المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الحادي عشر: المعضل - شرح اختصار علوم الحديث - اللاحم

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌ترتيب ابن الصلاح لأنواع الحديث

- ‌تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

- ‌النوع الأول: الصحيح

- ‌النوع الثاني: الحديث الحسن

- ‌النوع الثالث:الحديث الضعيف

- ‌ النوع الرابع: "المسند

- ‌النوع الخامس: المتصل

- ‌النوع السادس: المرفوع

- ‌النوع السابع: الموقوف

- ‌النوع الثامن: المقطوع

- ‌النوع التاسع: المرسل

- ‌النوع العاشر: المنقطع

- ‌النوع الحادي عشر: المعضل

- ‌النوع الثاني عشر: المدلس

- ‌النوع الثالث عشر: الشاذ

- ‌النوع الرابع عشر: المنكر

- ‌النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد

- ‌النوع السادس عشر: في الأفراد

- ‌النوع السابع عشر: في زياد الثقة

- ‌النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث

- ‌النوع التاسع عشر: المضطرب

- ‌النوع العشرون: معرفة المدرج

- ‌النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع

- ‌النوع الثاني والعشرون: المقلوب

- ‌النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل

- ‌النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

- ‌النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقيده

- ‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

- ‌النوع السابع والعشرون: آداب المحدث

- ‌النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث

- ‌النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

- ‌النوع الثلاثون: معرفة المشهور

- ‌النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز

- ‌النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث

- ‌النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل

- ‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا

- ‌النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث

- ‌النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد

- ‌النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل

- ‌النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

- ‌النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين

- ‌النوع الحادي والأربعون: معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌النوع الثاني والأربعون: معرفة المُدَبَّج

- ‌النوع الثالث والأربعون: معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌النوع الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء

- ‌النوع الخامس والأربعون: رواية الأبناء عن الآباء

- ‌النوع السادس والأربعون: معرفة رواية السابق واللاحق

- ‌النوع السابع والأربعون: معرفة من لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد

- ‌النوع الثامن والأربعون: معرفة من له أسماء متعددة

- ‌النوع التاسع والأربعون: معرفة الأسماء المفردة والكُنَى

- ‌النوع الخمسون: معرفة الأسماء والكُنَى

- ‌النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية

- ‌النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب

- ‌النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب

- ‌النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

- ‌النوع الخامس والخمسون: الأسماء المتشابهة في الرسم

- ‌النوع السادس والخمسون: معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة

- ‌النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها

- ‌النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء

- ‌النوع الموفي الستين: معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم

- ‌النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم

- ‌النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره

- ‌النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات

- ‌النوع الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء

- ‌النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌ أسئلة

الفصل: ‌النوع الحادي عشر: المعضل

‌النوع الحادي عشر: المعضل

تعريف الحديث المعضل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله تعالى-:

النوع الحادي عشر: المعضل:

وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي. قال ابن الصلاح: ومنه قول المصنفين من الفقهاء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلا؛ وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده مرسلا.

قال ابن الصلاح: وقد روى الأعمش عن الشعبي قال: "ويقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا، فيختم على فيه.." الحديث. قال: فقد أعضله الأعمش؛ لأن الشعبي يرويه عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقد أسقط منه الأعمش أنسا والنبيَّ صلى الله عليه وسلم فناسب أن يسمى معضلا.

نعم هذا النوع الحادي عشر، الذي هو المعضل، وقد عرفه ابن كثير رحمه الله بقوله: وهو ما سقط منه اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي، فالمعضل من النوع الضعيف، الذي ضعف بسبب عدم اتصال إسناده، واشترطوا فيه أن يكون الساقط اثنين فصاعدا، وقد تقدم في المنقطع أنه ما سقط منه راو واحد.

إذن الفرق بين المنقطع والمعضل أن المعضل ما سقط منه اثنان فأكثر، وهذا لا إشكال فيه، وذكر ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أن الخطيب يسميه مرسلا، وهذا ليس فيه إشكال، تسمية المعضل مرسلا -على ما ذكرت بالأمس- هل يشكل هذا أو لا؟ تسمية المعضل مرسلا؟ يقول ابن الصلاح: وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته مرسلا، وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده مرسلا، من هم الذين يسمون أو يطلقون على كل ما لم يتصل إسناده مرسلا؟ هم الأئمة الأُول.

