المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الأول: الصحيح - شرح اختصار علوم الحديث - اللاحم

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌ترتيب ابن الصلاح لأنواع الحديث

- ‌تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

- ‌النوع الأول: الصحيح

- ‌النوع الثاني: الحديث الحسن

- ‌النوع الثالث:الحديث الضعيف

- ‌ النوع الرابع: "المسند

- ‌النوع الخامس: المتصل

- ‌النوع السادس: المرفوع

- ‌النوع السابع: الموقوف

- ‌النوع الثامن: المقطوع

- ‌النوع التاسع: المرسل

- ‌النوع العاشر: المنقطع

- ‌النوع الحادي عشر: المعضل

- ‌النوع الثاني عشر: المدلس

- ‌النوع الثالث عشر: الشاذ

- ‌النوع الرابع عشر: المنكر

- ‌النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد

- ‌النوع السادس عشر: في الأفراد

- ‌النوع السابع عشر: في زياد الثقة

- ‌النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث

- ‌النوع التاسع عشر: المضطرب

- ‌النوع العشرون: معرفة المدرج

- ‌النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع

- ‌النوع الثاني والعشرون: المقلوب

- ‌النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل

- ‌النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

- ‌النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقيده

- ‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

- ‌النوع السابع والعشرون: آداب المحدث

- ‌النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث

- ‌النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

- ‌النوع الثلاثون: معرفة المشهور

- ‌النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز

- ‌النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث

- ‌النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل

- ‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا

- ‌النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث

- ‌النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد

- ‌النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل

- ‌النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

- ‌النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين

- ‌النوع الحادي والأربعون: معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌النوع الثاني والأربعون: معرفة المُدَبَّج

- ‌النوع الثالث والأربعون: معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌النوع الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء

- ‌النوع الخامس والأربعون: رواية الأبناء عن الآباء

- ‌النوع السادس والأربعون: معرفة رواية السابق واللاحق

- ‌النوع السابع والأربعون: معرفة من لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد

- ‌النوع الثامن والأربعون: معرفة من له أسماء متعددة

- ‌النوع التاسع والأربعون: معرفة الأسماء المفردة والكُنَى

- ‌النوع الخمسون: معرفة الأسماء والكُنَى

- ‌النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية

- ‌النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب

- ‌النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب

- ‌النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

- ‌النوع الخامس والخمسون: الأسماء المتشابهة في الرسم

- ‌النوع السادس والخمسون: معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة

- ‌النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها

- ‌النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء

- ‌النوع الموفي الستين: معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم

- ‌النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم

- ‌النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره

- ‌النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات

- ‌النوع الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء

- ‌النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌ أسئلة

الفصل: ‌النوع الأول: الصحيح

من الذي تولى ترتيبه؟ أو إعادة ترتيب المصطلحات هذه؟ هو ابن حجر رحمه الله، ولهذا سَمَّى كتابه "نخبة الفِكَر" رتبه، أو أعاد ترتيب كتاب ابن الصلاح بطريقة ثانية.

ولهذا أول ما تبتدئ بكتاب ابن الصلاح في الحديث الصحيح، وأول ما بدأ به ابن حجر بالنخبة هو تقسيم الحديث الى متواتر وآحاد، ثم الآحاد إلى مشهور وعزيز وغريب، ثم أخيرا -يعني- أو فيما بعد وصل إلى مبحث الصحيح.

وهناك بعض المؤلفين في العصر الحاضر ساروا على طريقة ثالثة في الترتيب، ما أطيل بهذا. نعم. اقرأ النوع الأول.

‌تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

‌النوع الأول: الصحيح

تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

قال: اعلم -علمك الله وإياي- أن الحديث عند أهله ينقسم إلى: صحيح، وحسن، وضعيف.

قلت: هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فليس إلا صحيحا وضعيفا، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك، كما قد ذكره آنفا هو وغيره أيضا.

هذا من المناقشات على ابن الصلاح رحمه الله من قِبَل ابن كثير، ابن الصلاح ذكر أن الحديث ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، فابن كثير رحمه الله يقول: الحديث في واقع الأمر في نفس الأمر ليس إلا صحيحا أو ضعيفا، وإن كنت تريد تقسيمه عند أهل الحديث فهو ينقسم إلى أكثر مما ذكرت، ولكن مثل هذه المناقشات -يعني- لا تُشْكِل كثيرا؛ لأن المقصود هو -يعني- ما تحت هذا التقسيم.

والجواب عن ابن الصلاح أيضا سهل، ابن الصلاح يريد قسمة إجمالية، والأقسام الأخرى التي ذكرها تدخل تحت هذه القسمة الإجمالية، وهذا أمر معروف، كما تقول هذا الأمر ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ثم تأتي إلى القسم الأول وتقسمه أيضا إلى أقسام، بل يعدون هذا ميزة في المؤلف إذ بدأ يتدرج من العام إلى الخاص، أو بعضهم يتدرج بالعكس.

ص: 10

فالمقصود أن هذه الاعتراض كثر على ابن الصلاح، بالمناسبة الاعتراض والنقد والجواب، وبعضها -يعني- بلا شك فيه فائدة، أو كثير منه فيه فائدة، ولكن بعضه من باب انتقاد إما التقسيم، أو انتقاد اختيار كلمة أو نحو ذلك، فهذا من هذا الباب.

بقي أن نشير إلى أن ابن كثير رحمه الله يمكنه أن يعترض على ابن الصلاح بأن يقول: القسمة الإجمالية هذه أصلها -حتى عند علماء الحديث- إنما هي: إما صحيح، أو ضعيف، هذا حقه كان حقه أن يقول هذا، ولأن العلماء -رحمهم الله تعالى- كما نعرف في عصر النقد كلمة حسن ليست متداولة عندهم كثيرا، إنما يتداولون كثيرا إما صحيح وإما ضعيف.

والجواب عن ابن الصلاح أيضا سهل في هذا؛ لأن ابن الصلاح رحمه الله أراد ما استقر عليه العمل عند أهل الحديث، فبلا شك قبل عصر ابن الصلاح بقليل، يعني: كان استقر العمل على تقسيم الحديث إلى كم من قسم؟ إلى ثلاثة أقسام: إلى صحيح، وحسن، وضعيف.

فهذا ابن الصلاح يريد هذا الشيء. نعم. تفضل يا شيخ، اقرأ.

الحديث الصحيح

تعريف الحديث الصحيح

تعريف الحديث الصحيح:

قال: أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند، الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا.

ثم أخذ يبين فوائده، وما احترز بها عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة، وما في راويه نوع جرح.

قال: وهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة، بلا خلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون في بعض الأحاديث لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، أو في اشتراط بعضها كما في المرسل.

هذا تعريف ابن الصلاح، هذا الكلام كله من كلام من؟ من كلام ابن الصلاح، إلى الآن ابن كثير ما تدخل في موضوع الحديث الصحيح، فالآن معنا تعريف عرفه ابن الصلاح رحمه الله بأنه: الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا.

ص: 11

ذكر ابن الصلاح رحمه الله في تعريف الحديث خمسة شروط:

أن يكون راويه عدلا.

أن يكون ضابطا.

أن يكون إسناده متصلا.

ألا يكون الحديث شاذا.

وألا يكون معللا.

هذه خمسة شروط مشهورة في تعريف الحديث، أو في شروط الحديث الصحيح، وهي شروط غاية في الإحكام والدقة إذا طُبِّقَتْ، هذه الشروط وضعها علماء الحديث، أو أُخذت، بالمناسبة علماء الحديث -مثلا- لا تجد في كلام الإمام أحمد المشهور هذه خمسة أو كذا، ما يقولونه؛ لأنهم رحمهم الله اشتغلوا بأي شيء هم؟ بالتطبيق.

فهذه الشروط أُخذت من عمل، من كلام مجمع لأهل الحديث، ومن عملهم -رحمهم الله تعالى-، من كلام لهم بأنهم يقولون: لا يؤخذ العلم إلا عن كذا وكذا وكذا، هذا في الرواة.

ومن قولهم: إنه لا يحتج بالأحاديث المرسلة، أو نقدهم للأحاديث بالانقطاع.

ومن قولهم: إن هذا الحديث شاذ أو منكر، ومن قولهم: إن هذا الحديث معلل إذا احتج عليهم به، أو إذا سئلوا عنه.

فمن عملهم أُخذت هذه الشروط الخمسة، وهي -كما ذكرت- شروط محكمة دقيقة.

قال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى-: هذا الحديث أو هذه الشروط إذا توافرت في حديث حُكِمَ له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث، وهذا الكلام كلام صحيح.

يعني: إذا توافرت هذه الشروط فالحديث صحيح بإجماع أهل الحديث.

ثم ذكر شيئا مهما، كأنه يقول، أو كان قائلا له يقول ويسأل: إذا كان أهل الحديث اشترطوا هذه الشروط، فلم -انتبهوا لهذا السؤال، وهو سؤال مهم- إذا كانوا اشترطوا هذه الشروط لم يختلفون في بعض الأحاديث أنها صحيحة أو ليست بصحيحة؟ لم يختلفون؟ هذا سؤال عريض أو كبير، أجاب عنه ابن الصلاح.

الجواب عنه هو قوله: "لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف". هذا سبب، ما معنى هذا السبب:"لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف"؟

ص: 12

يعني: معناه أن الإمام يأتي إلى هذه الشروط، فيجتهد في تطبيقها على الحديث المعين، فربما أدَّاه اجتهاده إلى أن هذه الشروط موجودة، فإذن يحكم بأي شيء على الحديث؟ يحكم بالصحة.

وربما إمام آخر اجتهد، فرأى أن شرط الاتصال قد تخلف، فإن فلانا عنده هو لم يسمع من فلان، لِمَ عنده لَمْ يسمع من فلان، وعند الإمام الآخر قد سمع من فلان؟

هذا سؤال آخر، ويترتب عليه جواب آخر وهو أنه إثبات السماع مبني على أي شيء أيضا؟ على الاجتهاد والقرائن، فعملهم كله -رحمهم الله تعالى- مبني على الاجتهاد وإعمال القرائن.

فالمقصود أن هذا الجواب لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، قد يرى إمامٌ أن هذه الأوصاف موجودة في الحديث هذا، فيحكم بصحته، ويرى إمام آخر أنه قد تخلف شرط من هذه الشروط، قد يرى هذا الحديث معللا، ولا يراه الآخر معللا.

وهذا باب واسع، أمر معروف اختلاف أهل الفن، هل يوجد فن اتفق أهله على كل قضاياه، أو ما يوجد؟

ما يوجد، نحن نقول دائما: حتى العلوم المادية، العلوم المادية، نحن نعرف أن علم الحديث علم مادي، أو علم نظري أو معنوي، بلا إشكال هذا علم معنوي مبني على القرائن، وعلى النظر، وعلى تجميع الأدلة، وعلى..، ليس علما ماديا، ليس أمامك مادة تفحصها، ومع هذا أهل هذه العلوم المادية بينهم اختلاف كبير.

لو أخذت علم الهندسة، لو أخذت علم الطب، لو أخذت علم الفلك، هذه الأمور المحسوسة ستجد بينها اختلافا، فما بالك بالعلوم التي هي علوم معنوية بلا إشكال؟

وهذا أمر لا بد منه، يعني: هذه سنة الله في خلقه كما يقولون، ولولا هذا الاختلاف لذهب طعم العلوم، الاختلاف هذا هو الذي تظهر فيه نكهة العلم، هو الذي يتميز فيه العالم، يتميز فيه المجتهد، وإلا لتساوى الناس في العلوم لو كانت الأحكام الفقهية كلها معروفة مقننة، لم يظهر أن فلانا مجتهد، أو أنه متميز في الاجتهاد، أو في الفتوى، وهذه سنة الله، لا بد أن نتعامل معها بهذه الطريقة.

ص: 13

فعلماء الحديث يختلفون، إذن علل ابن الصلاح سبب اختلافهم، والسبب الأول ما هو؟ اختلاف اجتهادهم في توافر هذه الشروط.

ذكر سببا آخر، قال:"أو في اشتراط بعضها كما في المرسل".

ما معنى هذا الكلام؟ الحقيقة هذا الكلام في شيء من، ما معناه. معناه ما هو؟ عبارة عن نقد للشروط الخمسة، يقول: إن بعضهم قد لا يشترط بعض هذه الشروط، والحقيقة أن هذا الكلام يحتاج إلى توثيق، نحن نقول لكل من يقول إنهم لا يشترطون، أو إن منهم أن لا يشترط بعض هذه الشروط، نطلب منه أن يسمي لنا هذا، يعني: ما وقفت على إمام قيل -مثلا- هو قال كما في المرسل -ما معنى كلامه- أن بعضهم يصحح الحديث وإن كان منقطعا. أليس هذا معنى كلامه؟ وهو معنى كلامه هذا.

فإذن نقول: هذا الاختلاف -يعني- أو هذا السبب يعني فيه نظر، السبب الأول هو -يعني- بلا إشكال هو السبب الرئيس في سبب الاختلاف، وأما أن كون بعضهم لا يشترط بعض هذه الشروط من أهل الحديث. نعم، فيه من أهل الفقه وأهل الأصول من لا يشترط بعض هذه الشروط، لكن الكلام في اصطلاح من الآن؟

الكلام في اصطلاح أهل الحديث مجمعون على هذه الشروط، ولهذا السبب فإن الذهبي رحمه الله في "الموقظة" عبر عن التصحيح بالاحتجاج، قال: فإن كان مرسلا ففي الاحتجاج به اختلاف.

وهناك فرق بين التصحيح وبين الاحتجاج، لا تلازم بينهما، لا أطيل بهذا، المهم نضيف سببا للاختلاف، نضيف سببا للاختلاف.

إذن، السبب الرئيس ما هو الآن؟ الاجتهاد في تطبيق الشرط، تضيف سببا فقط تقول: ومن الأسباب الرئيسة في الاختلاف: الاختلاف في تحقيق الشرط، من المهم جدا هذا.

ما معنى الاختلاف في تحقيق الشرط؟ يعني: مثلا لو أخذنا الشرط الأول، الذي هو الضبط، من العلماء من يشدد في الضبط، فلا يصحح إلا من هو في الدرجة العليا من الضبط، ومنهم من يتسامح في تحقيق هذا الشرط، فربما صحح لأناس من متوسطي الدرجة.

ص: 14

إذن، هذا الاختلاف هل هو اختلاف اجتهاد في التطبيق، أو اختلاف في أصل الشرط ما هو؟ في أصل الشرط ما هو؟

مثل الاتصال؛ بعضهم يقول: لا أحكم بالاتصال إلا إذا ثبت لي أن فلانا قال: حدثنا فلان، وبعضهم يكتفي بالمعاصرة، هذا أمر معروف.

إذن، هذا الاختلاف في أي شيء سببه؟ في تحقيق الشرط.

إذن، هما سببان رئيسان في اختلاف العلماء في الحديث الواحد، إذا صححه بعضهم ولم يصححه البعض.

السبب الأول: راجع إلى اختلافهم في تحقيق الشرط، بعضهم يشدد، وبعضهم ربما تسامح، وكذلك في الشذوذ، وفي العلل.

السبب الثاني: ما هو؟ اختلاف في الاجتهاد في تطبيق هذه الشروط.

وكل أسباب الاختلاف في الحقيقة ترجع إلى هذين السببين، كل الأسباب قد تتفرع، قد -يعني- مثلا نفصل في أسباب الاختلاف، لكن مع التفصيل فهي ترجع إلى هذين السببين: إما اختلاف في الاجتهاد في تطبيق هذه الشروط، وإما اختلاف في أصل الشرط، أو في تحقيق الشرط ما درجته. نعم.

حاصل حد الصحيح

قلت: فحاصل حد الصحيح أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذا، ولا مردودا، ولا معللا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورا أو غريبا، وهو متفاوت.. نعم.

هذا أضافه ابن كثير رحمه الله، ما الجديد في كلامه على كلام ابن الصلاح؟

لو تأملناه وجدنا الجديد عنده هو أنه شرح كلمة "إلى منتهاه" يعني شرحها، ما المراد بـ"إلى منتهاه"؟

قد يكون منتهاه مَنْ؟ الرسول صلى الله عليه وسلم وقد يكون منتهاه الصحابي، وقد يكون منتهاه التابعي.

قد يُشْكِل على هذا أنه العنوان، أو هم يقولون: تعريف الحديث الصحيح، فلان قال: أما الحديث الصحيح، فهل يطلق على كلام الصحابي وكلام التابعي أنه حديث؟ يطلق أو ما يطلق عليه أنه حديث؟

ص: 15

لا، حتى في اصطلاح أهل الحديث لا بد من معرفة هذا، أن كل هذا يسمونه حديثا، ما عندهم إلا هذه التسمية، حتى الموقوف، حتى المقطوع، فهذا أمر مهم، يعني: نعرفه.

مثلا: لو أخذت كتابا للإمام أحمد، قال لك هذا الحديث، أو رويت عن فلان حديثين، ثم ساقهما، واحد من الحديثين قد يكون عن عكرمة من قوله، وقد يكون الآخر عن ابن عباس من قوله أيضا، لا تستغرب هذا؛ فإن الحديث كل ما ُرِوَي عندهم يطلق عليه أنه حديث.

