المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع الثاني: الحديث الحسن - شرح اختصار علوم الحديث - اللاحم

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌ترتيب ابن الصلاح لأنواع الحديث

- ‌تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

- ‌النوع الأول: الصحيح

- ‌النوع الثاني: الحديث الحسن

- ‌النوع الثالث:الحديث الضعيف

- ‌ النوع الرابع: "المسند

- ‌النوع الخامس: المتصل

- ‌النوع السادس: المرفوع

- ‌النوع السابع: الموقوف

- ‌النوع الثامن: المقطوع

- ‌النوع التاسع: المرسل

- ‌النوع العاشر: المنقطع

- ‌النوع الحادي عشر: المعضل

- ‌النوع الثاني عشر: المدلس

- ‌النوع الثالث عشر: الشاذ

- ‌النوع الرابع عشر: المنكر

- ‌النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد

- ‌النوع السادس عشر: في الأفراد

- ‌النوع السابع عشر: في زياد الثقة

- ‌النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث

- ‌النوع التاسع عشر: المضطرب

- ‌النوع العشرون: معرفة المدرج

- ‌النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع

- ‌النوع الثاني والعشرون: المقلوب

- ‌النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل

- ‌النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

- ‌النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقيده

- ‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

- ‌النوع السابع والعشرون: آداب المحدث

- ‌النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث

- ‌النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

- ‌النوع الثلاثون: معرفة المشهور

- ‌النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز

- ‌النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث

- ‌النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل

- ‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا

- ‌النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث

- ‌النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد

- ‌النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل

- ‌النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

- ‌النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين

- ‌النوع الحادي والأربعون: معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌النوع الثاني والأربعون: معرفة المُدَبَّج

- ‌النوع الثالث والأربعون: معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌النوع الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء

- ‌النوع الخامس والأربعون: رواية الأبناء عن الآباء

- ‌النوع السادس والأربعون: معرفة رواية السابق واللاحق

- ‌النوع السابع والأربعون: معرفة من لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد

- ‌النوع الثامن والأربعون: معرفة من له أسماء متعددة

- ‌النوع التاسع والأربعون: معرفة الأسماء المفردة والكُنَى

- ‌النوع الخمسون: معرفة الأسماء والكُنَى

- ‌النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية

- ‌النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب

- ‌النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب

- ‌النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

- ‌النوع الخامس والخمسون: الأسماء المتشابهة في الرسم

- ‌النوع السادس والخمسون: معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة

- ‌النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها

- ‌النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء

- ‌النوع الموفي الستين: معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم

- ‌النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم

- ‌النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره

- ‌النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات

- ‌النوع الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء

- ‌النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌ أسئلة

الفصل: ‌النوع الثاني: الحديث الحسن

فإذا كان مثل هذا الحديث مثلا- يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، ويرويه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ويرويه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ويرويه مع نافع سالم، ويرويه مع سالم -أيضا- عبد الله بن دينار، ويرويه مع عبد الله بن عمر -مثلا- جابر وعائشة.

ومثل هذا الحديث -بغض النظر عن قضية التواتر عند الأصوليين وتواتر الطبقات..الخ- فمثل هذا الحديث عند المحدثين لا يرتابون أبدا في صحته، فهذا هو معنى كلام ابن الصلاح: أنه مقطوع بصحته.

لأن المحدثين تلقوا هذين الكتابين بالقبول، وهذا كلام صحيح، النووي رحمه الله اعترض ومشى على مذهب الأصوليين: أن السنة، أو أن الأخبار -بغض النظر عن السنة- تنقسم عندهم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.

فهو يقول: كل أحاديث الآحاد -ما في الصحيحين، أو غيرهما- منزلتها واحدة، وهي أنها تفيد الظن، ولكن هذا الكلام نحى فيه منحى المتكلمين، أو أهل الأصول.

مع أن ابن تيمية رحمه الله على أن الأمة إذا تلقته بالقبول -يعني إذن ليس هو لهم جميعا-؛ فالمقصود من هذا الكلام كله: أن جمهور أحاديث الصحيحين - بحمد الله تعالى- مما تلقته الأمة بالقبول، ومما هو مقطوع بصحته.

ويبقى ما انتقد، فيه مجال للاختلاف، ولكن ليس مراد ابن الصلاح: أن الصواب مع منتقد الكتابين، وإنما مراده: أنها نزلت هذه الأحاديث عن القطع بصحتها.

‌النوع الثاني: الحديث الحسن

تعريف الحديث الحسن

النوع الثاني: الحسن، وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور، وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر -لا في نفس الأمر-؛ عسر التعبير عنه وضبطه في كثير من أهل هذه الصناعة؛ وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه.

وقد تجشم كثير منهم حده، فقال الخطابي:"هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء".

ص: 72

قلت: فإن كان المعرف هو قوله: "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله"، والحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف، وإن كانت بقية الكلام من تمام الحد؛ فليس هذا الذي ذكره مسلما له: أن أكثر الحديث من قبيل الحسن، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.

دخل ابن كثير رحمه الله في موضوع طويل، وهو "موضوع الحسن"، وتكلم على عدد من النقاط نأخذها بسرعة:

أولها: قضية الاحتجاج بالحسن عند العلماء -رحمهم الله تعالى-، يعني إذا قيل: الحسن الذي هو الحسن لذاته -كما عرف في الاصطلاح فيما بعد هذا عند العلماء رحمهم الله تعالى- جزء منه، أو ملحق بالحديث الصحيح.

وقد مر بنا أن الحديث عند الأئمة المتقدمين -في غالب كلامهم - ينقسم إلى قسمين فقط: وهما الصحيح والضعيف.

فالحسن عندهم مندرج -يعني في أعلى مراحله العليا- مندرج تحت الصحيح؛ ولهذا فهناك أحاديث حتى في " صحيح البخاري "، وفي " صحيح مسلم " إذا طبقنا عليها التعريف الآتي للحديث الحسن؛ يمكن أن توصف بأنها حسنة.

فإذن هو في الاحتجاج به يعني كالصحيح، بل يقول الذهبي رحمه الله ، وغيره كذلك، يقولون:"إن الحسن هو في رتبة أنك إذا أخذت الحديث الصحيح، وجعلته على مراتب، لا تزال تنزل حتى تصل إلى أن بعض مراتبه هو الحديث الحسن".

هذه مسألة الاحتجاج، نعم: بعض ما يوصف بأنه حسن قد يكون في الاحتجاج باختلاف، يعني: وهو الذي في أدنى درجات الحسن، لكن هذه مسألة لها ذيول نتركها الآن.

المقصود: وهو " قضية الاحتجاج بالحديث الحسن" ذكر عن الجمهور: ولا ينسبون عن أحد معين أنه لا يحتج بالحديث الحسن، وإنما يذكرون كلمات لأبي حاتم وغيره، يقولون: إنه تشدد فيها؛ فربما وصف راويا بأن حديثه حسن، ثم يقال له: يحتج به؟ فلا يجيب بنعم؛ ففهموا بهذا أن أبا حاتم -مثلا- لا يحتج بأي شيء؟ بالحديث الحسن، وهذا عليه اعتراض.

ص: 73

المهم: أنه الكلام، أو الاحتجاج بالحديث -الحين يعني- هو قول جمهور العلماء، ولا يذكر عدم الاحتجاج عن -يعني- شخص معين، أو عن إمام معين، ويكون كلامه صريحا في رد الاحتجاج بالحديث الحسن، هذه نقطة.

النقطة الثانية: ابن كثير رحمه الله كأنه اعتذر، أو يعتذر مسبقا عن الإطالة في تعريف الحديث الحسن، وكثرة الاختلاف في تعريفه، بماذا اعتذر هو رحمه الله؟

اعتذر بأن الحديث الحسن: لما كان في رتبة بين الصحيح وبين الضعيف -يعني يتجاذبه من جهة- ما الذي جعله ينزل عن الصحيح؟ أن فيه شيئا من الضعف، ما الذي جعله لا يوصف بأنه ضعيف؟ أنه ارتقى عن درجة الضعيف.

فهو يقول رحمه الله: هذا الاعتذار قدمه -وهو قوله: وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظم لا في نفس الأمر- ابن كثير مُصِرٌّ على هذه النقطة: وهي أن هذه التقاسيم هي في نفس الأمر، يعني: تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام في نفس الأمر، أو في اجتهاد المجتهد.

وقد سبق لنا في أول كلامه: أن الحديث في نفس الأمر ينقسم إلى: كم قسما؟ إما ثابت أو غير ثابت.

فهو يقول: "لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظم -وليس في نفس الأمر-؛ عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة؛ وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحافظ، وربما تقصر عبارته عنه"، هذا سبب وجيه.

وقد كرره أو ذكره أيضا شيخه الذهبي، ويحتمل أن يكون ابن كثير رحمه الله أخذه من كلام شيخه الذهبي، ذكر هذا في "الموقظة".

وأن هذا، حتى هو قال رحمه الله الذهبي، يعني: لا تسطيع أن تجد تعريفا للحديث الحسن يدخل تحته جميع الأحاديث التي يوصف بها أنها حسنة، يقول لنا عن الذهبي.

فالمقصود: أن الحديث الحسن؛ يقدمون بهذا الكلام اعتذارا عن كثرة التعاريف للحديث الحسن، أو الاختلاف في تعريفه.

ص: 74

ويضم إلى هذا سبب -أيضا-: أن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف -كما عرفنا في درس الأمس، والذي قبله- أن هذا من الذي شهره، وأكثر منه؟ هو الإمام الترمذي.

أما قبل، فالتعبير بكلمة "حسن" هذا -يعني- ليس بالكثير؛ فهو إذن اصطلاح جديد -نوعا ما-.

هنا الآن: أول ما ذكر ابن كثير رحمه الله تبعا لابن الصلاح من التعاريف تعريف من؟ الخطابي، معروف عندنا الخطابي؛ صاحب أي كتاب؟ "معالم السنن"، و "أعلام السنن" وهو شرح فيه "صحيح البخاري"، وكتابه "معالم السنن" شرح فيه "سنن أبي داود".

