)، صححه ابن خزيمة.
(5)
متفق عليه من حديث أبي هريرة وأنس وعبد الله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم.
الحمد»
(1)
، وربما قال
(2)
(3)
، صحَّ عنه ذلك كلُّه. وأما الجمع بين «اللهمَّ» و «الواو» فلم يصحَّ
(4)
.
وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع والسجود. فصحَّ عنه أنه كان
(5)
يقول فيه
(6)
(7)
.
(1)
أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (722) وأنس (733).
(2)
العبارة «ربَّنا لك الحمد
…
قال» ساقطة من ك لانتقال النظر أيضًا.
(3)
أخرجه البخاري (796، 3228) ومسلم (409) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
كذا قال رحمه الله، ولعله اعتمد على ما روى أبو داود في «مسائله» عن الإمام أحمد (ص 51) قال: قلت: لا يعجبك أن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد؟ فقال: «ما سمعنا في هذا شيئًا» . وذهب عليه أن البخاري (795) أخرجه بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، وكذلك مالك في رواية أبي مصعب الزهري (225). وانظر:«فتح الباري» (2/ 283).
(5)
«كان» ساقط من ك.
(6)
«فيه» ساقط من المطبوع.
(7)
أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (477) ومن حديث ابن عباس (478) دون ذكر «سمع الله لمن حمده» فيهما. وهو عند أبي داود (847) والنسائي في «المجتبى» (1068) و «الكبرى» (659) وأبي عوانة (1843) وغيره من حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عباس عند النسائي في «المجتبى» (1066) و «الكبرى» (657) وأبي عوانة (1844) وغيرهما.
وصحَّ عنه أنه كان يقول فيه: «اللهمَّ اغسِلْني من خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد، ونقِّني من الذنوب والخطايا كما نقَّيتَ الثوب الأبيض من الدَّنَس، وباعِدْ بيني وبين خطايايَ كما باعدتَ بين المشرق والمغرب»
(1)
.
وصحَّ عنه أنه كررَّ
(2)
فيه قولَ: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد» ، حتى كان بقدر ركوعه
(3)
.
وصحَّ عنه أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يمكُث حتى يقول القائل: قد نسي، من إطالته لهذا الركن. فذكر مسلم
(4)
عن أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
(1)
أخرج بنحوه مسلم (476) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وكذلك البخاري في «الأدب المفرد» (684) والطيالسي (863) وأحمد (19118) والنسائي (402) مختصرًا وأبو عوانة (1849، 1848). وليس فيه أنه قاله بعد الركوع وإن كان ورد ذلك في حديث ابن أبي أوفى من وجه آخر. وانظر: «فتح الباري» لابن رجب (5/ 78).
(2)
ك: «يكرر» .
(3)
أخرجه أحمد (23375) وأبو داود (874) والترمذي في «الشمائل» (275) والنسائي في «المجتبى» (1069، 1145) و «الكبرى» (660، 735، 1383) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن رجل من عبس عن حذيفة، وقال النسائي في «الكبرى» عقب (1383):«أبو حمزة عندنا ــ والله أعلم ــ طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة بن زفر» ، وطلحة بن يزيد وثقه النسائي وابن حجر. فالإسناد صحيح، والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 28 - 30). وأصله عند مسلم (772) من طريق المستورد بن الأحنف عن صلة بن زفر عن حذيفة به، وليس فيه محل الشاهد بل عنده:«ثم قال: سمع الله لمن حمده» .
(4)
برقم (473).
قال: «سمع الله لمن حمده» قام حتى نقول
(1)
: قد أوهَمَ. ثم يسجد، ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَمَ.
وصح عنه أيضًا في صلاة الكسوف أنه أطال هذا الركن بعد الركوع حتى كان قريبًا من ركوعه، وكان ركوعه قريبًا من قيامه
(2)
.
فهذا هديه المعلوم الذي لا معارض له بوجه.
وأما حديث البراء بن عازب: «كان ركوع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء» ، رواه البخاري
(3)
؛ فقد تشبَّث به من ظنَّ تقصير هذين الركنين، ولا متعلَّق له به، فإنَّ الحديث مصرَّح فيه بالتسوية بين هذين الركنين وبين سائر الأركان. فلو كان القيام والقعود المستثنى هو القيام بعد الركوع والقعود بين السجدتين لناقض الحديثُ الواحدُ بعضُه بعضًا، فيتعيَّن قطعًا أن يكون المراد بالقيام والقعود قيام القراءة وقعود التشهد. وهذا كان هديه فيهما صلى الله عليه وسلم: إطالتهما على سائر الأركان، كما تقدَّم بيانه. وهذا بحمد الله واضح، وهو مما خفي من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته على من شاء الله أن يخفى عليه
(4)
.
(1)
في ك: «حتى يقول القائل» هنا وفيما يأتي.
(2)
أخرجه البخاري (1044) ومسلم (901) من حديث عائشة، وعندهما ذكر تطويل هذا الركن جدًّا فقط، وجاء مصرَّحًا عند النسائي في «المجتبى» (1497) و «الكبرى» (1897):«فركع ركوعًا طويلًا مثل قيامه أو أطول» .
(3)
برقم (792)، وكذلك مسلم (471)، وقد تقدم.
(4)
وانظر: «كتاب الصلاة» (ص 295 - 296).
قال شيخنا: وتقصير هذين الركنين مما تصرَّف فيه أمراء بني أمية في الصلاة وأحدثوا فيها، كما أحدثوا ترك إتمام
(1)
التكبير، وكما أحدثوا التأخير الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه صلى الله عليه وسلم، ورأى في ذلك من رأى
(2)
حتَّى ظُنَّ أنه من السنة.