نحن نسميها ماذا؟ ماذا نسمي الموقوفات على الصحابة والتابعين في العصر الحاضر؟ أثر. هذا اصطلاح جاء فيما بعد، حتى أن النووي رحمه الله نسب هذا الاصطلاح في الأصل إلى فقهاء خراسان، وليس إلى محدثي خراسان، وإنما إلى فقهاء.

ولكن هذا الذي نسبه إلى فقهاء خراسان استقر فيما بعد حتى وصلَنا في العصر الحاضر، تجد المؤلفين أو طلبة العلم يقول لك: هذا فهرس للأحاديث، وهذا فهرس لأي شيء؟ للآثار. يقصد بالأحاديث ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أما فيما روي بالآثار ما روي عن الصحابة والتابعين، أما في اصطلاح أهل الحديث فكله يسمى حديثا.

وهذا الأمر -يعني- يحتاج بس فقط إلى بعض التنبيهات وضرب الأمثلة، ليس هذا وقته، ربما أشير إليه -أيضا- فيما بعد.

ما الذي أضافه ابن كثير؟

أضاف قال: ولا يكون شاذا. أضاف بعدها، ماذا أضاف؟ ولا مردودا. ابن كثير رحمه الله بإيش تعلق عليه؟ تقول: هذه الكلمة لم يشرحها ابن كثير هنا، ولم يخصص نوعا لأي شيء؟ للمردود.

لم يوضح مراده بهذه الكلمة التي زادها على ابن الصلاح، وما أدري ماذا يريد، لكن احتمال أنه يريد النكارة، احتمال يريد أنه بشرط ألا يكون الحديث مردودا، يعني: منكرا ترك العلماء العمل به وردوه، وإن كان ظاهر إسناده الصحة.

ص: 16

يحتمل أن يكون يريد بهذا زادها على ابن الصلاح رحمه الله، زاد قوله:"ولا مردودا"، ولم يشرح المراد بالمردود لا هنا، ولم يخصص له نوعا أيضا، فيحتمل -والله أعلم- أنه يريد بالمردود المنكر، يعني: لم يرده الأئمة؛ لأن هناك من الأحاديث كما تعرفون وردت، ولكنها أنكرها العلماء -يعني- أنكرها العلماء، وربما، أو قالوا: هذا الحديث ليس عليه العمل، أو -يعني- نحو هذه الكلمات، وربما يأتي معنا -إن شاء الله تعالى- المنكر.

زاد بعده، زاد أيضا على ابن الصلاح:"وقد يكون مشهورا أو غريبا"، هذا ليس من التعريف، هذا ليس من التعريف؛ وإنما هذا وصف كاشف مراد ابن كثير رحمه الله، وإن كان معروفا من كلامه، يعني: ظاهرا من كلام ابن الصلاح.

هو يريد أنه يقول: لا يشترط بالحديث الصحيح أن يكون له أكثر من طريق، هذا قصده، فقد يكون غريبا، وقد يكون مشهورا.

وسيأتي -إن شاء الله تعالى- شرح الغريب، وشرح المشهور -يعني- في أماكنها بحول الله وقوته. نعم. تفضل. اقرأ.

مراتب الحديث الصحيح

وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله، ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها، فعن أحمد وإسحاق، وأصحها الزهري، عن سالم، عن أبيه.

وقال علي بن المديني والفلاس: أصلحها محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه.

وعن يحيى بن معين: أصحها الأعمش، وعن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-.

وعن البخاري: مالك، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى- عنهما.

وزاد بعضهم: الشافعي، عن مالك؛ إذ هو أجل من روى عنه.

نعم، هذا المقطع يتعلق، عنوانه مراتب الحديث الصحيح، هذه المراتب أنا أسألكم الآن بالنظر إلى إسناد الحديث، أو بالنظر إلى من أخرج الحديث؟

هم يقسمون مراتب الحديث بطريقتين، أو يجعلون مراتب للحديث بطريقتين:

الطريقة الأولى: بالنظر إلى إسناد الحديث.

ص: 17

والطريقة الثانية: بالنظر الى من أخرج الحديث، ويقولون -مثلا-: أعلى مراتبه ما اتفق عليه الشيخان، ثم ما أخرجه البخاري، ثم ما أخرجه مسلم، وهكذا.

فهذا الترتيب الذي معنا هو أشار إليه ابن كثير إشارة بقوله: "وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله".

ما معنى: "في محاله"؟

يعني: في رواته، أو في الإسناد نفسه، فمن كلمة ابن كثير هذا نفهم أمرا مهما جدا لا بد من أن نضعه في أذهاننا أن الحديث الصحيح -بالنظر إلى أسانيده، وليس إلى من أخرجه- ليس على مرتبة واحدة؛ فمنه ما رتبته عالية، الحديث الصحيح قد يكون له طريق واحد فقط، وقد يكون له أكثر من طريق، وقد يكون له طريقان، ثلاثة، أربعة، خمسة، قد تزيد طرقه.

وقد يكون الحديث الصحيح لم تتوجه إليه العلة أصلا، وقد يكون توجهت إليه علة، وإن لم تكن قادحة، وأمور أخرى توضح لك أن الحديث الصحيح على مراتب.

هنا الآن -بالنظر إلى نفس الإسناد- العلماء -رحمهم الله تعالى- تكلموا في أصح الأسانيد، ماذا نأخذ من كلامهم؟ أن هناك أصح وصحيحا، وهذا هو مرادهم بهذا، أن هناك أسانيد بالدرجة العليا من الصحة، وأسانيد دونها، وأسانيد دونها أيضا.

من العلماء من يقسم المراتب، قسمها الذهبي إلى ثلاث مراتب، وهي قابلة للتقسيم إلى أربع، أو إلى خمس:

المرتبة الأولى: التي ذكرها ابن كثير رحمه الله هي المرتبة العليا، وهي أن العلماء -رحمهم الله تعالى- سئلوا واجتهدوا في الحكم على ما هو أصح الأسانيد في نظر هذا الإمام، وكلٌ أجاب بما توصل إليه اجتهاده، ونحن نعرف عندنا -أولا- ذكر ابن كثير رحمه الله الآن عددا من الأسانيد التي قال فيها العلماء: إنها أصح الأسانيد.

ص: 18

هذا ذكره على سبيل الحصر، أو على سبيل التمثيل؟ على سبيل التمثيل ذكر هو مجموعة من الأمثلة أوصلها العراقي إلى ستة عشر، وأوصلها ابن حجر رحمه الله إلى عشرين، جمع منها عشرين إسنادا مما قال فيه عالم من العلماء أو أكثر من عالم: إن هذا الإسناد أصح الأسانيد.

وتعرفون كتاب الحافظ العراقي "تقريب الأسانيد"، له كتاب اسمه "تقريب الأسانيد"، شرحه، ألفه رحمه الله لولده لكي يسهل عليه الحفظ، ثم شرحه بكتاب "شرح التقريب"، وأكمله ولده أبو زرعة.

هذا الكتاب مبني على هذا العلم، أو على هذا الأمر، التي هي الأسانيد التي قيل فيها: إنها أصح الأسانيد، جمع الأحاديث المروية بستة عشر إسنادا قيل فيها: إنها أصح الأسانيد. ثم شرح هذه الأحاديث.

فإذن، هذه هي المرتبة الأولى، وهي التي قال العلماء عن أسانيدها، أو قال عالم أو أكثر: إن هذا الإسناد إنه أصح الأسانيد، وهي أسانيد في الذروة -كما تسمعون الآن- لك مثلا الزهري عن سالم. من هو سالم؟ سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه عبد الله بن عمر.

وعبد الله بن عمر صحابي معروف، وسالم هذا من كبار الفقهاء، هو أحد الفقهاء السبعة، وحافظ للحديث، والزهري الإمام المعروف.

الإسناد الثاني محمد بن سيرين التابعي الجليل، عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والذي بعده الأعمش الإمام المعروف، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن علقمة.

من هذا علقمة؟ ابن وقاص أو ابن قيس، أيهما أشهر؟ الأشهر ابن قيس، هذا فقيه مشهور من أصحاب عبد الله بن مسعود، أما علقمة بن وقاص فالذي شهره ما هو؟ أنه هو راوي حديث: ? إنما الأعمال بالنيات ? لكن الأشهر منه هو هذا علقمة بن قيس أحد كبار أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.

ثم ذكرعن البخاري أنه أصح الاسانيد: مالك، عن نافع، عن ابن عمر.

ص: 19

وأيضا قال به أبو حاتم يقول لأبي زرعة: يا أبا زرعة، -نسيت العبارة- لكن يقول: ليس ذا زعزعة عن زوبعة، إنما هو ترفع السترة، فتنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وثوقا منهم بهذا الإسناد.

ومنهم من يبدل مالكا بأيوب، ومنهم من يبدل أيوب بعبيد الله بن عمرن هؤلاء الثلاثة من كبار أصحاب من؟ نافع مولى ابن عمر.

ونافع هذا -مولى ابن عمر- من الحفاظ الأجلاء، حتى قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فيما أذكر أنه يقول هذا: يقول العلماء: إنه لا يعرف له غلط، -يعني- وهذا من النوادر جدا أن يكون الإنسان لا يضبط عليه خطأ -يعني- متأكد منه.

ومنهم من يذكر الأعمش عن إبراهيم، منهم من يذكر مكان الأعمش منصور بن المعتمر، عن إبراهيم.

ومنهم من يذكر إسناد عبيد الله بن عمر، عن القاسم، عن عائشة. فهذه أسانيد من أصح الأسانيد.

هذا موضوع متعلق بأصح الأسانيد، ولعلنا نكتفي بهذا اليوم -إن شاء الله تعالى-، وفي الغد وما بعده لعلنا نسرع أكثر، ويكون التعليق أخص من هذا، والآن إن كان فيه أسئلة؟

س: أحسن الله إليكم، السؤال الأول يقول: هل مجرد إيراد الحديث عند ابن حبان وابن خزيمة في كتابيهما يعد أنهما صححاه؟

ج:هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى- لعلنا نرجئه؛ لأن ابن كثير -رحمه الله تعالى- سيتكلم على درجة أحاديث صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان، لعلنا نصله في الغد -إن شاء الله تعالى.

س: أحسن الله إليكم، يقول: ما صحة رواية عن عباس بن حكيم، عن أبيه، عن جده؟

ج: هذه ربما تأتي معنا أيضا، يجعلها العلماء، من العلماء من يضعفها، ومنهم من..، ولكن هي -يعني- جعلها العلماء في مرتبة الحديث الحسن، يعني لم يخرج منها البخاري ومسلم شيئا، وكلها في السنن، هي نسخة معروفة، نسخة بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده.

ص: 20

ومثل هذه النسخ التي -يعني- لم تصحح، أو -يعني- نزلت درجتها قليلا بسبب حفظ بعض رواتها، القاعدة فيها ما هي؟ سيأتي معنا -إن شاء الله- قاعدة في الحديث الحسن أذكرها، أشير إليها هنا أن مثل هؤلاء، أن أحاديثهم تحسن، أو ربما تصحح، لكن بشرط أن -يعني- لا يكون فيها تفرد في الحديث المعين، فإذا وقع فيها تفرد، يعني: حديث لا يروى إلا من هذا الطريق، فهذا هو الذي يقول مثلا هو الذي يتوقف فيه.

يعني إذا قلنا -مثلا-: حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده في مرتبة الحسن، ليس معناه، أو حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده في مرتبة الحسن، ليس معناه أن كل ما ورد بهذه النسخة فهو حسن، وأن هذا حكم إجمالي، حتى ما قيل فيه: إنه أصح الأسانيد، هذا الحكم تفصيلي أو إجمالي؟

قد يأتي حديث عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ولا يكون صحيحا، فضلا عن أن يكون من أصح الأسانيد، هذا معروف يعني لا بد من..، ولهذا قالوا: ولا يكون شاذا ولا معللا، هذا أمر معروف نبهت عليه بهذه المناسبة.

س: أحسن الله إليكم، وهذا السؤال جاء عن طريق الشبكة يقول: فضيلة الشيخ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ذكرتم أن الذهبي رحمه الله عبر بالصحيح بالاحتجاج، وهناك فرق بينهما، فما هو الفرق -رعاكم الله؟

ج: هذا -يعني- ما أحببت أن أطيل به، لا بد أن نلاحظ أمرا مهما، وهو أن الاحتجاج لا يلازم الصحة، أو -نعم- ليس كل ما احتج به فهو في درجة الصحيح الذي أخذنا تعريفه، أولا سيأتي معنا الحديث الحسن، الحديث الحسن في أي مرتبة؟ يعني: يحتج به أو لا يحتج؟

يحتج به، كتب الفقه مليئة، سيأتي معنا -إن شاء الله تعالى-، فإذن، نأخذ من هذا أنه لا تلازم بين الاحتجاج وبين الصحة.

الأمر الآخر: هو أن هناك درجة في الاحتجاج التي يسميها العلماء -يعني- الاستئناس، يعني: أنه ورد عنده قول صحابي، وورد عنده حديث منقطع مرسل، وورد عنده ظاهر آية، وورد عنده قياس خفي ليس جليا.

ص: 21

إذن، هذه أربعة أدلة مجموعها يحتج به، وإن كان قد يكون -مثلا- قد يكون واحد منها لو انفرد لم يصلح للاحتجاج.

ومن هذا الباب ترى لا بد نفرق -يعني مثلا- أن بعض العلماء قد تجد إماما أورد حديثا ضعيفا مستدلا به، لكن لا بد أن تفتش ما الذي جعل هذا الإمام يحتج بهذا الحديث وإن كان فيه ضعف؟

ستجد -مثلا- ربما روي عن بعض الصحابة، فضمه إلى هذا الحديث، فاحتج به، بعض المراسيل -ننتبه لهذا- بعض الأحاديث المنقطعة وبعض المراسيل، وإن كان هذا الموضوع -يعني- يحتاج إلى بسط، لكن بعض المراسيل هي من القوة بحيث تكون ملحقة بأي شيء؟ بالحديث الصحيح. وإن كان لا يتوافر فيها شرط الحديث الصحيح.

ولهذا يقول العلماء: إنها قوية، إسناد قوي، مثلا: رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، هو لم يسمع من أبيه.

العلماء قالوا: إن هذه السلسلة منقطعة، ولكن قوّاها ابن المديني، قوّاها الطحاوي، قوّاها يعقوب بن شيبة. ما السبب؟ لأن الواسطة بين أبي عبيدة وبين أبيه في الغالب، أو هم من جنس علقمة الذي مر بنا، الذين هم أصحاب عبد الله، أصحاب عبد الله بن مسعود.

فربما يحتج بها، وإن كانت ليست على شرط الصحيح، ولهذا لا تخرج مثل هذه السلسلة في الصحيحين، وهناك أمثلة لها لما يقويه العلماء، وإن كان منقطعا، فليس هناك تلازم بين الاحتجاج وبين الصحة، هذا الذي يعني..

س: الأخ -يا شيخ- يتطرق، يقول: من أول من قسَّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف؟

ج: هو موجود في كلام العلماء -رحمهم الله تعالى-، تقسيمهم للحديث إلى صحيح وحسن -يعني- موجود في كلام البخاري، وكلام ابن المديني، وكلام الشافعي، أنه يصف بعض الأحاديث بأنها حسنة.

لكن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أطلق كلمة ووافقه عليها الذهبي، ووافقه عليها السخاوي وابن حجر رحمه الله، وهؤلاء فحول -يعني- ما يتركونها بدون نقد إلا ولها حظ من الصواب، حظ كبير.

ص: 22

يقول ابن تيمية رحمه الله: إن أول من قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف هو من؟ الإمام الترمذي.

ومراد ابن تيمية، ليس مراد ابن تيمية أن الترمذي هو أول من أطلق كلمة "حسن"، ليس مراده هذا فيما يظهر؛ وإنما مراده هذا التقسيم، وأن الحسن قسم غير الصحيح وغير الضعيف.

أما الأولون فيطلقون كلمة حسن، وربما كان الحديث في أعلى درجات الصحة، يعني: لم يتمخض عندهم مصطلح الحسن بشيء خاص به كما فعل به مَن؟ كما فعل به الترمذي.

فالذي قسمه هذه القسمة الثلاثية، الذي كل واحد له تعريف هو مَن هو؟ الترمذي، هذا فصل الكلام في هذا الموضوع فيما أرى، يعني: بعض العلماء اعترض على ابن تيمية، بعض الباحثين، وصار يبحث في كلام للأولين، أطلقوا وصف ماذا؟ الحسن وهذا لا إشكال فيه، ما يمكن يخفى أصلا على ابن تيمية، قصدي ليس معصوما.

ولكنه باطلاعه على كلام العلماء سيجد الأمر يسيرا أن يقف على أن إماما قال في حديث إنه حسن، ولكن مراده هذه القسمة الثلاثية التي كل قسم له خصائصه، وله يعني تعريفه، فهو الترمذي -رحمه الله تعالى-.

س: أحسن الله إليكم، هذا السؤال -فضيلة الشيخ- أتى عن طريق الشبكة كذلك، يقول: أيهما أفضل أن يبتدئ طالب علم الحديث -أي: المصطلح- بنخبة الفكر، أم مقدمه ابن الصلاح؟

ج:هذا الموضوع يسأل الأخ عن الابتداء بأي شيء؟ من يريد أن يبتدئ بدراسة مصطلح الحديث، لا بأس الابتداء بمقدمة ابن الصلاح، ترى مقدمة ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- ليست من الطول، بحيث يكون فيها شيء -مثلا يعني- مثل ما نقول حواشي أو استطراد، ما فيها شيء من هذا، محكمة هي حقيقة

رغم أن العلماء قاموا باختصارها.