أما الأول: شرح فيه بعض الأبواب، انتقى أبوابا من " صحيح البخاري رحمه الله"، ويعتبر هو من العلماء المبكرين في شرح كتب السنة، وكلامه محرر، ويتداول -ينقل غالبا-؛ لاختصاره، وغزارة فوائده.

عرف الحديث الحسن رحمه الله بهذا التعريف، واعترض عليه في اعتراضات: منها ما ذكره ابن كثير رحمه الله وأن هذا لا يفصل الحسن من الصحيح، لا يفصله من الصحيح؛ لأن الصحيح أيضا عرف مخرجه واشتهر رجاله.

ومن الاعتراضات ما ذكره ابن كثير: "أن قوله: يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء"، ليس مسلما له، ليس أكثر الأحاديث من قبيل الحسان.

يقول -هذا كلام ابن كثير رحمه الله: واعترض عليه -أيضا- كما نعرف، هنا نقطة مهمة في مسألة تعريف الحديث الحسن، الذي ألفه في المصطلح ابن الصلاح ومن بعده، تطلبوا تعريفات لجميع مصطلحات الحديث على طريقة أهل الحدود والتعريفات، من هم أهل الحدود والتعريفات؟

هم أهل المنطق، ويريدون بالتعريف: أن يكون جامعا مانعا، فإذا أرادوا أن يعرفوا مصطلحا ما؛ يريدوا أن يفصلوه عن غيره من المصطلحات؛ لئلا تتداخل المصطلحات؛ فهذا عسر عليهم العثور على تعاريف لبعض مصطلحات الحديث بسبب سأذكره فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.

ص: 75

فالمقصود: أن الاعتراض -الآن- أكثره على أن التعريف غير جامع، أو غير مانع، يعن: ليس على صناعة الحدود والتعريفات -هكذا يقولون-، ومنه هذا الاعتراض على الخطابي.

الآن سيذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- تعريفا آخر للحديث الحسن، الذي هو تعريف الترمذي.

تعريف الترمذي للحديث الحسن

قال ابن الصلاح: ورُوِّينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده ما يتهم بالكذب ، ولا يكون حديثا شاذا، ويروى من غير وجه، ونحو ذلك.

وهذا إذا كان قد روى الترمذي أنه قاله؛ ففي أي كتاب له قاله، وأين إسناده عنه؟ وإن كان فُهِمَ من اصطلاحه في كتابه "الجامع" فليس ذلك بصحيح؛ فإنه يقوله في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

هذا تعريف الترمذي رحمه الله، واعترض عليه ابن كثير، ليس على التعريف نفسه، إنما اعترض على أي شيء ابن كثير رحمه الله؟

على النقل عن الترمذي على نقل هذا التعريف، ويقولون: إن ابن كثير سها رحمه الله بهذا الاعتراض، لماذا سها؟ لأن هذا التعريف موجود في كتاب الترمذي "العلل الكبير"، وكتاب "العلل" للترمذي يسمى "العلل الصغير" موجود في آخر سننه.

وابن كثير قد سمع السنن وفيها هذا الكتاب فسها عنه، هذا سهو من ابن كثير -رحمه الله تعالى-، هكذا يقولون: بأن تعريف الترمذي للحديث الحسن موجود في آخر سنن الترمذي.

وبعضهم يقول: يحتمل -الله أعلم- ألا يكون ابن كثير قد سمع "العلل الصغير"؛ لأنه يوجد في بعض الروايات دون بعض، وهذا لعله الأقرب: أن لا يكون ابن كثير قد سمع كتاب "العلل الصغير" للترمذي الذي فيه هذا التعريف.

فإذن الخلاصة من هذا الكلام: أن هذا التعريف ثابت عن الترمذي أو غير ثابت؟ ثابت عن الترمذي، لا إشكال فيه، وهو قد قال هذا، ولمن يريد أن يطلع في آخر الجزء الأخير، يعني: في نهاية سنن الترمذي.

ص: 76

ونحن نعرف كتاب "شرح علل الترمذي"، لمن هذا الكتاب؟ لابن رجب، شرح به هذا الكتاب الصغير، والذي هو "العلل الصغير"، ويقولون له:"العلل الصغير"؛ لأن الترمذي له كتاب "العلل الكبير"، هذا مستقل، كتاب مستقل يسمى "العلل المفرد" -أيضا-، وهذا له موضوع، وهذا له موضوع.

"العلل الصغير": أكثره قواعد، وشرح مصطلحات، أما "العلل الكبير": فعبارة عن أسئلة وجهها إلى شيخه البخاري، يسأله عن أحاديث، وعن درجة أحاديث، أكمل -سيأتي التعليق على كلام الترمذي الآن-.

تعريفات أخرى للحسن

قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله، وقال بعض المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، ويصلح للعمل به.

هذا الكلام لابن الجوزي رحمه الله، ابن الجوزي عرف الحديث الحسن بهذا التعريف في كتابه "الموضوعات"، في مقدمة كتابه "الموضوعات".

وهو -أيضا- من التعاريف التي كثر عليها الاعتراض بأنهم يقولون: الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، يقولون: ما ضابط أقوى ما اعترض به على هذا التعريف؟

هو أنهم قالوا: ما حد الضعف القريب المحتمل؟ حتى يقولوا: هذا أيضا ليس على صناعة الحدود والتعريفات؛ بأنه لم يذكر ضابط الضعف الذي ينزل به عن الصحيح يسمى الحسن، ولا يصل إلى الضعيف.

هذا الاعتراض الذي اعترض على ابن الجوزي -رحمه الله تعالى-، انظروا: الآن أريد منكم أن تقارنوا، يعن: ابن كثير في أول كلامه ماذا قال؟

قال: "وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر -لا في نفس الأمر-؛ عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة؛ وذلك لأنه أمر نسبي، شيء ينقدح عند الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه".

قارنوه بكلام ابن الجوزي: "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن".

ص: 77

إذا قارنت كلام ابن كثير رحمه الله بكلام ابن الجوزي؛ تصل إلى نتيجة: وهي أن تعريف ابن الجوزي -رغم ما اعترض به عليه؛ حتى كثير من الباحثين بدءوا يميلون إليه- هو أسهل التعريفات بالنسبة إلى الحديث الحسن لذاته.

هو أسهل التعريفات، وأقربها تصورا، ولكن لا أطيل بشرح هذا، المقصود: أنه الاعتراض الذي اعترض به عليه، ماذا يقولون؟ يقولون ما هو الضعف القريب المحتمل؟

ابن كثير -في كلامه هنا- جعل هذا الضعف راجعا إلى من؟ إلى من تقدير الضعف المحتمل في كلامه؟ إلى نقد الناقد، فهذا أمر انضبط إذن، وسيأتي معنا أن -حتى التعريف- الذين اعترضوا على ابن الجوزي، واختاروا تعريفا -أيضا- فيه شيء لا ينضبط؛ إلا أن يعيد الضبط إلى من؟ إلى نقد الناقد.

فكلام ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- قريب أن نقول في تعريف الحسن لذاته: هو الحديث الذي تطرق إليه ضعف أنزله عن درجة الحديث الصحيح، ولم يصل به إلى درجة الحديث الضعيف، وتقدير ذلك مرده إلى من؟ إلى نقد الناقد.

هذا الذي يظهر لي -والله أعلم-، وشرح هذا: ربما آتي إلى بعضه، نعم، اقرأ.

أقسام الحديث الحسن

ثم قال الشيخ: "وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، وقد أنعمت النظر -في ذلك- والبحث؛ فتنقح لي، واتضح لي، أن الحديث الحسن قسمان:

أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور، لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله، أو نحوه من وجه آخر.

فيخرج بذلك عن كونه شاذا أو منكرا، ثم قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل، قلت: لا يمكن تنزيله؛ لما ذكرناه عنه، والله أعلم.

ص: 78

والقسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا؛ وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي، قال: والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما ".

نعم، خلاصة كلام ابن الصلاح رحمه الله ونختم به درس اليوم: هو أنه يقول: نظرت في تعاريف الأحاديث الحسنة السابقة؛ فتلخص لي أن بعض الأئمة عرف نوعا من الحسن، وبعض الأئمة عرف نوعا آخر.

فإذا جئنا إلى الخطابي، وكذلك -أيضا- يلتحق به ابن الجوزي؛ نجده عرف نوعا من الحسن: وهو الذي حسنه؛ أتى من نفس الإسناد، يعني: لم يأت حسنه من أي شيء؟ من إسناد آخر، أو من عاضد له.

ثم ابن الصلاح أراد أن يحرر هذا على طريقة التعاريف والحدود؛ فقال: "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا ".

لم يذكر هنا اتصال الإسناد، لكنه ذكره في أي مكان سابقا؟ اشترطه في الحديث الصحيح، وهو مراد هنا؛ إذن أنت -الآن- قارن تعريفه للحديث الصحيح بهذا، ما الذي تغير في تعريف الحديث الصحيح؟

هو -فقط- درجة الراوي في الضبط وليس في العدالة؛ فإذن هو يقول: إن راوي الحديث الحسن نزل قليلا من جهة الضبط عن راوي الحديث الصحيح، ولم ينزل إلى أن يعد ما ينفرد به منكرا ضعيفا.

فهذا كلام ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- نزل به، أو جعله أحد القسمين للحديث الحسن، ونزل عليه كلام الخطابي.

وهذا القسم -كما نعرف- لما جاء ابن حجر إليه -يعني- ما غير فيه شيئا -تقريبا- سوى أنه أضاف كلمة "الحديث الحسن لذاته"، ومعنى لذاته: أن حسنه من نفس الإسناد، يعني: الرواة عدول، في ضبطهم قصور يسير عن راوي الحديث الصحيح متصل الإسناد غير شاذ ولا معلل؛ فهذا هو الحديث الحسن.

ص: 79

والناس -عملوا- بعد ابن الصلاح ساروا على هذا التعريف، وهو تعريف لا إشكال فيه، ولكن أنبه إلى شيء: وهو اشترط في الحديث الصحيح ألا يكون شاذا، وألا يكون معللا.