فصل
ثم كان يكبِّر ويخِرُّ ساجدًا، ولا يرفع يديه. وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضًا، وصحَّحه بعض الحفاظ كابن حزم
(3)
. وهو وهم، فلم يصحَّ عنه
(4)
ذلك البتة. والذي
(5)
غرَّه أن الراوي غلط من قوله: «كان يكبِّر في كلِّ خفض ورفع»
(6)
، إلى قوله:«كان يرفع يديه في كلِّ خفض ورفع» وهو ثقة
(7)
؛ ولم
(1)
ك: «تمام» .
(2)
العبارة «ورأى في ذلك مَن رأى» انفردت بها ق، يعني: وذهب إلى استحباب بعض ما أحدثوه من ذهب برأيه. وهذا نحو قول المؤلف في «كتاب الصلاة» : «
…
وصار ذلك ــ أعني: تقصير الاعتدالين ــ شعارًا حتى استحبَّه بعض الفقهاء وكره إطالتهما». وفي ن: «ورُبِّي في ذلك من رُبِّي» .
(3)
في «المحلى» (3/ 235).
(4)
سقط «عنه» من ك، وفيها أيضًا:«ولم يصح» .
(5)
«الذي» ساقط من ك.
(6)
أخرجه البخاري (785) ومسلم (392) كلاهما من طريق مالك (199) من حديث أبي هريرة. وأخرجه أيضًا البخاري من حديث علي بن أبي طالب (784) وعبد الله بن عباس (787).
(7)
وهو عبيد الله بن عمر العمري الثقة عن نافع عن ابن عمر، فيما أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (5831) وقال:«وكان هذا الحديث من رواية نافع شاذًّا لما رواه عبيد الله، وقد روي هذا الحديث عن نافع بخلاف ما رواه عنه عبيد الله» . انظر التخريج السابق. وقد ورد مصرَّحًا في حديث ابن عمر أنه لم يفعل ذلك في السجود، أخرجه مالك (196) والبخاري (735، 736، 738، 739) ومسلم (390).
يتفطَّن لسبب غلطه ووهمه، فصحَّحه. والله أعلم.
وكان يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه. هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر: رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه
(1)
. ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك
(2)
.
وأما حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُكُ البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه»
(3)
، فالحديث ــ والله أعلم ــ قد وقع فيه وهمٌ
(1)
أخرجه الدارمي (1359) وأبو داود (838) والترمذي (268) والنسائي في «المجتبى» (1089، 1154) و «الكبرى» (680، 744) وابن ماجه (882)، ومدار الحديث على شريك بن عبد الله النخعي، فيه لين، وبه أعله البخاري والترمذي والبزار (4483) والنسائي (1154) والدارقطني (1307). وقد روي عن عاصم بن كليب عن أبيه مرسلًا، أخرجه أبو داود في «السنن» (736، 839) و «المراسيل» (ص 94) والبيهقي في «معرفة السنن» (3/ 17)، قال البيهقي: وهو المحفوظ. للحديث طرق أخرى عند أبي داود (736، 839) والطبراني (22/ 27) والبيهقي (2/ 98، 99) ولكنها ضعيفة. وله شاهد أيضًا من حديث أنس عند الدارقطني (1308) والحاكم (1/ 337) والبيهقي (2/ 99)، وفي إسناده مجهول. انظر:«التلخيص الحبير» (2/ 724 - 726) و «تنقيح التحقيق» (2/ 249 - 255).
(2)
كذا قال، وسيأتي من حديث ابن عمر.
(3)
سيأتي الكلام على الحديث عند المؤلف وثمَّ التخريج.
من بعض الرواة، فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع
(1)
يديه قبل ركبتيه فقد برَك كما يبرُك البعير، فإنَّ البعير إنما يضع يديه أولًا. ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه؛ فهو إذا برَك وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهيُّ عنه، وهو فاسد لوجوه
(2)
:
أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين
(3)
، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه
(4)
على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وفعَل خلافَه. فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.
فكان يضع ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولًا، ثم يديه، ثم ركبتيه. وهذا عكس فعل البعير، وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات، فنهى عن بروكٍ كبروك البعير، والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراشٍ كافتراش السَّبُع، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، ونَقْرٍ كنقر الغراب، ورفعِ الأيدي وقتَ السلام كأذناب الخيل الشُّمُس
(5)
. فهديُ المصلِّي مخالفٌ لهدي الحيوانات.
(1)
ك: «رفع» ، تصحيف.
(2)
ك: «من وجوه» .
(3)
ق: «قائمتان» ، وكذا في الطبعة الهندية. وفي النسخ الأخرى:«تبقى رجليه قائمة» !
(4)
ما عدا ق، مب، ن:«يديه» .
(5)
أما الالتفات كالتفات الثعلب والإقعاء كإقعاء الكلب، فقد وردا في حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (8106)، والحديث ضعيف، وانظر: تعليق محققي «المسند» (7595). وأما الافتراش كافتراش السبع والنقر كنقر الغراب، فقد أخرجه أحمد (1553) من حديث عبد الرحمن بن شبل، وهو ضعيف كذلك، وانظر: تعليق محققي «المسند» عليه. وأما رفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فقد أخرجه مسلم (431) من حديث جابر بن سمرة. وقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما النهي عن انبساط الذراعين في الصلاة كالكلب.
الثاني: أن قولهم: «ركبتا البعير في يديه» كلام لا يُعقَل ولا يعرفه أهل اللغة
(1)
، وإنما الرُّكبة في الرِّجلين، وإن أُطلق على اللتين في يديه اسمُ الركبة فعلى سبيل التغليب.
الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرُكْ كما يبرُك البعير، فإنَّ أول ما يمسُّ الأرض من البعير يداه.
وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمَّل بروكَ البعير وعَلِم نهيَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن بروكٍ كبروك البعير= علِمَ أنَّ حديث وائل بن حُجْر هو الصواب. والله أعلم.
وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه
(2)
، ولعله:«وليضع ركبتيه قبل يديه» ، كما انقلب على بعضهم حديث عائشة وابن عمر
(3)
: «إن بلالا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أم
(1)
وكذا في «سفر السعادة» للفيروزابادي (ص 12) نقلًا من كتابنا دون إشارة. والحق أن قولهم هو المشهور عند أهل اللغة. انظر: «خلق الإنسان» للأصمعي (ص 205 - ضمن الكنز اللغوي) و «الحيوان» للجاحظ (2/ 355) و «خلق الإنسان» للحسن بن أحمد (144 - 145).
(2)
بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «وأصله» ، كأن «ولعلّه» تحرَّف في نسخة إلى «وأصله» ، ثم جمعوا بين الصواب وتحريفه.
(3)
هكذا في ك. وكان في ص بياض بعد لفظ «حديث» هنا وفيما يأتي، فكتب بعضهم فيما بعد هنا كما أثبت مع علامة «صح» ، وفيما يأتي:«أبي هريرة» . ولا بياض في ج، ق. غير أن بعضهم زاد في ج هنا «عائشة» فقط، و «أبي هريرة» فيما يأتي. وفي مب، ن:«حديث ابن عمر» .
مكتوم»
(1)
، فقال: «إنَّ
(2)
ابن أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال»
(3)
؛ وكما انقلب على بعضهم حديث أبي هريرة: «لا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد» ، إلى أن قال:«وأمَّا الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا يُسكِنهم إياها» فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم إياها»
(4)
.
حتى رأيت أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة
(5)
: حدثنا محمد بن
(1)
أخرجه البخاري (622، ومواضع) ومسلم (1092) من حديث عبد الله بن عمر.
(2)
«إن» ساقطة من المطبوع. وفي ك: «بأن» في موضع «فقال إن» .
(3)
أخرجه أبو يعلى (4385) وابن خزيمة (406) وابن حبان (3473) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام عن عروة عن عائشة، وإسناده صحيح. وقد ذكر المؤلف القلب في هذا الحديث في «أحكام أهل الذمة» (2/ 1106)، وسيذكره مرة أخرى في هذا الكتاب أيضًا. وانظر:«أعلام الموقعين» (3/ 317 - 318). وقد حاول الحافظ الجمع بين الروايتين والردَّ على دعوى القلب، وقد كان يميل إليه أولًا. انظر:«فتح الباري» (2/ 102 - 103).
(4)
أما الرواية الصحيحة، فقد أخرجها من حديث أبي هريرة البخاري (4850) ومسلم (2846)، ومن حديث أنس البخاري (7384) ومسلم (2848/ 39). وأما الرواية المقلوبة فقد أخرجها البخاري (7449) من حديث أبي هريرة .. قال الحافظ في «الفتح» (13/ 436 - 437):«قال أبو الحسن القابسي: المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقًا، وأمّا النار فيضع فيها قدمه. قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا، انتهى» . والقول بأن هذا الحديث مقلوب نقله المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (2/ 1104 - 1106) وفي هذا الكتاب قبل بداية «فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين» عن شيخ الإسلام، وتكلَّم على القلب فيه في «حادي الأرواح» (2/ 754، 801) أيضًا.
(5)
برقم (2717) ــ ومن طريقه أبو يعلى (6540) ــ، وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 255) و «شرح المشكل» (182) والبيهقي (2/ 100) وقال: «إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف، والذي يعارضه يتفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن وعنه الدراوردي، ثم ذكر حديث أبي هريرة الآتي بلفظ: يعمد أحدكم
…
». وانظر التخريج التالي.
فضيل، عن عبد الله
(1)
بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرُكْ بروكَ الفحل» ، ورواه الأثرم في «سننه»
(2)
عن أبي بكر كذلك.
وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا ما يصدِّق ذلك ويوافق حديث وائل بن حُجْر. قال ابن أبي داود
(3)
: حدثنا يوسف بن عدي، حدَّثنا ابن فُضَيل، عن عبد الله
(4)
بن سعيد، عن جدِّه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه.
(1)
ما عدا ق، مب، ن:«عبيد الله» .
(2)
ذكره عنه ابن قدامة في «المغني» (2/ 194)، والحافظ في «فتح الباري» (2/ 291) وضعف إسناده. وأجاب عن الانقلاب صاحب «عون المعبود» (2/ 89) بأن لهذا الحديث طريقين، وفي كليهما عبد الله بن سعيد، وقد ضعفه يحيى القطان وابن معين وأحمد وأبو أحمد الحاكم وأبو زرعة وأبو حاتم وابن عدي، ثم قال:«فهما لضعفهما ليستا على الدلالة على الانقلاب المذكور في شيء» ، وقال الألباني في «الإرواء» (2/ 79): «فهو حديث باطل تفرد به عبد الله، وهو ابن سعيد المقبري، وهو واه جدًّا، بل اتهمه بعضهم بالكذب،
…
وأحسن الظن بهذا المتهم أنه أراد أن يقول: (فليبدأ بيديه قبل ركبتيه) كما في الحديث الصحيح، فانقلب عليه فقال:(بركبتيه قبل يديه)».
(3)
أخرجه عنه الطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 255)، وفيه عبد الله بن سعيد المقبري، ضعيف، وانظر التخريج السابق.
(4)
ك: «عبيد الله» ، تصحيف.
وقد روى ابن خزيمة في «صحيحه»
(1)
من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه قال:«كنَّا نضع اليدين قبل الركبتين، فأُمِرْنا بالركبتين قبل اليدين» . وعلى هذا، فإن كان حديث أبي هريرة محفوظًا فإنه منسوخ. وهذه طريقة صاحب «المغني»
(2)
وغيره. ولكن للحديث علَّتان:
إحداهما: أنه من رواية يحيى بن سلَمة بن كُهَيل، وليس ممن يحتجُّ به، قال النسائي: هو
(3)
متروك. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا لا يحتج به. وقال ابن معين: ليس بشيء
(4)
.