ص: 23

فمن أراد أن يبتدئ بها، إلا أنها فقط تحتاج إلى أن يبتدئ بها الشخص على شيخ يقرأ عليه، ويعني- يساعده على حل بعض كلماتها، فمن يبتدئ بمقدمة ابن الصلاح هذا -يعني- لأن قضية الابتداء هذه ليس فيها مثلا قاعدة لا تتخلف، فرب شخص ابتدأ بمقدمة ابن الصلاح، وانتفع بهذا، ولكن هناك قاعدة، يعني: توجيه عند العلماء أن الابتداء يكون بالأسهل أو الأصعب؟ الأسهل. فيبتدئ الشخص بالشيء -يعني- بكتاب مختصر، مثل النخبة مثلا، الأخ يسأل عن النخبة، أو مثل التقريب للنووي، يعني فهذه كتب مختصرة، أو الإرشاد للنووي، أو اختصار علوم الحديث، ثم يتدرج بعده إلى ما هو أعلى منه، هذا الذي يعني جواب السؤال.

س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: ألا يمكن القول أن الإمام مالكا رحمه الله لم يشترط الاتصال لكونه أخرج بعض المنقطعات بالموطأ، مع كونه اشترط فيه الصحة؟

ج: لا، هذا راجع إلى ما قلته قبل قليل، وهو أن الإمام مالكا ما اشترط الصحة، هو ما اشترط الصحة -رحمه الله تعالى-، من أين هذا؟ وإنما هو أورد في الموطأ ما يصلح للاحتجاج، ما يمكن أن يحتج به -رحمه الله تعالى-، أورد بعض الآثار، وبلاغات ومنقطعات، وهو ربما أخذ بها، يعني بالمناسبة العالم، العلماء السابقون -مع الأسف الشديد- خف عندنا هذا عندهم إجلال كبير للمأثور.

الإمام إذا ورده نص مأثور عن صحابي أو عن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان فيه ضعف يسير يتهيبه، يتهيب أن يخالفه، وإذا كان لديه فتوى أو اجتهاد توصل إليه، ثم وافق كلام من سبقه فرح به، ونحن -أو كثير منا- يحب أن يبتكر، أما هم- رحمهم الله تعالى- فما هو فما هي رغبتهم، الاتباع أو الاختراع؟ الاتباع. هذا أمر مهم جدا.

ص: 24

أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- كان في ذهنه -يعني هذا ما أردده دائما- في ذهنه مسألة أن أقل الحيض أيامه عشرة، فكان رحمه الله يتهيب أن يقول هذا الكلام، يتهيبه، حتى جاءه حديث، ورد حديث عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا الحديث ضعفه علماء الحديث؛ لأنه من رواية شخص اسمه الجلد بن أيوب، وضعفوه واستنكروا عليه هذا الحديث، ولكن الشاهد ما هو؟ هو أن أبا حنيفة رحمه الله متى أفتى بهذا؟ أو متى أعلن هذا؟

بعد، فكانوا -رحمهم الله تعالى- عندهم إجلال كبير للمأثور، فما يريده مالك في الموطأ؟ هو يريد أن -يعني- أنه أخذ به، وأفتى على ضوئه، أو يعني، ولم يقل إن كل ما في الموطأ إنه -يعني- ما أدري من أين أتى السائل بقوله مالك إن كان في الموطأ صحيح. نعم.

س: أحسن الله إليكم، السائل أفتى عليك -فضيلة الشيخ- قولك بكلمة مردود، يعني: لا يعمل به، حتى لو كان ظاهره الصحة، أرجو شرح هذه العبارة.

ج: شرح هذه العبارة باختصار؛ حتى لا نطيل، وربما يأتي معنا -إن شاء الله تعالى- في المنكر هو أن الإسناد أحيانا يكون، وسيأتي معنا في درس الغد إن -شاء الله تعالى- هو أن الإسناد أحيانا يكون -إذا نظرت إلى رواته واتصال الإسناد- ظاهره الصحة، ولكن كم بقي علينا من شرط؟

شرطان خفيان، ما معنى كونهما خفيين؟ يعني: أنهما يحتاجان إلى أي شيء؟ إلى بحث، يعني: لا تعرفهما من ظاهر الإسناد، هذا معنى كلامه.

فقد يكون الحديث ظاهر إسناده الصحة، ولكن بعد البحث والتفتيش ومقارنة الطرق قد يكون شاذا، وقد يكون منكرا، وقد يكون منكرا شاذا، وقد يكون معلولا.

فهذا كلمة "مردود"، لعل هذا مراد ابن كثير رحمه الله أنه قد يكون ظاهره الصحة، يعني: العلماء قد استنكروه أو ردوه، وسيأتي معنا إيضاح هذا الأمر في أماكن لأهميته، وأيضا هو كرره، أو -يعني- مناسباته تتكرر.

ص: 25

س: أحسن الله إليكم. يقول: فضيلة الشيخ، ما هو الضابط العدل؟ وهل يشترط فيه السلامة من خوارم المروءة؟ وهل لهذا الاشتراط أثر في نقد الحديث عند أئمة الحديث؟ وكيف يعرف ضبط الراوي للحديث؟ وبم يكون ذلك عند أهل الفن؟

ج:هذه أسئلة، هذه موضوعها -يعني- عدد من الأسئلة كما تلاحظون، وهي موضوعها يدخل في دراسة الأسانيد، ودراسة الأسانيد الآن أصبح فنا مستقلا بذاته كما نحن نعرف في العصر المتأخر، كثر تفريع العلوم، ويعني -مثلا- استحدثت أقسام في الجامعات، هذا قسم للسنة، وهذا قسم للقرآن، وهذا قسم للجغرافيا.

أصحاب قسم السنة ما هي مهمتهم الآن؟ هي تقسيم علمهم، فقسموه -أولا- إلى علم شرح الحديث، أو فقه السنة، موجود هذا في بعض الجامعات، وإلى علوم الحديث، نقد السنة.

ونقد السنة مقسم أيضا إلى فروع منها: فرع دراسة الأسانيد، ودراسة الأسانيد أيضا ربما قسموه إلى جرح وتعديل، وإلى علل، وإلى -مثلا- تدليس، أو اتصال وانقطاع ونحو هذا.

هذا الموضوع طويل، ولكنه من ضمن عند الأولين، أين نجده؟ في كتب ماذا؟ في كتب علوم الحديث، في كتب علوم الحديث، وستأتي معنا بعض هذه الأمور المتعلقة بالعدالة، وخوارم المروءة، وأثرها في التصحيح والتضعيف ربما.

ولابن كثير كلمات -يعني- أو تنبيهات جليلة حول موضوع الجرح والتعديل. نعم.

س: السؤال الأخير يقول، يستشكل عليك فضيلة الشيخ، ويقول: لماذا تركنا مقدمة ابن كثير؟

ج:تركناها؟ نعم.

أين هي؟ أي نعم.

ص: 26

نعم، الأخ له أو سؤاله وتنبيهه له -يعني- وجاهته، يعني: كان من المفترض أن نبتدئ بالمقدمة؛ لأن المقدمة عادة يشرح فيها صاحب الكتاب ماذا يريد؟ وما شرطه؟ ولكن من باب اختصار الوقت دخلنا في موضوع الكتاب مباشرة، فمقدمة ابن كثير ذكر فيها، هي عبارة عن نصف صفحة ذكر فيها -رحمه الله تعالى- ماذا يريد، وأنه يريد أن يختصر كتابا في علوم الحديث، أو أن يؤلف كتابا، فوجد كتاب ابن الصلاح كتابا وافيا بالموضوع، ولكنه يحتاج إلى اختصار، فيعني جعل هذا وافيا بالغرض، فاختصره.

ثم ذكر أنه سيضم إليه أشياء مما وجده في كتاب "المدخل إلى السنن"، كتاب "المدخل إلى السنن" هو للإمام البيهقي -رحمه الله تعالى-، جعله على شكل قواعد في علم مصطلح الحديث، قد يقرؤها القارئ قبل أن يقرأ في كتابه السنن.

هذا ملخص ما ورد في مقدمة ابن كثير -رحمه الله تعالى-.

سبحانك اللهم وبحمدك، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قبل أن نبدأ بدرس اليوم تنبيه خفيف على درس الأمس:

أحد الأخوة سأل، يقول: إن الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- لما عرف الحديث الصحيح لم يعرف مفردات التعريف، أو لم يشرح مفردات التعريف، يعني: لم يشرح العدالة، والضبط، والمتصل، والشذوذ، والعلة.

ونحن دائما في بداية تعريف الحديث، أو عند تعريف الحديث الصحيح نقول: إن كل علوم الحديث، أو -نعم- إن كل علوم الحديث عبارة عن شرح لهذا التعريف.

من الآن فصاعدا عبارة المباحث التي سيذكرها، أو ذكرها ابن الصلاح، والتي سنأخذها -إن شاء الله تعالى- ولخصها ابن كثير هي عبارة عن شرح، حقيقة هي عبارة عن شرح وتوضيح لشروط الحديث الصحيح، والحكم إذا تخلف شرطـ وماذا يسمى، ومباحث تتعلق بذلك من قريب أو من بعيد.

أول من اعتنى بجمع الصحيح

ص: 27

والآن يتفضل القارئ بالقراءة على، أو مما وقفنا عليه. نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله تعالى-:

أول من جمع صحاح الحديث:

فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، وهما أصح كتب الحديث.

والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه، وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم التالي، بل اكتفى بمجرد المعاصرة.

ومن ها هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح صحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب.

نعم هذا المقطع من كلام ابن كثير رحمه الله يتضمن ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أول من ألف في الحديث الصحيح.

فذكر أن أول من ألف في ذلك هو الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، ثم مسلم بن الحجاج.

وهذه الجملة لا إشكال فيها، فأول من ألف الإمام البخاري، ومشهور سبب تأليفه يقول: كنت مرة في مجلس الشيخ إسحاق بن راهويه -رحمه الله تعالى-، فألقى كلمة على طلابه، فقال: لو تصدى شخص بجمع الصحيح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فوقعت هذه الكلمة في قلب البخاري، أو في نفس البخاري، فشرع في جمع صحيحه.

وهناك سبب آخر، التي هي الرؤية التي رآها في المنام، ثم نسج على منواله تلميذه مسلم بن الحجاج. هذا لا إشكال فيه.

ذكر بعد ذلك جملة ثانية، وهي أنه قال:"فهما أصح كتب الحديث". وهذا -أيضا- إجماع أن أصح كتب الحديث -بعد تأليف هذين الكتابين- هما هذان الكتابان: كتاب البخاري، وكتاب مسلم.

ونحن نقول دائما: حقٌ على كل مسلم أن يترحم على هذين الإمامين، وأن يدعو لهما؛ فقد قاما بجهد كبير جدا لا يتصوره إلا من خبر كيفية الروايات، واشتغل بجمع الطرق.

ص: 28

البخاري -رحمه الله تعالى- يقال: إنه مكث في تأليف كتابه ستة عشر عاما، ولا عجب في ذلك.

ومسلم -رحمه الله تعالى- في إحدى المرات كان يسوق طرقا لحديث، فتفنن في سوقها، وفي بيان متونها، في سوق الطرق، وفي بيان ألفاظ الحديث، ثم في أثناء ذلك -رحمه الله تعالى- ساق أثرا عن يحيى بن أبي كثير في أثناء هذه الطرق، وهو قول يحيى -رحمه الله تعالى-:"لا يُدْرَك العلم براحة الجسد".

وذكر العلماء، شراح الحديث، شراح صحيح مسلم أن مسلما -رحمه الله تعالى- لما ساق الطرق، ويريد أن يبين للقارئ أن هذا لم يأتِ هكذا؛ وإنما أتى -يعني- كلفه شيئا كثيرا، وبمقارنة، ستأتي المقارنة الآن في كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- بين هذين الكتابين، وبين غيرهما من كتب السنة، ونعرف الفرق، فالبون شاسع جدا، وأقول: جدا، بلا تردد بين هذين الكتابين، وبين باقي كتب السنة من جهة انتقاء الأحاديث وصحتها.

ثم ذكر جملة ثالثة، وهي الموازنة بين الكتابين بعد الاتفاق على، أو بعد تقرير أنهما أصح كتب السنة، رجع إلى الموازنة، أو دخل في الموازنة بينهما، فذكر أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم على قول الجمهور، بل يقال: إنه إجماع؛ لأن من نُسِبَ إليه ذلك، ذكر الحاكم -رحمه الله تعالى-، ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- أبا علي النيسابوري شيخ الحاكم، ويقال -يعني-: إنه لم يبلغه صحيح البخاري.

ويقول بعض العلماء: إن هذا بعيد، ولكن نحتاج إلى لفظ أبي علي ليعرف مراده بتقديم صحيح مسلم.

ص: 29

أما ما يُنقل من بعض علماء المغرب، منقول عن ابن حزم وغيره، كلمات، لكنها -يقولون-: لا ترجع إلى الأصحية، فهم يفضلونه من جهة أخرى، وهي يعني كون مسلم -رحمه الله تعالى- جمع طرق الحديث الواحد في مكان واحد، بألفاظه ومتونه، واختلاف رواياته، فهذا -يقولون-: أسهل لطالب العلم، بينما البخاري رحمه الله فرق أحاديثه أو قطعها، وفرقها في الصحيح؛ لأنه اعتنى بأمر آخر، وهو الاستنباط من هذه الأحاديث، استنبط منها فوائد، بوب.

وبذلك -يعني- يعتبر أو يعد كتابه مرجعا فقهيا، بالإضافة إلى كونه جامعا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- لماذا يرجح صحيح البخاري على صحيح مسلم؟ ذكر سببا واحدا، وهو يتعلق بأحد شروط الحديث الصحيح الذي مر بنا بالأمس، وذكرت كم من سبب، أو ذكرت سببين رئيسين لاختلاف العلماء في اشتراط الحديث الصحيح، ما هما هذان السببان للاختلاف في تصحيح الحديث؟ ما هما؟ نعم.

الاختلاف اجتهاد، هذا واحد، والثاني الاختلاف في تقدير الشرط، هذا مثال له: يذكرون أن البخاري -رحمه الله تعالى- اشترط للاتصال أن يثبت أن الراوي قد سمع من شيخه، ولو في حديث واحد، بينما مسلم -رحمه الله تعالى- يكتفي بالمعاصرة، وأن يمكن لقاء بعضهم بعضا.

وهذا الكلام هو الصحيح، مهما قيل في هذه المسألة أن هناك فرقا بين شرط البخاري في الاتصال، وبين شرط مسلم، وهذا مما جعل كتاب البخاري ترتفع منزلته -يعني- لهذا السبب، ولأسباب أخرى تتعلق بالشروط الأخرى للحديث الصحيح.

تتعلق بالعدالة والضبط والشذوذ والعلل كلها، وهذا -يعني يقولون-: بسبب أن البخاري -رحمه الله تعالى- أمكن في الحديث من الإمام مسلم، وهذا لا يغب أبدا من قدر الإمام مسلم، فهذا للموازنة، يعني: عند الموازنة بين هذين الإمامين.

ص: 30

ولكن هما -رحمهما الله تعالى- كما تقدم كتاباهما أصح كتب السنة، وكما ذكرت المفاضلة جرى العلماء -رحمهم الله تعالى- على المفاضلة في أمور كثيرة -كما تعرفون- فاضلوا بين الملائكة وصالح، وإن كانت هذه المسألة -يعني- بعض العلماء يقول: ينبغي عدم الإكثار من الكلام فيها بسبب عدم وضوح الدليل. نعم.

البخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج الصحيح كله

ثم إن البخاري ومسلما لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث؛ فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها. نعم.

هذه أو هذه الفقرة تتعلق بأمر مهم، وهو أن البخاري ومسلما -رحمهما الله تعالى- هل اشترطا؟ أو نترك الاشتراط، هل استوعبا جميع صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هذه مسألة تعرّض لها هنا ابن كثير، وسيتعرض لها أيضا بعد قليل، فصل بالكلام، أو نعم فصل بالكلام عليها، أو بين الكلام على هذه المسألة بعدة أحاديث الكتابين.

لكنه هنا جزم بأن البخاري ومسلم -رحمهما الله- لم يشترطا، أو لم يستوعبا جميع الأحاديث الصحيحة، واستدل على ذلك بأمر، وهو البخاري أو أنهما صححا أحاديث ليست في الكتابين، وذكر أن: الترمذي -رحمه الله تعالى- ينقل عن البخاري في العلل الكبير وفي أسئلته، ينقل عن البخاري تصحيح أحاديث ليست في صحيح البخاري، وهذا الكلام سيأتي، أنه يعني مسلم لا إشكال فيه، يعني أن هناك أحاديث صحيحة خارج الكتابين، نعم.

عدد ما في الصحيحين من الحديث

عدد ما في الصحيحين من الحديث قال ابن الصلاح: فجميع ما في البخاري بالمكرر سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا، وبغير المكرر أربعة آلاف، وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار نحو أربعة آلاف.

ص: 31

هذه العدة عدة أحاديث الكتابين، ويظهر -والله أعلم- أن الذين يعني، ولا سيما بغير المكرر بالنسبة للبخاري، وكذلك بالنسبة لمسلم، المكرر وغير المكرر، الذين ذكروها، ذكروها على سبيل الجزاف، سبيل التقدير.

