المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ جلسة الاستراحة - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل في ختانه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمهاته صلى الله عليه وسلم اللاتي أرضعنه

- ‌فصلفي حواضنه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي مبعثه وأول ما أُنزِل عليه

- ‌فصل في ترتيب الدعوة

- ‌فصلفي أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي شرح معاني أسمائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي ذكر الهجرة(2)الأولى والثانية

- ‌فصلفي أولاده صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أعمامه وعماته

- ‌فصلفي أزواجه

- ‌فصلفي سراريِّه

- ‌فصلفي مواليه

- ‌فصلفي خُدَّامه

- ‌فصلفي كُتّابه

- ‌فصلفي كتبه التي كتبها إلى أهل الإسلام في الشرائع

- ‌فصلفي رسله صلى الله عليه وسلم وكتبه إلى الملوك

- ‌فصلفي مؤذِّنيه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي أمرائه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي حَرَسه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفيمن كان يضرب الأعناق بين يديه

- ‌فصلفيمن كان على نفقاته وخاتمه ونعله وسواكه ومن كان يأذن عليه

- ‌فصلفي شعرائه وخطبائه

- ‌فصلفي غزواته وبعوثه وسراياه

- ‌فصلفي دوابه

- ‌فصلفي ملابسه

- ‌فصلفي هديه وسيرته صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الركوب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في معاملته

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في مشيه وحده ومع أصحابه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الفطرة وتوابعها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قصِّ الشارب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌فصول في هديه في العبادات

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة

- ‌ جلسة الاستراحة

- ‌ الالتفات في الصلاة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سجود السهو

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في السنن الرواتب

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الضحى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجمعة وذكر خصائص يومها

- ‌فصلفي مبدأ الجمعة

- ‌ الثالثة: صلاة الجمعة

- ‌ الرابعة: الأمر بالاغتسال في يومها

- ‌ الخامسة: التطيُّب فيه

- ‌ السادسة: السِّواك فيه

- ‌ السابعة: التبكير إلى الصلاة

- ‌ التاسعة: الإنصات للخطبة

- ‌ العاشرة: قراءة سورة الكهف

- ‌العشرون: أن فيه ساعة الإجابة

- ‌الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه

- ‌ الجمعة كالعيد لا سنَّة لها قبلها

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في العيدين

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في سفره وعبادته فيه

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في الجنائز

- ‌فصلفي هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف

الفصل: ‌ جلسة الاستراحة

فصل

ثم كان صلى الله عليه وسلم ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدًا على فخذيه كما ذكره عنه: وائل

(1)

وأبو هريرة

(2)

، ولا يعتمد على الأرض بيديه

(3)

.

وقد ذكره عنه مالك بن الحويرث أنه كان لا ينهض حتى يستوي جالسًا

(4)

. وهذه هي التي تسمَّى‌

‌ جلسة الاستراحة

. واختلف الفقهاء فيها:

(1)

في ص، ج، ك:«أبو وائل» ، وقد ضرب بعضهم على «أبو» في ص، ج.

(2)

حديث وائل بن حجر قد تقدم في مسألة تقديم اليدين على الركبتين في الهوي إلى السجود. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي (288) من طريق خالد بن إلياس عن صالح مولى التوأمة عنه. صالح هذا فيه لين، وخالد بن إلياس ضعيف، وبه ضعفه الترمذي، وذكر ابن عدي حديثه هذا في «الكامل» في ترجمته (4/ 242) ووصف مروياته بأنها غرائب وأفراد. وضعفه أيضًا الحافظ في «فتح الباري» (2/ 303) حيث ذكر أنه رواه سعيد بن منصور بإسناد ضعيف، وذكر أيضًا أنه روي عن ابن مسعود وإسناده صحيح. وأثر ابن مسعود قد أخرجه عبد الرزاق (2966) وابن أبي شيبة (4001) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 363).