إذن لا إشكال فيه، إذن هو نوع من الإرسال، اشتد إرساله فأُطلق عليه اسم معضل؛ لأن المعضل هو الأمر المستغلق الشديد، وتنبهون هنا في المعضل إلى أنه -يعني- مأخوذ في اللغة من الإعضال، الذي هو الاستغلاق؛ ولهذا يطلق الأئمة أيضا على الأسانيد يطلقون على بعض الأحاديث بأنها معضلة، وإن لم يكن فيها سقط أصلا، بمعنى أنها شديدة العلة، أو -يعني- نحو هذا الأمر.

ص: 144

إذن في كلام الأئمة يوجد الإعضال، هنا في الإرسال ما سقط منه اثنان، أطلق ابن المديني وأطلق أبو داود على ما سقط منه اثنان اسم المعضل، وكذلك الحاكم، كما مثل لذلك برواية الأعمش عن الشعبي قال:"ويقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا، فيقول: لا، فيختم على فيه". قال الحاكم: أسقط الأعمش أنسا والنبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا إشكال فيه، ولكن أيضا يسمى أو يطلق المعضل على -يطلقونه على- ما اشتد ضعفه، وإن لم يكن فيه سقط.

وممن استخدمه بهذا المعنى الإمام أحمد، والجوزجاني يكثر من هذا، يقول: الراوي له معاضيل، أو له معضلات، ويقولون: هذا حديث معضل، ويسوقون الإسناد كاملا.

إذن إذا قرأت في كلام الأئمة، ووجدت إطلاق اسم المعضل على غير السقط، فلا تستغرب هذا، فالمقصود هنا أن ما سقط منه اثنان يسمى معضلا، وليس معناه أنه لا يسمى المعضل إلا ما كان فيه سقط، لا يريدون هذا، وإنما يريدون أن ما سقط منه راو أو أكثر.

متى يسمى السقط في الإسناد معضلا؟ إذا كان الساقط اثنين فأكثر، فهذا يسمى معضلا، ولكن ما لم يسقط منه شيء يسمى أيضا معضلا؛ لأن الإعضال -كما ذكرت- هو من الاستغلاق، وقد أطلق عليه كذلك الإمام أحمد والجوزجاني وابن عدي والنسائي وجماعة كثيرون، يطلقون اسم الإعضال على ما لم يسقط منه شيء، فهذا معنى المعضل إذن. نعم.

عندنا الآن سيدخل المؤلف في المعنعن، وهو غير المعضل، ووضعه تحت النوع الحادي عشر وإن كان مستقلا عنه. نعم، اقرأ قوله:"قال: وقد حاول بعضهم.."

الإسناد المعنعن

قال: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم الإرسال أو الانقطاع، قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس، وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا.

ص: 145

قلت: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي ابن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه الصحيح، وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحابة، وقال أبو عمرو الداني: إن كان معروفا بالرواية عنه قبلت العنعنة، وقال القابسي: إن أدركه إدراكا بيِّنا.

هذا الكلام عن المعنعن فيه عدد من الأمور:

أولها: أن ابن كثير رحمه الله اختصر كلام ابن الصلاح اختصارا شديدا، وأبين هذا الآن: النقطة الأولى في موضوع المعنعن هو ما ذكره ابن الصلاح: أن بعض المحدثين في عصر الرواية يقول: لا نقبل صيغة "عن"، فلا بد أن يكون الإسناد كله مصرحا فيه بأي شيء؟ بالتحديث، وينسبون هذا القول -والله أعلم- نسبه ابن عبد البر إلى شعبة في أول أمره، ثم ذكر أن شعبة رجع عنه إلى قول سفيان الثوري، وينسبون هذا إلى شخص اسمه حسين الكرابيسي.

فالمقصود أن بعض المحدثين -ومنهم من ذكرت- يقولون: لا نقبل أن يكون الإسناد فيه "عن"، ثم ذكر ابن الصلاح الصحيح الذي عليه العمل، وقال: إنه الصحيح الذي عليه العمل قبول الإسناد المعنعن، ونحن نعرف الآن إذا قرأت في كتب السنة أيها أكثر الأسانيد؟ المعنعنة أو المصرح فيها بالتحديث؟ المعنعنة، إذن ذاك الخلاف -إن كان خلافا صحيحا- انقرض، ومنهم من يقول: إن ذاك الخلاف أصلا وقع بعد إجماع فلا يعتد به.

ومنهم من يقول: وقع الإجماع متى؟ بعده، فانتهى الخلاف، إذن هناك إجماع من المحدثين، سواء قبل الاختلاف الذي ينسب إلى شعبة، أو الخلاف الذي ينسب إلى شعبة، أو ينسب إلى الكرابيسي أو غيرهما، منقول عن بعض المحدثين هو إجماع -إما قبل هذا الخلاف وإما بعده- على قبول الإسناد المعنعن، ولا إشكال في ذلك، انتهت هذه المسألة.