يعني ولهذا لما اشتغل ابن حجر -رحمه الله تعالى- بالشرح اعتنى بعد أحاديث صحيح البخاري، فبلغت عنده بغير المكرر غير هذا الرقم، يعني دون الرقم دون أربعة آلاف بكثير، بغير المكرر بلغت الأحاديث عنده، المقصود بالأحاديث هنا الأحاديث الموصولة المسندة بلغت ألفين وستمائة وحديثين، بلغت ألفين وستمائة وحديثين، هذا بغير المكرر، أما بالمكرر فبلغت

عنده سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا،

هذا ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- هذا الرقم في مكان، وذكر رقما آخر في مكان آخر، ويعني هذا نعم

ذكر في المقدمة في مقدمة "هدي الساري" رقما، وذكر في نهاية الكتاب رقما آخر.

يعني اختلف عده بالنسبة للمكررات في صحيح البخاري، وترقيم الذين رقموا صحيح البخاري، الذين هم المستشرقون أو محمد فؤاد عبد الباقي، اسم المستشرقين اختلف عده أيضا عن عَدّ الحافظ ابن حجر، وسأذكر الآن السبب بعد قليل.

بالنسبة لصحيح مسلم يقول: جميع ما في صحيح مسلم تكرار نحو أربعة آلاف، الترقيم الموجود الآن لصحيح مسلم بغير المكرر بلغ ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثين حديثا، إذن الفرق كبير، فكما ذكرت يظهر -والله أعلم -أنهم ذكروه، أو من ذكر العدة سابقا إنما ذكرها على سبيل التقدير، لكن هنا أمر مهم بس يعني نعلق على قضية العدة هذه، عد إذا أردت أن تعد مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم، هذا العد آلي أو يدخله الاجتهاد، العد واحد اثنان ثلاثة، ظاهرا أنه عمل آلي لا يدخله الاجتهاد.

ص: 32

ولكن حقيقة هو يدخله الاجتهاد سواء بالتكرار أو بغير التكرار، ما معنى يدخله الاجتهاد؟ أن هناك أحاديث ربما عدها العاد واحدا، وربما يعدها عاد آخر،، يعد الحديث الواحد حديثين أو ثلاثة أو أربعة أيضا، والسبب أن بعض الأحاديث اشتملت علي رواية عدد من الصحابة للحديث الواحد، يعني القصة مثل حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ? نحن معاشر الأنبياء لا نورث، وإن ما تركناه صدقة ?.

ومثل حديث: ? لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ? هذا حديث عائشة تضمن إقرار مجموعة من الصحابة، والحديث الأول رواه جماعة في نفس الحديث،. فيمكن للعاد وعند العلماء -رحمهم الله تعالى-. بالمناسبة هنا تعلقون أيضا، ما المقصود بالعدة؟ هنا حتى إذا قيل بغير المكرر.

تقول المقصود بالعدة ليس المقصود بالعدة هنا هي المتون، يعني ليس في البخاري هذا العدد الذي هو كم بغير المكرر، ألفان وستمائة وحديثان، ليس المقصود المتون، وإنما الحديث الواحد. إذا رواه عدد من الصحابة مثلا حديث: ? من كذب علي ? حديث مثلا: ? النهي عن الحمر الأهلية ? رواه جماعة من الصحابة يبلغون العشرة، هذا كم يعدونه؟ عشرة يعدونه، يعدونه عشرة، فهذه العدة ليست بالمتون، المتون أقل من ذلك، وإنما هذا العدد مصطلح مهم.

نحن نعرف يعني يكرر دائما أن العبرة بالمتن إذا قالوا الحديث، العبرة بالمتن، أو الصحابي في اصطلاح المحدثين، العبرة بالصحابي إذا قال مثلا لك مثلا إذا قال أحمد: صح في هذا الباب أربعة أحاديث خمسة أحاديث، عشرة أحاديث، المتن واحد الاختلاف، الاختلاف في الصحابي، فالمصطلح عندهم أن الحديث العبرة، أن العبرة بالصحابي راوي الحديث، نعم.

الزيادات على الصحيحين

الزيادات على الصحيحين، فقد قال الحافظ أبو عبد الله بن يعقوب بن الأخرم:.قلما يفوت البخاري ومسلم من الأحاديث الصحيحة.

ص: 33

وقد ناقشه ابن الصلاح في ذلك، وأن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير.

قلت في هذا نظر وأنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما، لضعف رواتهما عندهما، أو لتعليلهما ذلك والله أعلم.

نعم دخل الآن ابن كثير رحمه الله وسيطيل في قضية الزيادات على أحاديث الصحيحين، فقد ذكر أولا كلمة ابن الأخرم النيسابوري شيخ الحاكم، ماذا يقول هو؟ يقول رحمه الله: قلما يفوت البخاري ومسلم من الأحاديث الصحيحة، معنى هذا أن الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين قليلة أو كثيرة، تشبه أو لابن عبد البر رحمه الله كلمة تشبه هذه الكلمة، وإن كانت يعني أكثر تقييدا منها، ماذا يقول؟

هو يقول: كل حديث أصل في بابه لم يخرجه صاحب الصحيح إلا وفيه علة تمنع من تصحيحه، هذا معنى كلامه -رحمه الله تعالى- بماذا قيد إذن عدم الصحة؟ بماذا قيدها؟ بماذا قيد كلامه؟ بأن يكون الحديث أصل في بابه، ومعنى كلامه أنه توجد أحاديث صحيحة خارج الكتابين، ولكن في الكتابين ما يقوم مقامهم، هذا كلام من؟ كلام ابن عبد البر، بقية العلماء -رحمهم الله تعالى- على أن هذا، يعني فيه شيء من المبالغة، وأنه يوجد شيء كثير من الأحاديث الصحيحة خارج الكتابين، وهذا الكلام مسلّمٌ به ولكن، سنقيده بعد قليل بقضية شرط البخاري ومسلم.

نفرق بين الحديث الصحيح الذي هو خارج الكتابين وبين ما هو على شرطهما مما هو خارج الكتابين، ابن الصلاح رحمه الله لما جاء يناقش ابن الأخرم في قوله إنه قلما يفوت البخاري ومسلم من الأحاديث الصحيحة، ناقشه بقضية وجودية، يعني هو قال: عندنا المستدرك في الحاكم رغم ما فيه من خلل، إلا أنه يصفو له الكتاب في كم مجلد؟ في أربعة مجلدات كبار، وطبعت طبعات، لكن الطبعة الأولى له في أربعة مجلدات كبار، كثيرة الأحاديث فيه كثيرة جدا.

ص: 34

ويقول هذا كلام ابن الصلاح، يقول: إنه يصف له شيء كثير مما هو صحيح، فإن كلام ابن الأخرم الآن منقوض، وهذا كلام ابن الصلاح، عقب عليه ابن كثير بأي شيء؟ قال: في هذا نظر، فإنه يلزم صاحبي الصحيح، يلزمهما إخراج أحاديث لا تلزمهما، لماذا لا تلزمهما؟ يقول: لضعف رواتها عندهما، أو لتعليلها أو لتعليلهما ذلك، إذن الآن ابن كثير -رحمه الله تعالى- يتكلم على الصحة، أو على صوت البخاري ومسلم نقد عليه بشرط البخاري ومسلم.

ويقولون أن ابن الصلاح لم يرد هذا، وإنما يريد الحديث الصحيح، بغض النظر عن كونه على شرط البخاري ومسلم، فإن هذه المناقشة من جهة الحاكم نتركها الآن؛ لأنها ستأتي بعد قليل، يعني بأطول من هذا، لكن الكلام الآن في قضية وجود أحاديث صحيحة في مستدرك الحاكم ليست في الصحيحين، فابن الصلاح يقول موجود هذا، ولم يذكر أنها على شرطهما.

ابن كثير نقد عليه بأن يخرج أحاديث يدعي أنها على شرطهما، وهي ليست كذلك، كلام ابن كثير صحيح كما سيأتي، ولكن أيضا هذا لا ينقد كلام من؟ كلام ابن الصلاح؛ لأن ابن الصلاح لم يقل هذه الأحاديث على شرطهما، ونعم الآن سيدخل الآن ابن كثير -رحمه الله تعالى- مظان الزيادة من الحديث غير كتاب الحاكم المستدرك، نعم.

مصادر الأحاديث الصحيحة

المستخرجات

وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين، يؤخذ منها زيادات وأسانيد جيدة، فصحيح أبي عوانة وأبي بكر الإسماعيلي والبرقاني، وأبو نعيم الأصفهاني وغيرهم، وكتب أخرى التزم أصحابها بصحتها كابن خزيمة وابن حبان البسطي، وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونا.

ص: 35

نعم، هذه مصادر الأحاديث الصحيحة، ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- الآن نوعين من المصادر، ذكر النوع الأول وهي المستخرجات، فذكر أو مثل بأربعة من هذه المستخرجات، مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على صحيح البخاري، ومستخرج البرقاني عليهما، ومستخرج أبي نعيم الأصفهاني، المستخرجات ماذا يقصد بها؟.

باختصار هي، المستخرج هو: كتاب يؤلف على كتاب موجود، على كتاب سابق من كتب السنة، يخرج المؤلف الجديد أحاديث الكتاب السابق بأسانيد بنفسه له هو، لا يمر بها على صاحب الكتاب، ويلتقي معه إما في شيخه، أو في شيخ شيخه، وربما لم يلتقي معه إلا في من؟ في الصحابي، يعني بحسب ما يقف عليه وبحسب رواياته هو، وربما لم يجد ما يلتقي، لم يجد له طرقا يلتقي فيها مع،، أو يتجاوز فيها صاحب الكتاب، فيسوقه منة طريق صاحب الكتاب أو يدعه، هذه المستخرجات.

وقد ولع بها المؤلفون في عصر الرواية، حتى مثلا في صحيح مسلم أحاديث يسيرة، راوي الصحيح عن الإمام مسلم الذي هو أينعم راوي الحديث الإمام مسلم بعد أن يسوق مسلم الحديث، يسوق هو إسنادا لنفسه يتجاوز فيه مسلم، يعني لا يمر به على مسلم، وإنما يمر به على شيخ مسلم، أو يلتقي معه في الشيخ، أو يعني أحاديث السيرة، وموجودة أكثر منها في سنن ابن ماجة، يقل فيها راوي سنن ابن ماجة عنه.

قال أبو الحسن: حدثنا فلان فيسوق إسناد بنفسه ولهم أغراض فيه، ثم بعد ذلك صار فنا، الاستخراج صار فنا، وألفت كتب مستقلة منها على سنن ابن داود، وعلى سنن الترمذي، ولكن أكثر المستخرجات على صحيحي البخاري ومسلم، أكثر المستخرجات ولهم أغراض وفيها فوائد، تكلم عليها العلماء -رحمهم الله تعالى- لكن المقصود هنا هو كلام ابن كثير رحمه الله، أراد أن يبين أن في هذه المستخرجات زيادات، من أين تأتي الزيادات؟ وهم يخرجون متون الصحيحين.

من أين تأتي الزيادات؟ تأتي من جهتين:

ص: 36

الجهة الأولى: أن المخرج هذا أو المستخرج له طريق غير طريق صاحب الصحيح، فالحديث ربما ساقه صاحب الصحيح مختصرا؛ لأن شيخه رواه له كذلك، أو هو اختصره، فصاحب المستخرج ساقه بتمامه، وربما صاحب الصحيح لم يسقه أصلا، نحن نعرف أن مسلم ساق جميع ألفاظ الطرق، أو ساق بعضها، والبخاري كذلك ساق بعضها، والباقي يقول، ماذا يقول؟ بنحوه، بمثله، فصاحب المستخرج يسوق المتن كاملا.

وهناك جهة ثانية للزيادات: هما أنه بعض المستخرجين يسوق أحاديث في الباب مستقلة. من باب زيادة، هذه ليس على شرط الاستخراج، وإنما يسوقها من باب الفائدة، إذن يوجد، يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى- في هذه المستخرجات، وهذا الكلام صحيح، يوجد في هذه المستخرجات أحاديث صحيحة أو زيادات صحيحة على الصحيحين.

لكن نقيد هذا أو سيقيده ابن كثير فيما بعد، سيقيده ابن كثير -رحمه الله تعالى- وهو أنه لا بد من النظر في أسانيد هذه الزيادات وهذه الأحاديث التي في المستخرجات، لماذا لا بد من النظر؟ لأن المستخرج الآن ساق إسنادا أو بعض إسناد جديد، ليس في أي مكان في الصحيحين.

سأضرب مثلا، نضرب مثالا، أبو نعيم الأصفهاني يقولون: لو أراد أن يروي حديثا عن مثلا عن يمر به أو حديث لمعمر عن الزهري لو أراد أن يسوقه من طريق البخاري سيكون بينه وبين معمر كم؟ أربعة، اثنان بينه وبين البخاري، ثم أو إلى عبد الرازق لنفرض اثنان بينه وبين البخاري، ثم البخاري ثم شيخ البخاري، الذي هو مثلا محمد بن رافع أو غيره.

هؤلاء الأربعة فإذا أراد أن يستخرج ساقه من طريق الطبراني يروه عن الطبراني، عن الدبري "اسحق بن إبراهيم الدبري" عن عبد الرازق، فصار كم بينه وبين عبد الرازق الآن؟ اثنان فقط قصدهم العلو هم، هذا الغرض الأول.

ص: 37

الغرض الأول من المستخرجات العلو، يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وهذا الكلام دقيق لا بد منه أحيانا، لما كان غرضهم العلو، ربما نزلوا عن شرط الصحيح في الرواة، ربما نزلوا في المستخرجات؛ لأن الغرض الأول ما هو؟ العلو مثلا اسحق بن إبراهيم الدبري ليس في شرط الصحيح لم يخرج له في الصحيحين، وهو قد سمع من عبد الرازق وهو صغير، يستصغر يقولون في عبد الرازق.

فإذن نقيد الزيادات في المستخرجات، أو الأحاديث المستقلة بهذا القيد، وهو أنه لا بد فيها من النظر بأنهم لم يلتزموا ما التزمه الشيخان، بعد ذلك تكلم ابن كثير رحمه الله على صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان، وقال: أنهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونا، وهذا الكلام الذي قاله ابن كثير لا إشكال فيه فصحيح ابن حبان أو صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان أعلى منزلة من تصحيح الحاكم، سيأتينا في تصحيح الحاكم، ويوجد فيهما أحاديث صحيحة زائدة على ما في الصحيحين أكثر مما في كتاب المستدرك، نعم، اقرأ.

مسند الإمام أحمد وما فيه من الصحيح

وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد شيء كثير، مما يوازي كثير من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضا، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.

هذا الكلام على مسند الإمام أحمد معروف أن ابن كثير -رحمه الله تعالى- من الأئمة الذين اعتنوا بمسند الإمام أحمد، اعتنوا به وكثير المطالعة له، واشتغل به أيضا في كتابه "جامع المسانيد" جامع المسانيد جمع فيه عددا، أو بين عدد من كتب السنة، منها مسند الإمام أحمد، يقول ابن كثير رحمه الله أن مسند الإمام أحمد يحتوي على أحاديث فيها الصحيح، ليست في الصحيحين، بل لا توجد ولا في بقية الكتب الستة، وهي السنن الأربعة، وهذا الذي قاله أيضا، هذا الذي قاله صحيح لا إشكال فيه، نعم.

معاجم الطبراني والمسانيد والفوائد والأجزاء

ص: 38

وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط ومسند أبي يعلى والبراز وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء، ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه، بعد النظر في حال رجاله، وسلامته من التعليل المفسد، ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله موافقة للشيخ أبي زكي يحيى النووي، وخلافا للشيخ أبي عمر.

هذا المقطع أكمل فيه ابن كثير رحمه الله بقية المصادر، أو بقية الأنواع التي يوجد فيها الحديث الصحيح، نزل هو الآن درجة، ذكر أولا المستخرجات، وذكر صحيحي ابن خزامة وابن حبان، ثم ذكر مسند الإمام أحمد، ثم نزل الآن إلى المؤلفين في نهاية القرن الثالث عشر، والقرن الرابع عشر، فذكر معاجم الطبرني، أو معجم الطبراني الكبير والأوسط، وذكر مسندي أبي يعلى والبراز.

ثم قال: وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء يقول: هذه الكتب. كتب السنة يوجد فيها حديث صحيح، ويقول هو يتمكن المتبحر في هذا الشأن، من هو المتبحر؟ نحن نسميه ماذا؟ المتمكن في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامتهم من التعليل المفسد، هذا الحقيقة يعني فيه تجوز هذا الكلام، فيه تجوز.

لأن ابن كثير رحمه الله الآن أعطاك النتيجة بعد النظر، أو قبل النظر، أعطاك النتيجة يقول: يوجد في هذا حديث صحيح يتمكن المتبحر من الحكم في صحته، بعد النظر في حال رجاله، وسلامتهم من التعليل المفسد، هذا الكلام يعني ابن كثير -رحمه الله تعالى- يعني مثلا ما نقول أعطانا الحكم قبل النظر، فهو يقول: ستجد أحاديث صحيحة إذن ما الفائدة من النظر؟.