(3)

قال الحافظ في شرح قوله: «جلس واعتمد على الأرض» في حديث مالك بن الحويرث: «وقيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد، لأنه افتعال من العِماد، والمراد به الاتكاء وهو باليد. وروى عبد الرزاق [2964، 2969] عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدًا على يديه قبل أن يرفعهما» . انظر: «فتح الباري» (2/ 303 و 302). أثر ابن عمر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (4019) بمثل طريق عبد الرزاق، وفيه عبد الله بن عمر العمري، فيه لين. ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة (4018) وابن المنذر في «الأوسط» (3/ 367) من طريق حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ابن عمر مثله، وإسناده صحيح.

(4)

أخرجه البخاري (823).

ص: 275

هل هي من سنن الصلاة، فيستحب لكلِّ أحد أن يفعلها، أو هي

(1)

ليست من السنن، وإنما يفعلها من احتاج إليها؟ على قولين هما روايتان عن أحمد

(2)

.

قال الخلال: رجع أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة

(3)

. وقال: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله

(4)

سئل عن النهوض فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة.

وحديث

(5)

ابن عجلان

(6)

يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه، وقد روي عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وسائرُ من وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذه الجلسة، وإنما ذُكِرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث

(7)

.

ولو كان هديه صلى الله عليه وسلم فعلها دائمًا لذكرها كلُّ من وصف صلاته صلى الله عليه وسلم. ومجرَّدُ فعله صلى الله عليه وسلم لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة، إلا إذا عُلِم أنه

(1)

لم يرد «هي» في ق، ك.

(2)

انظر: «الروايتين والوجهين» (1/ 127).

(3)

انظر: المصدر السابق، و «المغني» لابن قدامة (2/ 213).

(4)

في النسخ المطبوعة: «أبا أمامة» ، وهو غلط. وانظر:«تمام المنة» للألباني (ص 210).

(5)

ق: «وفي حديث» .

(6)

هو حديث رفاعة بن رافع الزرقي المذكور في كلام أحمد، قد أخرجه أحمد (18997) وأبو داود (856، 857) والترمذي (302) والنسائي في «المجتبى» (1313) و «الكبرى» (1237). وابن عجلان هذا صدوق، والحديث حسنه الترمذي. وانظر تعليق محققي «مسند أحمد» .

(7)

أما حديث أبي حميد الساعدي فأخرجه أحمد (23599) والترمذي (304) والبزار (9/ 162). صححه الترمذي وابن خزيمة (587، 685).

وأما حديث مالك بن الحويرث فقد أخرجه البخاري وقد تقدم قبل قليل.

ص: 276

فَعَلها سنَّةً يقتدى به فيها. وأما إذا قُدِّر أنه فَعَلها للحاجة لم يدل ذلك على كونها سنَّةً من سنن الصلاة. فهذا من تحقيق المناط في هذه المسألة

(1)

.

وكان إذا نهض افتتح القراءة، ولم يسكت كما كان يسكت عند افتتاح الصلاة، فاختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أو لا، بعد اتفاقهم أنه ليس موضع استفتاح. وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة الصلاة هل هي قراءة واحدة، فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كلِّ ركعة مستقلة بنفسها؟ ولا نزاع بينهم أن الاستفتاح لمجموع الصلاة. والاكتفاءُ باستعاذة واحدة أظهر، للحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت

(2)

، وكما يكفي افتتاح واحد، ولأنه لم يتخلَّل القراءتين سكوت، بل تخلَّلهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخلَّلها حمدٌ لله

(3)

أو تسبيح أو تهليل أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك.

ثم كان يصلِّي الثانية كالأولى سواءً، إلا في أربعة أشياء: السكوت، والاستفتاح، وتكبيرة الإحرام، وتطويلها كالأولى؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستفتح، ولا يسكت، ولا يكبِّر للإحرام فيها، ويقصِّرها عن الأولى، فتكون الأولى أطول منها في كلِّ صلاة، كما تقدَّم.

فإذا جلس للتشهُّد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده

(1)

وانظر: «كتاب الصلاة» للمصنف (ص 429 - 430).

(2)

أخرجه مسلم (599).

(3)

ق: «حمد الله» .