ص: 146

انتهت هذه المسألة، لا خلاف فيها أن الحديث المعنعن أنه لا يشترط التصريح بالتحديث في كل رواية، وقد اعتذر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- أو بين الخطيب البغدادي لِمَ استخدم المحدثون كلمة "عن".

بالمناسبة الذي يستخدم كلمة "عن" من هو؟ إذا قال مثلا -يمثلون لذلك- بأن يقول وكيع مثلا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي وائل، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود. من الذي يقول:"عن" إبراهيم؟ الآن "عن" بين مَن ومَن؟ بين الأعمش وبين إبراهيم، لكن أكثر الذين يستخدمون "عن" هم التلاميذ قبل الأعمش، -يعني- وكيع هو الذي قال: الأعمش عن إبراهيم، نعم.

أحيانا الراوي يستخدم كلمة "عن" أحيانا الراوي نفسه، ولكن الأكثر أن الذين غيروا، أن الذين استخدموا كلمة "عن" مَن هم؟ التلاميذ، وأما أصل الرواية فقد تكون حدثنا، وقد تكون حدث إبراهيم، أو قال إبراهيم، أو ذكر إبراهيم، وقد تكون أيضا أحيانا تكون بلفظ: نبئت عن إبراهيم، أو بلغني عن إبراهيم، وأحيانا يكون بين الأعمش وإبراهيم واحد أسقطه الأعمش، فقال، قال مثلا، أو ليس الذي أسقطه الأعمش، يسقطه الراوي المتأخر، فالمقصود أن التعبير بكلمة "عن" هذه من قِبَل مَن؟ من قِبَل التلاميذ.

يقول الخطيب البغدادي: إنما فعلوا ذلك تخففا، بدل أن يقول: قال أخبرنا، قال: حدثنا، قال: كذا، يستخدم كلمة "عن" يقول: لأنهم رحمهم الله يحتاجون إلى الورق في الكتابة، ويحتاجون إلى نقل كتبهم في الأسفار لمراجعتها، وللمذاكرة بها، ولحفظها، وللتحديث، فيثقل عليهم، فتطول الأسانيد عليهم؛ فتخففوا واستخدموا كلمة "عن".

إذن كلمة "عن" هذه محتملة أن تكون مبدلة من أي شيء؟ من "حدثنا"، تصريح بالتحديث، أو سمعت، ومحتمل أن تكون مبدلة من غير صريحة بالتحديث، مثل: قال، وذكر، وروى، ومحتملة أن تكون مبدلة مِن؟ صريحة في الانقطاع مثل: نبئت، وأخبرت، ونحو ذلك.

ص: 147

فلهذا السبب لما كانت -يعني- محتملة اشترط من اشترط -هذا الذي خالف- اشترط ألا تقبل -أو قال أنها لا تقبل- العنعنة، فلا بد من التصريح بالتحديث، ولكن المحدثون قبلوها، أو أجمعوا على قبولها، واحتاطوا في الأمر، اشترطوا شروطا لقبولها، وهذا هو الشاهد هنا الذي ذكره ابن الصلاح، نعم هي محتملة لا إشكال في ذلك، لا إشكال، لا أحد -يعني- لا ينبغي أن يتردد في أنها محتملة؛ لأنها ليست من تعبير التلميذ في الغالب، في الغالب، وإن كان قد يعبر بها الراوي، وإنما هي من تغيير مَن بعد الراوي، فهي محتملة للسماع، ومحتملة للانقطاع، ومحتملة لصيغة مترددة.

فالعلماء رحمهم الله لما قبلوها ليس تسامحا -يعني- في الرواية، وإنما قبلوها بشروط، هذه الشروط هي التي ذكرها ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-، قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل، محمول على السماع إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس. إذن كم ذكر مِن شرط؟ ذكر شرطين:

الشرط الأول: أنه متصل محمول على السماع إذا تعاصروا، إذا تعاصر الراوي ومن روى عنه، وأيضا يشترط فيه في الراوي ماذا؟ البراءة من وصمة التدليس، البراءة من وصمة التدليس يعني لا يقول: قال، وحدث، وذكر فلان، وروى فلان، وهو لم يسمعه منه، هذا معناه سيأتي معنى التدليس، إذن ذكر ابن الصلاح شرطين ثم قال: وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا.

ادعوا الإجماع على قبول ماذا؟ الإسناد المعنعن إذا جمع هذين الشرطين، بس -يعني- فقط الآن التنبيه على أي شيء؟ هو أن ابن كثير رحمه الله اختصر كلام ابن الصلاح، الإجماع المُدَّعى على قبول الإسناد المعنعن إذا جمع هذين الشرطين، بل على قبول الإسناد المعنعن في الجملة.