الثانية: أن المحفوظ من رواية مصعب بن سعد عن أبيه في
(5)
هذا، إنما هو قصةُ التطبيق، وقولُ سعد
(6)
: كنا نصنع هذا، فأُمِرْنا أن نضَع أيدينا على الرُّكَب.
وأما قول صاحب «المغني» : «وروي عن أبي سعيد قال: كنا نضع اليدين
(1)
برقم (628)، قال الحافظ في «الفتح» (2/ 291):«وادعى ابن خزيمة أن حديث أبي هريرة منسوخ بحديث سعد هذا، لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه، وهما ضعيفان» .
(2)
(2/ 194).
(3)
«هو» ساقط من ق، مب، ن.
(4)
انظر لأقوال هؤلاء: «الضعفاء» للنسائي (631) ط. دار الوعي، «المجروحين» لابن حبان (3/ 112) ط. دار الوعي، «تاريخ ابن معين» للدوري (3/ 277). وفيه أيضًا ابنه إسماعيل وحفيده إبراهيم بن إسماعيل، وكلاهما نظيرُه.
(5)
«في» ساقط من ق، مب، ن.
(6)
أخرجه مسلم (535).
قبل الركبتين، فأُمِرنا بوضع الركبتين قبل اليدين»، فهذا ــ والله أعلم ــ وهمٌ في الاسم، وإنما هو عن سعد؛ وهو أيضًا وهمٌ في المتن كما تقدَّم، وإنما هو في قصة التطبيق. والله أعلم.
وأما حديث أبي هريرة المتقدِّم
(1)
، فقد علَّله البخاري والترمذي والدارقطني. قال البخاري
(2)
: محمد بن عبد الله بن حسن لا يتابع عليه، وقال: لا أدري سمع من أبي الزناد أم لا؟ وقال الترمذي
(3)
: غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. وقال الدارقطني
(4)
: تفرد به الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، عن أبي الزناد.
وقد ذكر النسائي
(5)
عن قتيبة، حدثنا عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله بن حسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم:«يعمِدُ أحدكم في صلاته، فيبرُك كما يبرُك الجمل!» ، ولم يزد. قال
(6)
(1)
في (ص 253). والحديث أخرجه أحمد (8955) والدارمي (1327) والبخاري في «التاريخ الكبير» (1/ 139) وأبو داود (840) والنسائي في «المجتبى» (1091) و «الكبرى» (682) والدارقطني (1304) والبيهقي (2/ 99).
(2)
في «التاريخ الكبير» (1/ 139).
(3)
عقب الحديث (269).
(4)
كما في «الغرائب والأفراد» (2/ 297، رقم 5254 - الأطراف).
(5)
في «المجتبى» (1089) و «الكبرى» (681)، وأخرجه أبو داود (841) والترمذي (269) والبيهقي (1/ 100). وقال الترمذي: غريب. ومداره كذلك على محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي، وقد سبق كلام البخاري فيه قريبًا.
(6)
ك: «وقال» .
أبو بكر بن أبي داود
(1)
: هذه سنَّة تفرَّد بها أهل المدينة، ولهم فيها إسنادان، هذا أحدهما، والآخر عن عبيد الله
(2)
عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: أراد الحديث الذي رواه أصبغ بن الفرج عن الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك
(3)
. رواه الحاكم في «المستدرك»
(4)
من طريق مُحْرِز بن سلَمة عن الدراوردي، وقال: على شرط مسلم.
وقد روى الحاكم
(5)
من حديث حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم انحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه» .
(1)
نقله عنه الدارقطني كما في «الغرائب» (2/ 297 - الأطراف)، وتتمته:«وهذا قول أصحاب الحديث: وضع اليدين قبل الركبتين» .
(2)
ك: «عبد الله» .
(3)
أخرجه أبو داود (6/ 156 - تحفة الأشراف) وابن خزيمة (627) والطحاوي في «شرح المعاني» (1/ 254). وأخرجه من طريق آخر عبد الرزاق (2934) والحاكم (1/ 226) والبيهقي (2/ 100) عن نافع به. وأعلَّه الدارقطني في «العلل» (2912) ورجح الموقوف على ابن عمر من فعله، وكذلك البيهقي. والموقوف علّقه البخاري مجزومًا به في التبويب على الحديث (803).
(4)
(1/ 266)، وقد سبق ذكره في التخريج السابق.
(5)
(1/ 266). وأخرجه الدارقطني (1308) والبيهقي (2/ 99) والضياء المقدسي في «المختارة» (6/ 293، 294). وفيه العلاء بن إسماعيل الراوي عن حفص بن غياث، مجهول، وعدّ الدارقطني هذا الحديث من تفرداته. وقال الحافظ في «لسان الميزان» (5/ 462):«وخالفه عمر بن حفص بن غياث، وهو من أثبت الناس في أبيه، فرواه عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة وغيره عن عمر موقوفًا عليه، وهذا هو المحفوظ» . وانظر: «المحلى» (3/ 128 - 130).
قال
(1)
الحاكم: على شرطهما ولا أعلم له علَّةً.
قلت: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم
(2)
: سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر. انتهى
(3)
. وإنما أنكره ــ والله أعلم
(4)
ــ لأنه من رواية العلاء بن إسماعيل العطار عن حفص بن غياث، والعلاء هذا مجهول لا ذكر له في الكتب الستة.
فهذه الأحاديث المرفوعة من الجانبين، كما ترى.
وأما الآثار عن الصحابة، فالمحفوظ عن عمر بن الخطاب أنه كان يضع ركبتيه قبل يديه. ذكره عنه عبد الرزاق وابن المنذر
(5)
وغيرهما. وهو المروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ذكره الطحاوي
(6)
عن فهد عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أصحاب
(1)
ك: «وقال» .
(2)
في «العلل» (539).
(3)
«انتهى» من ق، مب، ن.
(4)
لم يرد «والله أعلم» في ص.