ص: 277

اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بإصبعه السَّبَّابة. وكان لا ينصبها نصبًا، ولا يُنيمها، بل يَحنيها شيئًا، ويحرِّكها

(1)

، كما تقدَّم في حديث وائل بن حجر. وكان يقبض إصبعين من أصابعه، وهما الخنصر والبنصر، ويحلِّق حلقةً وهي الوسطى مع الإبهام، ويرفع السبَّابة يدعو بها، ويرمي ببصره إليها، ويبسط الكفَّ اليسرى على الفخذ اليسرى، ويتحامل عليها.

وأما صفة جلوسه فكما تقدَّم بين السجدتين سواء، يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى. ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة.

وأما حديث عبد الله بن الزبير الذي رواه مسلم في «صحيحه»

(2)

أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرَشَ قدمه اليمنى؛ فهذا في التشهد الأخير كما يأتي، وهو إحدى الصفتين اللتين رُوِيت

(3)

عنه فيه

(4)

. ففي «الصحيحين»

(5)

من حديث أبي حُميد في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصَب الأخرى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدَّم رجله اليسرى، ونصب

(6)

اليمنى، وقعد على مقعدته». فذكر أبو حميد أنه كان ينصب اليمنى، وذكر ابن الزبير أنه كان يفرشها؛ ولم يقل أحد عنه صلى الله عليه وسلم: إن هذا كان صفة

(7)

جلوسه في

(1)

بعده في طبعة الرسالة زيادة: «شيئًا» زادها ناشراها من عندهما.

(2)

برقم (579).

(3)

كذا في جميع الأصول: «رُويت» بالإفراد.

(4)

لم يرد «فيه» في ق، ك.

(5)

أخرجه البخاري (828)، ولم أجده في مسلم بهذا اللفظ.

(6)

العبارة «الأخرى

ونصب» ساقطة من ص لانتقال النظر.

(7)

في النسخ المطبوعة: «إن هذه صفة» .

ص: 278

التشهد الأول، ولا أعلم أحدًا قال به.

بل من الناس من قال: يتورَّك في التشهدين، وهذا مذهب مالك. ومنهم من قال: يفترش فيهما، فينصب اليمنى، ويفترش اليسرى ويجلس عليها، وهو قول أبي حنيفة. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ تشهُّد يلي السلام، ويفترش في غيره، وهو قول الشافعي. ومنهم من قال: يتورَّك في كلِّ صلاة فيها تشهُّدان في الأخير

(1)

منهما فرقًا بين الجلوسين، وهو قول الإمام أحمد

(2)

.

ومعنى حديث ابن الزبير أنَّه فرَش قدمه اليمنى: أنه كان في هذا الجلوس يجلس على مقعدته، فتكون قدمه اليمنى مفروشةً، وقدمه اليسرى بين فخذه وساقه، ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس، هل كانت مفروشةً أو منصوبةً؟ وهذا ــ والله أعلم ــ ليس باختلاف في الحقيقة، فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يُخرجها عن يمينه، فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن. فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصبًا لها جالسًا على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالسًا على باطنها، وظهرها إلى الأرض. فصحَّ قول أبي حميد ومن معه وعبد الله بن الزبير. أو يقال: إنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا وهذا، فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحيانًا، وهو أروح لها. والله أعلم.

ثم كان صلى الله عليه وسلم يتشهَّد دائمًا في هذه الجلسة، ويعلِّم أصحابه أن يقولوا:

(1)

ص، ك، ع:«الآخر» .

(2)

انظر: «شرح التلقين» للمازري (1/ 560) و «بدائع الصنائع» (1/ 211) و «المجموع شرح المهذب» (3/ 450) و «المغني» (2/ 225).

ص: 279

«التحيَّات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله»

(1)

.

وقد ذكر النسائي

(2)

من حديث أبي الزبير عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّدَ، كما يعلِّمنا السورة من القرآن: «بسم الله وبالله، التحيَّات لله والصلوات والطيِّبات. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

(3)

. أسأل الله الجنة، وأعوذ بالله من النار». ولم يجئ ذكر التسمية في أول التشهد إلا في هذا الحديث. وله علَّة غير عنعنة أبي الزبير

(4)

.