ص: 148

وبعد ذلك يأتي البحث في الشروط، الشروط -يعني- كثير من المحدثين اشترط شرطا ثالثا، ذكره ابن الصلاح وهو ماذا؟ مع البراءة مع المعاصرة، أن يثبت، لا يكفي المعاصرة، وإنما أن يثبت أنه لقي من روى عنه ولو مرة واحدة، -يعني- يثبت ولو في حديث واحد صحيح أو في إسناد هو صحيح أنه يقول: حدثنا فلان، لا يكفي أن يعاصره فقط، وإنما يثبت في حديث صحيح، وفي إسناد صحيح أنه سمع منه.

ثم بعد ذلك يشترط أيضا أن يكون بريئا من التدليس، فهذه ثلاثة شروط، ويدخل الشرط الأول المهم قوله: إذن دعوى الإجماع هذه ليست على قبول الإسناد المعنعن بالشرطين، وإنما على قبول الإسناد المعنعن مطلقا في الجملة، وأما الشروط فيأتي بعد ذلك الاختلاف المشهور، فجمهور العلماء -كما نقله ابن الصلاح عنهم- اشترطوا كم من شرط؟ ثلاثة شروط، وإن كان واحد يدخل الثاني: المعاصرة، وأن يكون قد سمع منه، هذا يدخل واحد في الثاني، والثالث: أن يكون بريئا من وصمة التدليس.

ومن العلماء من اكتفى بكم؟ بشرطين، إذن مهم هذا الأمر -يعني كما ذكرت- ابن كثير اختصر قليلا، فالإجماع المذكور على قبول الإسناد المعنعن في الجملة، هذا لا إشكال فيه، نقله ابن عبد البر، وكلمته ما أطيل في تحليلها، لكن أكتفي -يعني- أكتفي بها بالتنبيه هذا، وهو أن الإجماع المذكور هو على قبول الإسناد المعنعن في الجملة، وبعد ذلك تأتي الشروط أو التفصيل في الشروط التي ذكرها العلماء.

فجمهور العلماء اشترطوا شرطين أو ثلاثة، ومن العلماء من يكتفي بشرطين، وهما اللذان ذكرهما، الاكتفاء بأي شيء؟ بالمعاصرة -يعني- لا يُشترط أن نقف على حديث واحد يقول فيه الراوي: حدثنا فلان، يكتفي بالمعاصرة مع إمكان اللقي، والبراءة من وصمة التدليس، وهذا مَن الذي قال بهذا القول؟ معروف هذا القول عمن؟ ذكره ابن كثير قال: وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه، وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي.

ص: 149

إذن مسلم يكتفي بالمعاصرة، وقال ابن كثير رحمه الله: إن الذي شنع عليه مسلم يظهر أنه ابن المديني، أنه ابن المديني؛ لأن البخاري -يقول ابن كثير- لأن البخاري لا يشترط ثبوت اللقي في أصل الصحة، وإنما اشترطه في أي شيء؟ في صحيحه، وهذا الذي قاله ابن كثير نوقش فيه كثيرا، وقالوا: إن البخاري لا فرق عنده بين الصحيح خارج كتابه وبين الصحيح في كتابه، فهو يشترط ثبوت اللقي في صحيحه وخارج -أو في خارج- صحيحه، هذا الذي قاله ابن كثير.

أما قضية من يريد مسلم بهذه المناقشة، بالتشنيع والمناقشة، فهذا أمر آخر لا أطيل بذكره، أو لا أطيل فيه، ويعني يحتاج الأمر إلى تفصيل، لكن أشير هنا هذا الذي ذكره، أو -يعني نعم-، هذا الذي يتعلق بهذه الفقرة أو بهذا الموضوع، والذي ذكره ابن الصلاح، ووافقه ابن كثير من التفريق بين مذهب البخاري ومذهب مسلم.

هذا هو الصحيح أن بينهما فرق، بينهما فرق في هذه القضية الخاصة، وهي أن البخاري يشترط ثبوت اللقي، ومر بنا أن ابن كثير ذكر من مميزات صحيح البخاري التي قُدم فيها على صحيح مسلم ماذا؟ أن البخاري يشترط ثبوت اللقي ولو مرة واحدة، وهذا هو الصحيح مهما قيل في هذه المسألة ومهما كُتب، فالصحيح أن بين البخاري وبين مسلم فرقا يسيرا في هذه النقطة المعينة، وهو -يعني- اشتراط ثبوت اللقي.

ومسلم رحمه الله أطال في المقدمة في التشنيع على هذا القول، ومناقشة هذه المسألة -يعني- تحتاج إلى وقت، أو تحتاج إلى شرح طويل. اكتفي بهذا.