بس ننبه هنا إلى اشتراط هذا في الحديث الحسن، وأنه -انتبهوا لهذه النقطة- ما الذي جعل الراوي ينزل ضبطه عن درجة الضابط المتقن، يعني: أن يكون في ضبطه قصور؟ ما الذي جعلهم يحكمون عليه بهذا؟

نحن نعرف أن من أهم وسائل العلماء في اختبار الرواة هو النظر في أحاديثهم، يأتون إلى حديث الراوي فينظرون في حديثه ، ويقارنون حديثه بحديث من؟ أقرانه.

مثلا: يأتون إلى نافع، نافع روى عنه جمع كثير من الرواة ، فينظرون الذين يتفقون في روايتهم عن نافع، إذا اتفقوا؛ عرفوا أن هذا ضابط، وهذا ضابط.

لأن رواية هذا لم تخالف رواية الجماعة، ورواية هذا لم تخالف رواية نافع، يجدون بعض الرواة عن نافع يأتي بأحاديث ينفرد بها فكثر منه هذا، أو يأتي بأحاديث يرفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم والجماعة يقفونها على ابن عمر.

فربما تكلموا في حفظه من هذه الجهة؛ فينزلونه عن درجة الصحيح، فإذا كثر منه ذلك؛ أنزلوه إلى درجة الضعيف، وربما إذا اشتد هذا؛ ربما كذبوه.

وكل هؤلاء الجماعة -الآن- يروون عن من؟ عن نافع؛ ولهذا جعل بعض العلماء: قسَّم -مثلا- ابن المديني، وقسَّم النسائي أصحاب نافع إلى طبقات، ربما أوصلوهم إلى ثماني طبقات، من أين أخذوا هذا؟

عملهم هو "المقارنة" هو الذي يسميه "الاستقراء"، وهو عمل جبار، يعني: هو عمل عظيم جدا.

إذن ننتبه إلى هذه النقطة: وهي أن كثيرا من الأحاديث التي توصف بأنها حسنة، لِمَ وصفت بأنها حسنة؟ لأن راويها خف ضبطه، لِمَ خف ضبطه؟ لِمَ حكم عليه بأن ضبطه خفيف؟ لأنه يخالف أقرانه.

ص: 80

فإذن النقطة التي رد عليها في الحديث الحسن: هو أنه يكثر فيه الشذوذ، ويكثر فيه العلل، وهذا كثير ممن ادعي فيه أنه حديث حسن أن التحقيق: إذا طبقت عليه الشرطين الأخيرين؛ ستجد أن فيه شذوذا، وأن فيه عللا.

ومع الأسف الشديد، هذا من الأمور التي -يعني- أضعفت التصحيح والتضعيف في عصر متأخر، وفي عصرنا الحاضر بالذات: هو إغفال الشرطين الأخيرين.

أمور أخرى: لكن من أهمها إغفال الشرطين الأخيرين، وبالذات في تحسين الأحاديث، هو يقول لك: حسن من أجل فلان، يعني: من أجل فلان؛ أن درجته نزلت عن درجة الضابط المتقن، ولكن لم يواصل، لم ينظر في الشذوذ والعلل.

وكثير من أحاديث هؤلاء يتطرق إليها الشذوذ، أو تتطرق إليها العلل؛ إذن هذا هو الحديث الحسن لذاته؟ نعم: هذا هو، وهناك أمور أخرى، لكن ما أطيل.

يبقى النوع الثاني، أو القسم الثاني: وهو الذي نزل عليه ابن الصلاح كلام الترمذي الذي هو: "قال ابن الصلاح: الحديث الذي لا يخلو إنزال إسناده من مستور، لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب".

المغفل كثير الخطأ: ماذا وجدوا درجة حديثه؟ ضعيف أو ضعيف جدا؟ ضعيف جدا، هذا الذي يسميه العلماء "المتروك".

يقول ابن الصلاح رحمه الله: "إذا كان راوي الحديث ضعيفا جدا بسبب غفلته -وإن كان صالحا في نفسه-، أو بسبب اتهامه بالكذب؛ فإن هذا لا يرتقي إلى الحسن، وإنما ذكر الذي يرتقي إلى الحسن هو المستور، الذي لم تتحقق أهليته، ويكون متن الحديث قد روي مثله، أو نحوه من وجه آخر".

إذن من أين أتى الحسن؟ من نفس الإسناد أو من خارجه؟ من خارجه؛ فلهذا ابن حجر رحمه الله أضاف كلمة لغيره، ووافق ابن الصلاح على هذا التعريف.

ص: 81

ولكنه زاد -أيضا- فقال: "ليس الأمر خاصا بالإسناد الذي فيه راوٍ مستور، وإنما هذا يشمل المنقطع، ويشمل المدلس، ويشمل رواية المختلط إذا روى عنه راوٍ بعد الاختلاط، ويشمل جميع أنواع الحديث الضعيف؛ إذا لم يصل الضعف إلى أن يكون ضعفه شديدا".

فإذن مثل هذا الضعف يكون، والناس تابعوا ابن حجر رحمه الله، وكلامه قريب، يعني: ليس ببعيد، يعني: ليس شرطا أن يكون فيه راوٍ مستور، يعني: ليس شرطا أن يكون سبب ضعفه أن فيه راويا مستورا، قد يكون رواته ثقات، ولكنه مرسل.

ثم جاءنا إسناد آخر مثله مرسل -أيضا-، أو مسند آخر فيه ضعف يسير، أي: فيه ضعف، فهذا: ذكر الشافعي -رحمه الله تعالى- من شروطه في قبول المرسل ذكر مثل هذا، وأنه يتقوى ويحتج به.

فإذن هذا النوع الثاني، أو القسم الثاني من الحسن: وهو الذي سماه ابن حجر رحمه الله الحسن لغيره، انتبهوا -الآن يا إخواني- لكي تحكم على الحديث بأنه حسن لغيره؛ ما الذي يلزمك من المقدمات؟

الذي يلزمك من المقدمات -انتبهوا نقطة مهمة جدا- ما الذي يلزمك؟ أولا: أن يكون الإسناد الأول ضعيفا، ولكن ضعفه ليس شديدا، هذا أمر مهم، الأمر الثاني: أن يكون الإسناد الثاني -أيضا الذي تريد أن تعرف به أيضا- إما صحيحا، وإما حسنا، وإما ضعيفا، ولكن ضعفه ليس شديدا،

والشرط المهم -أيضا-: ألا يكون شاذا، ولا معللا، أو منكرا، إذا قلنا -مثلا قبل قليل-: إن راوي الحديث الحسن الذي هو الصدوق، أو من نزل عن درجة الضابط، لِمَ نزل عن درجة الضابط؟ لمخالفته أقرانه.

إذن الراوي الضعيف هذا: لِمَ ضُعِّفََ؟ لكثرة مخالفته لأقرانه؛ إذن انتبهوا يا إخواني هذه النقطة مهمة: وهي أن أحاديث الضعفاء إذا قيل: إن الثقة قد يكون حديثه شاذا، أو معلولا، والصدوق قد يكون حديثه شاذا، أو معلولا.

ص: 82

فإن الضعيف من باب أولى أن يكون حديثه: قد يكثر في حديثه النكارة، ويكثر في حديثه الشذوذ؛ إذن نحن نسلم بأن الحديث قد يعترض بالطرق، لا إشكال في هذا، وأنه قد يرتفع من الضعف إلى الحسن، وهذا لا إشكال فيه.

ولكن الإشكال دائما من أحد أمرين: إما من تقرير القاعدة، لا يكون صوابا، وهذا عظيم، أمر خطير؛ لأنه أنت -الآن- تريد أن تذهب -مثلا- إلى بلد معين، لو تأخذ غير الطريق يمكن تصل أو لا تصل، خطؤك من أين ابتدأ؟ من أول خطوة.

إذن إذا قررت قاعدة غير صحيحة؛ أبعدت جدا، لكن إذا قررت القاعدة الصحيحة؛ ربما يأتيك الخلل وأنت في الطريق، فمثله: الحديث الحسن -هذا- لغيره، كثر فيه الخلل ليس من جهة القاعدة، القاعدة لا اعتراض عليها.

أنت -الآن- لو يخبرك مخبر بخبر، ثم يأتيك خبر آخر، وثان، وثالث، كلما جاءك الخبر؛ ازددت تصديقا، بل الحديث الصحيح يتقوى -كما مر قبل قليل- حتى يصل إلى درجة المقطوع به.

الاعتضاد: هذا أمر مهم عند العلماء -رحمهم الله تعالى-، بل علم السنة، ونقل السنة قائم على الاعتضاد، ولكن الخلل يأتي -دائما- في تطبيق تلك القاعدة التي هي:"قاعدة الحسن لغيره".

ولهذا؛ كثر الخلل في الحديث الحسن لأمور كثيرة، لا أطيل فيها، مثلا -يعني- كثير من الباحثين يقول: نحن نعترض على تطبيق هذه القاعدة من جهة أن الحديث أحيانا يكون ضعفه شديدا، ليس فيه أن راويه متهم بالكذب، ولكن أن راويه خالف -مثلا- عشرة من الثقات، في هذا ضعف قليل أو شديد؟ شديد، شذوذ هذا.

حتى إن مثل هذا قد يحكم عليه بالوضع؛ ومع هذا يأتي بعض الباحثين ويقول: هذا راوٍ ضعيف، ثم يأتي بمثله، ويجمعهما، ويجعلهما حديثا حسنا؛ ولهذا كثر الخلل -جدا- في تطبيق هذه، وكثر تحسين الأئمة السابقين على أي شيء؟

هذا -يعني- من مداخل الخلل في نقل السنة: هو في تطبيق هذه القواعد، وإن كان تقريرها في الأصل صحيحا.

ص: 83

هذا -يعني- ما عندنا في درس اليوم، أطلت فيه، معذرة؛ لأن هذا -كما ذكرت- لا بد من التنبيه على أمر مهم -انتبهوا يا إخواني-، قد أشرت إليه من قبل، وهو هنا موضعه.

بعض ما نأخذه من تعاريف ومصطلحات عبارة عن مصطلح فقط، ماذا يراد بالمرسل؟ ماذا يراد بالمعضل؟ ماذا يراد بكذا؟ هذا أمره خفيف.