(1)

أخرجه البخاري (831) ومسلم (402) من حديث عبد الله بن مسعود.

(2)

في «المجتبى» (1175، 1281) و «الكبرى» (765) عن أيمن بن نابل عن أبي الزبير عن جابر به. وأخرجه الطيالسي (1847) وابن أبي شيبة (3006) أيضًا.

أشار إليه الترمذي عقب الحديث (290) وقال: «هو غير محفوظ» . وقال النسائي (1281): «لا نعلم أحدًا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية

والحديث خطأ». وقال الدارقطني في «سؤالات الحاكم» (286): «[أيمن] ليس بالقوي، خالف الناس، ولو لم يكن إلا حديث التشهد» . وانظر التعليق الآتي.

(3)

العبارة «وقد ذكر النسائي

ورسوله» ساقطة من ك لانتقال النظر.

(4)

ذكر مسلم أن الحديث غير ثابت الإسناد والمتن جميعًا، وأن الثابت ما رواه الليث وعبد الرحمن بن حميد عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس به. وبيَّن أنه جعل في الإسناد «عن أبي الزبير عن جابر» بدل «عن أبي الزبير عن طاوس عن ابن عباس» وسلك الجادة. وقد تفرد بزيادة في المتن في أوله قوله:«بسم الله وبالله» ، وفي آخره قوله:«أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار» . انظر: «التمييز» (ص 127 - 129).

ص: 280

وكان صلى الله عليه وسلم يخفِّف هذا التشهد جدًّا حتى كأنه على الرَّضْف ــ وهو الحجارة المُحْماة ــ ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلِّي عليه وعلى آله في هذا التشهد، ولا كان أيضًا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجَّال. ومن استحبَّ ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صحَّ تبيينُ موضعها وتقييدُها بالتشهد الأخير

(1)

.

ثم كان ينهض مكبِّرًا على صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدًا على فخذيه كما تقدَّم. وقد ذكر مسلم في «صحيحه»

(2)

في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع، وهي في بعض طرق البخاري

(3)

أيضًا، على أن هذه الزيادة ليست متفقًا عليها في حديث عبد الله بن عمر، وأكثر رواته لا يذكرونها. وقد جاء ذكرها مصرَّحًا به في حديث أبي حميد الساعدي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة كبَّر، ثم رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ويقيم كلَّ عَظْمٍ

(4)

في موضعه، ثم يقرأ

(5)

. ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه

(6)

، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه معتدلًا، لا يصوِّب رأسه ولا

(1)

ص، ج:«الآخر» .

(2)

لم أجده فيه. وقد أخرجه أبو داود (741) والنسائي في «المجتبى» (1182) و «الكبرى» (1106) من طريقين عن ابن عمر، وهو حديث صحيح صححه البخاري في «رفع اليدين» عقب (98). وانظر:«فتح الباري» (2/ 222).

(3)

برقم (739)، وهو الذي أخرجه أبو داود (741) ثم أعله.

(4)

ك: «عضو» .

(5)

«ثم يقرأ» ساقط من ك.

(6)

«ويقيم

منكبيه» ساقط من ص لانتقال النظر.

ص: 281

يقنَع به. ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، حتى يقِرَّ كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يهوي إلى الأرض، ويجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه، ويثني رجله

(1)

فيقعد عليها، ويفتخ

(2)

أصابع رجليه إذا سجد. ثم يسجد

(3)

، ثم يكبِّر ويجلس على رجله اليسرى، حتى يرجع كلُّ عظم إلى موضعه. ثم يقوم، فيصنع في الأخرى مثل ذلك. ثم إذا قام من الركعتين رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنَع عند افتتاح الصلاة.

ثم يصلِّي بقية صلاته هكذا، حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجليه وجلس على شقِّه الأيسر متورِّكًا». هذا سياق أبي حاتم في «صحيحه»

(4)

، وهو في «صحيح مسلم»

(5)

أيضًا.

(1)

ما عدا ك: «رجليه» .