ص: 150

يبقى النقل عن أبي عمرو الداني، وعن القابسي، -يعني- متى أبو عمرو الداني هذا؟ في أي عصر والقابسي كذلك؟ كلاهما في عصر متأخر، -يعني- هذه الشروط: اشتراط أبي عمرو الداني أن يُعرف بطول الصحبة، أبو الموفر السمعاني هو الذي اشترط طول الصحابة -يعني- هذه لم يؤخذ بها، فلو يلقاه مرة واحدة وهو ثقة، ويروي عنه، بل لو يكاتبه، فهذا كافٍ في -يعني- الرواية عنه، أو في اتصال الإسناد، وكذلك أن يكون معروفا بالرواية عنه، هذا أيضا يكتفى.

بعض المحدثين لا يسمع من شيخه إلا كم من حديث؟ إلا حديث، ويصرح هو ويقول: لم أسمع منه الحديث الفلاني، أو يقول العلماء: لم يسمع منه إلا الحديث الفلاني، وهذا كثير، ليس بالقليل، فهذه الشروط اشتُرطت متى؟ في وقت متأخر، ولا اعتبار لها، فهذا يذكره المحدثون في كتب المصطلح -كما ذكرت-، يذكرون أمورا خارج كلام المحدثين الأوائل، أو خارج ما اصطلحوا عليه، أو ما اشترطوه من باب الفائدة.

وكذلك قول القابسي: أدركه إدراكا بينا، هذا يدخل في شرط مسلم، فمسلم يشترط أن يدركه إدراكا، -يعني- يسميه إمكان اللقي، قال: وأمكن لقاء بعضهم بعضا، الآن عندنا عنوان جديد أدخله أيضا ابن كثير في المعضل، الآن الذي مر قبل قليل، ما هو الذي أدخله في المعضل أيضا؟ هو المعنعن، الآن عندنا إسناد آخر، مصطلح آخر يسمونه المؤنن أو المؤنأن، -يعني- الذي فيه الرواية بصيغة أن فلانا قال مثلا، أو أن فلانا ذكر، أو أن فلانا دخل. يقرأه الأخ يتفضل مشكورا.

الإسناد المؤنن

وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي: "أن فلانا قال"، هل هو مثل قوله:"عن فلان"، فيكون محمولا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أو يكون قوله:"إن فلانا قال" دون قوله "عن فلان"، كما فرق بينهما أحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر البرديجي، فجعلوا "عن" صيغة اتصال، وجعلوا "إن فلانا قال كذا" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه.

ص: 151

وذهب الجمهور إلى أنه ما سوى في كونهما متصلين قاله ابن عبد البر، وممن نص على ذلك: مالك بن أنس، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه أن يقول: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم هذا يسمونه الإسناد المؤنن والمؤنأن -كما ذكرت-، وقد ذكر ابن الصلاح رحمه الله في قبول الإسناد المؤنن أن فلانا قال كم ذكر من قول؟ كم من قول ذكر؟ ذكر قولين، ونسب الأول منهما إلى أحمد ويعقوب بن شيبة -في بعض الطبعات يعقوب بن أبي شيبة، وهذا خطأ هو يعقوب بن شيبة-، ونسبه أيضا إلى أبي بكر البرديجي، فيقول ابن الصلاح: جعلوا "عن" صيغة اتصال، وقوله:"إن فلانا قال" كذا في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه، نعلق على هذا بـ..

وابن كثير رحمه الله وافق ابن الصلاح على ما ذكره، وأن هناك في المسألة كم من قول؟ أن فيها قولين، وذهب الجمهور إلى أنهما سواء في كونهما متصلين، بل تقول -يعني يعلَّق على هذا- بأن كلام ابن الصلاح هذا -يعني- من الأشياء التي تعقبه العلماء فيها، وقالوا: إنه لم يتمعن في أجوبة أحمد والبرديجي ويعقوب بن شيبة، فليس في المسألة اختلاف، ليس في المسألة اختلاف.

فالعلماء رحمهم الله مجمعون على شيئين ننتبه لهما، ننتبه لهما، -يعني- أخوض في بعض الدقائق لماذا؟ لأن ابن كثير رحمه الله دخل فيها، ولا بأس -يعني- معالجة مثل هذه الأمور، انتبه الآن، أجمعوا على شيئين إذا عرفناهما نعرف أنه ليس هناك اختلاف.

ص: 152

إذا قال الراوي مثلا عروة بن الزبير، هذا السؤال الذي وجه للإمام أحمد، إذا قال الراوي الذي هو عروة، لنفرض إن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا -انتبه لصيغة الرواية- إن عائشة قالت، قالت لمن؟ لعروة إن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم إذن عائشة قالت لعروة إن النبي صلى الله عليه وسلم كذا، قال كذا، هذا بالإجماع متصل، كما لو قال عروة، كما لو جاءتنا الرواية بصيغة: عن عروة عن عائشة، فهذا بالإجماع متصل، ولا خلاف فيه.

