المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث - شرح اختصار علوم الحديث - اللاحم

[إبراهيم اللاحم]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌ترتيب ابن الصلاح لأنواع الحديث

- ‌تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

- ‌النوع الأول: الصحيح

- ‌النوع الثاني: الحديث الحسن

- ‌النوع الثالث:الحديث الضعيف

- ‌ النوع الرابع: "المسند

- ‌النوع الخامس: المتصل

- ‌النوع السادس: المرفوع

- ‌النوع السابع: الموقوف

- ‌النوع الثامن: المقطوع

- ‌النوع التاسع: المرسل

- ‌النوع العاشر: المنقطع

- ‌النوع الحادي عشر: المعضل

- ‌النوع الثاني عشر: المدلس

- ‌النوع الثالث عشر: الشاذ

- ‌النوع الرابع عشر: المنكر

- ‌النوع الخامس عشر: في الاعتبارات والمتابعات والشواهد

- ‌النوع السادس عشر: في الأفراد

- ‌النوع السابع عشر: في زياد الثقة

- ‌النوع الثامن عشر: معرفة المعلل من الحديث

- ‌النوع التاسع عشر: المضطرب

- ‌النوع العشرون: معرفة المدرج

- ‌النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع المختلق المصنوع

- ‌النوع الثاني والعشرون: المقلوب

- ‌النوع الثالث والعشرون: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل

- ‌النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

- ‌النوع الخامس والعشرون: كتابة الحديث وضبطه وتقيده

- ‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

- ‌النوع السابع والعشرون: آداب المحدث

- ‌النوع الثامن والعشرون: آداب طالب الحديث

- ‌النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

- ‌النوع الثلاثون: معرفة المشهور

- ‌النوع الحادي والثلاثون: معرفة الغريب والعزيز

- ‌النوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب ألفاظ الحديث

- ‌النوع الثالث والثلاثون: معرفة المسلسل

- ‌النوع الرابع والثلاثون: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

- ‌النوع الخامس والثلاثون: معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا

- ‌النوع السادس والثلاثون: معرفة مختلف الحديث

- ‌النوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد

- ‌النوع الثامن والثلاثون: معرفة الخفي في المراسيل

- ‌النوع التاسع والثلاثون: معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

- ‌النوع المُوفّي أربعين: معرفة التابعين

- ‌النوع الحادي والأربعون: معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر

- ‌النوع الثاني والأربعون: معرفة المُدَبَّج

- ‌النوع الثالث والأربعون: معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

- ‌النوع الرابع والأربعون: معرفة رواية الآباء عن الأبناء

- ‌النوع الخامس والأربعون: رواية الأبناء عن الآباء

- ‌النوع السادس والأربعون: معرفة رواية السابق واللاحق

- ‌النوع السابع والأربعون: معرفة من لم يروِ عنه إلا راوٍ واحد

- ‌النوع الثامن والأربعون: معرفة من له أسماء متعددة

- ‌النوع التاسع والأربعون: معرفة الأسماء المفردة والكُنَى

- ‌النوع الخمسون: معرفة الأسماء والكُنَى

- ‌النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية

- ‌النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب

- ‌النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب

- ‌النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

- ‌النوع الخامس والخمسون: الأسماء المتشابهة في الرسم

- ‌النوع السادس والخمسون: معرفة المتشابهين في الاسم واسم الأب والنسبة

- ‌النوع السابع والخمسون: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

- ‌النوع الثامن والخمسون: في النسَب التي على خلاف ظاهرها

- ‌النوع التاسع والخمسون: في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء

- ‌النوع الموفي الستين: معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم

- ‌النوع الحادي والستون: معرفة الثقات والضعفاء من الرواة وغيرهم

- ‌النوع الثاني والستون: معرفة من اختلط في آخر عمره

- ‌النوع الثالث والستون: معرفة الطبقات

- ‌النوع الرابع والستون: معرفة الموالي من الرواة والعلماء

- ‌النوع الخامس والستون: معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

- ‌ أسئلة

الفصل: ‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

‌النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث

اشتراط الرواية من حفظ الراوي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال -رحمه الله تعالى-

النوع السادس والعشرون: صفة رواية الحديث: قال ابن الصلاح: شدد قوم في الرواية، فاشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره، وحكاه عن مالك وأبي حنيفة وأبي بكر الصيدلاني المروزي الشافعي، واكتفى آخرون وهم الجمهور بثبوت سماع الراوي لذلك الذي يُسْمَع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتفسير.

وتساهل آخرون في الرواية من نُسخٍ لم تقابل بمجرد قول الطالب: هذا من روايته من غير تثبيت، ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعة. قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين.

فرع: قال الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي إذا كان مثبتا بخط غيره، أو قوله فيه خلاف بين الناس، ومن العلماء من منع الرواية عنهم ومنهم من أجازها.

فرع آخر: إذا روى كتابا كالبخاري -مثلا- عن شيخه، ثم وجد نسخة في يديه ليست مقابَلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها اتفق الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو ناصر بن الصباغ الفقيه، وحكى عن أيوب ومحمد بن بكر البرثاني أنهما رخصا في ذلك.

قلت: وإلى هذا أجنح -والله أعلم- وقد توسط الشيخ تقي الدين بن الصلاح، فقال: إن كانت له من شيخه إجازة جازت روايته والحالة هذه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

في النوع السادس والعشرين تكلم ابن كثير -رحمه الله تعالى- على قضايا تتعلق برواية الحديث، وأكثر ما ذكره وسيذكره تتعلق بالرواية أي: رواية النسخ أو رواية الكتب الثابتة المعروفة، مثل: رواية صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن البيهقي.

ص: 316

ابتدأ هذه الأمور التي ذكرها في صفة رواية الحديث أن بعض الأئمة -رحمهم الله تعالى- اشترطوا -ومنهم الإمام مالك منسوب إليه- أن يكون الراوي يحفظ حديثه، فإن لم يكن يحفظ حديثه لم يجز له أن يرويه وإن كان من كتابه، لا بد أن يحفظ الحديث، ولا يصح له أن يرويه وإن كان معه كتاب فيه أحاديثه.

وعللوا ذلك حتى قال بعضهم: أخشى أن يكون غُيِّر فيه وهو لا يعلم. شددوا في ذلك من باب المحافظة على الرواية، ولكن جمهور العلماء -رحمهم الله تعالى- على أن الراوي إذا كان ضابطا لكتابه، حافظا له من التغير والتبديل فإنه يصح له أن يروي منه، وإن كان غير حافظ لما فيه. الحفظ عندهم حفظان: حفظ صدر، وحفظ كتاب.

وهذه القضية الأولى هذه موجودة بكثرة في عصر الرواية: أن يكون الراوي حفظه في شيء فيه نقص في الغالب، منهم من يحفظون لكن يكون في حفظهم شيء، فيكون الاعتماد على ما في كتبهم كما مر بنا بالأمس.

فهذه القضية الأولى هذه بلا شك لها صلة بالرواة في عصر الرواية، نجد هذا في كتب الجرح والتعديل مثل ذلك، ذكروا أن يونس بن يزيد أحد كبار أصحاب الزهري، يقولون: إن وكيعا لقيه فذاكره، فما رأيته يقيم ثلاثة أحاديث أو نحو هذه العبارة، ووصفه بسوء الحفظ، والأمر كما قال وكيع -رحمه الله تعالى-: في حفظه شيء يونس بن يزيد وهو من كبار أصحاب الزهري، السبب في ذلك أن الاعتماد على كتابه في الرواية، حتى أن من كبار تلامذته ابن المبارك يقول: كتابه أصح يقرر ذلك، ومع هذا فهو من كبار أصحاب الزهري -رحمه الله تعالى-، ويقولون: إنه في حفظه شيء.

فالمقصود أن الأمر الأول هذا له صلة بالنقد في عصر الرواية وما بعده، سيذكره أو أكثره في السماع بعد عصر الرواية

في سماع الكتب مثل ما ذكره -نعم- قبل هذا في الفرع في الأمر السابق.

ص: 317

يقول: "وتساهل آخرون في الرواية من نُسخ لم تقابل" قبل هذا قوله: "واكتفى آخرون وهم الجمهور بثبوت سماع الراوي لذلك الذي يُسْمَع عليه وإن كان بخط غيره وإن غابت عنه النسخة إن كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغير".