لكن إذا كان المصطلح يتضمن عملا في دراسة الأسانيد، وفي الحكم على الأحاديث؛ فهذا يحتاج إلى تدقيق، وإلى تنبيه، فأحيانا أطيل في مثل هذه المواضع، مثل: تعريف الحديث الحسن -الآن- لغيره يدخل في التطبيق أو ما يدخل؟ يدخل في التطبيق بل هو الطريق إليه، وكذلك الحديث الحسن لذاته، ولهذا لزم التنبيه على مثل هذا.

س: يقول السائل: متى يجوز الاستدلال بالأحاديث الضعيفة؟

ج: كلمة "استدلال" أشرت إليها -بالأمس- أنها أمر واسع، إن كنت تريد بالاستدلال الذي هو ابتداء حكم؛ فهذا لا يقوله أحد، إنك تبتديء حكما، وتقره، وتستدل بحديث ضعيف.

وإن قصد بالاستدلال: الاستئناس، والاعتضاد؛ فهذا ربما بعض العلماء -يعني- يستأنس بالأحاديث التي فيها ضعف، ويعني يضم الاستدلال بها إلى أدلة أخرى، كقول صحابي أو عليه العمل.

لهذا؛ يكثر الترمذي رحمه الله بعد تضعيفه بعض الأحاديث أن يقول: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، إشارة إلى أنه وإن ضعف إلا أن العمل عليه، يعني يصلح للاستدلال.

فكلمة "استدلال" هذه -يعني- شأنها واسع، لكن إنشاء حكم -يعني- تقول: هذا الأمر مستحب بحديث ضعيف؛ فهذا هو الذي يعترض عليه.

س: السؤال الثاني: يقول: فضيلة الشيخ، ما هي المآخذ على "المنظومة البيقونية" وهل تنصحون بحفظها؟

ج: والله أنا ما قرأت "البيقونية" -يعني- إلا عرضا هكذا، ربما تقع في يدي، ونظم العلوم كما هو معروف -يعنى: هذا اتجاه- اتجه بعض الأئمة، اتجهوا إلى نظم العلوم، لكن نظم العلوم سهَّل العلوم أو عقَّدها؟

ص: 84

نظم العلوم في نظري ربما -ولا أدري هل أُوافَق على هذا، على أنه مثل ما نقول- جففها، يعني: جعلها جافة، وجعلها تعمد اختيار اللفظ، والابتعاد عن المعاني، واحتيجت هذه المنظومات إلى شروح.

وربما -مثلا- نقول -دائما-: إن السخاوي رحمه الله، كتابه:"فتح المغيث" أجاد فيه جدا، ويعتبر من المراجع المهمة، لكنه -أحيانا- ينشغل بتحليل عبارات من؟ عبارات العراقي.

فلو كان ابتدأ على التأليف ابتداء، وأنشأه إنشاء؛ لربما كان أبعد عن التعقيد، وأقرب إلى فهم القاريء، بالنسبة لي لا أحب هذه المنظومات، لا أميل إلى مثل هذه المنظومات.

لكنها هي تذكرة؛ من يريد أن يحفظها، ويجد في نفسه همة، ولا تشغله -أيضا- عما هو أهم، وهذا أمر مهم، أيضا الجانب الآخر الذي هو الاشتغال بها عما هو أهم، أنا أميل أن يقرأ الشخص بفهم ووعي، ويعني الحفظ وحده غير كاف، ولاسيما المنظوم، والله أعلم.

س: السؤال الثالث يقول: فضيلة الشيخ، هل رواية سماك عن عكرمة فيها ضعف؟

ج: نعم فيها ضعف، ضعيفة، رواية سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس، المقصود: هذه الرواية ضعيفة؛ لأنه يضطرب فيها سماك رحمه الله.

ومعروف عند العلماء أن الراوي الواحد ربما يكون ضيعفا في جهة، قويا في جهة أخرى، بل يكون في جهة من أعلى درجات الصحيح، وفي جهة يكون ضعيفا، فالعلماء رحمهم الله ضعفوا هذا الإسناد.

ولهذا البخاري أخرج عن عكرمة، ومسلم أخرج عن سماك، ولكن لم يخرج واحد منهما، أو يقول العلماء: إن رواية سماك عن عكرمة ليست على شرط واحد منهما، وهي مضطربة -أيضا-، ما معنى كونها مضطربة؟

وهذا مما جعل الشيء الذي ذكرته لكم -قبل قليل- الذي جعل مثل سماك ينزل عن درجة

، سماك تارة يرويه عن عكرمة عن ابن عباس، وتارة يرويه عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يروي بعضها عن عكرمة من قوله.

ص: 85

الحديث الواحد -يعني- يرويه على عدة أوجه، وربما لقن، ربما أحاديث عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيقول له بعض الرواة:"عن ابن عباس عن النبي"؛ فيقول: عن ابن عباس، يسمونه "التلقين"، فالمقصود بهذا أن سماك في هذا الإسناد بخصوصه نزل إلى درجة الضعف.

س: تكملة السؤال يقول: هل حديث ابن عباس t تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم يعتبر شاذا؟ لأن ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غير محرم"؟

ج: هذا: نعم -يعتبر، عده- حتى بعض كبار التابعين نقدوا ابن عباس، نعرف أن النقد متى ابتدأ؟ النقد متى ابتدأ -نقد السنة-؟

معروف أنه ابتدأ في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، فهناك بعض أحاديث يرويها بعض الصحابة، وناقش بعضهم بعضا فيها -كما نعرف-، من أكثر الصحابة مناقشة للصحابة، من هو؟

هي عائشة -رضوان الله عليها- أكثرت -يعني- من نقد المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وسعيد بن المسيب يقول: وهم ابن عباس في هذه الرواية، إنما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو حلال.

ومنهم من بحث عن مخرج بأنه يقول: إن مقصوده "وهو محرم" يعني: وهو في الحرم، ولكنه ليس محرما بمعنى الإحرام، يعني ليس عقدا، وهو حلال.

لكنه

أظنهم قالوا: في الحرم، أو في

، أظنهم قالوا: هكذا، لكن هذا بعيد -والله أعلم-؛ فأكثر العلماء على أن في هذه شذوذا، وكلمة شذوذ -هذه- ربما تكون -يعني- قاسية.

معروف التأدب في أشياء فعلها الصحابة -رضوان الله عليهم-، وفعلها من بعدهم، أو وقعت ممن بعدهم، ويتأدب في التعبير عما وقع من بعض الصحابة.

س: السؤال يقول: هل رأي من يقول: "إن حديث الآحاد لا يستدل به في العقائد إلا بقرائن" صحيح؟ وإذا كان كذلك يا فضيلة الشيخ؛ هل رواية البخاري للآحاد تقبل بقرينة: "تلقي الأمة له بالقبول"؟

ص: 86

ج: مسألة: "الاحتجاج بأحاديث الآحاد في العقائد" هذه مسألة خارجة عن أهل الحديث -بحمد لله تعالى-، ما يقول أحد منهم من أهل الأحاديث الأوائل المتقدمين.

إذا قيل: "أهل الحديث" يقصد به نقاد الحديث، وجماعة أهل الحديث مثل: يحيى بن سعيد القطان، وابن مهدي ، والإمام أحمد، والبخاري، ومسلم.

وهؤلاء ما يذكر عن أحد منهم أنه قال: إن أحاديث الآحاد لا يحتج بها في العقائد، وبالأمس كنا نتباحث في هذا الموضوع مع الدكتور سعد الشثري فيقول: إنني في بحث لي أثبت، أو جمعت استدلالات جميع الفرق، حتى من يقول: بأنه لا يستدل بأحاديث الآحاد في العقائد، جمعت لهم استدلالات استدلوا بأحاديث آحاد في العقائد.

فإذن؛ بعض الكلام أكثره يكون نظريا، وفي الجملة: هذه المسألة خارجة عن أهل الحديث؛ فإذن لا نحتاج إلى قضية احتفاف بالقرائن، فيحتج بأحاديث الآحاد.

ونحن -دائما- نقول: العقائد -دائما- نحن متعبدون بغلبة الظن، والعقائد من جملة ما نحن متعبدون به، نعم العلماء -رحمهم الله تعالى- فرقوا بين -مثلا- فضائل الأعمال، وبين الترغيب والترهيب، والمناقب والفضائل.

فرقوا بينها، وبين الأحكام والعقائد، لا يتسامح في العقائد، ولا يتسامح في أحاديث الأحكام، ولكن إذا صح الحديث تساوى في العقائد.

وأنتم تدركون: ربما الأمر يسير في العقيدة، وفي الأحكام أمر عظيم، قد يكون به إزهاق نفس، أيهما أعظم -إذن-؟ أيهما أعظم؟ ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله:"هذا التفريق ليس بصحيح، التفريق بين أصول الدين وفروع الدين؛ جعل الأحكام العملية فروع الدين، وجعل ما في العقائد أصول دين".

لأن بعض ما يدخل في العقائد إنما هو أمور -يعني- ربما يكون بحثها من فضول الكلام، وفيما يسمى بفروع الدين -أمور الدين أمور عظيمة جليلة- ربما يكون فيها -يعني- مثل: ترك الصلاة -يعني أمور عظيمة-، وكلها يدرجونها تحت ماذا؟ تحت الفروع، وهذا يكون تقسيما لا أساس له.

ص: 87

س: السؤال الأخير يقول: فضيلة الشيخ، هل في "المسند" حديث لأبي بكر القطيعي كما في "فضائل الصحابة"، علما بأني قرأت للكتاني هذا المعنى؟

ج: هذه المسألة مشهورة، هل القطيعي زاد، معروف أن "مسند الإمام أحمد" من يرويه عن أحمد؟ ابنه عبد الله، ويرويه عن عبد الله من؟ أبو بكر القطيعي.

عبد الله: لا إشكال أنه زاد على "المسند" أحاديث عرفت بزيادات عبد الله، وبعضها تلحق بالمستخرجات التي مرت بنا على طريقة الاستخراج.

ولكن جرى الاختلاف في زيادات أبي بكر القطيعي: هل زاد شيئا أو لا؟ يظهر -والله أعلم- حسب المسند الموجود -الآن- أنه لم يزد شيئا، يعني: على المسند، يظهر -والله أعلم- أنه لم يزد شيئا.

لكن احتمال يكون في بعض نسخ قديمة أو شيء؛ لأن "المسند" تختلف نسخه، ورُبَّ أحاديث عزيت إلى المسند لا توجد -الآن- في "مسند الإمام أحمد" الموجود في أيدي الناس اليوم، لكن الموجود -الآن- يظهر -والله أعلم- ليس فيه زيادات.