انتبه للصيغة الثانية، لو قال عروة: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذا، الآن عروة يروي عن عائشة، أو يروي قصة عائشة؟ لا، يروي عن عائشة، الآن هذا بالإجماع منقطع، هذا بالإجماع منقطع، مرسل، يسمونه مرسلا، ويقولون: الراوي إذا روى حكاية بـ "أن" وهو لم يدركها فهو مرسل أو متصل؟ فهو مرسل بالإجماع، هذا البرديجي، وغير البرديجي، وقد نقل الإجماع على هذا ابن المواق وغيره، نقلوا الإجماع على هذا.

إذن الكلام في الإرسال والاتصال على صورتين، وليس على صورة، من كلام البرديجي ويعقوب بن شيبة وكذلك أحمد الكلام على صورتين، واحدة متصلة والأخرى؟ والأخرى مرسلة، منقطعة، وبينهما فرق من جهة الرواية، ومن جهة أيضا -يعني- الصيغة.

ص: 153

فإذن المسألة ليس فيها اختلاف، إذا قال الراوي: إن فلانا قال لي كذا، أو إن فلانا قال: قلت كذا مثلا، فهذه صيغة رواية، وهي متصلة مثل "عن"، أما إذا قال الراوي: إن فلانا خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إن فلانا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم إن فلانا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن فلانا جاء والنبي، فهذه كلها مرسلة أو منقطعة إذا قالها التابعي؟ هذه كلها مرسلة؛ لأن التابعي لا يمكنه أن يكون قد حضر، هذه كلها مرسلة؛ لأن التابعي لا يمكنه قد حضر القصة. طيب ننتبه الآن، لو قال عبد الله ابن عمر بن الخطاب: إن عمر خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو إن عمر قال لنبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، هذه مرسلة أو متصلة؟ لماذا متصلة؟ لأن عبد الله ابن عمر يمكنه أن يكون قد حضر القصة، فهذه إذن ليس في المؤنن اختلاف -يعني- ليس فيه اختلاف يذكر، وإنما ابن الصلاح رحمه الله يقولون لم يتمعن في أجوبة هؤلاء الأئمة أو في كلامهم على الفرق بين الصيغتين.

وأطال في ذلك ابن رجب، وابن حجر رحمه الله أطالوا في شرح كلام العلماء، واتفاقهم في هذه المسألة، وهذا هو الذي يعرف بالإسناد المؤنن أو المؤنأن، الاختلاف فيه بسبب اختلاف الصيغة، وليس هو اختلافا، وإنما هو اختلاف صيغة، كل واحدة لها حكم، وفيها اتفاق بين الأئمة -رحمهم الله تعالى- وكثير من الباحثين ما ينتبه لهذا الفرق، الفرق بين أن يكون الراوي قد قصد الرواية بأن، وأن يكون قد قصد حكاية القصة، كثير من الباحثين ما ينتبه لهذا.

ص: 154

طيب عندنا الآن -نعم- حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه، هذا ما فيه إشكال، الآن أيضا ابن كثير اختصر كلاما لابن الصلاح، اختصره كثيرا، يلجأ إلى -يعني- هذه مشكلة في الاختصار، أنه قد يقع، قد يقع، وإن كان ابن كثير رحمه الله أجاد في هذا الكتاب، وأجاد في الاختصار، ولكن قد يقع في الأسطر الأخيرة التي سيقرأها القارئ -يعني- أدخل أو -يعني- تكلم على عدد من الأمور، نعم أيها الشيخ نعم، نعرفها الآن.

إذا أسند الراوي ما أرسله غيره

وبحث الشيخ أبو عمرو ها هنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك إذا كان المخالف له أحفظ منه، أو أكثر عددا، ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقا إذا كان عدلا ضابطا، وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة.

نعم هذه المسألة أدخل فيها -يعني- فيها قضية في هذه المسألة قضيتان: القضية الأولى الراوي إذا أرسل، أو إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، ما معنى أسنده؟ -يعني- ذكر فيه صحابيه ما أرسله غيره هذا الغير ماذا فعل في روايته؟

لم يذكر الصحابي -يعني- اعتبرنا أو توصلنا إلى أن الذي أسند وذكر الصحابي قد غلط، هل يقدح هذا فيه أو لا يقدح فيه؟

هذه مسألة، قضية، وهي تأثيرها على الراوي نفسه، على عدالته وضبطه، عندنا مسألة العدالة، إذا تعمد الراوي الإسناد، الزيادة في الإسناد، ما حكم هذا؟ يقدح في عدالته أو لا يقدح؟ هذا يقدح بلا إشكال، يقدح في عدالته، ويعتبر كذبا، إذا لم يتعمد الراوي وزاد في الإسناد الصحابي ما حكمه؟