ص: 39

المقصود من هذا الكلام الذي يقصده، الذي يقصده منة هذا الكلام أن العبارة يعني تكون يعني أن هذه الكتب فيها أحاديث كثيرة جدا زائدة على ما في الصحيحين، وقد يجد المتبحر إذا درس أسانيدها قد يجد فيها أحاديث صحيحة، القسم العقلي أو النظر العقلي، أنه قد يجد وقد لا يجد، هذا أما أن يقال له فيها أحاديث صحيحة وانظر في أسانيدها، فهذا كأنه حكم قبل النظر.

المهم المقصود من هذا الكلام، أن ابن كثير رحمه الله تكلم على قضية، وهي أثارها ابن الصلاح، ابن الصلاح رأيه أن باب الاجتهاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها قد أغلق، ولا سيما التصحيح نص عليه، يقول: يتعذر التصحيح اعتمادا على الأسانيد في هذه الأعصر المتأخرة، وهذا الذي قاله ابن الصلاح رحمه الله ناقشه فيه كثير من العلماء، ذكر ابن كثير من ذكر هنا؟ ذكر منهم من؟ النووي.

النووي رحمه الله رأيه بخلاف ما ذهب إليه ابن الصلاح، يقول النووي رحمه الله إن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه بإمكان العالم المتمكن أن ينظر في أسانيد الأحاديث، وأن يحكم على ضوء هذا النظر، وابن كثير يوافق من الآن؟ يوافق النووي، وكل من جاء بعد ابن الصلاح يوافق من؟ تقريبا يوافقون النووي، إلا السيوطي ذكر تفصيل.

المهم ما نطيل بهذا، لكن نقيد، أو تقولون ومع أنه لا يصح إغلاق باب الاجتهاد، هذه كلمة بس يعني ضرورية هنا، وربما تأتي معنا في المناسبات، مع القول بأنه لا يصح إغلاق باب الاجتهاد، إلا أن الإقدام على التصحيح والتضعيف في واقع الحال صاحبه خلل كبير؛ بسبب التسامح في تطبيق شروط الحديث الصحيح، إما بعدم اعتبار الشرط أصلا، وإما بالتسامح في بعض الشروط، وهذا الكلام سيأتي معنا تفصيله -إن شاء الله تعالى- في مناسبات، لكن نقيد هذا أنه فتح باب الاجتهاد.

ص: 40

يقولون ابن الصلاح السخاوي رحمه الله اعتذر لابن الصلاح بأي شيء، اعتذر له؟ يقول هو خاف أن يهجم على التصحيح من لا يحسنه، وهذا الذي يقوله السخاوي أن ابن الصلاح خاف منه، وقع أو لم يقع؟ بل هو كثير الوقوع مع الأسف الشديد، وهذا له أسباب كثيرة كما ذكرت، ترجع إلى منهج صار فيه أصحابه، إما على إلغاء بعض الشروط السابقة، أو التسامح في تطبيقها.

بس هذا كلام ننبه عليه بمناسبة ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله من فتح باب الاجتهاد، فهذا لا اعتراض عليه، وإنما الاعتراض على التساهل والتسرع في تطبيق شروط الحديث الصحيح، ولا سيما ما ينفرد به ما ذكره ابن كثير هنا، مثل ما يوجد في معاجم الطبراني، وفي مسند البزار وفي الكتب المتأخرة والأجزاء التي أشار إليها ابن كثير، مما ظاهره الصحة ولم يخرّجه الأولون.

فهذا كما يقول العلماء: وإن كان ظاهره الصحة إلا أن في بواطنه علل فلا يعني، يتهيب طالب العلم أن يصحح حديثا في هذه الكتب المتأخرة لم يخرّجه أصحاب الكتب المتقدمة، نعم.

الأحاديث المختارة للضياء المقدسي

وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابا سماه "المختارة" ولم يتمه، وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم والله أعلم.

ص: 41

نعم، هذا كتاب سماه "الأحاديث المختارة" لضياء المقدسي، اختار فيه أحاديث يرى أنها يعني أو يصححها، ويقول ابن كثير: إن بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحونه على مستدرك الحاكم، وهذا بعض مشايخه هو ابن تيميه -رحمه الله تعالى- أو لعله يريد، فقد تكلم على أو بنحو هذا الكلام، والكتاب لم يتمه الضياء، وطبع يعني طبع الكتاب - نعم- طبع طبعه محققه، وأيضا حقق في رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتصحيحات الضياء، يعني هو يصحح يجتهد ويعني هو يسير رحمه الله في غالب تصحيحاته على يعني التسامح في العلل، وفي النكارة وفي الشذوذ، فيعتني بأي نوع من التصحيح، وهو الذي يسير عليه كثير من المتأخرين، بكم من شروط الحديث الصحيح؟ بالثلاثة شروط.

يعني إذا رأوا عدالة الرواة وضبط الرواة واتصال الإسناد، أطلقوا الصحة، فيعني تنبيه على طريقة تصحيح الضياء، بس فقد نعم، تفضل.

مستدرك الحاكم

فقد تكلم الشيخ أبو عمر بن الصلاح على الحاكم في مستدركه فقال:. هو واسع الخطى في شرح الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن يتوسط في أمره، فما لم نجد فيه تصحيحا لغيره من الأئمة، فإن لم يكن صحيحا فهو حسن يحتج به، إلا أن تظهر فيه عله توجب ضعفه.

قلت في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة، فيه الصحيح المستدرك وهو قليل، وفيه صحيح قد أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم، وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضا، وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وبين هذا كله، وجمع فيه جزءا كبيرا مما يقع فيه من الموضوعات، وذلك يقارب مائة حديث والله أعلم.

ص: 42

هذا المقطع يتعلق بالكلام على مستدرك الحاكم، فابن الصلاح رحمه الله قرر أن الحاكم واسع الخطو، ما معنى واسع الخطو؟ يعني هذا يعني تشبيه أو استعاره عبارة عن تساهل أو حكم، عبارة عن حكم من ابن الصلاح على الحاكم بأنه متساهل، لكن ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أراد أن يبين الموقف من كيف تستفيد من كتاب "مستدرك الحاكم" فذكر أن الطريق هو ما ذكره.

يقول: ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره، إذا وجدنا تصحيحا لغيره، يقول: هذا لا إشكال فيه، الإشكال في ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره، ما هو الموقف منه حسب كلام ابن الصلاح؟ ما هو الموقف؟ يقول: إذا لم نجد فيه علة، فإننا نتوسط في أمر هذه الأحاديث ونحكم لها أو نحكم عليها، بأنها في درجة الحسن، ما الذي حدا بابن الصلاح أن يقول هذا؟ يقولون: هو راجع إلى رأيه في أن، باب الاجتهاد مغلق، لكن يقولون: إن ابن الصلاح رحمه الله أغلق باب الاجتهاد من جهة.

لكن هو في عمله هذا، هو يقول: كلها ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره ولا وجدنا فيه عله فهو حسن، إذن هذا منه اجتهاد محض، فلا مفر من الاجتهاد أصلا، وابن كثير رحمه الله لم يرتضي هذا الحكم الإجمالي من ابن الصلاح. وقال:. أخذ يتكلم على مستدرك الحاكم، وقسم الأحاديث التي فيه، قال: فيه حديث صحيح وهو قليل، إذن الصحيح في مستدرك الحاكم حسب كلام ابن كثير قليل، أو كثير، قليل وهذا هو الصحيح لا يغرنا بعض، يوجد كلام بعضهم.

يقول: يصفو للحاكم النصف، وبعضهم يقول: يصفو له ثلاثة أرباع، وبعضهم يقول: يصفو له كذا، وهذا الكلام فيه مجازفة، أو فيه يعني مبالغة، لا يصفو للحاكم من الأحاديث الصحيحة، ولا سيما ما هو على شرط البخاري ومسلم إلا القليل، حتى قال بعض العلماء: ليس فيه حديث واحد على شرطهم.

ص: 43

وقال بعضهم: ليس فيه إلا ثلاثة أحاديث، وهذا الكلام يعني قد يكون فيه مبالغة، لكن كلمة ابن كثير هذه يعني عادلة،. الصحيح في مستدرك الحاكم قليل، واعتذر العلماء عن الحاكم بأعذار لا نطيل بها، ولكن منها أنه رحمه الله لم يبيضه، معروف أن العلماء رحمهم الله أول ما يكتبون الكتاب، يكتبون ماذا؟ وحتى الآن الباحث يكتب كتابه عبارة عن مسودة، وربما بيضه أعاد تبييضه عدة مرات.

فيقول: إن الحاكم رحمه الله يعني هذا أحد الأسباب، وهناك أسباب أخرى، لكن يقول ابن كثير رحمه الله: هذا نوع حديث صحيح، فيه نوع من الأحاديث موجود في البخاري ومسلم، إذن لما ذكرها ذهول، ذهول منه عن أن هذه الأحاديث، يقول أحيانا هذا الحديث صحيح ولم يخرجاه، وهو على شرطهما مع أنه موجود في الكتابين أو في أحدهما، هذا ذهول من الحاكم، يعني نعم أو سهو منه.

يقول: فيه الحسن وفيه الضعيف وفيه الموضوع أيضا، وهذا الكلام صحيح، يوجد فيه مع الأسف الشديد، مع أنه عنوانه المستدرك على أي شئ؟ على الصحيحين، الفكرة جيدة جدا، فكرة الحاكم، خطر في باله أن يجمع، أو أن يستدرك ما لم يذكره البخاري ومسلم مما هو صحيح، أو على شرطهما، ولكن الخلل وقع في أي شيء؟ في التنفيذ.

أحيانا الخلل يقع بسبب أصل الفكرة خاطئة، وأحيانا الفكرة جيدة ولكن الخطأ في أي شيء؟ أو الخلل في أي شيء؟ في تنفيذها، فهذا الخلل في تنفيذ الفكرة من قبل الحاكم -رحمه الله تعالى- وأدخل فيه أحاديث موضوعة كما يقول العلماء؛ ولهذا اشتدت كلمتهم عليه، يذكر أحاديث موضوعه، ويزعم أنها على شرط البخاري ومسلم، أما الضعيف ففيه يعني فيه أحاديث كثيرة جدا جدا ضعيفة، وفيه أحاديث موضوعة جمعها بعض العلماء، أظن.

ص: 44

يقول: وذلك يقارب مائة حديث أفردها ابن عبد الهادي بجزء جمع فيه الموضوعات التي في مستدرك الحاكم، وأظن- والله أعلم- أن هذا العدد ليس هو فقط الذي في مستدرك الحاكم من الموضوعات، بل فيه غير هذا مما يحكم عليه بالوضع بقرائن، ولكن لعل ابن عبد الهادي رحمه الله استخرج منهما، ما الحكم بالوضع عليه ظاهر من الإسناد، يبقى كلمه هنا.

قوله: وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وبين هذا كله، ماذا يفهم من هذا الكلام؟ يفهم منه أن الذهبي رحمه الله عمد إلى مستدرك الحاكم فبين ما هو صحيح وما هو ضعيف، وما هو حسن وما هو موضوع، ويعني فكأن أحكام الذهبي التي يذكرها في تلخيص المستدرك أحكام قصدها، وقصد بها نقد أحاديث المستدرك، هنا كلمة يظهر لي -والله أعلم-.

وكذلك ذكره عدد من الباحثين، أن الذهبي لم يقصد هذا، وإنما قصد فقط الاختصار والتلخيص، ولكنه في أثناء ذلك وجد أشياء لا ينبغي أو لا يصح السكوت عليها، فنبه على بعضها ما تيسر له، ولا في نظري -والله أعلم- لا ينبغي أن نحمل؛ لأنه ما الذي يقع الآن؟ الذي يقع هو أن بعض الباحثين، أو كثير من الباحثين، يقول صححه الحاكم ووافقه من؟ ثم يأخذ ينقض الذهبي، وربما تكلم بعبارات قاسية، بعضهم يتكلم بعبارات قاسية على الذهبي، فهذا تحميل للذهبي.

وهو يظهر لي -والله أعلم- أنه لم يرد هذا، لم يرد أن يوافق الحاكم أو لا يوافقه، وإنما يعني نقده الذي ذكره في كتاب المستدرك، إنما هو زيادة والغرض الأول ما هو؟ الغرض هو التلخيص والاختصار، يظهر -والله أعلم- فحينئذ بالنسبة لي أنا أقول للباحثين، إذا مثلا جاء تصحيح انظر في بحث أو شيء احذف كلمه وافقه الذهبي، كلمه وافقه الذهبي هذه نتركها، بل أحيانا بالمناسبة.

ص: 45

المستدرك هذا شغل الناس، يعني مشكلة هو، إن ذكرت تصحيحه وسكت فهذا مشكل، وإن تكلمت عليه فهذا أيضا مشكل، لأنك ستتكلم عليه وسيطيل، ومعنى هذا أن البحث كثير من أحاديث بحثه ستذهب في مناقشة من؟ في مناقشة الحاكم؛ لأنه هو لا يصحح فقط، وإنما ينسب تصحيحه أو يدعي أو يذكر أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، نعم.

يعمل الذهبي رحمه الله ذكر كلمة، وهو أنه ذكرها أظنها في الميزان في ترجمة الحاكم، يقول كنت أظن أن الخلل يسير- يعني في هذا الكتاب- فلما قرأته وإذا الخلل فيه عظيم جدا، وربما قسى على الحاكم- نعم- ربما قسى عليه، أحيانا تأخذه الحدة بسبب الغيرة على السنة النبوية، يعني أمر عظيم أن يستدرك على البخاري ومسلم أحاديث ظاهر أنها موضوعة، إما من جهة لفظها أو من جهة أسانيدها، فربما أخطأ، وهو يقسو أحيانا على بعض العلماء، وهذه القسوة العلمية لا هو الحاكم.

الذهبي يقسو على الحاكم؛ لأن الحاكم التزم هذا، وقال: أردت أن أخرج أحاديث صفتها كذا وكذا، أما الذهبي فلم يقل إنني سأحكم، أو سألتزم بالتدقيق أو بالنظر في بيان درجة كل حديث يذكره، فنحن الذين ألزمناه، هذا كلام الباحثين، وهو له وجاهته، نعم.

موطأ مالك

(تنبيه) قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، إنما قاله قبل البخاري ومسلم، وقد كانت كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن ابن جريج وابن اسحق غير السيرة، ولأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرازق بن همام وغير ذلك، وكان كتاب مالك -وهو الموطأ- أجلها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجما منه، وأكثر أحاديث.

ص: 46

وقد طلب المنصور من الإمام مالك، أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك؛ وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا على أشياء لم نطلع عليها، وقد اعتنى الناس بكتابه الموطأ، وعلقوا عليه كتبا جمة، ومن أجود ذلك كتاب "التمهيد والاستذكار" للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي رحمه الله، هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة والموصلة والمنقطعة والبلاغات اللاتي لا تكاد توجد مسندة إلا عند ندور.

هذا الكلام على موطأ الإمام مالك ذكره ابن كثير، وذكره العلماء هنا بمناسبة الكلام على ما تقدم قبل قليل، أن أصح كتب السنة كتاب البخاري وكتاب مسلم، الشافعي رحمه الله له كلمة، وهو أنه قال: لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، الشافعي متى توفى؟ سنة مائتين وأربعة، إذن حين وفاته لم يكن هناك صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، فيقول العلماء: إن كلمة الشافعي رحمه الله هذا قبل وجود هذين الكتابين، وهي كلمة صادقة تنبئك عن جلالة هذا الكتاب الذي هو موطأ الإمام مالك.

وهو ألفه كما نحن نعرف، مالك عاش في القرن الثاني، يقول ابن كثير رحمه الله: إن هناك كتبا قبل كتاب مالك، ولكنها لم تبلغ مبلغه في الصحة والانتقاء، معروف أن مالك رحمه الله انتقى أحاديث موطئه، وذكر أمثلة من هذه الكتب، ذكر ابن كثير مصنفات ابن اسحق غير السيرة، ومصنفات ابن جريج ومصنفات أيضا ومصنف عبد الرازق، ومصنف أبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنفات مثل: مصنفات وكيع وحماد بن سلمة والجامع لمعمر، وكتب كثيرة فقد أكثرها والموجود عندنا القليل منها الآن.

ص: 47

نحن لا نعرف الآن كتابا لابن جريج، ولا لحماد بن سلمة ولا يعني لوكيع، هذه الكتب ذهبت وكان الغالب على هذه الكتب في القرن الثاني الانتقاء أو الجمع، كان هدفهم رحمهم الله هدف مرحلي، معذورون في ذلك، هدفهم أولا الجمع خشية ضياع السنة، ونحن نعرف أن أول من جمع السنة، أو متى جمعت؟ أو تعمد الناس لجمع السنة وانتصروا لذلك، في رأس المائة الأولى، واشتغلوا بفترة الجمع المائة الثانية.

وعلى رأس المائة الثالثة، أو في أول المائة الثالثة، بدأ تأليف الكتب المنتقاة، مثل كتاب البخاري ومسلم والسنن، يستثنى من كتب القرن الثاني ما الذي يستثنى؟ كتاب مالك الموطأ، فإنه انتقاه -رحمه الله تعالى- لأنه أصلا كان ينتقي الشيوخ، عند العلماء انتقاء الحديث، وعندهم انتقاء آخر الذي قبل ذلك الذي هو انتقاء الشيوخ، يعني لا يروى إلا عمن يراه، يعني أهلا للرواية، وكان له كلمات في هذا جليلة جدا من كلماته أنه يقول: أدركت في هذا المسجد، يعني يذكر مائة شيخ، يعني ذكر فيهم صلاحا وفضلا.