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

سنكمل اليوم -إن شاء الله تعالى- مبحث: الحديث الحسن، وندخل -أيضا- في النوع الثالث: في الحديث الضعيف، وما بعده من الأنواع.

وأخذنا بالأمس قضية: اختيار ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- الذي نقله ابن كثير في تقسيم "الحديث الحسن" إلى قسمين:

القسم الأول: ما كان حسنه من نفس الإسناد.

والقسم الثاني: ما كان حسنه بعارض من خارج الإسناد.

وسيتكلم -الآن- ابن الصلاح -حسبما نقله ابن كثير- على بعض الأمور المتعلقة بالحديث الحسن.

يقرأ القارئ: وأولها من قوله: قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة، إلخ

الحسن الذي كان أصله ضعيفا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:

ص: 88

قال -رحمه الله تعالى-: " قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث: "الأذنان من الرأس" أن يكون حسنا.

لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني: لا يؤثر كونه تابعا أو متبوعا، كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة: كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روى الحديث مرسلا؛ فإن المتابعة تنفع حينئذ، ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة، والله أعلم".

يقول ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- بهذا الكلام عقب الذي نقله ابن كثير، أو اختصره ابن كثير عقب ابن الصلاح على القسم الأول الذي ذكره، وهو الحسن الذي كان أصله ضعيفا ثم اعتضد.

يقول ابن الصلاح رحمه الله: "إننا إذا قلنا: إن الضعيف يعتضد إلى الحسن، فليس كل ضعف صالح للاعتضاد"، ومثل للضعف الذي لا يصلح للاعتضاد برواية الكذابين والمتروكين.

الكذاب متروك الحديث، ولكن يريد ابن الصلاح -بهذا- بالمتروكين لما عطفها على الكذابين -يريد بهم يعني- أن يكون متروك الحديث، ولو لم يكن كذابا، يعني: في منزلة الكذاب، أو ملحقا بالكذاب، من جهة قبول روايته، أو ردها.

وهؤلاء جماعة من الرواة وصلت بهم الحال في الضعف -بالتغفيل، ومخالفة الثقات، ورواية المناكير- إلى أن يلحقوا بالمتهمين بالكذب من جهة الرواية، وإن كانوا في أنفسهم لا يتهمون بالكذب، وإنما ما يأتي منهم: إنما يأتي من غلط، وغفلة، وسوء حفظ.

هذا هو القسم الذي ذكره، ولا يصلح للمتابعة، ومثل لهم ابن الصلاح بحديث، كثرت طرقه، ولا يصلح، أو لم يعتضد بكثرة الطرق، وهو الحديث المعروف:" الأذنان من الرأس ".

هذا الحديث يرى ابن الصلاح فيه -رحمه الله تعالى، بعد أن درس طرقه- أنه لا يرتفع عن الضعف، وهذا كلام ابن الصلاح رحمه الله اعترض عليه، اعترض عليه بأي شيء؟

ص: 89

اعترض عليه بأن هذا المثال أو هذا الحديث له طرق، منهم من يقول: إنه يكون بها حسنا، ومنهم من يقول: إنه قد صح -أيضا- ولكنْ هنا نقطتان في الاعتراض، ننتبه لهما:

أولا: يظهر -والله أعلم- أن الأقرب ما قاله ابن الصلاح في طرق هذا الحديث: "إنه لا يرتفع، أو لا يعتضد بكثرة الطرق"، إنه ضعيف.

الأمر الآخر: أمر مهم -يا إخوان- بالنسبة للتمثيل أوالمثال، الآن من الذي حكم بأن ضعفه لا يزول بكثرة الطرق، ولا يبلغ مرتبة الحسن؟ هو ابن الصلاح.

اعترضوا عليه، التمثيل به -إذن- على رأي من؟ على رأي ابن الصلاح، ونحن عرفنا -منذ الدروس- علم الحديث إنما هو مبني على الاجتهاد والقرائن.

فإذن؛ المثال صحيح؛ لأنك إنما تمثل بمثال بحسب اجتهادك، هذا نسميه الأمثلة التي هي عرضة للاجتهاد، أو التمثيل بها مبني على اجتهاد المجتهد، سيأتي معنا أمثلة لا تخضع للاجتهاد، كما إذا قلنا -مثلا-: المرسل هو ما سقط منه الصحابي.

إذن ما الذي يلزمك للتمثيل للمرسل؟ أن تأتي بحديث سقط منه الصحابي، يرويه -مثلا- سعيد بن المسيب، أوغيره، إذن هذا المثال لا يخضع للاجتهاد، ما يمكن نجتهد.

ونقول -مثلا-: ما يمكن أبدا، ما يدخله الاجتهاد؛ لأن هذا مثال وجودي يعني: سقط منه الصحابي، وكذلك كثير من الأنواع التي ستأتي معنا: هي أمثلة، وأنواع أمثلتها لا تخضع للاجتهاد.

أما مثل الحديث الحسن، وسيأتي معنا الشاذ، وسيأتي معنا المضطرب والمعلل، وأمثلة مثل هذه الأنواع تخضع لاجتهاد المجتهد.

فإذن؛ هذا المثال صحيح، لا يصح الاعتراض، وهم أنفسهم أتوا ببعض الأمثلة مثل حديث: ? من حفظ على أمتي أربعين حديثا ? نقول: نعم، هذا المثال صالح للتمثيل؛ لأنه لا ينقطع.

لكن قد يأتي شخص ويجتهد، ويجتهد، ويبحث في الطرق، ثم يقول: بلغت عندي، أو ارتفع عني الضعف، إذن مهما أتيت بمثال قد يخالفك فيه مخالف؛ لأنه خضع للاجتهاد.

ص: 90

فعلى هذا؛ الأمثلة التي تخضع للاجتهاد: الاعتراض عليها -يعني- غير مناسب، بأنه مهما أتيت بمثال، فيحتمل ألا يمثل، أو معنى هذا: ألا يمثل بشيء أبدا.

فالتمثيل بهذا المثال إذن صحيح من جهتين، من جهة أن الراجح فيه أن ضعفه لا يزول، ومن جهة أن التمثيل بمثل هذا، أو أن بلوغه رتبة الحسن: إنما هو أمر اجتهادي.

وابن الصلاح رحمه الله اجتهد، ومثل، أو مثلوا له -أيضا- بحديث: ? طلب العلم فريضة على كل مسلم ? وهذا -أيضا- اعترض عليه.

اعترض عليه العراقي، كما قلت: هذا لا يصح الاعتراض أيضا من جهتين: من جهة أن هذا لا يبلغ رتبة الحسن، ومن جهة أنه مثال يخضع للاجتهاد.

مثل ابن الصلاح رحمه الله، وابن كثير بالمتابع الذي يزول ضعفه بالاعتراض، قال:"إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روى الحديث مرسلا".

وبالنسبة للأمر السابق الذي -هو- لا يصح للاعتراض: ذكرت لكم -بالأمس- أن القضية -عندنا، أحيانا- تأتي من الخلل في التطبيق.

نحن قررنا، أو قرر الأئمة رحمهم الله أن الضعيف قد يعتضد ويرتقي، ولكن الخلل كثيرا ما يأتي في تطبيق هذه النظرية، وربما تعزى لطرق رواتها -مثلا- متروكون.

وأهم من ذلك الذي يأتي منه الخلل كثيرا: أن يكون الراوي -مثلا- الآن ذكر هو أنه من المتابع الذي يرتفع إلى سيء الحفظ، أو أن الحديث روي مرسلا.

سيأتي معنا قضية الشذوذ، أو مر معنا في الحديث الصحيح: ماذا يشترط في الشرطين الأخيرين للحديث الصحيح؟ ألا يكون -طيب- سيء الحفظ، هذا لو روى حديثا خالفه فيه عشرة من الثقات؛ إذن حديثه -الآن- يصلح للاعتضاد، أو لا يصلح للاعتضاد؟ لا يصلح للاعتضاد أبدا.

إذن قولهم: "حديث سيء الحفظ يصلح للاعتضاد" هذا ليس على إطلاقه، كل شيء اشترطه في الحديث الصحيح؛ فاشتراطه في الحديث الحسن من باب أولى، وكذلك في الحسن لغيره من باب أولى.

ص: 91

وهذه القضية أشرت إليها بلفظ

، وهي مدخل لكثرة الضعف، مثلا حديث:"الأذنان من الرأس" له طرق بعضها قوية، ولكن قوتها إذا أخذتها لوحدها، فإذا ضممتها إلى أحاديث أخرى؛ يتبين أن ضعفها شديد، وأنها لا تزول بالمتابعة.

إذن؛ التمثيل بالمتابع -الذي لا يصلح للمتابعة- برواية الكذابين والمتروكين: هذا هو الأصل، ما فيه إشكال، ولكن سيء الحفظ -أيضا، بل الثقة - لو تبين أن روايته شاذة جدا؛ فإنها لا تصلح لأي شيء؟ لا تصلح للاعتضاد والمتابعة.

قال هو رحمه الله في نهاية كلامه: "فإن المتابعة تنفع حينئذ، ويرفع حديث الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة"، إيش تعلقون هنا؟

ابن كثير رحمه الله اختصر كلام ابن الصلاح اختصارا فيه شيء، يفهم من هذا الكلام أن ابن الصلاح رحمه الله يذهب إلى أن الحديث الضعيف قد يعتضد ويعتضد ويعتضد، ثم يرتفع إلى الحسن، وقد يعتضد زيادة، ثم يرتفع إلى أي شيء؟ إلى الصحة.

وهذا ابن الصلاح رحمه الله ما قال هذا، ونبه إلى أن قوله:"أو الصحة" هذا اختصار، اختصر ابن كثير رحمه الله كلام ابن الصلاح.

وابن الصلاح ذكر أن "الحديث الحسن لذاته" الذي هو القسم الثاني، أن الحديث الحسن الذي سمي فيما بعد بالحسن لذاته، وهو القسم الثاني من أقسام الحسن، قد يعتضد، ويرتفع بهذا الاعتضاد إلى الصحيح.