الأوزاعي -رحمه الله تعالى- هذا بلا شك قول الجمهور: أنه يكفي أن يروي، يعني: ولو من نسخةِ غيره. هذه فيها كلام للعلماء -رحمه الله تعالى- إذا كان له سماع وأمِن من سلامتها من التغيير والتبديل.

وبعض العلماء يشدد في ذلك، الأوزاعي رحمه الله فقد كتابه من يحيى بن أبي كبير فقال له بعض تلامذته: النسخة موجودة عند فلان أو كذا، فأبى -رحمه الله تعالى- وقال: نحدث بما حفظنا من هذا الكتاب، يعني: كتابه الذي ضاع.

وهذا كله داخل في موضوع التلقين، التلقين خلاصته: أن الراوي لا يحدث إلا بما سمعه

إلا بما عنده هو حفظًا أو كتابة، فإذا حدث من غير حفظه أو من غير كتابه لقَّنه أحد وقرأ من كتاب أحد.

فهذا نوع من التلقين كما قال الإمام أحمد في شيخه محمد بن عبد الله الأنصاري: كان في آخر عمره يحدث من كتاب، انظر الدقة -رحمهم الله تعالى- يقول: كان يحدث من كتاب غلامه فيخطئ، كان في الآخر يحدث من كتاب غلامه، له كتاب ولغلامه كتاب.

يقول: كان يحدث من كتاب غلامه فيخطئ وذكر له حديثا، وقال: هذا من ذلك الكتاب ومن تحديثه من كتاب غلامه.

هذه أمور تمر بطالب العلم فيها دقة، وقد يحتاجها في تعليل بعض الأحاديث مثل الأوزاعي -رحمه الله تعالى- أبى أن يحدِّث من كتاب غيره وأبى أن يحدِّث إلا من حفظه والكتاب قد ضاع.

ص: 318

فعلمنا أن الأوزاعي

أن ما يحدثه الأوزاعي إنما يحدثه من حفظه وكتابه قد ضاع فسجل له الأئمة بعض الأغلاط، منهم الإمام أحمد سجّل له بعض الأغلاط في روايته عن الأوزاعي، لكن الأوزاعي أبى أن يحدث من كتاب غيره خشية أن يكون فيه أغلاط أكثر من الأغلاط التي لو حدّث من حفظه هو، هو حافظ رحمه الله ومن كبار أصحاب يحيى بن أبي كبير، يعتبر في الطبقة الأولى من أصحاب يحيى، ولكن مع هذا قد سجلوا له بعض الغلط على يحيى بن أبي كبير.

كما ذكرت لكم: العلماء بالنسبة للرواة تتبعوهم حرفًا حرفا، وكل هذه الأمور متى تنكشف للناقد؟ تنكشف بمقابلة حديثة -حديث هذا الراوي- بحديث غيره.

فهذه أمور مِن العلماء مَن يترخَّص فيها، ومنهم من يشدد فيها. وبكل حال إن كان هناك غلط سواء حدّث من كتاب غيره أو من حفظِه سينكشف بالمقابلة، والتفرد بالنظر في أحاديث الرواة الآخرين.

يقول: "تساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابَل بمجرد قول الطالب: هذا من روايتك، من غير تثبت ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعه.

هؤلاء هم الذين يقبلون التلقين، ويروون من نسخ ليس لهم فيها سماع، أو ربما يلقنون من حفظهم.

هؤلاء جماعة من الرواة تسقط رواية روايتهم عند العلماء، إذا قبل الراوي التلقين سقطت روايته كما يذكرون عبد بن لهيعة في آخر عمره أنه كان كل من يأتيه

كل ما دفع إليه قرأه، كل ما قيل له: هذا من حديثك أقرّ به، فهذا هو قبول التلقين وتسقط به الرواية، ولا سيما إذا كثر منه ذلك.

أما أن يلقّن الحديث الواحد مثلا في عمره ويفوت عليه، فهذا يعده العلماء غلطا، لكن لا تسقط به الرواية.

ذكر الخطيب البغدادي السماع على الضرير أو البصير الأمي إذا كان مثبتا بخط غيره عمل الأئمة عليه، ولا سيما بعد عصر الرواية كما سيأتي من تصرف ابن كثير -رحمه الله تعالى-.

ص: 319

يأتينا في الإسناد العالي والنازل أنه إذا كان سماعه مثبتا في الطباق فهذا يقرأ عليه، وتصح القراءة عليه كذلك الفرع الآخر، هذا إذا روى كتابا كالبخاري -مثلا- عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها

إلى آخره. هذا كله بعد عصر الرواية؛ لأن صحيح البخاري رجح ابن كثير رحمه الله أن له أن يرويه بهذه النسخة، وهذا كله سببه أن كتاب البخاري معروف ولم يزاد فيه ولم ينقص.

فالمقصود كما سيأتي في كثير من المباحث بقاء سلسلة الإسناد.

اختلاف الحافظ وكتابه

فرع آخر: إذا اختلف الحافظ وكتابه فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه، وحسن أن ينبّه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ فلينبه على ذلك عند روايته كما فعل سفيان الثوري -والله أعلم-.

فرع آخر: لو وجد طبقة سماعه في كتابه إما بخطه أو بخط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك، فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية، والجادة من مذهب الشافعي وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف الجَوَاز اعتمادا على ما غلب على ظنه.

وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث أو ضبطه كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه.

الفرع الأول من الفرعين هذين: "إذا اختلف الحافظ وكتابه" وهذا من دقة المحدثين -رحمهم الله تعالى- إذا سمعت مثل هذه الأخبار تطمئن نفسك إلى نقل السنة النبوية، وإلى دقة الرواة الكبار الحفاظ.

ص: 320

أحيانا الحافظ

كثير من الرواة كما أعرف ما ذكرته قبل قليل من أن بعض الرواة لا يحفظ، أو في حفظه شيء، وكتابه موثوق، هذا قليل، أكثر الرواة يجمعون بين الحفظ وبين الكتاب -بحمد الله تعالى- كبار الحفاظ أو غالب الرواة هكذا، ولكن مع ذلك أحيانا يجري أن الحافظ يحفظ شيئا، فإذا رجع إلى كتابه وجده فيه اختلاف: إما في وصل أو إرسال أو زيادة في كلمة.

يقول ابن كثير رحمه الله: إن كان الاعتماد على الحفظ فينبغي أن يرجع إلى الحفظ، وإن كان اعتماده على الكتاب فينبغي أن يرجع إلى الكتاب، هذا ملخص كلامه.

ويقول: ينبغي أن ينبه عليه، أن ينبه كذا، وكان شعبة -رحمه الله تعالى- كثيرا ما ينبه

كثيرا ما تجد في أخبار شعبة أن يقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا، وكذلك خالفه غيره شبيه به؛ لأنه الآن الاختلاف بين مَن ومَن، في الصورة الأولى في نفس الراوي: بين حفظه وبين كتابه، فكأنهما الآن شخصان.

والصورة التي تليها الثانية: هي أن يخالفه غيره ويعرف هو أن غيره يخالفه، يقولون: يحسن أن يذكر هذا

يذكر أن كتابه فيه اختلاف عن حفظه، ويذكر أن غيره يخالفه، وهذا يفعله كثير من الأئمة، حتى أن شعبة رحمه الله حدّث مرة بحديث، وقال: أنا أحفظه كذا، وغيري يحدّث به، فقالوا: دعنا من غيرك، حدثنا بما تحفظ، قال: لأنْ أخر من السماء -أو نحو هذه الكلمة- أحب إليّ من أن أدعها، أي: لا بد لي أن أنبه إلى أن غيري يخالفني؛ لأنه يحتمل أن يكون الصواب مع من؟ مع غيره وهذا من إنصافهم وورعهم -رحمهم الله تعالى-.

ص: 321

وهذه الأمور والمباحث تمر بطالب العلم في بعض الروايات وفي بعض الأسانيد يستفيد منها في الترجيح، يستفيد منها كثرا في الموازنة بين الأسانيد، مثلا إذا كان شعبة له رواية -مثلا- برفع حديث، ثم جاءنا رواية أنه يخبرنا أن هذا الذي في حفظه، وأن الذي في كتابه فهو موقوف، فإذا جاءتنا رواية ثالثة عن سفيان الثوري موقوفة رجحنا رواية سفيان؛ لأن شعبة الآن قد اختلف حفظه وكتابه.