(2)

في «معالم السنن» (1/ 195): «أي يلينها حتى تنثني، فيوجِّهها نحو القبلة» . وفي جميع النسخ بالحاء المهملة، وهو تصحيف.

(3)

الجملة «ثم يسجد» ساقطة من طبعة الرسالة.

(4)

برقم (1867)، وأخرجه أبو داود (730) والترمذي (304، 305) وابن ماجه (1061)، وأخرجه مختصرًا النسائي في «الكبرى» (1105) وابن ماجه (862)، كلهم من طريق عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي حميد الساعدي به. وإسناده صحيح. وزعم ابن القطان تبعًا للطحاوي أن هذا الإسناد غير متصل لأمرين، فأجاب عنهما الحافظ، انظر:«الفتح» (2/ 307).

(5)

لم أجده عند مسلم، أخرجه البخاري (828) وليس عنده محل الشاهد.

ص: 282

وقد ذكره الترمذي

(1)

مصحِّحًا له من حديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرفع يديه في هذا الموطن أيضًا.

ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الآخرتين

(2)

بعد الفاتحة شيئًا. وقد ذهب الشافعيُّ في أحد قوليه وغيرُه إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الآخرتين

(3)

، واحتجَّ لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في «الصحيح»

(4)

: «حزَرنا قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر في الركعتين الأوليين

(5)

قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك».

وحديثُ أبي قتادة

(6)

المتَّفقُ عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا» . زاد مسلم: «ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب» ، والحديثان غير صريحين في محلِّ النزاع.

أما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزرٌ منهم وتخمينٌ، ليس إخبارًا عن

(1)

لم أجده عنده. وقد استفتح بإخراجه البخاري كتابَه «جزء رفع اليدين» .

(2)

هكذا في النسخ إلا ق التي لم تعجم فيها الكلمة.

(3)

أهملت في ق، ك.

(4)

مسلم (452).

(5)

في ج، ع:«الأولتين» هنا وفيما يأتي، وكذا «الآخرتين» فيهما وفي ص مكان «الأخريين» .

(6)

أخرجه البخاري (759) ومسلم (451/ 154) واللفظ له.

ص: 283

نفس

(1)

فعله صلى الله عليه وسلم. وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان

(2)

يقتصر على الفاتحة، وأن يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كلِّ ركعة؛ وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم. فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالصريح

(3)

في اختصاص كلِّ قِسم بما ذُكر فيه.

وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا كان أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كما أنَّ هديَه صلى الله عليه وسلم تطويلُ القراءة في الفجر وكان يخفِّفها أحيانًا، وتخفيفُ القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانًا، وتركُ القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرارُ في الظهر والعصر بالقراءة وكان يُسمِع الصحابةَ فيها الآيةَ أحيانًا

(4)

، وتركُ الجهر بالبسملة

(5)

وكان يجهر بها أحيانًا

(6)

. والله أعلم.

(1)

تحرَّف في ق، ك إلى «تفسير» ، وفي النسخ المطبوعة:«تفسير نفس» . وكأن بعضهم أثبت الصواب في حاشية نسخة، فظنَّه ناسخٌ لحقًا، فجمع في نسخته بين اللفظ المحرَّف وصوابه!

(2)

فعل «كان» ساقط من ك.

(3)

ق: «كالتصريح» .

(4)

أخرجه البخاري (762) ومسلم (451) من حديث أبي قتادة.

(5)

أخرجه البخاري (743) ومسلم (399) من حديث أنس.

(6)

أخرجه الترمذي (245) والدارقطني (1162) والبيهقي (2/ 47)، وفيه أبو خالد الوالبي، مجهول. وقال الترمذي:«ليس إسناده بذاك» . وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (2/ 120): «وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ سواء قال: عن أبي خالد أو عن عمران بن خالد. جميعًا مجهولين» . وقال العقيلي في «الضعفاء» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (1/ 257): «حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول» ثم ساق الحديث المخرج آنفًا وقال: «ولا يصح في الجهر بها حديث مسند» . وقد أطال ابن رجب في بحث هذه المسألة، انظر:«فتح الباري» له (4/ 286 - 302).

ص: 284