ومثل لذلك بحديث راوٍ مشهور: "محمد بن عمرو بن علقمة" هذا أحد أصحاب أبي سلمة بن عبد الرحمن، ولكن العلماء ضعفوه، يعني: تكلموا فيه كثيرا من قبل حفظه؛ فهو صغير رحمه الله.

فمثَّل ابن الصلاح بحديث له، جاء من طريق آخر: عن الأعرج، عن أبي هريرة، حديث: ? لولا أن أشق على أمتي ? فقال: إن حديث محمد بن عمرو -بهذه المتابعة- ارتفع من أي شيء؟ من أي أنواع الحسن؟ من النوع الثاني: الذي هو الحسن لذاته.

ص: 92

فهذا اختصار أدى إلى

، وهو الآن ينقل عن ابن الصلاح، أما لو كان يختصر من عند نفسه، يعني: ينسب الكلام لنفسه؛ لكنا نقول: إنه رأي له، وإن الضعيف قد يتقوى بجمع الطرق، يعني: بكثرة الطرق إلى الحسن، ثم يتقوى، أو قد يتقوى -أيضا- إلى الصحة.

فهذا: ما دام ينقله عن ابن الصلاح؛ ننبه إلى أن ابن الصلاح رحمه الله يعني: إذا رجعت إلى كلامه؛ لا تجد أن الضعيف يرتفع إلى الصحيح، وإنما فيه: أن الحسن لذاته قد يرتفع إلى الصحيح. نعم.

الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن

قال: وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه بذكره، ويوجد في كلام غيره من المشايخ: كأحمد، والبخاري، وكذا من بعده: كالدارقطني.

هذا الكلام صحيح لأن الترمذي رحمه الله أكثر جدا من وصف الأحاديث بالحسن وقال ابن الصلاح يوجد في كلام غيره من مشايخه كأحمد والبخاري وكذا من بعده كالدارقطني وهذا كله مرسلا لكن ننبه إلى قضيتين:

القضية الأولى: ما مر أن الحسن عند الأئمة قبل الترمذي لم يتمخض أو لم ينفصل كثيرا عن الصحيح ربما أطلقه الشافعي وغيره على أحاديث الذروة أو في الدرجة العليا من الصحة، فإذا لم يتمخض أو لم ينفصل.

الأمر الثاني: ننتبه إلى نقطة أيضا مهمة، وهي أن كلمة حسن عند الأولين تأتي في كلام كثير جدا لا يراد بها درجة الحديث، إذا قيل أحاديث حسان، إذا قيل مثلا مؤلف الأحاديث الغرائب والحسان، فهذا يريدون به كثير جدا لا يريدون به درجة الحديث، وإنما يطلقون الحسن على الغريب، يعني: وصف للإسناد بأنه فرد أو بأنه غريب، ويقول الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى-:"يعنون بالحسن الغريب".

ص: 93

وأطلقوا على الغريب أوصافا عديدة: ومنها الغريب، ومنها الفرد، ومنها الحسن، فننتبه لهذه النقطة؛ لأن كثيرا من الباحثين يأتي راوٍ قال فيه إمام مثلا:"أحاديثه حِسان" -فيبدأ فيمشي على أحاديث هذا الراوي، ويصفها بأي شيء؟ ينزل كلام الأولين على؟ مصطلحنا، أو مصطلح الذين جاءوا بعدهم، وهذه ينتبه لها:"قضية المصطلحات وتطورها".

نعرف أن الأولين -وهذا في كل فن- قد يطلقون الكلمة، ويريدون بها عددا من المعاني، والذي يميز ما هو؟ هو سياق كلامهم، فيأتي المتأخر في أي فن من الفنون، ويبدأ ينزل كلامه، ويختار من هذه المصطلحات أو من هذه المعاني، يختار واحدا للكلمة وينسى ما عداه.

نحن الآن عندنا -كل الطلبة- إذا أطلق "الحديث الحسن" ماذا يراد به؟

الدرجة بلا إشكال، فينسى المصطلح السابق، ويسمونه "إماتة المصطلح"، ولكن ينسى في كلامنا، لكن في كلام الأولين لا يصح أن ينسى، مثلما يقولون: ما في أثر رجعي في المصطلحات. يعني: إذا اخترنا نحن كلمة، ومثلا اخترنا استعمالا واحدا من استعمالات الأئمة -ما يصح لنا أن نلغي في نصوصهم باقي ما أطلقوا هذه الكلمة عليه، وهذا أمر واسع، كنت خصصت له بعض الدروس في مناسبة سابقة، أمر مهم جدا، هذا بالنسبة لطالب العلم الذي يقرأ في كتب السابقين.

أمر مهم في غاية الأهمية بالنسبة لطالب العلم، نحن نعم نأخذ مصطلحات ونقررها، نقول الحسن: هو ما كان كذا. بالنسبة للدرجة، لكن نضم إلى ذلك تقرير أن الأولين -رحمهم الله تعالى- كان عندهم شيء من التيسير في استخدام المصطلحات، فربما استخدموا الكلمة في عدد

ومن أهم الأمور: روية الحسن هذا، استخدموه كثيرا في

مثل: قيل لشعبة رحمه الله: لم تركت فلانا، وأحاديثه حِسان؟ قال:"من حسنها فررت! ".

ص: 94

وكثيرا هذا يطلقونه، ويقول أبو زرعة عن راو رحمه الله:"ربما وُجِس في القلب منه لحسن حديثه! ". يعني: ربما وجس في القلب أنه ضعيف، أو أن فيه شيئا. من أي شيء وجس في القلب؟ من حسن الحديث. هذه كلمات يطلقونها ويريدون بها

لا يريدون بها درجة؟ درجة الحديث.

الأمر الآخر: قول ابن كثير رحمه الله: "كأحمد والبخاري" بعد قوله: "ويوجد في كلام غيره من السابقين". هذا أيضا من الاختصار، الذي ربما أدى إلى خلل في العبارة؛ لأن أحمد رحمه الله ليس من شيوخ من؟

ليس من شيوخ الترمذي، فعبارة ابن الصلاح:"والطبقة الذين قبلهم". "ويوجد في كلام غيره من مشايخه، والطبقة الذين قبلهم". ثم مثل بأحمد والبخاري، فلما حذف ابن كثير رحمه الله "والطبقة الذين قبلهم"، صار أحمد الآن من ضمن مشايخ البخاري، وهذا أحيانا المختصر أحيانا ربما يؤدي به الاختصار إلى خلط، يعني: لا تترابط العبارة، أو يوجد فيها خلل، وهذا أمر يسير بالنسبة لباقي الكتاب. نعم ياشيخ.

أبو داود من مظان الحديث الحسن

قال -ومن مظانه في سنن أبي داود، رُوِّينا عنه أنه قال:- "ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهم شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض". قال: "وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه". قلت: ويروى عنه أنه قال: "ما سكت عنه فهو حسن".

قال ابن الصلاح: "فما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس فيه واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد -فهو حسن عند أبي داود". قلت: الرواية عن أبي داود في كتابه "السنن" كثيرة جدا، ويوجد في بعضها من الكلام، بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجَرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه، وقوله:"وما سكت عليه فهو حسن" وما سكت عليه في سننه فقط أو مطلقا، هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له.

ص: 95

نعم، هذا المقطع يتعلق بسنن أبي داود رحمه الله، وأنه من مظان الحديث الحسن، يعني: يكثر فيه وجود الحديث الحسن، وهذا الكلام لا إشكال فيه، والكلام المنقول عن أبي داود رحمه الله قوله:"ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه".

هذا ورد في رسالة صغيرة تعرف بـ"رسالة أبي داود إلى أهل مكة في وصف سننه"، سألوه عن السنن فأرسل لهم رسالة صغيرة، طبعت في بعض الطبعات في مقدمة السنن، أو في مقدمة بعض الشروح، وطبعت مفردة أيضا، وهي رسالة صغيرة في عدد يسير من الصفحات، وفيها كلام كثير من ضمنه ما نقله ابن الصلاح، لكن قول ابن كثير:"قلت: ويروى عنه أنه قال: "وما سكت عنه فهو حسن"" بس تعلقون عليها أن هذه الرواية -يعني ابن كثير رحمه الله عبر عنها بصيغة التمريض، وقد اصطلح العلماء رحمهم الله واستقر الاصطلاح على أن ما يعبر عنه بصيغة التمريض، يدل على أي شيء هذا؟

يدل على ضعفه، وهذا هو يعني بهذا اللفظ:"وما سكت عنه فهو حسن". هذا ما تصح هذه اللفظة، يعني يقولون: إنها يعني ما تصح، إنما الثابت عنه أو الصحيح، أنه قال:"وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح". ولهذا أطالوا في تفسير كلمة "صالح" ماذا يريد بها؟

المهم أن ابن الصلاح

النقطة الثانية معنا، أو الثالثة معنا: يقول ابن الصلاح: "وما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا، وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد -فهو حسن عند أبي داود". لم قال ابن الصلاح هذا رحمه الله؟

بناء على قول أبي داود: "وما لم أذكر فيه شيئا -فهو؟ - فهو صالح". وضم أنت إلى ذلك، أن ابن الصلاح فيما مضى، يرى إغلاق باب الاجتهاد في التصحيح أو فتحه؟

إغلاقه؛ فلهذا يعني لجأ إلى أن كل ما سكت عنه أبو داود فهو؟ فهو حسن، اعتمادا على كلمة أبى داود، وأيضا اتباعا لمنهجه السابق: أنه أغلق باب الاجتهاد.

في المقطع الأخير من الكلام الذي قرأه القارئ، ابن كثير يعترض على رأي ابن الصلاح رحمه الله، اعترض عليه بشيئين:

ص: 96

الشيء الأول -الأول ليس اعتراضا وإنما هو تنبيه، يعني شبه اعتراض-: بأنه يقول رحمه الله: "إن أبا داود ألف سننه، وصار يرويها في فترات متقطعة ومتباعدة". يعني: ليست متقطعة وإنما متباعدة، ويضيف ويحذف ويوجد، وبعض تلاميذه سجل بعض آرائه على نسخته التي رواها، وبعضهم لم يسجل، فجاء اختلاف في روايات سنن أبي داود، حتى اختلاف في عدد الأحاديث، واختلاف ليس باليسير، ويوجد في بعض الروايات كلام لا يوجد في الروايات الأخرى.