(5)
أما عبد الرزاق فأخرجه (2955) من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عمر، وهو عند ابن أبي شيبة (2718)، وهو منقطع بين إبراهيم وعمر. وأما ابن المنذر فأخرجه في «الأوسط» (3/ 327) عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر، وهو عند ابن أبي شيبة (2719)، وإسناده متصل.
(6)
في «شرح المعاني» (1/ 256). أما أثر عمر رضي الله عنه فإسناده صحيح، وفهد شيخ الطحاوي هو ابن سليمان النخاس، يُكثر عنه الطحاوي الرواية، قال الذهبي في «تاريخ الإسلام» (6/ 588): كان ثقةً ثبتًا. وأما أثر ابن مسعود رضي الله عنه ففيه الحجاج بن أرطاة، فيه لين.
عبد الله
(1)
علقمة والأسود قالا: حفظنا من عمر في صلاته أنه خرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخِرُّ البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه. ثم ساق من طريق الحجاج بن أرطاة قال: قال إبراهيم النخعي: حُفِظ من عبد الله بن مسعود أن ركبتيه كانتا
(2)
تقعان إلى الأرض قبل يديه. وذكر عن ابن مرزوق
(3)
، عن وهب، عن شعبة، عن مغيرة
(4)
قال: سألت إبراهيم عن الرجل يبدأ بيديه قبل ركبتيه إذا سجد؟ قال: أو يصنع ذلك إلا أحمق أو مجنون!
قال ابن المنذر
(5)
: «وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه: عمر بن الخطاب. وبه قال النخعي، ومسلم بن يسار، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة. وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك. وقال الأوزاعي
(6)
: أدركتُ الناسَ يضعون أيديهم قبل ركبهم». قال ابن أبي داود
(7)
: وهو قول أصحاب الحديث.
قلت: وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ذكره البيهقي
(8)
، وهو:
(1)
لفظ «عبد الله» ساقط من ك.
(2)
ص، ج، ع:«كانت» .
(3)
في النسخ المطبوعة: «أبي مرزوق» ، وهو خطأ.
(4)
ك: «بن مغيرة» ، خطأ.
(5)
في «الأوسط» (3/ 326 - 327).
(6)
أخرجه حرب الكرماني في «مسائله» (ص 255) بسند صحيح.
(7)
نقله عنه الدارقطني كما سبق.
(8)
في «السنن الكبرى» (2/ 100).
«إذا سجد أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُك البعير، وليضَعْ يديه على ركبتيه» . قال البيهقي: فإن كان محفوظًا كان دليلًا على أنه يضع يديه على ركبتيه
(1)
عند الإهواء إلى السجود.
وحديث وائل بن حجر أولى لوجوه:
أحدها: أنه أثبَتُ من حديث أبي هريرة، قاله الخطابي
(2)
وغيره.
الثاني: أن حديث أبي هريرة مضطرب المتن كما تقدَّم. فمنهم من يقول فيه: «وليضَعْ يديه قبل ركبتيه» ، ومنهم من يقول بالعكس، ومنهم من يقول:«وليضع يديه على ركبتيه» ، ومنهم من يحذف هذه الجملة رأسًا.
الثالث: ما تقدَّم من تعليل البخاري والدارقطني وغيرهما له.
الرابع: أنه على تقدير ثبوته قد ادعى فيه جماعة من أهل العلم النسخ، قال ابن المنذر
(3)
: وقد زعم بعض أصحابنا أن وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ، وقد تقدَّم ذلك.
الخامس: أنه الموافق لنهي النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن بروك كبروك الجمل في الصلاة، بخلاف حديث وائل بن حُجْر
(4)
.
السادس: أنه الموافق للمنقول عن الصحابة كعمر بن الخطاب، وابنه،
(1)
ق، ك، مب، ن:«قبل ركبتيه» ،. وفي «سنن البيهقي» كما أثبت من ص، ج، ع.
(2)
في «معالم السنن» (1/ 208).
(3)
في «الأوسط» (3/ 328)، ولعله أراد ببعض أصحابه ابنَ خزيمة.
(4)
كذا في جميع النسخ والطبعات القديمة، وأثبت الشيخ الفقي:«حديث أبي هريرة» ، وتابعته طبعة الرسالة دون تنبيه.
وعبد الله بن مسعود. ولم ينقل عن أحد منهم ما يوافق حديث أبي هريرة إلا عن ابن عمر
(1)
على اختلاف عنه
(2)
.
السابع: أن له شواهد من حديث ابن عمر وأنس كما تقدم، وليس لحديث أبي هريرة شاهد
(3)
؛ فلو تقاوَما لقُدِّم حديثُ وائل بن حُجْر من أجل شواهده، فكيف وحديث وائل أقوى كما تقدَّم؟
(4)
.
الثامن: أن أكثر الناس عليه، والقول الآخر إنما يُحفَظ عن الأوزاعي ومالك. وأما قول ابن أبي داود: إنه قول أهل الحديث، فإنما أراد به بعضهم، وإلا فأحمد وإسحاق والشافعي على خلافه. والله أعلم.
التاسع: أنه حديث فيه قصَّة محكيَّة سبقت حكايةَ فعلِه
(5)
صلى الله عليه وسلم، فهي أولى أن تكون محفوظة؛ لأن الحديث إذا كان فيه قصة دلَّ على أنه حُفِظ.
العاشر: أنَّ الأفعال المحكية فيه كلَّها ثابتة صحيحة من رواية غيره، فهي أفعال معروفة صحيحة، وهذا واحد منها، فله حكمها. ومعارضُه ليس مقاومًا له، فيتعيَّن ترجيحُه
(6)
. والله أعلم.
(1)
ق، ن:«عن عمر» وهو خطأ.
(2)
لم يرد «على اختلاف عنه» في ق.
(3)
قد سبق أنَّ لحديث أبي هريرة شاهدًا من حديث ابن عمر.
(4)
قال الحاكم (1/ 337) بعد حديث وائل بن حجر هذا: «فأما القلب في هذا فإنه إلى حديث ابن عمر أميل لروايات في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين» .