ويقول: لا يؤخذ عنهم الحديث لأنهم ليسوا من أهله، فكان ينتقي -رحمه الله تعالى- فخرج كتابه، أو كتاب الموطأ كتابا منتقى في عصر لم يكن هناك انتقاء للسنة النبوية، إنما كانت مرحلة الجمع، هذا كتاب الموطأ، عرج ابن كثير -رحمه الله تعالى- على أمر لا تعلق له، إنما يريد أن يبن ميزة الكتاب بأن المنصور الخليفة العباسي طلب من مالك أن يحمل الناس على كتابه، يعني أن تكون الفتوى لا أتذكر هذه القصة أن تكون الفتوى على كتاب من؟ على كتاب مالك، أو نعم؛لأن مالك ضم أو ضمنا كتابه الموطأ اختياراته الفقهية؛ ضمنه لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديث عن الصحابة؛ وأيضا عن التابعين وضمنه اختياراته الفقهية.

ص: 48

فأراد المنصور أو كما يقولون، أو كما تقول هذه الحكاية أن يحمل الناس على كتاب الموطأ فأبى -رحمه الله تعالى- وقال: الصحابة تفرقوا في البلدان وقد جمع الناس أشياء ربما لم نقف عليها، وهذا من إنصافه --رحمه الله تعالى-، بعد ذلك تكلم ابن كثير على عناية الناس بكتاب الموطأ، فأشار إلى أنه قد ألفت كتب كثيرة عليه، وهذا الذي قاله صحيح.

كتاب الموطأ من الكتب التي لم يترك العلماء منها حرفا إلا وتكلموا عليه سواء من جهة الإسناد أو من جهة المتن، ما تركوا شيئا في الموطأ إلا، رغم كثرة الموطئات كم تبلغ الموطئات؟ إذا قيل الموطئات كلها يراد بها موطأ، موطأ من؟ موطأ مالك، لماذا؟ أنه --رحمه الله تعالى- مكث مدة قرون، أربعين سنة، وهو يحدث به وينقص منه ويزيد، فرب حديث في هذا الموطأ، وليس في هذا الموطأ.

الموطئات هذه عبارة عن روايات مختلفة لموطأ مالك، فهناك موطأ القعنبي، ويقال له رواية القعنبي، وهناك موطأ يحيى بن يحيى الليثي، وهو يعني هذه هي الرواية المشهورة، وهناك موطأ محمد بن الحسن الشيباني، وموطأ أبي مصعب وكذلك رواية عبد الرحمن بن مهدي التي يروي من طريقها الإمام أحمد في المسند، وكذلك رواية الشافعي، تبلغ الموطئات أكثر من ثلاثين موطأ، لكن كلها علم على أو كلها بموطأ؟ لموطأ مالك، وإنما هي روايات مختلفة لهذا الموطأ أو لكتاب مالك رحمه الله.

ص: 49

يقول ابن كثير: إن من أعظم الكتب المؤلفة، أو من أبرز العلماء الذين اعتنوا بالموطأ هو الإمام ابن عبد البر، وهذا الكلام صحيح له كتابا أو له ثلاثة كتب، كتاب صغير اسمه "التقصي" وكتاب كبير "الاستذكار"، اعتنى فيه بالفقه ويعني مشى فيه على ترتيب الموطأ، يعني الترتيب الفقهي وكتاب التمهيد، وهو كتاب كبير جدا مشى فيه على أحاديث أو على شيوخ مالك، على ترتيب أحاديث شيوخ مالك، يعني خرج عن ترتيب الموطأ الأصلي، الترتيب الأصلي للموطأ، ورتبه ترتيبا جديدا على شيوخ مالك، ولهذا يصعب البحث فيه، يصعب أن نقف على الحديث لا بد أن تعرف شيخ مالك.

وأيضا كما نعرف نحن الترتيب المعجمي، هناك ترتيبان، ترتيب للمشارقة وترتيب لمن؟ للمغاربة، يعني نحن عندنا ألف باء تاء ثاء جيم إلى آخر حروف الهجية، هذا الترتيب لهم هم ترتيب آخر غير ترتيب المشارقة يمشي عليه ابن عبد البر، وغيره من المؤلفين من المغرب الإسلامي، هذا كتاب الموطأ. نعم، شيخنا، اقرأ.

إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي

وكان الحاكم أبي عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي "الجامع الصحيح" وهذا تساهل منهما، فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة، وقول الحافظ أبي علي بن السكن وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي، إنه صحيح فيه نظر وإن له شرطا في الرجال أشد من شرط مسلم غير صحيح، فإن فيه الشيخ غير مسلم، غير مسلم فإن فيه رجالا مشهورين إما عينا أو حالا، وفيهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في (الأحكام الكبير) .

هذا المقطع يتعلق بموضوع هو أن بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- ربما أطلقوا اسم الصحيح على مؤلفات لم يلتزم أصحابها الصحة، وهذا نحن نقول دائما أحيانا يأتي في المناقب وفي بيان فضل الكتاب، أو فضل العالم أو فضل البلد أو فضل كذا، ربما المتكلم يأخذه الحماس وربما خرج إلى حد المبالغة.

ص: 50

لكن نبه العلماء- رحمهم الله تعالى- عليه بألا يظن ظان مثلا، أن جميع ما في سنن الترمذي صحيح، أو أن جميع ما في سنن النسائي صحيح، فابن كثير رحمه الله يقول لا تغتر بهذا الإطلاق، فإن هذه لا يصح أصلا، يعني من الجناية على المؤلف أن نقول: إن كتاب سنن النسائي أن نطلق عليه صحيح النسائي، لماذا من الجناية على مؤلفه؟ لأننا نلزمه بشيء لم يلتزمه، وبنبني على ذلك أن نتعقبه وأن ننسبه إلى تصحيح أحاديث ليست صحيحة، وهذا أمر مهم جدا.

فإذن لا يعني ينبغي أن هذا، وإن كانت قد ذهبت هذه الإطلاقات عدا واحد منها بسبب أن الشيخ أحمد شاكر رحمه الله طبع كتاب الترمذي، فماذا سماه؟ سماه الجامع الصحيح، وهذه التسمية غير دقيقة؛ ولماذا؟ من جهتين هي غير دقيقة وكذلك ما يذكره من جهتين، أولا: أن المؤلف لم يسميه هكذا ولا ينبغي لنا أن نغير تسميات المؤلفين.

والأمر الآخر: أن واقعة بخلاف ذلك، فالترمذي رحمه الله لم يشترط الصحة وفيه أحاديث، ولا سيما يعني لا تجاوزنا بعض الشيء عن سنن النسائي، فإن في سنن الترمذي أحاديث كثيرة ضعيفة، بل وفيه أحاديث ربما حكم عليه بأي شيء؟ ربما حكم عليها بالضعف، فهذا تنبيه وسيشترط ابن كثير رحمه الله في التنبيه على أشياء من هذا القبيل، منها أشياء تتعلق بمسند الإمام أحمد، وكذلك أيضا بقية السنن، ولعلنا نكتفي بهذا اليوم.

س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: ما رأيكم بكتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، وهل هناك أفضل منه في بابه؟

ج: كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، هو من عمل محمد فؤاد عبد الباقي، وهذا الرجل له فضل كبير على السنة النبوية في العصر الحاضر، لكن هو ليس بعالم، ليس بمحدث، وإنما هو مفهرس، عمله فهرسة وتحقيق للكتب، وهو يعني ليس هو بمحدث، جمع أحاديث الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم في كتاب سماه، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان.

ص: 51

وهذا الكتاب نافع انتفع به الناس كثيرا، واستفادوا منه، ولكن مع ذلك فيه بعض الخلل، ربما جمع حديث متفقا عليه وليس كذلك، ولكن أكثر شيء أن يترك أحاديث متفق عليها لا يذكرها في كتابه، وهذه المسألة يعني متعلقة بالأمر الذي مر قبل قليل، وهو أن مثل هذه المسائل ليست مسائل آلية.

وإنما -هي- يدخلها الاجتهاد، فرب حديث اجتهد إمام فرأى أنه متفق عليه، ورب حديث وإمام آخر يرى أن هذا من إفراد مسلم، هذا اللفظ من إفراد مسلم، وهذا اللفظ من إفراد البخاري، ونرى هذا الاختلاف موجود بين المزي وابن حجر، يعني الذين اعتنوا بهذه الكتب، فإذن حكمك على أن هذا الحديث متفق عليه أو ليس بمتفق عليه، ليس بالأمر السهل.

لا تظن أنك بسرعة سترى بأنك أحيانا تنظر في الحديث، فترى أن ألفاظ هذا الحديث قريبة من هذا، فيخيل لك أو تصل باجتهادك إلى أن هذا الحديث متفق عليه، وربما بتدقيق ترى أن هناك فرقا رغم اجتماعهما ببعض الألفاظ، إلا أن هناك فرقا يدعوك إلى أن تقول أن هذا الحديث من إفراد مسلم، وهذا من إفراد البخاري، فهذا الأمر ليس بالسهل.

فتصدى له فهو رحمه الله ليس من يعني المشتغلين بالسنة على طريقة الباحثين، وإنما هو اشتغل بها فهرسة ونشر لكتبها، وهو مأجور على ذلك، قام بعمل جبار جدا في وقت قل فيه معينه، يعني لا نقيسه بعصرنا، وإنما بعصره رحمه الله يعتبر من المعتنين بالسنة، الباذلين وقتهم لها، فتصدى لجمع الأحاديث المتفق عليها.

وهناك الآن كتاب آخر مطبوع باسم الجامع بين الصحيحين براوية مسلم، لباحث اسمه ياسر سلامة، اجتهد أيضا وهو خاص بالمتفق عليه، يعني ليس موافق لعنوانه بين الصحيحين، هو خاص بالمتفق عليه، نعم.

س: أحسن الله إليكم لفظات أبي علي النيساجوري، هو ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج، فما توجيهكم؟

ص: 52

ج: نعم، هذا يعني جزاه الله خيرا، الطالب أو الأخ الذي بعث بكلمة أبي علي النيساجوري، يقول هو يعني:"ما تحت أديم السماء أصح من كتب مسلم"، العلماء -رحمهم الله تعالى- يقولون هذه الكلمة محتملة، يحتمل أنه لا يرى، أنه أصح من كتاب البخاري، وإنما يرى أنهما، فيصح أن يقال: إنه تحت أديم السماء أصح منه وإن كان هناك مثله.

وبعض العلماء يقولون: أنه لم يرى كتاب البخاري، ولو رآه لربما تغير حكمه، ومنهم من يستبعد هذا، أن يكون هذا العالم الفاضل الجليل يعني لم يرى كتاب البخاري، فهذا وعلى كل لو ثبت هذا عنه فالجمهور كما تقدم على تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم من جهة الصحة.

س: أحسن الله إليكم، يقول السائل عبر الشبكة فضيلة الشيخ: هل هناك كتب محل ثقة ألفت لتنقية المستخرجات والمستدركات؟ هل هناك كتب محل ثقة ألفت لتنقية المستخرجات والمستدركات.

ج: بالنسبة للمستخرجات، يعني الموجود الآن أو المطبوع، مستخرج أبي عوانة هذا صحيح مسلم، وأيضا طبع مستخرج أبي نعيم الأصفهاني، فلا يوجد مستخرجات الآن، يعني إلا القليل منها، والمستدركات إذا أطلق المستدركات، فإنما يراد به مستدرك الحاكم، يراد بها مستدرك الحاكم، السائل يقول هل هناك كتب قامت بتنقية هذه؟

يعني مثل ما نقول بدراسة أحاديث هذه الكتب بالنسبة لمستدرك الحاكم، الدراسة التي قامت عليه هي دراسة من؟ إذا اعتبرناها دراسة، هو تلخيص الذهبي، هناك من قام بتحقيق هذا الكتاب، ولكنه لم يخرج إلى الآن، ولا أعرف دراسات يعني قصد بها نقدا المستخرجات أو دراسة زوائد المستخرجات على الصحيحين، نعم.

س: أحسن الله إليكم، السؤال الآخر عن طريق الشبكة، يقول: هل صحيح فضيلة الشيخ أن رجال الإمام النسائي أقوى من رجال الإمام البخاري في صحيحه؟

ص: 53

ج: لا ليس صحيحا ليس دقيقا هذا الكلام، ليس دقيقا أن رجال النسائي أقوى من رجال البخاري، هذا ليس دقيقا، وإنما المعروف يعني وهذا هو الرواة الذي ينبغي، يعني أن النسائي انتقد على البخاري تخريج بعض الرجال، مثل فليح بن سليمان وبعض الرجال، لكن لا يعني هذا أن رجاله- في سننه- أعلى من رجال البخاري؛ لأنه هو لم يشترط الصحيح، فكأنه يقول للبخاري أنت اشترطت الصحيح، وأخرجت لفلان، ولفلان، ولفلان مثلا وهم ليسو على شرطه، يعني اجتهاد له خالف به البخاري في بعض الرجال، ولكنه ليس صحيحا، لا يعني أرى هذا صحيحا أن رجال النسائي يعني أقوى يعني أشد انتقاء من البخاري.

س: أحسن الله إليكم، السؤال الثالث عن طريق الشبكة، يقول: فضيلة الشيخ ما هو ضابط قول العلماء صدوق لا يهم؟

ج: صدوق لا يهم ما أعرف هذه اللفظة؛ صدوق لا يهم، ليس هناك صدوق لا يهم، لأنه أصلا هو لما كان صدوقا لما لم يقل ثقة أولا، الثقة ربما يهم، أو يقولون لا يعني كما مر بنا ليس هناك أحد إلا -وقد يعني- وقع في الغلط أو الوهم، وهو أصلا إنما كان صدوقا، لأنه وقع في الوهم، ولكن إذا كثر وهمه زادوا معه، زادوا يعني، إذا قالوا صدوق فقط قد يوصف الثقة بأنه صدوق، ولكن كلمة صدوق عندهم، يعني أنه نزل عن درجة الثقة بسبب أوهامه لا إشكال في ذلك.

ولكن إذا كثرت الأوهام يزيدون على كلمة صدوق بأن يقولون: صدوق يهم، أو له أوهام، فإذا زادت قالوا صدوق يهم، وإلا فالصدوق إنما نزل عن درجة الثقة لأنه يهم، فالظاهر أن السائل أراد هذا ولا ضابط لذلك، ما ضابط ليس هناك ضابط بأن يقال الثقة إذا غلط في حديثين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة، أنزلناه وإنما هذا اجتهاد، ويخضع لأمور كثيرة، منها اجتهاد العالم، ومنها يعني نوع الغلط.

ص: 54

بعض الأحاديث بعض الغلط كما يقول ابن زرعة روى، يعني ينتقد أحد الرواة، روى ثلاث أحاديث لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها، لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها، يعني أن بعض الغلط وإن كان يعني من جهة العدد يسير، ولكنه من جهة الحكم عظيم، وبعض الغلط يعني يقسمون الغلط إلى منه غلط بإصرار، ومنه غلط بتراجع ومنه، فهذا نور يعني ترجع إلى اجتهاد النقاد، وليس الأمر بالسهل، لا تظن أن تقييم الرواة هو وضعهم في منازلهم بالأمر اليسير على الناقد، فهو يعني شاق، نعم.

س: أحسن الله إليكم، السؤال الأخير عبر الشبكة كذلك، يقول ما مدى دقة من قال: أنه لا ينبغي أن يقال حديث ضعيف، بل الأولى أن يقال حديث سنده ضعيف.

ج: هذا القائل يقول: إننا إذا أردت أن تحكم على حديث، وأظن هذا سيأتي معنا- إن شاء الله تعالى- ربما يأتي معنا إذا كان سيأتي، فأنا أؤخره.

نعم، تكلم عليه ابن الصلاح --رحمه الله تعالى- وربما لم يذكره ابن كثير وهو قضية، إذا قلنا الحكم على الإسناد الفرق بين الحكم على الإسناد، والحكم على الحديث كله، يقولون الأحسن، ولا سيما غير الحفاظ أن يكون حكمه منصبا على الإسناد أو على الحديث، على الإسناد يعني إذا وقفت على حديث بإسناد أو صححته أو ضعفته، فتقول هو ضعيف بهذا الإسناد، أو صحيح بهذا الإسناد، صحيح بهذا الإسناد، يقولون يحتمل أن يكون له علة بطرق أخرى لم تقف عليها، وهذا كثير كما ذكرت من قبل، كثير جدا جدا.

لأن الأحاديث المعللة هي أسانيد ظاهرها الصحة، أما الضعيف فيقولون يحتمل أن يكون هذا الحديث له إسناد آخر غير هذا، وهذا أيضا كثير، فرب حديث موضوع بهذا الإسناد وهو متواتر بأسانيد كثيرة، مثلا لو أخذنا حديث ? من كذب علي متعمدا ? هو معروف متواتر الحديث جماعة من الصحابة، لكن هو من حديث أبي بكر، يعد موضوعا.

ص: 55

فهذا القائل يقول الاحتياط أنك إذا حكمت على حديث بإسناد أن تنص على أن الحكم منصب على هذا الإسناد فقط، خشية أن يكون للحديث إسناد آخر صحي، أو حسن أو عاضض له، نعم.