فإذن ملخص كلام ابن كثير هنا: أنه قد تقف على رواية ليس فيها كلام، فتحكم بأنه حسن، وقد يكون أبو داود تكلم على هذا الحديث، في أي مكان؟ في رواية؟ في رواية أخرى، فإذن يعني كأن ابن كثير رحمه الله يحث القارئ على تتبع أكبر قدر ممكن من روايات سنن أبي داود.

الاعتراض الثاني: قال ابن كثير رحمه الله: "إن أبا داود له كلام، يوجد له كلام خارج السنن". ومن أهم ذلك: الأسئلة المعروفة بـ"أسئلة الآجرّي لأبي داود" وهى مطبوعة، وفيها كلام لأبي داود على بعض الأحاديث، وعلى بعض النسخ، وعلى بعض الرواة بالتضعيف، فإذن يقول ابن كثير: هل المراد ما سكت عنه في سننه فقط؟ أو ما سكت عنه جملة؟ يقول هذا يعني: ما مرادك يا ابن الصلاح؟ هل مرادك أن ما سكت عليه في سننه، أو ما سكت عنه؟

يظهر أن ابن الصلاح يريد ما سكت عنه في أي مكان؟ في السنن، فابن كثير رحمه الله كأنه يقول: لا يصح هذا؛ لأن أبا داود قد يضعف أحاديث سكت عنها في سننه، قد يضعفها في أي مكان؟ في مكان آخر، مثل: أسئلة الآجري، وهذا اعتراض صحيح.

ص: 97

وبقي اعتراض ما ذكره ابن كثير، نحب أن نشير إليه: وهو أننا دائما الشروط، أو الأشياء التي يذكرها المؤلفون في مقدمات كتبهم، ننتبه لها، إذا قال الإمام: شرطي كذا، أو سأفعل كذا، أو فعلت كذا. هذه الأمور إجمالية، ولكن تطبيقها على ما في كتاب الإمام، أو كتاب المؤلف، إذا عارضها ما هو أقوى منها فإنها لا يؤخذ بها. مثلا كلمة ابن حجر -رحمه الله تعالى-:"أن ما سكت عنه في الفتح فهو صالح، إما صحيح أو حسن".

هذه لو أخذناها، يعني ما يصح تطبيقها على كل أحد، فإنما هذا بالإجمال، والباحث أو الإمام إذا اشترط شرطا، أو قيد قيدا ووفّى به بنسبة كبيرة -يعتبر يعني مجيدا، أما أن يوفي به بدرجة كاملة، فهذا يعني لا يطمع فيه أحد، فمثل هذه العبارات التي تذكر في المقدمات، وحتى مثلا الآن تلاحظون في المناقشات "مناقشات الرسائل"، أن المناقش يقول للباحث: قلتَ سأفعل كذا وكذا وكذا، وسأفعل كذا وكذا وكذا، ثم يطبق ما ذكره على ما في داخل الرسالة، إن وجد الخلل كبيرا، ربما يؤدي هذا إلى رد الرسالة، وإن وجد الخلل

يعني قد يفوته أشياء لا تنطبق على ما ذكره في الشرط -فيتسامح فيه.

فالخلاصة أن التطبيق

يعني مثلا: لو وجدنا حديثا سكت عنه أبو داود، وفيه راوٍ متروك، الآن نقدم الحكم على هذا، من خلال هذا الراوي، أو من خلال كلمة أبي داود:"ما سكت عنه فهو صالح"؟

من خلال الراوي بلا إشكال؛ لأن هذه القاعدة عندنا: أن راوي المتروك مثلا، حديثه باطل أو كذا، أقوى عندنا من كلمة أبي داود:"وما سكت عنه فهو صالح".

إذن هذا ننبه عليه، وليس خاصا بأبي داود. نعم يا شيخ.

كتاب المصابيح للبغوي

قال: "وما يذكره البغوي في كتابه "المصابيح": من أن الصحيح ما أخرجاه أو أحدهما، وأن الحسن ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما -هو اصطلاح خاص لا يعرف إلا له، وقد أنكر عليه النووي ذلك؛ لما في بعضها من الأحاديث المنكرة".

ص: 98

نعم، البغوي رحمه الله لما ألف كتابه "مصابيح السنة"، يعني اصطلح اصطلاحا: وهو أنه ما في الصحيحين يعقبه بأنه صحيح، وما في السنن يعقبه بأنه؟ بأنه حسن. فقال العلماء رحمهم الله: "هذا الاصطلاح ليس جارٍ على القواعد، نحن سلمنا بأن ما في الصحيحين صحيح، لكن الاعتراض على

أو تنبيه القارئ على ما يعقب به على أحاديث السنن.

والسبب في هذا: هو أن السنن ليس كل ما فيها فهو؟ فهو حسن، لأن أصحابها لم يدعوا ذلك، قد كررت هذه الكلمة: أن تلزم إماما، أو مؤلفا بأنه يرى كذا أو كذا، وهو لم يلتزمه -فهذا أمر عظيم.

وإذن هذا التنبيه إذا قرأت في "مصابيح السنن"، وفي مصابيح البغوي، نعم "مصابيح السنن"، فمعنى قوله "حسن"، ليس حكما منه على الحديث، وإنما هو يريد به: أنه في السنن، أو في بعضها، ولا سيما بعض ما ينفرد به ابن ماجة، أو كثير جدا مما ينفرد به ابن ماجة مثلا، ابن ماجة انفرد بأكثر من ألف وخمسمائة حديث، وكثير منها شديد الضعف، حتى قال المذي رحمه الله:"إن كل حديث ينفرد به ابن ماجة، فهو ضعيف".

وتكلموا على هذه الكلمة، يعني منهم من يقول: أراد الغالب. وهي كلمة دقيقة، ليست بعيدة عن الصواب، يعني فيها دقة كبيرة "ما ينفرد به ابن ماجة، فهو يكثر فيه الضعف"، وكذلك ما ينفرد به الترمذي، فكلمة البغوي هذه إذن، يعني تنبه إلى اصطلاحه الخاص به. نعم يا شيخ.

صحة الإسناد لا يلزم منه صحة الحديث

قال: "والحكم بالصحة أوالحسن على إسناده، لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن؛ إذ قد يكون شاذا أو معللا".

نعم، ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- نبه إلى التفريق بين أن يقول العالم: هذا الحديث حسن الإسناد، أو صحيح الإسناد، وبين أن يقول العالم أو الباحث: هذا الحديث صحيح.

ص: 99

وابن الصلاح في تنبيهه -يعني- يريد أن يقول: إن من شروط الحديث الحسن، أو الحديث الصحيح، ما يلزم للبحث فيه والتأكد منه: أن تبحث في طرق الحديث الأخرى وفي مثلا أصول أخرى في الشرع، مثل أن يكون الحديث معارضا للقرآن، أو يكون معارضا لسنة أخرى، أو يكون معارضا لأمر تاريخي، أو يكون معارضا للحس، أو بعض الأمور التي لم يبحث فيها الباحث، أو يكون معللا، أو يكون شاذا، يعني: فيه نكارة.

فالمقصود أن الحكم، أو البحث في درجة الحديث، أحيانا يقوم الباحث بالإسناد الذي أمامه فقط، بأن يبحث في الرواة، وفي عدالتهم، وفي ضبطهم، وفي اتصال الإسناد، ثم يحكم. ما الذي بقي الآن؟

أمران مهمان جدا، عليهما مدار التصحيح والتضعيف، وهما: الشذوذ والعلل، ويدخل في الشذوذ والعلل أمور كثيرة ستأتي معنا، أيضا هذا من أبواب الخلل التي كثرت مع الأسف الشديد؛ لأنهم يقولون: إن العالم قد يلجأ إلى هذا، إذا كان مستعجلا، أو يعني لأمر ما. لكن الغالب الآن في البحوث وفي التخريجات، الحكم على أي شيء؟

على الإسناد المفرد، فتجد كتبا كثيرة محققة، أو منشورة، أو بحوثا، يقول: إسناده حسن، إسناده قوي، إسناده على شرط الشيخين، إسناده كذا

وهذه الأسانيد كثير منها -لا أقول قليل- كثير جدا جدا ما تكون مصحوبة بعلل، أو أنها شاذة، يعني: منكرة، فهذا يتنبه له كثيرا، هذا التنبيه أمر مهم، ويعني يضاف إليه قضية التضعيف.

أضاف إليه بعض العلماء قضية التضعيف، وهو أن الإمام قد يقول:"إن هذا الإسناد ضعيف". وسألني عنه أحد الإخوان بالأمس، إن هذا الإسناد قد يكون ضعيفا، ولكن لا يلزم من ذلك ضعف؟

ص: 100

ضعف الحديث، بل قد يكون الإسناد موضوعا، كما نعرف، كما سيأتي معنا في القلب -إن شاء الله تعالى-، في بعض

أن بعض الوضاعين يأتي إلى حديث مشهور من حديث صحابي، ثم يرويه هو من حديث صحابي آخر، أو من حديث راوٍ آخر، فيكون هذا الإسناد موضوعا والمتن صحيح؛ ولهذا يعني أكثر ما يحتاج إليه في كلام الأولين

كلام الأولين غالبا ما يتكلم على السؤال الذي وُجه إليه، على الإسناد الذي وجه إليه، فيقول: هذا حديث باطل. ومراده؟ بهذا الإسناد، وربما قال:"باطل بهذا الإسناد". لكن قد يقول: هذا حديث باطل. ويريد به بهذا الإسناد.

فهذا الكلام يعني لا بد منه، ويفيدك في شيء ما، وهو أن علم السنة، أو علم التصحيح والتضعيف مبني على أمور كثيرة جدا، تبدأ من النظر في الرواة، وتنتهي في الشذوذ والعلل، ومتى يكتمل الحكم على الحديث؟ إذا أكملت النظر فيها، أو أكملت البحث فيها. نعم ياشيخ.

قول الترمذي حسن صحيح

قال: "وأما قول الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح". فمُشكل؛ لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمتعذر، فمنهم من قال ذلك باعتباره إسنادين: حسن وصحيح".

قلت: "وهذا يرد أنه يقول في بعض الأحاديث: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".

ومنهم من يقول: "هو حسن باعتبار المتن، صحيح باعتبار الإسناد".