(5)
في النسخ المطبوعة: «سيقت لحكاية فعله» . وهو تحريف.
(6)
وانظر: «كتاب الصلاة» للمصنف (ص 418 - 424)، و «تهذيب السنن» (1/ 218 - 224).
وكان صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته وأنفه، دون كَوْر العمامة. ولم يثبت عنه السجود على كَوْر العمامة في حديث صحيح ولا حسن، ولكن روى عبد الرزاق في «المصنَّف»
(1)
عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كَوْر عمامته» . وهو من رواية عبد الله بن محرَّر
(2)
، وهو متروك. وذكره أبو أحمد
(3)
من حديث جابر ولكنه من رواية عمرو بن شِمْر عن جابر الجعفي، متروك عن متروك. وقد ذكر أبو داود في «المراسيل»
(4)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي يسجد
(5)
بجبينه، وقد اعتمَّ على جبهته، فحسَر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبهته
(6)
.
(1)
برقم (1564)، قال أبو حاتم في «علل الحديث» لابنه:«هذا حديث باطل، وابن محرر ضعيف الحديث» .
(2)
في جميع النسخ ما عدا ج ــ وكأنه أصلح ــ: «محرز» ، تصحيف.
(3)
في طبعة الفقي ــ وكذا في طبعة الرسالة ــ بعده زيادة: «الزبيري» ولا أدري من أين جاء بها! والظاهر أن المؤلف يقصد أبا أحمد ابن عدي إذ أخرجه في «الكامل» في ترجمة عمرو بن شمر (7/ 577) وقال: إنه غير محفوظ.
(4)
رقم (84).
(5)
ق، ك، مب، ن:«فسجد» . والمثبت من غيرها موافق لما في «المراسيل» .
(6)
قال البيهقي (2/ 106): «وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود على كور العمامة، فلا يثبت شيء من ذلك، وأصح ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم» ثم ساق بإسناده: «أنهم كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على عمامته» . أثر الحسن هذا أخرجه أيضًا عبد الرزاق (1566) وابن أبي شيبة (2754)، وإسناده صحيح، وعلقه البخاري مجزومًا به في التبويب على الحديث (385)، انظر:«فتح الباري» (3/ 30 - 35). وانظر لجميع ما ورد في الباب مرفوعًا: «التلخيص الحبير» (2/ 721 - 723) و «نصب الراية» (1/ 384 - 386).
وكان يسجد على الأرض كثيرًا، وعلى الماء والطين، وعلى الخُمْرة المتخذة من خُوص النخل، وعلى الحصير المتخذ منه، وعلى الفروة المدبوغة.
وكان إذا سجد مكَّن جبهته وأنفه من الأرض، ونحَّى يديه عن جنبيه، وجافى بهما حتى يُرى بياض إبطيه. ولو شاءت بَهْمة ــ وهي الشاة الصغيرة ــ أن تمرَّ تحتهما لمرَّتْ
(1)
.
وكان يضع يديه حذوَ منكبيه وأذنيه، وفي «صحيح مسلم»
(2)
عن البراء أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سجدتَ فضَعْ كفَّيك، وارفَعْ مرفقَيك» .
وكان يعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة
(3)
.
وكان يبسُط كفَّيه وأصابعه، لا يفرِّج بينها ولا يقبضها
(4)
. وفي «صحيح ابن حبان»
(5)
: «كان إذا ركع فرَّج أصابعه، وإذا سجد ضمَّ أصابعه» .
وكان يقول: «سبحان ربِّي الأعلى» ، وأمر به
(6)
.
(1)
انظر: «جامع الترمذي» (270) و «صحيح مسلم» (495 - 497).
(2)
برقم (494).
(3)
انظر: «صحيح البخاري» (828).
(4)
في النسخ: «بينهما ولا يقبضهما» .
(5)
برقم (1920) من حديث وائل بن حجر، وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (594) ــ الشطر الأول فقط ــ والطبراني (22/ 19) والدارقطني (1283) والحاكم (1/ 224، 227) ومن طريقه البيهقي (2/ 112). وفيه هشيم بن بشير وقد عنعن، وكذلك اختلف في سماع علقمة بن وائل عن أبيه.
(6)
أخرجه مسلم (772) من حديث علي بن أبي طالب. وأما الأمر به فقد أخرجه الطيالسي (347) وابن أبي شيبة (2590) وأبو داود (886) والترمذي (261) وابن ماجه (890) من حديث ابن مسعود، وفيه انقطاع. وانظر:«ضعيف أبي داود- الأم» (1/ 341 - 342).
وكان يقول: «سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك، اللهمَّ اغفر لي»
(1)
.
وكان يقول: «سُبُّوح قُدُّوس ربُّ الملائكة والروح»
(2)
.
وكان يقول: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت»
(3)
.
(4)
.
(5)
.
وكان يقول: «اللهمَّ اغفِرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسِرَّه»
(6)
.
وكان يقول: «اللهمَّ اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما
(1)
أخرجه البخاري (794، ومواضع) ومسلم (484) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
أخرجه مسلم (484) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(3)
أخرجه مسلم (485) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(4)
أخرجه مسلم (486) من حديث أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها.
(5)
أخرجه مسلم (771) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(6)
أخرجه مسلم (483) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
أنت أعلم به منِّي. اللهم اغفر لي جِدِّي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي. اللهمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ. أنت إلهي
(1)
، لا إله إلا أنت»
(2)
.
وكان يقول: «اللهمَّ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، واجعل لي نورًا، أو
(3)
: واجعلني نورًا»
(4)
.
وأمر بالاجتهاد في الدعاء في السجود وقال: «إنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم»
(5)
. وهل هذا أمرٌ بأن يُكثِر من
(6)
الدعاء في السجود، أو أمرٌ بأن الداعي إذا دعا في محلٍّ، فليكن
(7)
في السجود؟ وفرقٌ بين الأمرين. وأحسن ما يحمل عليه الحديث أن الدعاء نوعان: دعاء ثناء، ودعاء مسألة؛ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم كان يكثر في
(1)
الجملة «أنت إلهي» ساقطة من ك.