فهذه مسائل تتعلق بالتعليل وبالموازنة بين الرواة قد تمر بالباحث، وقد يحتاج إليها فينبه عليها العلماء -رحمهم الله تعالى-.

الفرع الذي بعده: يقول ابن كثير رحمه الله: "لو وجد اسمه في السماع

في الطباق"، يسمونه الطباق الذي هو إثبات السماع، في آخر الكتاب يقولون: سمع فلان وفلان وفلان وفلان، كما تجده -يعني- من يعتمد المخطوطات يجد هذا.

يقول ابن كثير رحمه الله: لو وجد بخطه أو بخط من يثق به أنه سمع هذا الكتاب أو هذا الجزء، لكنه لا يتذكر، نسي متى سمع، وفي أي مكان سمع، لا يتذكر، هل يصح؟

رجح ابن كثير رحمه الله ذكر قولين، ورجح الصحة، وقال: كما أنه في حفظه -يعني- يحفظ هو أحاديث، ولكن لا يتذكر أين سمع هذا الحديث، فيقول: هذا لا يضر، وله أن يحدث بهذه النسخة.

هذه أمور يحتاجون إليها في زمن الرواية وما بعدها، أكثره هذا الأخير بعد زمن الرواية.

رواية الحديث بالمعنى

فرع آخر: وأما رواية الحديث بالمعنى فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى، فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة، وأما إن كان عالما بذلك بصيرا بالألفاظ ومدلولاتها وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفا وخلفا، وعليه العمل كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها.

ص: 322

فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة من وجوه مختلفة متباينة، ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد، وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك -والله أعلم-.

وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس رضي الله عنهم يقولون: إذا رووا الحديث: أو نحو هذا أو شبه هذا أو قريبا منه.

هذا المتعلق بالرواية بالمعنى وهو فرع جليل نحتاج إليه في علم السنة، وممن تكلم عليه كثيرا الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- في الرسالة عقد فصلا في ارتكاب الرواية بالمعنى.

ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- قضيتين: في القضية الأولى، يعني: حكم الرواية بالمعنى: وقال: حكم الرواية بالمعنى وذكر أنها جائزة بشرط، أو يجوز أن يروي الراوي الحديث بالمعنى بشرط أن يكون عالما بما يحيل المعنى، يعني: أنه إذا حدث بالمعنى أتى بالمعنى على الوجه الصحيح، وذكر أن هذا هو الذي عليه جمهور العلماء، وأن هذا هو الواقع لا مفر لنا منه.

هذا هو الواقع، فالناظر في الأحاديث الصحيحة وفي اختلاف طرقها وفي ألفاظها لا يتخالجه شك أن الرواية بالمعنى كانت هي السائدة، ودائما نحن نقول: التعامل ينبغي أن يكون مع ما هو مفترض أو مع ما هو واقع؟ دائما نقول: مع ما هو واقع.

وذكر ابن كثير رحمه الله أن بعض العلماء شددوا في الرواية بالمعنى آكد التشديد ومنهم من الصحابة -رضوان الله عليهم- ابن عمر، فكان يرد على التلميذ إذا قدّم أو أخّر بين لفظين، وهذا معروف عنه، موجود عنه في أحاديث صحيحة أنه يرد على مَن إذا قدّم بين لفظين، أو غيَّر أيضا كما في قصته مع عبيد بن عمير صاحب مكة، وله أخبار في ذلك.

ص: 323

وكذلك محمد بن سيرين وجماعة من التابعين شددوا وطالبوا أن تكون الرواية بالألفاظ، يقول ابن كثير: هذه القضية الثانية كان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع وهذا لا إشكال فيه، ولكنه المطالبة بهذا كما نقول: إنها من التكليف بما لا يطاق، وأن نكلف الرواة ألا يروون الأحاديث إلا بألفاظها كرواية القرآن، هذا من التكليف بما لا يطاق، ولا سيما في العصور الأولى حين كان الاعتماد على الكتابة أو على المشافهة؟ على المشافهة.

فلا مفر من التعامل مع الرواية بالمعنى، لا مفر من هذا، إذن كيف تتعامل مع الرواية بالمعنى؟ هذا هو المهم، المهم أنه كيف نتعامل مع الرواية بالمعنى؟ وهذا الموضوع هو الذي نسميه نحن اختلاف

عُرف فيما بعد بالاختلاف بين الرواة في المُتون لا بد، وهذا تعب فيه الأئمة -رحمهم الله تعالى- تعبوا تعبا شديدا في المقارنة: كما قارنوا بين الأسانيد، قارنوا بين المتون.

من المقارنة هذه يُعرف من أجاد في روايته للحديث بمعناه، ومن أبعد في فهم المعنى، مثال ذلك نضرب لك مثالا: مثلا من الرواية بالمعنى فيه حديث معروف حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ? ولا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ?.

رواه هشيم بشير ما حفظ جيدا من شيخه الزهري فرواه بمعناه، فقال:"ولا يتوارث أهل ملتين شتى" فرّق بين الحديثين: الحديث الأول: خاص بين الكافر والمسلم، والثاني: عام في أهل كل ملتين.

ويقول العلماء رحمهم الله: إن هشيما رواه بالمعنى، المعنى قريب أو بعيد الآن؟ بعيد، فيحكمون على روايته الآن بأنها خطأ؛ لأنه رواه بالمعنى فأبعد، أحال معناه.

ومثله حديث جابر: "قربت للنبي صلى الله عليه وسلم" معنى الحديث؛ لأنه روي بألفاظ مختلفة ? أنه قُرِّب للنبي صلى الله عليه وسلم طعام فيه لحم شاة، فأكل منه ثم توضأ وصلى الظهر، ثم رجع إلى طعامه فأكل منه، ثم صلى العصر ولم يتوضأ ?.

ص: 324

هذه القصة بهذه الصورة رواه شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر قال: ? كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار ? الآن رواه بالمعنى وجعله بهذه الصورة.

فقال أبو داود وأبو حاتم: إن هذا الحديث مختصر من قصة الشاة، من قصة أكله صلى الله عليه وسلم فأبعد في فهم الحديث، فالعلماء -رحمهم الله تعالى- تسامحوا كثيرا في فهم المعنى، لكن ليس معنى ذلك أنهم تركوه هكذا جزافًا، وإنما يقوم هذا العلم على مقارنة المتون ومعرفة من زاد ومن نقص، ومن غيّر لفظا.

كثير ما يقول العلماء: فلان رواه بالمعنى فأخطأ مثل مثلا هذا المثال حديث ابن مسعود: ? الصلاة على وقتها ?.

ما معنى: "الصلاة على وقتها"؟ يعني: في وقتها، في أوله في آخره ما في الحديث تحديد رواه بعض الرواة بلفظ "الصلاة في أول وقتها" فيقول بعض العلماء: إنه رواه بما فهمه من الحديث وأخطاء في هذا الفهم

رواه بالمعنى.

فالمقصود أن الرواية بالمعنى: قول ابن كثير كان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك -نعم- بلا إشكال كان ينبغي أن يكون هذا، لكن هذا غير ممكن.

وكثير من الصحابة -رضوان الله عليهم- يقولون: أو كما قال صلى الله عليه وسلم أو نحوها، ويقول بعضهم: لو لم أحدثكم بالمعاني لهلكنا، أي: لو كان المطلوب التزام الألفاظ.

ولكن مع ذلك فإن الأمر لم يُترك هكذا، وإنما للعلماء رحمهم الله بمقارنة هذه الأحاديث والتأكيد من لفظ كل راوٍ، أحيانا الحرف الواحد حرف حَرف، يبين أن هذا في روايته هذا الحرف، والآخر ليس في روايته هذا الحرف.

تجد هذا في كلام الأئمة في كلام الإمام أحمد وغيره، منهم من يذكر الواو، ومنهم من يحذف الواو، فهذا العلم هو مقارنة المرويات المتعلقة بمتون الأحاديث. نعم.