نحن مر بنا أو ربما يمر بالباحثين كثير، أن العلماء -رحمهم الله تعالى- في عصر النقد، اهتموا بالتطبيق ولم يهتموا بالتنظيم، والبخاري رحمه الله كما ترون افتتح كتابه بأي شيء، له خطبة أو ليس له خطبة؟ ليس له خطبة، وإنما يقولون أنه جعل خطبته حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ? إنما الأعمال بالنيات ?.

فما تكلم على شرطه ولا على يعني، لكن العلماء استقرءوا عمله، وأيضا أخذوا من التسمية، تسمية الكتاب "الجامع الصحيح" المسند المختصر لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن المجموع التسمية، ومن مجموع عمله في نقده في التاريخ، وفي العلل الكبير للترمذي، وفي تنبيهاته في الكتاب.

والاستقراء طريق، الاستقراء هل هو دليل صحيح أو غير صحيح الاستقراء؟ الاستقراء دليل عقلي صحيح لا مفر منه، أصلا لا بد منه، كثير من الأمور التي نتعامل معها مبنية على أي شيء؟ على الاستقراء، الاستقراء هو الدليل، يعني دليل عقلي صحيح لا إشكال فيه.

س: السؤال بعده يا شيخ عن طريق الشبكة يقول: ما هي وجوه انتقاد الدارقطني على البخاري -رحمهما الله-.

ج: هذا الكلام انتقاد الدارقطني على البخاري نؤجله؛ لأن ابن كثير رحمه الله تبعا لابن الصلاح، أورد هذا الكلام، يعني غدا -إن شاء الله تعالى-.

س: السؤال الأخير يا شيخ أيضا، لكثرة الأسئلة على الشبكة يقول: لماذا ذكرتم أن ابن حبان وابن خزيمة أعلى تصحيحا من الحاكم.

ص: 56

ج: أيضا بالاستقراء، بماذا تصحيحه، يعني بالنظر إلى تصحيحات ابن خزيمة، وتصحيح ابن حبان أعلى درجة من الحاكم بلا إشكال، فيهما أحاديث، نعم، يعني استنكرها العلماء، أحاديث ضعيفة، وتسامحا، هما تسامحا في الشذوذ والعلة، وتسامحا أيضا في الرواة، ولكن لم يصل هذا التساهل إلى ما وصل إليه الحاكم، فهما كما قال ابن كثير: أنظف مما سواهما، ومن نظر في صحيح ابن حبان وتتبعه وجد هذا الكلام، يعني هو بالاستقراء وبالنظر في الكتابين، بالإضافة إلى كلام العلماء، يعني أيضا كلام العلماء على هذين الكتابين،

سبحانك اللهم وبحمدك، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، اللهم صلي على عبدك ورسولك محمد.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أخذنا بالأمس، أو وقفنا بالأمس على كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- على مسألة إطلاق اسم الصحيح على سنن الترمذي وسنن النسائي، ومازال الكلام مستمرا في إطلاق بعض العلماء على بعض كتب السنة مِن مَن لم يلتزموا مؤلفوها، أو لم يدعي أو لم يشترطوا الصحة، فالكلام الآن في مسند الإمام أحمد، يتفضل القارئ بقراءة كلام ابن كثير على مسند الإمام أحمد، نعم يا شيخ.

مسند الإمام أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله تعالى-: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبر الأحمر عن حمص وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ، ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا - مع أنه لا يوازيه مسند في كثرته وحسن سياقته- أحاديث كثيرة جدا، بل قد قيل أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين.

ص: 57

نعم، تكلم ابن كثير --رحمه الله تعالى- على مسند أحمد في مسألتين:

المسألة الأولى: درجة أحاديث هذا المسند، ونقل عن أبي بكر عن أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني أنه قال: إن أحاديث المسند كلها صحيحة، إن أحاديث المسند كلها صحيحة، وهذا الكلام قد سبق إليه أبو موسى المديني، فأصل الموضوع مناظرة، أو مثل ما نقول نعم مناظرة بين ابن الجوزي --رحمه الله تعالى- وبين أبي العلاء الحمداني، وهو ذكر أو قال أيضا كذلك إن ما يخرجه أحمد في المسند صحيح.

فرد عليه ابن الجوزي وبين أن فيه أحاديث ضعيفة، وفيه أحاديث موضوعة، مثل ما قال ابن كثير --رحمه الله تعالى- ومثل ابن كثير وهذا هو الصحيح، المسند لم يدعي أحمد --رحمه الله تعالى- ولم يشترط الصحة، وقد ذكرت بالأمس خطورة إ لزام أحد شيئا لم يلتزمه، أن تلزم شخصا بشرط ما، أو بشيء ما وهو لم يلتزمه، فهذا يعني لا يصح، فالإمام أحمد لم يلتزم الصحة ولم يشترطها، ففيه أحاديث جملة كبيرة جدا من أحاديثه بلا إشكال من قسم الصحيح، ولكن يوجد فيه الحسن، ويوجد فيه الضعيف، ويوجد فيه أيضا أحاديث يسيرة موضوعة.

ومثل ابن كثير -رحمه الله تعالى- بأحاديث فضائل البلدان عسقلان ومرو وحمص ومدن غيرها، كذلك أيضا وفي بعض فضائل الأعمال، عدها بعضهم أو أوصلها بعضهم إلى ثلاثين حديثا، وقد ألف ابن حجر رحمه الله يمكن تعرفونها رسالة صغيرة سماها "القول المسدد في الزود عن المسند "، ولكن في كثير منها أو في بعضها، حتى ابن حجر --رحمه الله تعالى- يسلم بنكارة هذه الأحاديث، فلا مفر من القول، وأيضا الإمام أحمد --رحمه الله تعالى- في أجوبته على أسئلة تلاميذه وفي كلام له يبين، أو بين أن، أو تكلم على أحاديث في مسنده، وأنها لا تصح أنها مناكير.

ص: 58

فإذن ومسألة لماذا يخرج الإمام أحمد مثل هذه الأحاديث، فهذه مسألة يعني طويلة، واعتذر الأئمة -رحمهم الله تعالى- عن إخراج مثل هذه الأحاديث، وعن عناية العلماء بأحاديث الضعفاء، ولهم في ذلك أغراض، وهي أغراض صحيحة، إذا ضم إليها بيان أن هذه الأحاديث لا تصح، أو أن الصواب فيها أنها من قول فلان، أو يعني مثلا المهم إذا عرفت على حقيقتها، هذه نقطة لا إشكال فيها.

المسألة الثانية: هي أن مسند الإمام أحمد رحمه الله يقول ابن كثير رغم أنه لا يوازيه مسند، رغم أنه لا يوازيه مسند في حسن سياقته وفي كبره، إلا أنه قد فاته أحاديث أيضا، وهذا يعني أيضا، لا شيء يسلم به، وذكر ابن كثير بصيغة التمريض، أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين.

يعني أن في الصحيحين مائتي صحابي لم يخرج لهم الإمام أحمد، وخرج لهم في الصحيحين، وقبل هذا ذكره ابن كثير بصيغة التمريض، ويحتاج الأمر إلى تحقق، والشيخ أحمد شاكر رحمه الله يقول: أنا أستبعد هذا ويحتاج الأمر إلى تحقق، نعم، هذا الذي أو هذا كلام ابن كثير على مسند الإمام أحمد، نعم، اقرأ.

الكتب الخمسة وغيرها

وهكذا قول الحافظ أبى طاهر السلفي في الأصول الخمسة، يعني لبخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، أنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، تساهل منهم وقد أنكره ابن الصلاح وغيره، قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد، كمسند عبد بن حميد والدارمي وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى والبزار وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان وإسحاق بن راهويه وعبيد الله بن موسى وغيرهم؛ لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه.

نعم، هذا المقطع فيه جملتان أو فيه أمران:

ص: 59

الأمر الأول: إطلاق أبي طاهر السلفي الحافظ -رحمه الله تعالى- على الكتب الخمسة، وهي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي، أطلق عليها بأنها صحيحة، أو قال اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، بهذا يقول العلماء -رحمهم الله تعالى- إن قصد به اتفاقهم، إن قصد به اتفاقهم على صحة أحاديثها.

فهذا القول تساهل منهم، تساهل كبير، إذا كان يعني، إذا كان بعض أحاديث الصحيحين قد انتقض فما بالك بأحاديث سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي، لكن بعضهم يعتذر عن السلفي بأن عبارته أنهم اتفقوا على صحة أصولها، ما معنى صحة أصولها؟ يعني اتفقوا على صحتها عن مؤلفيها، أو اتُفق على يعني شيء كثير منها.

لكن المعنى الأول كأنه هو المراد، وهو أنه اتفق على صحة أصولها، يعني أنها ثابتة إلى مؤلفيها لا إشكال فيها، فهذا إن كان مراده هذا، فهذا يقولون، العراقي رحمه الله اعتذر عن السلفي بهذا الاعتذار.

وقال -رحمه الله تعالى-: لا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا، فالمهم المقصود من كلام ابن كثير رحمه الله أن مثل هذه الاطلاقات انتهى الآن من الاطلاقات، أن مثل هذه الاطلاقات لا ينبغي وهي واردة في خضم كما ذكرت لكم بالأمس، أنه حين في المناقض وسياق المدح والثناء ربما يقع شيء من المبالغة، وهذا يعني جار بيننا أيضا، لو تريد أن تثني على شخص، أو تثني على يعني مكان أو تثني.

ولهذا يعني هناك أمثال توضح أن دائما أيهما أقرب، يعني أيهما أعلى السماع أو المشاهدة، في الغالب أن يكون المشاهدة أقل من، أقل مما سمعوا، وفي الحديث أيضا أخبر يعني، المهم أن هذا جار في ألسنة الناس، ربما يدفعهم إرادة مدح الشيء إلى الغلو فيه أو المبالغة فيه، وحتى مثلا وأنت تقرأ في الثناء على كتاب ما، يطنب الذي يتكلم عليه في الثناء عليه، حتى تظن أن هذا هو أعلى كتاب، ثم تخرج إلى الكتاب الثاني، أو حتى في التراجم.

ص: 60

حتى عند علماء الجرح والتعديل -رحمهم الله تعالى- يثنون على الشخص مثلا حتى تظن مثلا، أنه مثلا أنه هو الأقوى في شيخه، ثم يثنون على الآخر، وهكذا لكن إذا جاءوا إلى الجرح والتعديل محصوا هذا الكلام ودققوا فيه، وأما الكلام العام الذي هو الثناء على الفضل ونحو ذلك، فربما يتسامحون فيه وهذا أمر معروف، فابن كثير ينبه إلى مثل هذا، ويعني هو يلخص كلام ابن الصلاح.

المسألة الثانية: أن ابن الصلاح --رحمه الله تعالى- قال: إن من يؤلف على الموضوعات وعلى الأبواب يكون أعلى رتبة، ممن يؤلف على مسانيد الصحابة ممن يؤلف على مسانيد الصحابة، وعلل ذلك بأن من يؤلف على المسانيد إنما غرضه ما هو؟، غرضه أن يجمع كل ما روي عن هذا الصحابي، بغض النظر عن أي شيء؟ عن صحته وضعفه، أما من يؤلف على الأبواب فهو ينتقي ويختار أحسن ما روي في هذا الباب.

وهذا صحيح في الجملة، صحيح في الجملة لا إشكال فيه، ولا سيما إذا عرفنا أن كثير من هذه المسانيد ألف في عصر الجمع، ولكن ننتبه إلى شيء، أن بعض هذه المسانيد قد يكون أعلى أو أقوى شرطا من بعض الكتب المؤلفة على الأبواب، فقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ووافقه أيضا ابن حجر، كفى بهما أن شرط الإمام أحمد في مسنده، إن لم يكن يفوق فهو يوازي شرط أبي داود في سننه.

ومعنى هذا أنه بلا إشكال أعلى رتبة من سنن من؟ من سنن ابن ماجه، فالكلام الذي ذكره الآن ابن الصلاح، ولخصه ابن كثير هو عبارة عن كلام إجمالي صحيح في الجملة، أن من يؤلف على الموضوعات سيكون أكثر انتقاء، ممن يؤلف على مجرد جمع ما روى كل صحابي، وهنا تنبيه بسيط.

ص: 61

قول ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- كمسند عبد بن حميد والدارمي، يعلقون عليه فقط هنا بس فقط الدارمي ليس له مسند الدارمي، إذا أطلق الذي هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهو شيخ مسلم وشيخ الترمذي، وهذا ليس له مسند، وإنما هذا سنن فهو ملحق بالكتب الخمسة حتى عده بعض العلماء، ماذا عدّوه؟ سادس الكتب الستة مكان سنن من؟ سنن ابن ماجه.

فهذا الدارمي رحمه الله قالوا: إن ابن الصلاح مثل به أو أدرجه في ضمن المسانيد، وهو ليس بمسند على المعنى المصطلح عليه، وإنما هو سنن، ولكن سماه مؤلفه مسند من باب أن أحاديثه مروية بالإسناد، مسنده كما يقال مسند أبي عوانة، ماذا يقصدون به؟ مستخرج أبي عوانة يقصدون به مستخرج أبي عوانة، أو صحيح أبي عوانة.

لأنه وكذلك مثلا مسلم سمى كتابه "الصحيح المسند"، والبخاري سمى كتابه "الصحيح المسند"، فيقصدون بالمسند هنا ماذا؟ أي مروي أن أحاديثه مروية بالإسناد، فمسند الدارمي هذا سنن، وليس بمسند على المصطلح المعروف، وهذا موضوع جديد سيدخل فيه ابن كثير -رحمه الله تعالى- نعم.

التعليقات التي في الصحيحين

وتكلم الشيخ أبو عمر على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري وفي مسلم أيضا، لكنها قليلة، قيل إنها أربعة عشر موضعا، وحاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عمد ثم النظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التمريض، فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضا؛ لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم وما كان من التعليقات صحيحا فليس من نمط الصحيح مسند فيه.

لأنه قد وسم كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.

فأما إذا قال البخاري: قال لنا أو قال لي فلان كذا، أو زادني ونحو ذلك فهو متصل عند الأكثر، فحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق -أيضا- يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة، وقد رده ابن الصلاح.

ص: 62

فإن الحافظ أبا جعفر ابن حمدان قال: " إذا قال البخاري: وقال لي فلان "؛ فهو مما سمعه عرضا ومناولة.

نعم، هذا المقطع يتعلق ببعض الأمور تتصل بأمر التعليق في صحيح البخاري، والتعليق أو الحديث المعلق هكذا سماه، يعني هذه التسمية وجدت فيما بعد، يعني ليس البخاري الذي سماه تعليقا، أو قال: أعلق بعض أحاديثي، أو كذا.

وإنما يقولون: إن هذا اللفظ -يقول ابن الصلاح رحمه الله وجد في كلام الحميدي، وكلام الدارقطني -أي في القرن الرابع-، ولا بأس بذلك.

سموا نوعا من الأحاديث: وهي التي حذف المعلق أول الإسناد، أو حذف بعض رجال الاسناد من أوله، وقد يحذف الإسناد كله فلا يبقي إلا قائل النص.

كأن يقول البخاري -مثلا-: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا "، أو:" قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا "، أو يذكر بعد التابعي رجلا، وقد لا يحذف إلا شيخه فقط.

فإذا حذف شيئا من مبدأ الإسناد؛ فهذا يسمونه " التعليق "، يقولون: مأخوذ من التعليق في الجدار، أو في السقف، كأنه ليس هناك واسطة بين هذا الشيء المعلق وبين الأرض، شبهوه به، شبهوه بالتعليق، فهذا معنى التعليق.

وهي موجودة في البخاري، وموجودة -أيضا- في مسلم، لكن نبه ابن كثير رحمه الله في بداية كلامه إلى أنها في مسلم قليلة، تبلغ أربعة عشر موضعا فقط.

وأيضا هذه الأربعة عشر موضعا وصلها مسلم، ما معنى وصلها؟ يعني ذكرها موصولة ثم علقها، أو علقها ثم وصلها، إلا موضعا واحدا فقط في صحيحه بقي معلقا.

وهو الحديث المعروف في تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالجدار، فإنه قال:" وقال الليث بن سعد: حديث أبي جهيمة -هذا- بقي معلقا، وقد وصله البخاري رحمه الله في صحيحه ".

ص: 63

إذن الكلام الآتي كله في معلقات البخاري أو في معلقات مسلم؟ في معلقات البخاري؛ لأن مسلم رحمه الله لم يبق في كتابه شيئا معلقا إلا حديثا واحدا، وهو حديث تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بالجدار.

لذلك قال ابن الصلاح: "وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري"؛ فإذن الكلام القادم كله في معلقات البخاري.

أول نقطة في معلقات البخاري: هي قضية درجة هذه المعلقات، وهناك أمر -قبل هذا- ما ذكره ابن الصلاح -نبه عليه، أو ما ذكره ابن كثير-: وهو أن معلقات البخاري تنقسم إلى قسمين:

القسم الأول: علقه البخاري في مكان، ووصله في مكان آخر، أولا: مجموع المعلقات في صحيح البخاري كثير، تبلغ المعلقات ألفا وثلاثمائة حديث معلق، هذا كثير أو قليل بالنسبة لمعلقات مسلم؟ هذا العدد كثير.

وصل منها البخاري -رحمه الله تعالى- في مكان آخر، أو وصل غالب هذه الأحاديث المعلقة في مكان آخر، ولم يبق إلا نحو مائة وستين حديثا، هي التي أبقاها البخاري لم يصلها في مكان آخر.