(2)
أخرجه البخاري (6398) ومسلم (2719) ــ واللفظ له ــ من حديث أبي موسى الأشعري إلا أن في آخر الدعاء: «أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير» وقوله: «أنت إلهي، لا إله إلا أنت» جزء من دعاء آخر كان يقوله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل، أخرجه البخاري (7499) ومسلم (697) من حديث ابن عباس، وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه (ص 160).
(3)
«أو» من ق وحدها، وكذا في «صحيح مسلم». والعبارة «أو: واجعلني نورًا» ساقطة من مب.
(4)
أخرجه مسلم (763) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
أخرجه مسلم (479) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(6)
ص، ج، ع:«أن يكثر» . و لم ترد «من» في ق، ك، مب، ن.
(7)
ص، ج، ع:«فليكثر» .
سجوده من النوعين، والدعاء الذي أمر به في السجود يتناول النوعين.
والاستجابة أيضًا نوعان: استجابة دعاء الطالب بإعطائه سُؤْلَه، واستجابة دعاء المُثني بالثواب. وبكلِّ واحد من النوعين فُسِّر قوله تعالى: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
(1)
}، والصحيح أنه يعُمُّ النوعين.
فصل
وقد اختلف الناس في القيام والسجود أيهما أفضل؟ فرجَّحت طائفة القيام لوجوه:
أحدها: أن ذكره أفضل الأذكار، فكان ركنه أفضل الأركان.
الثاني
(2)
: قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238].
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت»
(3)
.
وقالت طائفة: كثرة السجود أفضل. واحتجَّت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقربُ ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد»
(4)
، وبحديث معدان بن أبي طلحة
(5)
قال: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: حدِّثني بحديثٍ عسى الله أن ينفعني به. فقال: عليك بالسجود فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد يسجُد لله سجدةً إلا رفع الله له بها درجةً، وحطَّ عنه بها خطيئةً» . قال
(1)
هكذا وردت الآية في ج، ك، ع، وهي قراءة أبي عمرو. وفي ص، ق، خ:«دعان» .
(2)
ق: «والثاني» .
(3)
أخرجه مسلم (756) من حديث جابر بن عبد الله.
(4)
أخرجه مسلم (482) من حديث أبي هريرة، وتتمته:«فأكثروا الدعاء» .
(5)
أخرجه مسلم (488)، واللفظ أشبه بلفظ ابن ماجه (1423).
معدان: ثم لقيت أبا الدرداء، فسألته، فقال لي مثل ذلك.
وقال
(1)
صلى الله عليه وسلم لربيعة بن كعب الأسلمي، وقد سأله مرافقته في الجنة، فقال:«أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود»
(2)
.
وأول سورة أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم سورة (اقرأ)
(3)
على الأصح
(4)
، وختمها بقوله:{تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19].
وبأن السجود لله يقع من المخلوقات كلِّها عُلويِّها وسُفليِّها، وبأن الساجد أذلُّ ما يكون لربِّه وأخضعُ له، وذلك أشرف حالات العبد، ولهذا
(5)
كان أقرب ما يكون من ربّه في هذا الحال
(6)
. وبأن السجود هو سرُّ العبودية، فإن العبودية هي الذل والخضوع. يقال: طريق معبَّد، أي ذلَّلته الأقدام ووطَّأته، وأذلُّ ما يكون العبد وأخضع إذا كان ساجدًا.
وقالت طائفة: طول القيام بالليل أفضل، وكثرة الركوع والسجود بالنهار أفضل. واحتجَّت هذه الطائفة بأن صلاة الليل قد خُصَّت باسم القيام كقوله تعالى:{قُمِ اللَّيْلَ} [المزمل: 2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»
(7)
. ولهذا يقال: قيام الليل، ولا يقال: قيام النهار.
(1)
في المطبوع زيادة: «رسول الله» .
(2)
أخرجه مسلم (489).
(3)
أخرجه البخاري (3، ومواضع) ومسلم (160) من حديث عائشة.
(4)
«على الأصح» من ق، مب، ن.
(5)
ق، مب، ن:«فلهذا» .
(6)
ق، مب، ن:«هذه الحال» .
(7)
أخرجه البخاري (2009، 37) ومسلم (759) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قالوا: وهذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ما زاد في الليل على إحدى عشرة ركعةً أو ثلاث عشرة ركعةً. وكان يصلي الركعة في بعض قيامه بالبقرة والنساء وآل عمران
(1)
. وأما بالنهار فلم يُحفَظ عنه شيء من ذلك، بل كان يخفِّف السنن.
وقال شيخنا رضي الله عنه
(2)
: الصواب أنهما سواء، والقيام فُضِّل
(3)
بذكره وهو القراءة، والسجود فُضِّل بهيئته. فهيئةُ السجود أفضل من هيئة القيام، وذكرُ القيام أفضل من ذكر السجود. قال: وهكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، كما فعل في صلاة الكسوف، وفي صلاة الليل. وكان إذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وكذلك كان يفعل في الفرض، كما قال البراء بن عازب: كان قيامه وركوعه وسجوده واعتداله قريبًا من السواء
(4)
. والله أعلم
(5)
.
فصل
ثم كان صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه مكبِّرًا غير رافع يديه، ويرتفع منه رأسُه قبل يديه
(6)
. ثم يجلس مفترشًا، يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها، وينصب اليمنى.
(1)
أخرجه مسلم (772) من حديث حذيفة.
(2)
انظر: «مجموع الفتاوى» (14/ 6)، (22/ 273)، (23/ 69، 114).
(3)
ق: «أفضل» .
(4)
أخرجه البخاري (792، 801) ومسلم (471). وقد تقدم في هديه صلى الله عليه وسلم في الركوع.