اختصار الحديث بحذف بعضه

ص: 325

فرع آخر: وهل يجوز اختصار الحديث فيحذف بعضه؟ إذا لم يكن المحذوف متعلقا بمذكور على قولين: فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.

وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه؛ ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شيخه آخرون؛ لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه، وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديما وحديثا.

قال ابن الحاجب في مختصرة (مسألةٌ) حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر إلا في الغاية والاستثناء ونحوه، أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها فهذا سائغ. كان مالك يفعل ذلك كثيرا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله. وقال مجاهد: انقص الحديث ولا تزد فيه.

نعم هذا النوع فيه مسألتان:

المسألة الأولى: تقطيع الحديث أو الاكتفاء ببعضه، هل يجوز أن يقطع الحديث فيذكر بعضه في باب وبعضه في باب؟

ذكر ابن كثير رحمه الله أنه على هذا المذهب جمهور الناس قديما وحديثا، يعني: على الجواز، وذكر في المجيزين أو من الذين يفعلون هذا كثيرا مَن؟ الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فإنه يقطع الأحاديث في الأبواب يذكر جزءا من الحديث في هذا الباب، ويذكر جزءا منه في باب.

وإن كان البخاري في كثير من عمله يعتمد على الرواة، ما معنى يعتمد على الرواة؟ يعني: يختار في هذا الباب الرواية المختصرة التي وصلت من شيخ، وفي هذا الباب الرواية الجزء المهم، هذا واسع والمقصود: أن البخاري يقطع الأحاديث.

يقول: مسلم يسوق الحديث بتمامه ولا يقطعه، لكن ليس معنى ذلك مسلم اختار هذه الطريقة في التأليف؛ لأنه لم يتعمد أن يستنبط كل معنى من كل حديث، ويبوب عليه فيسوق الحديث بتمامه في مكان واحد، لكن ليس معنى ذلك أن مسلم لا يجيز التقطيع فهذا عمل المؤلفين كلهم.

ص: 326

ما معنى صنيع مسلم هو أنه اختار هذه الطريقة وإلا فهو يقطع، هو أحيانا يذكر بعض الحديث في بعض الأماكن، أحيانا يفعل هذا يسوق بعض الحديث تاما ويسوق بعضه في مكان آخر، يعني: يذكر جزءا منه.

ويفعل هذا كذلك الترمذي، ويفعله الدارمي لو مثلا أخذت حديث كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن حزم كتاب طويل فيه الدِّيات، وفيه مقادير الزكاة، ومقادير الديات تجده في سنن الدارمي في أماكن يمكن تبلغ إلى قريب من الثلاثين موضع، وهو حديث واحد يسوقه الدارمي، ووزعه على هذه الأبواب، وهو عمل مستساغ، لكن كما ذكر ابن الحاجب رحمه الله يقول: وهم ذكروا هذا الشرط ألا يكون ما ذكر متعلق من حيث المعنى بما حذفه يعني: لا بد من هذا ألا يتغير المعنى، إنما يقولون: يجوز التقطيع إذا كان الحديث يتكون من مقاطع، جمل متفرقة فيجوز تقطيعه.

ربما وقع من البخاري التقطيع وهو له تعلق ولا سيما لو ذكرت لكم مثال من ناحية الإعراب، أحيانا وقع لابن مالك -رحمه الله تعالى- أنه استدل بحديث في صحيح البخاري في قضية على جواز حذف الخبر إذا كان

في مسألة دقيقة فيها اختلاف بين النحويين فاستدل بحديث، وقال: هذا دليل على أنه يجوز حذف الخبر.

وابن حجر يقول: لا يصح هذا الاستدلال؛ لأن الذين حذف أو قطع الحديث من هو؟ هو الإمام البخاري، إنما يصح الاستدلال

هو ظن ابن مالك أن هذا هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم وليس كذلك، وإنما هو تقطيع البخاري مع أن له صلة، لكن هذا نادر، والغالب أن يقطع الجمل المتميز بعضها عن بعض.

ص: 327

ذكر ابن كثير قضية تتعلق بعلم الرواية هذه، وهي قضية أن المحدث يحذف جملة من الحديث أو بعض الإسناد يحذفه تعمدا، ليس هذا هو التقطيع وإنما يحذف جملة لاعتقاده أنها خطأ من جهة الرواية، أنها معلولة من جهة الرواية. وهذا يفعله مسلم يقول مثلا في حديث المستحاضة، حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش لما رواه من طريق حماد بن زيد رواه من طريق جماعة، لكن منهم حماد بن زيد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في رواية حماد: ? وتوضئي في كل صلاة ?.

الأمر بالوضوء لكل صلاة، أسقط هذه اللفظة مسلم، وقال: في حديث حماد بن زيد حرفا تركنا ذكره. لماذا ترك مسلم ذكره؟ يعتقد أن هذه الزيادة أنها مرجوحة، وأنها ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

والبخاري أكثر فعل هذا من مسلم، حذف جملة من الحديث لاعتقاده أنها خطأ، أو مخالفة للأصول أو نحو ذلك، فهذا هو الذي ذكره بقوله:"حذف بعض الخبر جائز".

وأما حذف الزيادة لكونه شك فيها فهذا سائغ، شك فيها إما من جهة كونها، أو شك فيها هو من سماعه، لكن هذا كونه شك فيها من جهة كونها خطأ هذا هو الذي يفعله البخاري، وفعله مسلم أيضا، ويفعله الإمام أحمد رحمه الله.

وذكر جماعة مثل الجياني، وذكرها أيضا أن نقل عن مجاهد أنه يقول: انقص الحديث ولا تزد فيه، يعني: إذا شككت في سماع الشيخ أو شككت في خطئه فاحذفه، ولكن الزيادة هي التي لا تجوز.

ص: 328

وذكر الجياني -أيضا- هذه القاعدة: أن الراوي قد يحذف بعض الحديث؛ لكونه شك في خطأ هذه الزيادة، وكذلك فعله مالك في الإسناد، أحيانا يفعلونه في الإسناد: راوي وكيع عن هشام بن سعد عن "المُواقع في رمضان" معروفة هذه القصة، كان وكيع إذا رواه عن هشام بن سعد يرويه عن الزهري، عن أبي هريرة مباشرة يسقط مَن؟ "أبا سلمة" لماذا يسقطه؟ يقولون: إنه من باب الستر على لسان ابن سعد؛ لأنه خطأ، ذكر أبي سلمة هنا خطأ، والصواب فيه: حميد عبد الرحمن، الصواب فيه: أن الزهري يرويه عن حميد عن أبي هريرة، ولكن هشام بن سعد جعله على الجادة، يعني: جعله على المشهور الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة.

المهم أنهم يسقطون في الإسناد أو في المتن ما يرون أنه خطأ، هذا مقصود ابن كثير-رحمه الله تعالى- وهو جانب في الروايات يعني: عمل مشهور نعم.

علم العربية وصلته بالرواية

فرغ آخر: ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا العربية قال الأطعمي: أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله: ? من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ?.

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه، وأما التصحيف فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين والله الموفق.

وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه السامع على الصواب وهو محكي عن الأوزاعي وابن المبارك والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر وعبد الله سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونا.

قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ، وعن القاضي عياض: أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة من أن يجيء ذلك في الشواذ كما وقع في الصحيحين والموطأ.

ص: 329

لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي، ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، ومنهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، كثرت مطالعته وافتنانه، قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه، قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح؛ لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع.

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش ويسكت عن اللحن السهل.

قلت: ومن الناس من إذا سمع الحديث ملحونا عن الشيخ ترك روايته؛ لأنه إن تبعه في ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن في كلامة، وإن رواه عنه على الصواب فلم يسمعه منه كذلك.

نعم هذا الفرع يتعلق بعلم العربية وصلته بالرواية وبالحديث، فيرشدون طالب علم الحديث بأن يكون عارفا بالعربية، وهذا لا يتعلق بطالب علم الحديث بل هو في كل فن من الفنون، كل متحدث، وإن قصر فيه الباحثون في العصر الحاضر تقصيرا كبيرا. طريقة التلقي للعلم الآن اختلفت عن السابق، كان السابقون أول ما يعتنون بالطالب في الكتاب

أوائل ما يعتنون به جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن ما يتعلق بعلم العربية؛ ولهذا نلاحظ كما تلاحظون الآن مشايخنا: من هو في الفقه، ومن هو في التفسير، ومن هو كذا، تجده في الغالب مجيدا للغة العربية في الغالب، إلى وقت قريب هذا يعني: ما تساهل الناس بعلم العربية إلا في وقت قريب.