مر بنا هذا: قضية أن العلماء رحمهم الله يعرفون ضبط الرواة بمقارنة مرويات بعضهم ببعض، فإذا رأوا أن الراوي يخطئ، ما يرويه غيره مرسلا يرويه هو متصلا، وما يرويه غيره موقوفا يرويه هو مرفوعا، أو العكس كذلك أيضا، فهذا متى يخل بضبطه؟

ص: 155

عرفنا متى يخل بالعدالة؟ يخل بالعدالة متى؟ إذا تعمد، متى يخل بالضبط؟ أو هو يخل بالضبط، لكن درجة الإخلال هذه تخضع لأي شيء؟ لكثرة المخالفة وقلَّتها، إذا كان يخالف قليلا، -يعني- له عدد من الأحاديث خالف فيها، فهذا هو الذي يقولون: ثقة له، أو يقولون: ثقة، ويعني ينزلونه عن درجة من يقولون فيه: ثقة ثبت، أو ثقة حافظ، أو ثقة ثقة ثقة مثلا، ينزل قليلا، وكلما كثرت المخالفات في حديثه نزلت درجته.

هذه طريقة العلماء رحمهم الله في -يعني- إحدى الوسائل في معرفة ضبط الرواة وعدالتهم، هي مقارنة مرويات بعضهم ببعض، فبالنسبة للضبط إذا قلَّت المخالفة تسامحوا فيه، ولم ينزلوه عن درجة الثقة؛ لأنهم يقولون: من ذا الذي لا يغلط؟

وما معنى هذه الكلمة؟ يعني أن كل إنسان عرضة للخطأ، ولكنه إذا كثر منه، حفظوا عليه شيئا وشيئا وشيئا قالوا: ثقة له أوهام، فإذا زاد قالوا: صدوق، فإذا زاد قالوا: صدوق يخطئ، صدوق سيئ الحفظ، فإذا زاد وانضم إلى ذلك أمور، قد ينضم إلى ذلك أمور أخرى، مثل أن يتفرد بأشياء، فربما ينزلونه إلى درجة الضعيف.

فإذا كثر منه ذلك صار لا يبالي، أكثر أحاديثه خطأ أنزلوه إلى درجة المتروك، هذا إذا لم يكن يتعمد، وقالوا: متروك الحديث مع صلاحه، وكذا وكذا؛ لأنهم رحمهم الله يعني مسألة التعمد هذه، وإن كان ربما لا تتبين كثيرا.

ولهذا نرى الاختلاف بين أن يقول واحد: إنه يكذب، وبين أن يقول: إنه صدوق لا يتعمد الكذب؛ لأن مسألة النية هذه مرجعها إلى أي شيء؟ مرجعها إلى القلب، وإنما -يعني- الله أعلم، وإنما العلماء رحمهم الله يحكمون بحسب ما لديهم من قرائن، فالمقصود أن هذه -تأثير المسألة هذه التي ذكرها- تأثيرها على الراوي، هو ذكر مسألتين الآن -ابن كثير-: قضية تأثير المخالفة على الراوي، وهذه هي التي ذكرتها الآن، وذكروا القضية الثانية تأثيرها على المروي.

ص: 156

ما معنى تأثيرها على المروي؟ يعني إذا روى الراوي حديثا وأرسله، ورواه غيره وأسنده نقبل قول مَن؟ نقبل قول مَن؟ ذكر -يعني- ثلاثة أقوال، قال: منهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقا إذا كان عدلا ضابطا، وصححه مَن؟ هذا القول؟ الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين.

وحكى عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة، بس تقولون أيضا كذلك هذه الحكاية، وهذه الأقوال في هذه القضية، يقولون: إن الخطيب البغدادي رحمه الله أخذها نظريا من كلام المتكلمين، وذكر أربعة أقوال -يعني- لو نحصي من تعقب الخطيب، وتعقب ابن الصلاح في هذه القضية، يمكن يبلغون أكثر من عشرة.

وقالوا إن ابن الصلاح رحمه الله هنا اختار أن الصواب مع مَن؟ إذا روى شخص حديثا مرسلا، ورواه شخص أو أكثر مسندا اختار قول مَن؟ هنا تسمى هذه القضية تعارض الوصل والإرسال، اختار قول مَن هنا الآن؟ رجح قول مَن؟ ابن الصلاح والخطيب كذلك؟ رجح أن الصواب مع مَن؟ مع المسند، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وهذا الذي رجحه الخطيب وابن الصلاح يقولون: إنه ليس هو مذهب مَن؟ ليس هو مذهب المحدثين.