(5)
بعده في ك زيادة: «بغَيبه وأحكم» .
(6)
«ويرتفع
…
يديه» ساقط من ك لانتقال النظر.
وذكر النسائي
(1)
عن ابن عمر قال: «من سنَّة الصلاة: أن ينصب القدم
(2)
اليمنى، واستقباله بأصابعها القبلة، والجلوس على اليسرى». ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع جلسة غير هذه.
وكان يضع يديه على فخذيه، ويجعل حدَّ مرفقه
(3)
على فخذه، وطرفَ يده على ركبته. وقبَض ثنتين من أصابعه وحلَّق حلقةً، ثم رفع إصبعه يدعو بها ويحرِّكها. هكذا قال وائل بن حُجْر عنه
(4)
.
(1)
في «المجتبى» (1158) و «الكبرى» (748)، وإسناده حسن. وأخرجه أيضًا البخاري (827) وغيره دون زيادة:«واستقباله بأصابعها القبلة» . وهذه الزيادة أخرجها البخاري في حديث أبي حميد الساعدي (828).
(2)
ك: «قدمه» .
(3)
ق، ك:«مرفقيه» .
(4)
أخرجه أحمد (18870) والدارمي (1357) والبخاري في «رفع اليدين» (31) وأبو داود (727) ــ مختصرًا دون محل الشاهد ــ والنسائي في «المجتبى» (889، 1268) و «الكبرى» (965، 1191) وابن خزيمة (480، 714) وابن حبان (1860) والطبراني (22/ 35) والبيهقي (2/ 132)، كلهم من طرق عن زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر به. قال ابن خزيمة:«ليس في شيء من الأخبار «يحركها» إلا في هذا الخبر، زائدةُ ذكَرَه». قلت: خالفه ثمانية عشر راويًا كلهم ثقات أثبات مثله أو أثبت منه، ولم يذكروا هذه الزيادة، على رأسهم الثوري [أحمد (18858)] وابن عيينة [النسائي في «الكبرى» (1187) وابن خزيمة (691)] وشعبة [أحمد (18855) وابن خزيمة (697)] وزهير بن معاوية [أحمد (18876)]، فرواية زائدة شاذة لا يعتد بها. انظر:«الجامع في العلل والفوائد» لماهر الفحل (3/ 240 - 251).
وأما حديث أبي داود
(1)
عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحرِّكها، فهذه الزيادة في صحتها نظر
(2)
. وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في «صحيحه»
(3)
عنه، ولم يذكر هذه الزيادة، بل قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده
(4)
اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه».
وأيضًا فليس في حديث أبي داود عنه أن هذا كان في الصلاة
(5)
. وأيضًا فلو كان في الصلاة لكان نافيًا، وحديث وائل بن حجر مثبتًا وهو مقدَّم، وهو حديث صحيح، ذكره أبو حاتم في «صحيحه»
(6)
.
ثم يقول: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبُرْني، واهدني، وارزقني»
(7)
.
(1)
برقم (989)، وأخرجه النسائي في «المجتبى» (1270) و «الكبرى» (1194) والطبراني (13/ 99) والبيهقي (2/ 131)، فيه ابن جريج وقد صرح بالتحديث عند النسائي، وفيه محمد بن عجلان، فيه لين. وأصله عند مسلم (579/ 113) دون زيادة:«ولا يحركها» . وانظر: المصدر السابق: (3/ 250، 251).
(2)
تُعُقِّب قولُ المؤلف هذا فقيل: «إن كان في صحتها نظر، فإن النظر نفسه وأشد في حديث التحريك» . انظر: المصدر السابق: (3/ 250).
(3)
برقم (579).
(4)
وقع بعده خرم في مب.
(5)
ولكن أبا داود بوَّب عليه (باب الإشارة في التشهد)، وعند غيره زيادةٌ بوّب عليها النسائي (باب بسط اليسرى على الركبة)، وكذلك غيرهما من الأئمة.
(6)
برقم (1860)، وقد سبق قريبًا.
(7)
وقع عند أبي داود «وعافني» بدل «واجبرني» ، وعند أحمد وابن ماجه «وارفعني» بدل «واهدني» .
هكذا ذكر ابن عباس عنه
(1)
. وذكر حذيفة أنه كان يقول: «ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي»
(2)
.
وكان هديه إطالة هذا الركن بقدر السجود. هكذا الثابت عنه في جميع الأحاديث. وفي «الصحيح»
(3)
عن أنس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهَم» . وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، ولهذا قال ثابت: «فكان
(4)
أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه: يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي أو قد أوهَم»
(5)
. وأما من حكَّم السنَّةَ ولم يلتفت إلى ما خالفها، فإنه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي.
(1)
أخرجه أحمد (2895) وأبو داود (850) والترمذي (284، 285) وابن ماجه (898) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 356) كلهم من طريق كامل أبي العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به، صححه الحاكم (1/ 262) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (3/ 436). وضعَّفه الترمذي وأعلَّه بأنه روي مرسلًا من نفس الطريق. ومداره على كامل بن العلاء أبي العلاء، فيه لين، ومن جرحه أكثر وأجل ممن وثقه أو حسن أمره.
(2)
أخرجه أحمد (23375، 23399) وأبو داود (874) والترمذي في «الشمائل» (275) والنسائي في «المجتبى» (1069، 1145، 1665) و «الكبرى» (660، 735، 1382، 1383) والبيهقي (2/ 109). وأخرجه مختصرًا الدارمي (1363) وابن ماجه (897) والبيهقي (2/ 121). صححه ابن خزيمة (684) والحاكم (1/ 321) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (4/ 27 - 30). وأصل الحديث عند مسلم (772) دون محل الشاهد، كما سبق (ص 245).
(3)
أخرجه مسلم (473)، وقد سبق.
(4)
ق: «وكان» ، والمثبت من غيرها موافق لما ورد في «صحيح مسلم» .
(5)
أخرجه البخاري (821) ومسلم (472).