تجد بعض الباحثين -وهذا يؤسف له- أنه إذا فرغ من -وهذا كثير الآن استفحل هذا بيننا ونحن منهم- إذا فرغ من بحثه أعطاه لشخص يقوِّمه عربيا، حتى في أشياء بدهية: في الخبر، والفاعل، والمفعول به، واسم إن وخبرها، في أشياء بدهية مع الأسف الشديد.

ص: 330

هذه الوصية -نعم- هي مقصود بها في عصر الرواية، لكن مع هذا يوصى بها طالب العلم في أي عصر، طالب العلم محتاج إلى العربية وإتقانها، لا يستساغ أن يكون طالب علم يلحن كثيرا، نعم اللحن القليل رفع فيه الناس منذ القديم، لكن اللحن الفاحش ولا سيما في الكتابة والشخص متعلم وبإمكانه أن يراجع، فهذا هو الذي ينصح به طالب العلم.

تكلم عن التصحيف احتمال يأتي في نوع مستقل، دواؤه يقول: أن يتلقى الرواية أو يتلقى مُتون الأحاديث وأسانيدها من أفواه المشايخ الضابطين، يعني: لا يتعمد على الصحف، "التصحيف" من أين أتى هذا الاسم؟ من كونه أكثر بعض تصحيف سمع ولكن أكثره تصحيف نظر؛ لكونه يعتمد على الصحف فيقع في التصحيف، وهذا كثير جدا ولا سيما في المخطوطات وكذلك الآن.

لكن في عصر المخطوطات أحيانا لا يوجد نقط ولا شكل فيقع الناس في التصحيف، وأُلِّفت كتب في هذا.

جاء إلى قضية "لحن الشيخ" إذا التليمذُ لحن شيخُه، أو وُجد اللحن من بعض الرواة ممن فوقه، بحثوا هذه القضية بعمق وتوسع، هل يغير التلميذ الرواية أو يرويه كما هو ملحونا؟

منهم من شدد في هذا، وقال: يرويه ملحونا؛ لأنه يرويه كما وصل إليه، ومنهم من قال: لا يصح هذا، بل يرويه على العربية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن.

ونقل عن عبد الله بن أحمد -رحمه الله تعالى- عن أبيه: أن أباه كان يغير اللحن الفاحش، وأما اللحن الخفي فلا يغيره؛ لماذا؟ لأنه يحتمل أن يكون له مخرج في العربية.

ومن اللحن الفاحش ما ذكره الإمام أحمد عن إسماعيل بن أبي خالد أحد أتباع التابعين، معروف من الحفاظ الكبار، ولكنه يلحن بقوة، كان يقول الإمام أحمد عنه: إنه كان يقول: حدثني فلان عن "أبوه"، هذا من اللحن الفاحش أو الخفي؟ الفاحش، لا أحد لا يعرف أن "عن" حرف جر، فمثل هذا يظهر أنه هو الذي يغيره الإمام أحمد.

ص: 331

أما إذا كان اللحن خفيفا أو قريبا فإنه لا يغيره، أشار القاضي عياض إلى أمر مهم جدا وهو التغيير في اللحن بعد عصر الرواية، أي: يغيره من كتاب، يعني -مثلا- البخاري ألَّف كتابا أو مسلم أو الإمام أحمد أو أبو داود أو مثلا الدارمي أو غيرهم ألفوا كتبا موجودة والرواة يروونها، ووجد في بعض الروايات لحن، يقول: إن جماعة من الرواة من ناقلي هذه الكتب من العصور المتأخرة اجترءوا ومنهم هذا الذي ذكره أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني.

يقول: إنهم اجترءوا فصاروا يغيرون ما يرونه لحنا، والمشكلة التي وقعت، ما هي؟ أن بعض تغييرهم غلط، الصواب ما غيروه؛ فلذلك يقول: ينبغي سد الباب لأَلَاّ يدخله من لا يحسن.

نستفيد منه نحن الآن بالنسبة لتحقيق المخطوطات في اللحن، وفي غير اللحن أيضا، كنت أقول أنا: إن الباحث الذي يحقق مخطوطا لا ينبغي له أن يثبت الخطأ، وأن يقول: هذا خطأ، ويثبت الصواب؟ أين؟ في الحاشية، ولكن انتبه هذا هو المهم لكثرة اجتراء الباحثين على تغيير ما هو صواب يظنه خطئًا.

يقول: الأولى أن يسد هذا الباب، وألا يغير أحد شيئا مما وجده في الخطوطات حتى وإن كان يجزم بأنه خطأ، هذا يتعلق بتحقيق المخطوطات، أنا رأيت بعض الباحثين الكبار يتهيأ له أن هذه اللفظة خطأ فيتجرأ على تغييرها، أو يزيد في المتن، يقول: لا يستقيم، وهو مستقيم لا إشكال فيه، أو يغير من كتاب آخر، ووقع هذا كثيرا ليس بالقليل.

فلذلك -أحيانا- الباحث يقول

يتردد الباحث هل يقول: الصواب تغيير ما في المتن، ما في الكتاب إلى الصواب، أو أن يسد هذا الباب لكثرة من اجترأ كما ذكره القاضي عياض الآن؟

ويوجد هذا الآن لو قرأت في كتاب الجياني تقيد المهمل، يتكلم عن روايات صحيح البخاري وصحيح مسلم، يقول: في رواية فلان كذا، لكنه غيَّره فأخطأ، غيَّر هو في روايته كذا، ولكنه اجتهد فغيره فأخطأ، والصواب ما في روايته.

ص: 332

وهذا كما ذكرت الآن نستفيد منه انقضى عصر الرواية، الآن حتى موجود الآن عصر الرواية موجود بالقراءة أو بالإجازات؟ بالإجازات، ما فيه نسخ، إذا رويت الآن مذهبا صحيحا من سند أبي داود ما عندك نسخة تغيرها أو لا تغيرها، إنما تأخذ الرواية عن طريق الإجازة فقط.

نستفيد من هذه المباحث بالنسبة لتحقيق المخطوطات، نستفيد منه كثيرا في معالجة المخطوطات، أو في النقل من كتاب أنت لو تريد أن تنقل نص أحيانا يكون فيه لحن، أحيانا يكون فيه كلمة عامة، أحيانا يكون فيه

فهذا يتعلق بهذا العرض، حاجتنا إليه الآن بهذه الطريقة. نعم

إكمال السند إذا أسقط منه ما لا بد منه

فرع: وإذا سقط من السند أو من المتن ما هو معلوم فلا بأس في إلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب فلا بأس بترديده على الصواب، وقد قال الله -تعالى-:{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (1) .

فرع آخر: وإذا روى الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين فإن ركب السياق من الجميع، كما فعل الزهري في حديث الإفك حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- وقال: كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض وساقه بتمامه. فهذا سائغ فإن الأئمة حقا تلقوه عنه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصِّحاح وغيرها.

وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء، وهذا مما يعني مسلم في صحيحه ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين -والله أعلم- وهو نادر.

(1) - سورة البقرة آية: 220.

ص: 333

نعم. هنا فرعان: مسألة إكمال السند إذا أسقط منه ما لا بد منه: مثل أن يقول مثلا: حدثنا شعبة عن إسحاق عن -مثلا- أبي الأحوص كلمة عن إسحاق، هذه خطأ، سقط ماذا الآن؟ "أبي" يعني: أبي إسحاق، هذا لا بد منه من السند، هل يكمل أو لا؟ يقول: إنه لا بأس به، يقول ابن كثير: لا بأس به ولا بأس بإلحاقه.

أو كذلك في المتن كلمة لا يستقيم المعنى بدونها وهذا من النوع الأول، ينبغي الحذر منه، مسألة الزيادة على النص نستفيد منها الآن كما ذكرت في تحقيق المخطوطات، أو في نقل نص من كتاب.