الترجيح دائما للمسند ليس مذهب المحدثين، وحتى إن الخطيب رحمه الله يقولون ألف كتابا سماه.. المهم في كتاب اسمه "تمييز المزيد في متصل الأسانيد"، وهناك كتاب في مبهم المراسيل للخطيب البغدادي، لم يسر فيهما على ما اختاره هنا، -يعني- خالف تطبيقه تنظيره، ما سار عليه في كتابيه أو في كتبه.

يقولون: إنه هو مذهب المحدثين، ما هو مذهب المحدثين إذن؟ الآن القول هذا عزاه ابن الصلاح إلى مَن؟ وأصاب في ذلك، عزاه إلى مَن؟ إلى اختيار الخطيب وإلى الفقهاء، هذا لا إشكال فيه، ولكن لا بد من معرفة من نبحث في مصطلحه.

ص: 157

لا بد من معرفة مذهب من في هذه القضية المهمة، وهم المحدثون: ابن رجب وابن حجر وابن الملقن والبقاعي والعلائي وجماعة كثيرون نبهوا إلى أنه كان ينبغي أن يُذكر هنا ويُختار منهج مَن؟ المحدثين، وهو أنهم يقولون: مذهب المحدثين باختصار في هذه القضية أنهم يقولون: الأمر يدور في ترجيح المرسل أو المسند مع أي شيء يدور؟ يدور مع القرائن، ليس هناك قاعدة بأن نقول الراجح دائما المرسل، ولا أن نقول الراجح دائما المسند، ولا أن نقول الراجح دائما مع الأحفظ، أو مع الأكثر.

ليس هناك قاعدة مطردة في ترجيح شيء على شيء في هذا الموضوع المهم، ونلاحظ -لاحظوا معي يا إخوان نقطة مهمة- أنَّا إذا رجحنا قبول المسند، قبول قول المسند دائما، ارجعوا إلى شروط الحديث الصحيح ماذا اشترطنا فيه؟ ماذا اشترطوا في شروط الحديث الصحيح؟ في الشرطين الأخيرين ألا يكون شاذا وألا يكون معللا، إذا قبلت قول المسنِد دائما ألغيت الشرط الأخير الذي هو ماذا؟ الذي هو شرط المعلل.

وقد نص ابن دقيق العيد رحمه الله على أن الفقهاء والأصوليين لا يشترطون هذين الشرطين اللذين هما ماذا؟ الشذوذ والعلة، وهذا هو معنى كلام ابن دقيق العيد أنهم يقولون: إذا تعارض وصل وإرسال فالحكم دائما لمن؟ لمن وصل أو لمن أرسل عندهم؟ لمن وصل، هؤلاء هم الفقهاء.

ولكن لا بد هنا من معرفة مذهب المحدثين، الذي هو أنهم يديرون الأمر مع القرائن، فإن ترجح أن المسنِد هو المصيب انتفت العلة، وإن ترجح أن المرسِل هو المصيب صار الحديث لم يتوافر فيه الشرط الأخير الذي هو ماذا؟ ألا يكون معلولا.

يبقى القضية، وهي نقلهم عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة، ننتبه لهذه النقطة، وهي أن البخاري لم يقل هذا مطلقا، وإنما يتكلم على حديث بعينه، الذي هو حديث: ? لا نكاح إلا بولي ?.

ص: 158

إذن كلام البخاري على إطلاقه أو بخصوص حديث معين؟ لا يصح الاستدلال به على أن دائما من زاد هو المصيب، أو أن زيادته مقبولة، فهذا كلام البخاري، نبهوا أيضا إلى أنه إنما البخاري يتكلم على إسناد بعينه، وهذه الموضوعات بينها تداخل؛ ولهذا يقولون الذي اختار مذهب الفقهاء والأصوليين هنا، واختار هناك في التعريف خمسة الشروط يكون بين قوليه تضاد وتعارض، ويعني مثل هذا الأمر -مصطلح الحديث- دقيق جدا، ينبغي للشخص أن يتنبه لما يختار من مصطلحات، وما يختار من قواعد؛ لئلا يكون بين كلامه تعارض.

وكذلك قضية التعارض بين التنظير والتطبيق، هذه أمر مهم، نلاحظ أن الخطيب البغدادي رحمه الله يعني في كتابه "المزيد في متصل الأسانيد"، وكتابه في مبهم المراسيل، -يعني- مشا على منهج المحدثين، حتى بل قالوا: إنه ربما بالغ في تطبيق العلل، ربما -يعني- يقولون، ولكنه هنا اختار هذا، اختار أن القول قول من وصل دائما، ويعني جل من لا يخطئ.

هذا معنا الآن النوع الثاني عشر، الذي هو المدلس، نعم. تفضل.

ص: 159