فالكلام -الآن- اللاحق في أي القسمين؟ هو في القسم الثاني: الذي لم يصله في مكان آخر، أما الذي وصله فقد انتهى أمره، وهو موصول في صحيح البخاري، فحكمه حكم الموصول.

القسم الثاني: الذي علقه، أو بقي دون وصل، ألف فيه ابن حجر رحمه الله كتابه المعروف "تغليق التعليق"، والمراد به: أن يخرج هذه الأحاديث المعلقة، وكذلك -أيضا- باقي معلقات البخاري.

المقصود بالمائة والخمسين: هي ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما عن غير الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه معلقات كثيرة جدا غير المائة والخمسين.

فهذه كلها وصلها ابن حجر، أو ألف من أجلها كتابه "تغليق التعليق" -وهو كتاب جيد جدا مطبوع-، يعني يخرج المعلقات، ويقول -مثلا-: رويناه من طريق

، ويسلك إسناده إلى -مثلا -: عبد الرزاق، أو ابن أبي شيبة، أو إلى سعيد بن منصور، أو إلى الإمام أحمد، أو إلى الترمذي، أو إلى مسلم.

ص: 64

يعني إلى من خرج هذه المعلقات، ولخصه -أيضا- في " هدي الساري، مقدمة صحيح البخاري".

تكلم ابن الصلاح رحمه الله على درجة هذه المعلقات المائة والخمسين، فقال: إنها على قسمين:

أولا: ما يعلقه بصيغة الجزم، ما معنى صيغة الجزم؟ أن يقول:" قال فلان: كذا، أو ما معناه "، إذا قال البخاري:"قال فلان: كذا، أو قال فلان عن فلان عن فلان: كذا".

يقول ابن الصلاح: فهذا محكوم بصحته إلى من علقه عنه، إلى من أبرزه من رجال الإسناد، ثم بعد ذلك يبقى النظر فيمن أبرز من رجال الإسناد.

فإذا قال البخاري -مثلا-: "قال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده"؛ محكوم على هذا الإسناد بالصحة مِن مَن إلى مَن؟ مِن البخاري إلى بهز، وبعد ذلك يبقى النظر في من؟ في بهز، ومَن بعده؛ فهذا النوع الأول: ما هو مجزوم بصحته، يعني ما علقه بصيغة الجزم.

إذن، إذا قال البخاري رحمه الله:"وقالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم"، هذا الحديث ما حكمه الآن؟ هذا الحديث علقه بصيغة الجزم، فإذن على كلام ابن الصلاح هذا حديث صحيح؛ لأننا لا نحتاج إلى النظر بعدما أبرز من رجاله.

وهكذا لو قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا"؛ فهذا معلق بصيغة الجزم، وليس هناك من رجال الإسناد ما ينظر فيه.

القسم الثاني: الذي يعلقه بصيغة التمريض، مثل أن يقول:"ويذكر، ويروى"، فهذا يقول ابن الصلاح رحمه الله: إنه منه ما هو صحيح، إنه لا يستفاد من هذه الصيغة الصحة، ولكن -أيضا- لا يستفاد منها الضعف.

وهذا معنى قوله: "ولا تنافيها -أيضا-"، "فلا يستفاد منها صحة، ولا تنافيها -أيضا-" معناه: أن هذا النوع، أو هذا القسم المعلق -بصيغة التمريض- منه ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف.

بل منه ما يضعفه البخاري، كما في قوله: ويروى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتطوع الإمام في مكانه) فهذا -مباشرة- قال بعده البخاري: ولا يصح، ولكنه علق بصيغة التمريض -أيضا-.

ص: 65

قال: ويذكر عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ? كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه ? وهذا في صحيح مسلم.

فهذان قسمان: ما علقه بصيغة الجزم، وما علقه بصيغة التمريض، هذه مسألة تكلم عليها.

ثم عاد ابن الصلاح رحمه الله وتكلم على المقصود بالصحة -إذا أطلقت الصحة على معلقات البخاري- يقول رحمه الله: "إننا، وإن أطلقنا عليها أنها صحيحة؛ إلا أنها ليست من نمط الصحيح، ما معنى من نمط الصحيح؟ يعني ليس من درجة أحاديث الجامع -جامع البخاري-، الأحاديث الصحيحة التي أسندها البخاري إسنادا".

هذه هي عبارته وما كان من التعليقات صحيحا، فليس من نمط الصحيح المسند فيه بأنه قد وصفه بـ:"الجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه".

إذن هذا عودة إلى ما سبق، وأن الصحيح ليس على درجة واحدة، وإنما هو على مراتب، فإذن البخاري رحمه الله قد يعلق في صحيحه أحاديث صحيحة؛ إذن ِلمَ لَمْ يخرجها -رحمه الله تعالى- مسندة إذا كانت صحيحة؟

هي صحيحة، ولكنها ليست على الصحة التي اشترطها البخاري، ففي الغالب هذه الأحاديث رغم صحتها يكون في إسنادها كلام، وربما لم يكن فيه كلام، ولكن -يعني- بسبب ولو بسيط، مثل: الاختلاف في اسم صحابي، أو نحو ذلك.

مثل حديث: ? الدين النصيحة ? لم يخرجه البخاري، علقه البخاري، وهو حديث صحيح، أخرجه مسلم، وذكروا سببا: أنه لعله الاختلاف في احتمال ذكره ابن حجر هذا؛ أن يكون الاختلاف في اسم الصحابي -هكذا أذكر-.

فالمقصود: أن البخاري رحمه الله ترك إسناد هذه الأحاديث المعلقة الصحيحة؛ لأنها نزلت عن شرطه.

في قضية تكلم عليها ابن الصلاح: وهي أن البخاري رحمه الله ربما يقول في صحيحه: "قال لنا فلان، أو قال لي فلان، أو زاد لي فلان"، الآن ينسب هذا الكلام إلى من؟ البخاري، من الذي قال؟

ص: 66

يعني البخاري يقول: "قال لي فلان"، هل هناك تعليق أو ليس بتعليق هذا، ما هو المعلق؟ هو الذي يسكت منه المؤلف، هذا ما فيه إسقاط؛ فلهذا ابن الصلاح نبه، أو رد على من وصف هذا بالانقطاع، يقول: فهو متصل عند الأكثر.

وحكى عن بعض المغاربة أنه تعليق -أيضا- يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة، ما معنى المذاكرة؟ هي المراجعة تقريبا، أو المباحثة، وهي ما نطيل بها.

لكنها عند العلماء رحمهم الله: ما يسمعه الشخص بالمذاكرة، ليس مثل ما يسمعه في الرواية، أو نقول: إن الراوي حال تحديثه في المذاكرة، ليس على درجة ما يحدث به إذا قصد الرواية.

وهذه المذاكرة: معروف عند العلماء أنهم يتسامحون فيها ، وربما دلسوا، وربما أسقطوا، يعني يتسامحون في المذاكرة.

فهذا أحد -أو بعض- حفاظ المغاربة يقول: إن البخاري إذا قال: "قال لي فلان"؛ فقد عدل عن قوله: "حدثنا، أو حدثني، أو أخبرني" بأنه سمع هذا الكلام في أي صفة؟ بالمذاكرة؛ فأراد أن يبين أنه ليس كالذي سمعه في حال الرواية.

ورد ابن الصلاح هذا وقال: ونقل عن الحافظ أبي جعفر ابن حمدان أن البخاري إذا قال: "قال لي فلان"؛ فهو مما سمعه عرضا ومناولة.

العرض والمناولة: هذا من طرق التحمل -وستأتي معنا-، وخلاصتهما، أو معناهما:"العرض" هو أن يقرأ التلميذ على الشيخ، وهو عند جمهور العلماء في منزلة، دون منزلة: أن الشيخ هو الذي يقرأ؛ فهذا من طرق التحمل عندهم، يعني معروفة.

بعضهم الشيخ الذي يقرأ، يقول:"حدثني فلان"، وبعضهم يقرأ التلميذ، والشيخ يستمع ويقر؛ فهذا هو العرض، القراءة على الشيخ هي العرض.

أما المناولة: فيعطيه الكتاب، أو يعطيه الجزء يناوله إياه، وفي الغالب -يعني العلماء- يقولون: تجوز الرواية بها؛ إذا قال له: "خذ هذا الجزء -مثلا-"، ستأتي معنا -إن شاء الله تعالى-، و:"اروه عني".

ص: 67

فحينئذ تكون هذه، يسمونها "مناولة"، مصحوبة بأي شيء؟ بالإجازة، وهذه -يعني- أقوى من المناولة العارية عن الإجازة، وستأتي معنا طرق التحمل -إن شاء الله تعالى-.

فالمقصود أن الكلام هذا كله على قضية: "إذا قال البخاري: قال لي فلان"، تضيفون على هذا: أن ابن حجر -رحمه الله تعالى، وهو ممن خبر كتاب البخاري- يقول: "يظهر لي -والله أعلم، يعني هو راجع إلى هذا الكلام- أن البخاري إنما يقول مثل هذا الكلام -يعني يعدل عن التصريح بالتحديث، إلى أن يقول: قال فلان، أو قال لي فلان، أو قال لنا فلان- لسبب ما في الإسناد، أو في المتن، أو نحو ذلك.

وهذا يبين لنا، أو ابن حجر رحمه الله يريد أن يبين لنا دقة الإمام البخاري، البخاري مدرسة كبيرة في اختيار الأساليب واختيار الألفاظ، وهو من أقل الناس كلاما -رحمه الله تعالى-، ولكن كلامه -كما يقال- من المختصر المفيد.

حتى بالنسبة لكلامه في الرجال، بالنسبة لكتبه في الرجال هي تعتبر مختصرة، ولكن فيها من الفوائد، مثلا في "التاريخ الكبير" شيء عظيم جدا من الفوائد.

حتى إن ابن أبي حاتم -رحمه الله تعالى، كما هو معروف- جاء إلى "التاريخ الكبير" فاستخلص منه كم من كتاب؟ ثلاثة الكتب:"الجرح والتعديل" هذا في الرجال خاصة، "المراسيل" وهذا على نمطه، وليس استخلصها بمعنى أخذ فقط ما عند البخاري، "المراسيل" وهذا يتعلق بالاتصال والانقطاع، "العلل" وهذه من نمط الأحاديث التي يولدها البخاري في "التاريخ الكبير"، ويبين عللها.

فالمقصود: أن البخاري -رحمه الله تعالى- دقيق جدا في اختيار أساليبه، وفي أغراضه: من ذكر إسناد، أو من تعليقه، أو من -يعني- إبدال لفظ بلفظ.

ولهذا؛ أنا أنصح -دائما- من يريد أن يتمكن في "مصطلح الحديث": فكتاب البخاري استعانة بشروحه، ولا سيما "فتح الباري" لابن حجر، من أهم مصادر السنة التي تعين الباحث على التفقه في مصطلحات أهل الحديث.

ص: 68

يورد كثيرا من المصطلحات، ويستخدم مصطلحات كثيرة، يعني: يستفيد طالب العلم أمورا تطبيقية عملية على هذه المصطلحات.

إنكار ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي

وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده "حديث الملاهي"، حيث قال فيه البخاري:"وقال هشام بن عمار"، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه؛ فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار.

قلت: وقد رواه أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، وأخرجه البرقاني في "صحيحه"، وغير واحد، مسندا متصلا إلى إشهاد ابن عمار وشيخه -أيضا- كما بيناه في كتاب "الإحكام"، ولله الحمد.

هذه مسألة -يعني- تطبيقية على ما يقول فيه البخاري، لكن هذه دون التي قبلها، التي قبلها ماذا يقول البخاري عن شيخه؟ قال:"لنا"، أما هذه: ما فيها لنا، إنما قال:"فلان".

فابن حزم -رحمه الله تعالى- لما احتج عليه، معروف أن ابن حزم رحمه الله يبيح شيئا من الغناء؛ فاحتج عليه بهذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، وقال فيه:"وقال هشام بن عمار"، لم يقل:"حدثنا هشام بن عمار" وهو من شيوخه، هو من شيوخ البخاري رحمه الله.

فابن حزم رحمه الله يقول: إن هذا منقطع لماذا؟ لأن البخاري لم يقل: "حدثنا"، فردوا عليه من عدة جهات:

أولا: أن هشام بن عمار شيخ البخاري، فإذا قال البخاري:"قال هشام بن عمار"، والبخاري ليس بمدلس؛ فمعناه: أنه قد سمعه من هشام بن عمار، والإسناد متصل.

وهذا من الأشياء التي يقول ابن حجر رحمه الله: إن البخاري لا يعدل عن التصريح بالتحديث إلا لسبب، يقول: لعله بسبب الاختلاف في تسمية الصحابي؛ لأن الحديث من طريق عبد الرحمن بن غنم الأشعري، عن أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري، يعني: تردد في اسم الصحابي، يقول: لعله لهذا؛ عدل البخاري عن: "حدثنا" إلى: "قال".

ص: 69

والأمر الآخر: أن هذا الحديث رد على ابن حزم، هذا -يعني- في الأمر الآخر، وهو: أن هذا الحديث متصل في كتب أخرى غير كتاب البخاري، وهو معروف عن هشام بن عمار.

فإذن -يعني- المفترض في ابن حزم رحمه الله أن يبحث عن علة أخرى غير الانقطاع؛ إذا كان يريد أن يطعن في هذا الحديث -إن كان عنده علة أخرى-، وإلا فهذه العلة ضعيفة؛ لا تصلح هذه العلة علة قادحة في هذا الحديث.

ولا سيما مع كلام لابن حزم يقرر فيه: أن الراوي إذا قال عن شيخه: "قال"، أو:"عن"، أو: كذا؛ فهو محمول على أي شيء؟ إذا قال عن شيخه، فهو محمول على الاتصال وعلى السماع، هكذا قرره في كتابه "الإحكام في أصول الفقه".

هنا مسألة سيتكلم عليها ابن كثير نقلا عن ابن الصلاح، وهي مسألة -يعني-: تلقي الأمة للصحيحين بالقبول، وماذا يفيد.

ماذا تفيد أحاديث الصحيحين

ثم حكى أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ: الدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك: القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة من عين الخطأ، كما ظنت صحته ووجب عليها العمل به؛ لابد وأن يكون صحيحا في نفس الأمر، وهذا جيد.

وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محي الدين النووي، وقال:"لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك"، قلت: وأنا مع ابن الصلاح في ما أول إليه، وأرشد إليه، والله أعلم.

هذه المسألة، مسألة ماذا تفيد أحاديث الصحيحين؟ القطع أو الظن؟ هي مسألة ليست من علوم الحديث، وإنما هي لها تعلق بأصول الفقه؛ ولهذا -بعد قليل، لن نقرأه، ولن نطيل فيه- سينقل ابن كثير -رحمه الله تعالى- كلاما لابن تيمية عن الحديث إذا تلقته الأمة بالقبول، وابن تيمية ينقل عن جماعة -عن أهل الحديث، وعن غيرهم من أهل الكلام والأشاعرة، وغيرهم-: أن الأمة إذا تلقت الحديث بالقبول؛ فهو مقطوع بصحته.

ص: 70

فابن الصلاح رحمه الله يقول: إن الأمة قد تلقت كتاب البخاري ومسلم بالقبول، سوى أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ مثل: الدارقطني، وهناك غير الدارقطني مثل: الإسماعيلي، ومثل ابن عمار الشهيد.

يقال له: "الشهيد"؛ قتله القرامطة عند الكعبة رضي الله عنه ورحمه-، له كتاب في:"علل صحيح مسلم"، أحاديث يسيرة انتقدها، بل هناك أحاديث في الصحيحين انتقدها البخاري ومسلم.

يعني: يبينون علل بعض الأحاديث حتى في كتابيهما، فهذه الأحاديث -وهناك أحاديث أيضا لا بد أن تنضم إلى هذا- أحاديث انتقدها بعض الحفاظ قبل البخاري ومسلم، مثل: أحمد، أو مع البخاري ومسلم مثل: أبي حاتم، أو النسائي.

فالمقصود: أن الأحاديث التي انتقدت ليس مراد ابن الصلاح أن الصواب مع المنتقد، لا يريد هذا هو، إنما يريد "انتقادا": يعني أنزلها عن أن تدخل في الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول.

إذن ما عدا هذه الأحاديث، وكما يقول ابن تيمية: جمهور أحاديث الصحيحين -يقول جمهور أحاديث الصحيحين- تفيد التواتر.

وهذا الذي قاله رحمه الله له حظ، يعني: هو صحيح إلى درجة كبيرة، أن جمهور أحاديث الصحيحين، إذا استثنينا ما انتقد، أو ما فيه اختلاف على بعض -يعني إذا استثنينا بعض الأشياء-؛ فبقية أحاديث الصحيحين من المقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقين.

وأي طالب علم -إن شاء الله تعالى- الذي يقرأ منكم في "صحيح البخاري"، في "صحيح مسلم"، يسوق الإمامان طرقا لبعض الأحاديث يعني إذا نظرت في الطرق، ونظرت في تراجم أصحابها، لا يكاد حديث يتوقف في صحة هذه الأحاديث.

إذا كان بعض العلماء يقول: عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ماذا أخذنا من ذلك؟ يقول: إنما -هو- ترفع الستر فتنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: كأنك بهذا الإسناد ليس بينك وبين رسول الله إلا ستر.

ص: 71