ينبغي الحذر الشديد في الزيادة على النصوص؛ لأن الباحث -أحيانا- يظن أن الكلام لا يستقيم إلا بتلك الكلمة التي ذكرها، أو يظن أن الصواب ذِكر هذه الكلمة أو ذكر كذا، ويكون مخطئا في ظنه كذلك.

فقوله: لا بأس بإلحاقه هذا مشروط، ونحن نشدد أو أشدد في هذا الجانب، في مسألة الزيادة على النصوص.

الواقع مع الأسف الشديد أن الناس اجترءوا على الزيادة على النصوص، أحيانا يكون لا حاجة لها والمعنى مستقيم يروونها فيزيدها لمجرد أنه وجده في رواية أخرى، وجد هذه الزيادة وعذره أنه يضعه بين معكوفين، وهذا ليس بعذر لا يزاد في النص شيئاً إلا ما عند الضرورة، حين يكون المعنى غير مستقيم، أو يكون خطأ ظاهرا، وينبغي له -أيضا- أن يكون حذراً يبدئ ويعيد، ويستشير ويقلب الأمر على عدد، يعنى يكون متقناً في هذا، لا يكون متسرعاً.

هذا الأمر متعلق بالتصرف في نص سابق، يعني ليس بالأمر السهل. وكما ذكرت نحن نستفيد منه أكثر ما نستفيد في تحقيق المخطوطات أو في نقل نص من كتاب،. مع الأسف اجترأ كثير من الباحثين على التصرف في النصوص والزيادة عليها،. ويكون عملهم.. كثير منهم يكون عمله خطأ.، النص لا يحتاج إلي زيادة.

ص: 334

فرع آخر: إذا روى الحديث عن الشيخين، هذا أمر يتعلق بعلم الرواية، يعنى في عصر رواية النقل، فأكثر وبين ألفاظهم تباين، فإن ركب السياق من الجميع كما فعل الزهري بحديث الإفك، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، قال: كل خير=. يقول: هذا جائز، لكن تعلقون على هذا إن هذا إنما أجازوه للحافظ القوي الحفظ، إنما أجازوه للحافظ القوي الحفظ أن يجمع الرواية عن الجميع، ويسوقها مساقا واحداً، يعنى الآن تجدهم هنا تسامحوا في الزهري أو تسامحوا مع الزهري، ولكن في بعض الرواة أخذوا عليهم هذا، وتسامحوا مع ابن وهب، لكن بعض الرواة يقولون: لا يقوم على مثل هذا، ما معنى لا يقوم عليه؟ يعنى لا يستطيع أن يتقن هذا، فربما أدى إلى ارتباك في سياق النص، أو إلى يعنى خلل فيه، وذكروا منهم حماد بن سلمة، وذكروا -أيضا- ابن إسحاق، وذكروا -أيضا- جماعة من الرواة. عقد ابن رجب لهم فصلاً في شرح العلل، يقول: جماعة من الرواة يعنى يحتمل حديثهم إذا رووا عن شيخ لهم، ويضعفون إذا جمعوا بين عدد من الشيوخ، وذكر على هذا نصوصا.

المقصود أن هذا الفرع قوله: جائز إنما احتمل، يعني المقصود من هذا التنبيه أنك قد تجد نقد لبعض الرواة في كونه فعل هذا.

والآن ابن كثير يقول رحمه الله: إنه جائز، نعم هو جائز لمن هو من كبار الحفاظ، وأما بعض الرواة الذين ربما لا يستطيعون التمييز، أو ربما يقع منهم خلط فنقدوهم بهذا الفعل.

يقول: إن الإمام مسلم رحمه الله تميز ببيان ألفاظ الرواة، وهو وكما ذكر -رحمه الله تعالى- من مميزات صحيح مسلم أنه يبين ألفاظ كل راو، وربما تسامح -أيضا-؛ لأنه لو بين لفظ كل راو لكبر كتابه، لكنه شديد الاعتناء بهذا، وأما البخاري فإنه يسوق الإسنادين والثلاثة، ولا يبين لأي منهما هذا اللفظ.

ص: 335

ويقول ابن كثير: إنه ربما بين نعم.. يعني الغالب على مسلم البيان، والغالب على البخاري عدم البيان، إذا من أين تعرف أنت أي اللفظين لهذا الراوي؟. من أين تعرف؟.

ليس هناك سبيل إلا من المصادر الأخرى أن نعرف أي اللفظين هذا الذي عند البخاري لأي الراويين. أحياناً يحتاج الباحثون إلى معرفة لفظ كل راو عند الموازنة وعند اختلاف الرواة، فتستطيع التميز من مصادر أخرى. بأن تجد هذه الرواية في ذلك المصدر أو في مصدر مستقل. نعم يا

اقرأ.

الزيادة في نسب الراوي وتقديم المتن على الإسناد

فرع: وتجوز الزيادة في نسب الراوي إذا بين أن الزيادة من عنده، وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين والله أعلم.

فرع آخر: جرت عادة المحدثين إذا قرءوا يقولون: أخبرت فلانا قال: أخبرنا فلان قال: أخبرنا فلان، ومنهم من يحذف لفظة "قال" وهو سائغ عند الأكثرين، وما كان من الأحاديث بإسناد واحد كنسخة عبد الرازق عن معمر عن أمامة عن أبي هريرة رضي الله عنه ومحمد بن عون عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده وغير ذلك، فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول: هو بالإسناد أو وبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم-قال كذا وكذا، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد، قلت: والأمر في هذا قريب سهل يسير، والله أعلم.

ص: 336

وأما إذا قدم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، ثم قال: وأخبرنا به، وأسنده، فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أولاً، ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف ذكره الخطيب وابن الصلاح، والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم؛ ولهذا يعيد المحدث في زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر؛ لأن من الناس من يسمع من أسمائه بفوت فيتيسر له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء بتقديم إسناده وتأخيره، والله أعلم.

نعم. هذان الفرعان:

الفرع الأول: الزيادة في نسب الراوي إذا قال: حدثنا محمد يقولون: -مثلا- محمد كثير، فالتلميذ له أن يقول: حدثنا محمد هو ابن بشار -مثلا- حدثنا محمد هو ابن جعفر. أو يقول: يعني ابن جعفر، وهذا يقولون: إن الإمام أحمد رحمه الله تسامح فيه من باب البيان يعني يبين للراوي، أو يبين من هو هذا محمد، ومن هو أحمد، ومن هو فلان، زيادة بيان، وإن لم يكن في أصل روايته؟ وإن لم يكن في أصل روايته.

ونحن نستفيد من هذا -أيضا- في التخريج، عندما تقول -مثلا- الإمام أحمد في المسند يقول: حدثنا يزيد ويسكت، ما ينسبه عن ابن إسحاق عن محمد بن إسحاق. أنت إذا جئت في التخريج ماذا تقول؟ تقول: أخرجه الإمام أحمد، عن يزيد من هو يزيد هذا؟ يحسن بك أن تبينه للقارئ نحن نقول للباحثين: لا يصلح أن نتابع الكتب متابعة دقيقة؛ لأن هذا في نظري أنه

لكنه بس فقط يحتاج إلى تثبت وإلا فلا تتركه، الأولى أن تقول: أخرجه الأمام أحمد عن من؟ عن يزيد بن هارون، وإن لم يكن في أصل الكتاب؛ لأن هذا بالنسبة لنا كمخرجين يختلف عنه في عصر الرواية.

ص: 337

بعض الباحثين رأيته يتكلف يضع بين قوسين، فيقول: لعله ابن هارون، يعني حتى ولا يجزم مثلا يقول: أخشى أن يكون غلطا أو يقول

يظنه منزل على هذا، هذا في عصر الرواية، أنت الآن ما تقول: إن الإمام أحمد روى، أو تقول: حدثني فلان عن الإمام أحمد أنه قال كذا، وإنما تخبر خبرا أن الإمام

أو تبين أن الإمام أحمد رواه عن يزيد بن هارون، وهذا صحيح، فأنت لا تقول: إن الإمام أحمد قال: حدثنا يزيد بن هارون، وإنما تبين أنه أخرجه عن يزيد بن هارون، وهذا لا بأس به. رأيت بعض الباحثين يتوقف، وينزله على هذا الفرع، يعني أنك إذا أردت أن تزيد، لا بد أن تبين أنك أنت الذي زدت. وهذا لا أراه يعني..