وفي هذا نظر أيضا، فإنه يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم، وفي الحدود والقصاص ونحو ذلك.

والذي يظهر لي، أنه يشرب الحكم بالصحة على الحديث كما يشرب الحَسن بالصحة، فعلى هذا يكون ما يقول فيه:"حسن صحيح"، أعلى رتبة عنده من الحسن ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة أقوى؛ لحكمه عليه بالصحة من الحسن، والله أعلم".

ص: 101

نعم، هذا المقطع يتعلق بقول الترمذي رحمه الله:"حسن صحيح". وكذلك يوجد هذا التعبير في كلام مَن قبل الترمذي أيضا، مثل: يعقوب بن شيبة، ومثل: ابن المديني، وأيضا مَن بعد الترمذي، لكن الترمذي هو الذي أكثر من استخدام هذه الكلمة، والإشكال الوارد عليها بالنسبة لمن قبل الترمذي، ليس فيه أشكال، لماذا؟ مَن الذي منكم يبين؟ لماذا ما فيه إشكال؟

لأنهم لم يفصلوا الحسن عن الصحيح، أكثر ما جاء الإشكال من الترمذي؛ لأن الترمذي رحمه الله هو الذي عرّف الحسن، قال: أريد به كذا وكذا، ففصله عن

أو كأن في كلامه فصل له عن الصحيح، فلما قال في الأحاديث:"حسن وصحيح"، أشْكَلَ؛ لأن الصحيح رتبة، والحسن رتبة أخرى.

فالعلماء رحمهم الله تبرعوا، وأطالوا في الجواب عن مراد الترمذي، أو كلام الترمذي رحمه الله، وذكر ابن كثير ثلاثة توجيهات:

التوجيه الأول: أنهم يقولون: "لعله يريد أن هذا الحديث له إسنادان: واحد حسن، والآخر صحيح".

واعترض عليه ابن كثير بقوله: "هذا لا يحسن؛ لأنه يقول: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".

وهذا الاعتراض صحيح، ويعترض عليه أيضا بأمر آخر، وهو أنه هناك يعني أحاديث لها ثلاثة طرق، وأربعة طرق، فهذا الوصف لأي الطرق؟ مثلا هم يقولون: إنه باعتبار إسنادين. طيب المروي بثلاثة، والمروي بأربعة، وأيضا يعني يبعد جدا جدا؛ لأن الترمذي أكثر من هذه الكلمة، يمكن أكثر من ألف وخمسمائة أو أكثر، يبعد أن يكون كل واحد منها مرويا بإسنادين، وكل واحد منها: واحد منهما حسن، وواحد منهما؟ وواحد منهما صحيح.

ص: 102

بالنسبة للمشهور الآن في كتب المصطلح، كتب المصطلح المؤلفة في العصر الحاضر، اختارت هذا مع ضعفه، وأجابوا عن كلام ابن كثير بأن قوله:"هذا حديث حسن صحيح غريب"

اختارته لماذا؟ لأننا نعرف أن ابن حجر رحمه الله هو الذي لخص التعاريف ونظمها وقننها، وفصل بعضها عن بعض، ومس أكثر من التمثيل لها، فالمتأخرون اعتمدوا كلام مَن في الغالب؟ كلام ابن حجر.

ومن هاهنا ابن حجر رحمه الله بعد أن بين ضعف هذا الوجه، أو هذا الاختيار، قال:"ومع ذلك فأنا أرتضيه".

أجاب عن كلام ابن كثير هذا الذي قال فيه: "هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". يقول: "إذا لم يكن للحديث إلا إسناد واحد" فماذا يريد الترمذي إذن؟

هو يقول: إذا كان له أكثر من إسناد، يريد أنه حسن بإسناد، وصحيح بإسناد، لكن إذا لم يكن له إلا إسناد، ماذا يقول ابن حجر؟ يقول: "يريد الترمذي أن يبين، أن العلماء اختلفوا في هذا الإسناد: فمنهم من صححه، وهذا أضعف من الذي قبله، أضعف من تأويل ما له إسنادان، هذا بعيد جدا، أن الترمذي يريد أن يحكي خلاف العلماء؛ فعند هذا يحتاج إلى أي شيء؟

إلى نص مختوم من الترمذي، لايكفي نص، وإنما نص مختوم من الترمذي أنه يريد هذا، هذا أمر ليس باليسير، ولا سيما أنه يقول هذا، في أحاديث يعني صحيحة جدا، وليس لها إلا إسناد أو أحاديث صحيحة ليس لها إلا إسناد واحد، لم يختلف فيها.

نحن نعرف حديث: ? إنما الأعمال بالنيات ? ليس له إلا إسناد واحد، ولم يُختلف في صحته، بل إجماع على صحته، ومع هذا فالترمذي وصفه بأنه:"حديث حسن صحيح"، إذن هذا الوجه الأول الذي ذكره ابن كثير فيه بعد، والله أعلم.

ذكر ابن كثير أن مراده بالحسن: "لعله الحسن الظاهر". يعني: حسن اللفظ "الحسن اللغوي"، الذي نسميه الحسن اللغوي، ورده ابن كثير، قال: لأنه يقول هذا في أشياء، أو في أحاديث -يعني- لا يستحسنها القارئ، أو تُخوف أو كذا: في الحدود، وفي القصاص، وفي صفة جهنم.

ص: 103

وإن كان لا يظهر أن مراد من قال: "الحسن اللغوي"، أنه يريد رغبة القارئ في اللفظ، وإنما يريد جمال التعبير ونحو ذلك، وعلى كل فهذا أيضا، هذا التوجيه بعيد؛ لأن فيه خلطا بين مصطلح

بين الكلمة اللغوية، أو المصطلح اللغوي، وبين مصطلح حديثي، الذي هو بين الحكم، بين وصف المتن بالحسن اللغوي، ووصف الإسناد، أو الحكم على الحديث، مع أن الكلمة تدل -إذا قال:"حديث حسن صحيح"- يدل على أنه يريد الدرجة، أو يريد المتن؟ يريد الدرجة، ظاهر هذا -والله أعلم-، لكن العلماء يفترضون افتراضات.

ومن الافتراضات: الثالث الذي ذكره ابن كثير، مع أنه ما أحد قبله، اجتهاد في مثل هذا، يعني ابن كثير يقول: لنفرض مثلا أن

لعل الترمذي أراد أن "حسن صحيح"، أن فيه من الحسن، وفيه من الصحة، فهو ليس بصحيح وليس بحسن "منزلة بين المنزلتين"، ووصفه أو شبَّهه بعضهم بـ"المُز"، المز هو: بين الحامض وبين الحلو. وهذا أيضا بعيد -والله أعلم-، يقولون:"هذا يؤدي إلى أن أكثر الأحاديث التي وصفها بذلك، تنزل عن درجة الصحيح، وهذا بعيد". وأيضا مثل هذا الكلام-يا إخوان- يحتاج إلى نص.

مما لم يذكره ابن كثير من التوجيهات: توجيه ابن دقيق العيد، والذهبي، هو أنهم يقولون:"لم لا نلغي الفصل بين الصحة والحُسن؟ فنقول -يقولون هكذا هم-: "إن الوصف بالحسن

أن الحَسن درجة أقل من الصحيح، فإذن كل صحيح، فهو متضمن -لأي شيء؟ - فهو حسن".

"لا يمنع أن تندرج الرتبة الدنيا في الرتبة العليا". وهذا يقوله الذهبي-رحمه الله: "هذا يدل عليه كلام الأولين". من هم الأولين؟ الذين قبل الترمذي، فإنه يقول -معنى كلامه-: ربما وصفوا الأحاديث الصحيحة بأنها حسنة. هذا يساعده يقول: "وليُلتزم هذا".

ص: 104

يعني: يلتزم أن كل حديث صحيح فهو؟ فهو حسن، هذا الكلام لا بأس به، لكن يُشكل عليه بس فقط -يعني في نظري- أمر واحد: وهو أنه الترمذي أحيانا يقول: "حديث صحيح" فقط، ونحن قلنا: إن الصحة متضمنة للحسن. إذن لم وصفه؟

هذا إما أن يقال -والله أعلم-: إنه من باب التفنن. يعني: مرة يصفه بأنه صحيح فقط، ومرة يصفه بأنه؟ بأنه حسن صحيح. ولابن رجب رحمه الله جواب عن هذا؛ لأنه اختار رأيا

المهم لا نطيل بهذا، له رأي أيضا يعني قريب من الرأي الذي ذكرته الآن عن ابن دقيق العيد والذهبي، وأطال فيه وشرحه، ولكن ما نطيل به، يكفي هذا؛ لأنه يعني

أذكر لكم إشكالا على كلام الترمذي، نحن الآن نجتهد، والعلماء اجتهدوا في

أوصلها بعضهم إلى اثني عشرة توجيها لكلام الترمذي، لكن نعرف نحن أن ضبط كلمة الترمذي، أنه قال:"هذا الحديث حسن صحيح"، أو قال:"صحيح" فقط، أو قال:"حسن" فقط، أمر يسير، أو عسير؟

ليس بالسهل؛ بسبب اختلاف نسخ الترمذي في التعبير عن هذه الكلمة، فهذه كلمة أشغلت الناس، ويعني ليست بهذه الدرجة، يعني لا يتوقف كبير الشيء عليها؛ لأن الترمذي رحمه الله

نحن نعرف أننا إذا أردنا أن نصحح أو نحسن، نكتفي بكلام إمام، أو ننظر في كلام غيره؟

بلا إشكال ننظر في كلام غيره، وننظر في الرواة، وفي -يعني- كلام الترمذي نفسه، في نقله عن البخاري، وأمور أخرى، فإذن لا يشْكل هذا في نظري، والله أعلم- أن كل ما ذكر قد يكون عليه اعتراض، في الجواب عن الجمع بين الكلمتين، ويعني: هذا الذي يكون، وإنما ما ينبغي للطالب أن يتوقف الكثير عندها؛ لا تشكل شيئا هي بالنسبة لنقد السنة، ولا إشكال فيها بالنسبة لهذا العلم، الذي هو علم التصحيح والتضعيف، مع أنها أخذت حيزا كبيرا في كتب المصطلح، ربما أطال بعضهم في ذكر توجيهاتها. نعم يا شيخ، النوع الثالث.

ص: 105