ولنا في علمائنا -رحمهم الله تعالى- أسوة. كما يفعله -مثلا-المزي في التحفة، المزي يبين الأسانيد، وإن لم تكن.. يبين الأسماء، وإن لم تكن في المصادر مبينة يبينونها في التحفة؛ لأنه ليس الآن في مجال الرواية، وإنما مجال..يعني في مجال بيان عمن أخرج هذا الحديث يسميه، ولا بأس بذلك.

مسألة: حذف قال وقال، هذه بلا إشكال سائغة أن يقول: أخبرنا فلان، أخبرنا فلان، حدثنا فلان، حدثنا فلان، ولا يقول: قال: أخبرنا. هذه يسمونها محذوفة، وتحذف في أي شيء؟ تحذف في الكتابة، حذفوها في الكتابة، والقارئ إذا أراد أن يقرأ، يقولون: لا يحسن به أن يتركها، وإنما حذفوها من باب التخفف ويعني التخفيف من حجم المخطوطات، وكانوا محتاجين للورق، ومحتاجين إلى يعني التخفيف وعدم كبر حجم الكتاب.

فيه قضية التي هي إذا كانت النسخة بإسناد واحد -مثلا-: عبد الرازق عن معمر عن همام عن أبي هريرة. أو سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن أبي الأعرج عن أبي هريرة. نسخ هذه، ما معني..ما هي النسخة في اصطلاح المحدثين؟ ليس المقصود بالنسخة الكتاب فقط، المقصود بالنسخة في اصطلاح المحدثين يعني المراد هنا: هو أنها أحاديث مروية بإسناد واحد، وإن لم تكن يعني في كتاب، قد تكون تناقل شفاها.

ص: 338

فهذه النسخة في اصطلاح المحدثين هي: الأحاديث المجموعة التي تروى بإسناد واحد، ويضربون مثالا لذلك: نسخة همام عن أبي هريرة، نسخة الأعرج عن أبي هريرة، نسخة سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، نسخة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. هذه يقول ابن كثير: إنه لا بأس أن يذكر الإسناد مرة واحدة في الأول، وعند كل حديث يقول: وبالإسناد، وبه وكذا وكذا، هذا إذا أراد أن يرويها جميعا. نعم، هذا الذي ذكره، وقال في نهاية كلامه: الأمر في هذا قريب سهل يسير.

يعني سواء أعاد الإسناد عند كل حديث أو لم يعده، وقال: وبه وبالإسناد، ونسخة همام عن أبي هريرة تجدها الآن في مسند الإمام أحمد مسوقة كلها مسوقة يعني ساقها كلها بالإسناد الواحد، ولم يعد الإسناد مع كل، مع كل حديث، وإنما ساق الإسناد يقول: عن همام عن

قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا، وقال كذا، وقال كذا، وقال كذا، والإسناد..والإسناد واحد، هي هذه النسخة حوالي يعني قريبة من مائة وعشرين حديثا، تسمي نسخة همام عن أبي هريرة.

يأتي قضية الأمر الآخر وهو: تقديم المتن على الإسناد، هذه في عصر الرواية -أيضا- وفيما بعده، إذا قال.. أحيانا المحدث، يعني -مثلا- لنفرض أن

لنتصور نحن الآن أن الأعمش وبينه طلبته، أحيانا يأتي الأعمش ويذكر الخبر يذكر متن الحديث بس فقط، ثم يسأل عن إسناده، فيسوق الإسناد.

إذا الآن أيهما قدم؟ المتن، يسمونه تقديم المتن علي الإسناد. هذا، هل يصح لطالب- فيما بعد ذلك- أن يقول: أخبرنا الأعمش عن كذا عن فلان عن فلان أن النبي -صلى الله عليه وسلم قال

؟ يقدم الآن الإسناد، هذا يسمونه التأليف أو الترقيع.

ص: 339

وربما الذي ذكر الإسناد ليس هو الأعمش، ربما ذكره التلميذ، فبعضه سماع الآن وبعضه

، نحن أخذنا طرق التحمل، بعضه الذي نطق به من هو؟ الشيخ الذي هو المتن، وبعضه الذي نطق به من؟ التلميذ، يسمونه الترقيع هذا أو التأليف. هذا يعني سائغ وجائز، وله أخبار، يعني موجود في أخبار المحدثين، يذكر

أحيانا بعض التلاميذ يذكر الإسناد، ثم الأعمش يذكر المتن، ويتسامحون في هذا، ولا إشكال فيه؛ لأن الاعتماد أو الغرض هو الضبط والإتقان. نعم. هذا المتعلق بتقديم نعم، هنا فرع مهم. نعم.

الإحالة

فرع: إذا روى حديثا بسنده، ثم أتبعه بإسناد له آخر، وقال في آخره مثله أو نحوه، وهو ضابط محرر فريد.. ذو روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني، قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، ذكره عنهما وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله مثله، ولا يجوز في نحوه.

قال الخطيب: إذا قيل بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله مثله أو نحوه. ومع هذا اختاروا قول ابن معين والله أعلم. أما إذا أورد السند، وذكر بعض الحديث، ثم قال: الحديث أو الحديث بتمامه، أو بطوله أو إلى آخره، كما جرت به عادة كثير من الرواة، فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟

رخص في ذلك بعضهم، ومنع منه آخرون منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر البرقاني شيخه أبا بكرالإسماعيلي عن ذلك، فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث، فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.

قال ابن الصلاح: قلت: وإذا جوزنا ذلك، فالتحقيق أن يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية، وينبغي أن يفصل فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سبق بيانه، وتحقيق سماعه، والله أعلم.

ص: 340

نعم. هذا الفرع يتعلق بالإحالة يسمونها الإحالة على حديث سابق. قبل أن نذكر الاختلاف الآن الذي ذكره ابن كثير العمل على تجويزه، وهو أن يروي حديثا بإسناد، ويسوق المتن، ثم يروي نفس الحديث بإسناد آخر، ثم لا يسوق المتن، وإنما يقول

أو يسوق بعض الإسناد لا يسوق الإسناد كله، ثم يقول: بمثله، بنحوه، بمعناه، هذا الذي يفعله كثيرا هذا مسلم، واعتذر رحمه الله في المقدمة، اعتذر بأنه لو أعاد المتن كله لكبر حجم الكتاب، وهذه هي النكتة التي من أجلها جوز سفيان الثوري هذا الأمر، فإنه منقول عن شعبة أنه يقول: ليس بحديث هذا إذا قلت: مثله أو نحوه، فليس بحديث، ونقل عن ابن معين التفصيل أنه يعني يجوز في قوله: مثله، ولا يجوز في قوله: نحوه، يعني أن ينقل هذا المتن إلى الإسناد الثاني، ولكن العلماء -رحمهم الله تعالى- على تجويز هذا، استقر العمل عليه، ليس هناك

حتى الإمام أحمد رحمه الله في المسند يسوق الإسناد، ثم يسوق إسنادا آخر، ويقول: نحوه، ومعناه، لكن الآن الذي يتكلم عنه ابن كثير هو أنه لو رويت الإسناد الثاني، هل تسوق معه اللفظ الأول، أو لا؟ هذا الذي يعني يقولون: يحسن البيان.

والباحثون الآن

الباحثون المخرجون يعني تنبهوا لهذا، فيقولون: إن مسلما لم يسق لفظه، وإنما أحال على متن سابق، هذا يعتني به بعض المخرجين يبينون هذا.

والمقصود أن الأئمة -رحمهم الله تعالى- تسامحوا في هذا كثيرا في مسألة الإحالة على لفظ آخر، إنما الشأن

الكلام الآن الذي ذكره ابن كثير رحمه الله فيما أردت أن تجمع بين المتن الأول بالإسناد الأول، وبين الإسناد الثاني الذي لم يذكر متنه، فهذا يقول: إنه رخص فيه جماعة، والأولى بطالب العلم أن ينبه؛ لأنه أحيانا يكون بين متن الإسناد الثاني وبين متن الإسناد الأول يكون بينهما اختلاف.

ص: 341

مثال ذلك يضربون له مثالا لحديث -مثلا-: ? إذا دبغ الإهاب فقد طهر ? هكذا في بعض الروايات عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وهب عن ابن عباس، وفي بعض الروايات: ? أيما إهاب دبغ فقد طهر ? إذن بين اللفظين.. وتجد في الكتب الإحالة على أحدهما تجد في الكتب الإحالة.. حتى في صحيح مسلم، هو ذكر اللفظ: ? إذا دبغ الإهاب فقد طهر ? وقد أحال بأسانيد أخرى على هذا اللفظ. فالمقصود أنه عند التخريج يبين طالب العلم أن هذا الإسناد الذي أخرج به مسلم هذا الحديث لم يسق لفظه، وأحاله علي حديث سابق أو علي لفظ سابق، هذا من الدقة سواء كان في عصر الرواية أو كان -أيضا- نحتاج إليه الآن في عصر التخريج.

يعني هذا مما يعتني به بعض المخرجين، وبعضهم يتسامح، فيسوق الأسانيد كلها للحديث الواحد، وإن كان قد ذكر المتن من طريق واحد، والباقي يحيل عليه إحالة.

ومثله إذا روي الحديث، إسناد الحديث كما نعرف نحن في عصور متأخرة، المقصود هو الإسناد، المحدثون يعتنون بالإسناد، فإذا جاء المتن ماذا يقولون؟ الحديث، ما يسوقون الحديث. هو يقول -رحمه الله تعالى-: هل يجوز أن تسوق الإسناد وتسوق الحديث بتمامه، وأنت ما سمعته؛ لأن شيخك ماذا قال؟ ماذا قال الشيخ؟ قال: الحديث، ما ساق المتن، هل يجوز أن آتي بلفظ الحديث من إسناد آخر، وأضعه، ثم أرويه جميعا تاما؟ هذا يقولون: إنه يعني.. منهم من رخص، ونقل عن

ومنهم من قيده، ومنهم من منع ذلك، ومنهم من رخص فيه، وهذا الأمر لا تأثير له كبير بالنسبة لنقد السنة؛ لأن هذا وجوده.. مثل وجود هذا أكثره في عصر ما بعد عصر الرواية، حين تخفف المحدثون من المتون، وصار الهم هو طرق الأسانيد، ويروون كتبا مضبوطة، يعني موجودة الأحاديث فيها، هذا الذي يتعلق بهذا الفرع. نعم، اقرأ:"إبدال لفظ الرسول".

إبدال لفظ بلفظ سائغ مكانه

ص: 342

إبدال لفظ الرسول بالنبي أو النبي بالرسول قال ابن الصلاح: ظاهره أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى يعني لاختلاف معنيهما، ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك، فإذا كان في الكتاب النبي فكتب المحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم-ضرب على رسول وكتب النبي. قال الخطيب: وهذا منه استحباب، أي: إن مذهبه الترخيص في ذلك، قال صالح: سألت أبي عن ذلك، فقال أرجو أنه لا بأس به. وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزا كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال لهما: أما أنتما فلا تفقهان أبدا. الرواية في حال المذاكرة

نعم. لحظة أمر خفيف هذا، يعني وهو إبدال لفظ بلفظ سائغ مكانه، هذا مثل أن يكون النبي فيقول: الرسول، أو هذا يعني نستفيد من هذا ما الذي

تلاحظ أنت أن هذا مما تختلف فيه الأنظار، منهم من يريد المحافظة على لفظ الشيخ؛ لأنك أنت الآن تروي مجال الرواية غير مجال التحديث، الناقل يعني من.. لو قلت: -مثلا- عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم هذا ما فيه إشكال، أو قلت: عن النبي -صلى الله عليه وسلم، لكن لو قلت: حدثنا فلان عن فلان عن فلان، فأنت الآن تنقل حديثا عن رسول الله، أوتنقل ماذا حدثك شيخك، فمنهم من التزم ألفاظ الشيخ، ويراه ضرورة؛ لأنه فيه تجوز على الشيخ أن تنسب إليه ما لم يقله، وشددوا.

ص: 343

وهذا المهم نستفيد منه نحن في عنايتهم بهذا الأمر وضبطهم، فإذا كانوا قد اختلفوا في تغيير هذا الأمر السائغ الذي هو عن رسول الله، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم فنلاحظ تثبتهم في تغيير ما يتغير به معنى الحديث، والمهم نستفيد من هذا دقتهم -رحمهم الله تعالى-، وأما نحن في مجال النقل من الكتب، فالأمر أهون يعني نحن لا نروي، نحن لا نروي شيئا، وإنما يعني أنت الآن لو تريد أن تتكلم في.. أو تنقل لخطبه أو شيء ما فيه.. تغير، لا يريدون هذا هم، وإنما ما المراد الآن؟ في حال الرواية، في حال الرواية هل تحافظ على ما قاله شيخك؟ أو يجوز لك أن تغير ما يصح فيه التغير مثل النبي -صلى الله عليه وسلم، أو النبي عليه السلام أو كذا تغير ما لم تروه عن شيخك. نعم اقرأ الثانية.

الرواية في حال المذاكرة

الرواية في حال المذاكرة: هل تجوز الرواية بها كابن الصلاح عن ابن مهدى وابن المبارك وأبي زرعة قد منع من التحديث فيها؛ لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ الخَوَّان.

قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل. قال: فإذا حدث بها فليقل: حدثنا فلان مذاكرة، أو في المذاكرة، ولا يطلق ذلك، فيقع في نوع من التدليس، والله أعلم.

وإذا كان الحديث عن اثنين جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط الآخر ثقة كان أو ضعيفا، وهذا صنيع مسلم عن ابن لهيعة غالبا، وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره، والله أعلم.

ص: 344

نعم. هذه القضية فيها مسألة أو هذا الفرع الرواية في حال المذاكرة، ما هي المذاكرة؟ مرت بنا، وهي الاستذكار. المحدثون -رحمهم الله تعالى- يستعينون على ضبط حفظهم وعلى الاستزادة من الحفظ بالمذاكرة يعني لهم غرضان من المذاكرة، وربما جرت المذاكرة على سبيل المناظرة والمبارزة يعني، لكن لهم غرضان رئيسان، الغرض الأول: تذكر المحفوظ واستعادته، والغرض الثاني الاستزادة من المحفوظ، يعني ربما وجد عند صاحبه شيئا ليس عنده، فيضيفه إلى ما عنده، وجرت عادة العلماء -رحمهم الله تعالى- لما كان هذا هو الغرض أنهم لا يشددون، يتسامحون في المذاكرة، فربما روى الحديث بالمعنى، وربما حمل رواية على رواية، وربما يعني يتسامحون هذا..

نحن لا يهمنا تفسير هذا، الذي يهمنا ما هو؟ معرفته، يعني نعرف أن المحدثين في حال المذاكرة يتسامحون، وربما أرسل الحديث، وربما دلسه، يتسامحون في حال المذاكرة، فالمقصود من هذا الكلام أننا نستفيد منه أنه لو جاءتنا رواية يقول فيها الراوي: حدثني فلان مذاكرة، نستفيد منه ماذا؟ نستفيد أن الراوي لم يعتن بهذه الراوية، لو خالفه غيره أيهما الذي يقدم؟ يقدم الآخر لماذا؟؛ لأن ذاك حدث في حال مذاكرة، ويمر بنا نستفيد منه -أيضا- أن بعض العلماء يقول: هذا الحديث أخطأ فيه فلان، أو غريب من حديث فلان، ونرى أنه أخذه من فلان بحال المذاكرة.

من لم يستوعب هذا من الباحثين يأبى أو قد يرد التعليل بهذا، قد يرد على المحدث أنه علل بهذا، يقول: ثم ماذا؟ ما دام رواه يعني ما ينتبهون لقضية التسامح في حال المذاكرة.

ص: 345

ونحن يعني ينبغي لطالب العلم هذه الدقائق قد يحتاج إليها، قد يحتاج إليها طالب العلم، مثال ذلك -مثلا- أن أبا كريب محمد بن العلاء روى عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة عن أبي موسى الأشعري حديث: ? المؤمن يأكل في معى واحد ? هذا الحديث تفرد به أبو كريب عن أبي أسامة، وتفرد به أبو أسامة عن بريد، إسناده كله فيه تفرد، فالعلماء استغربوه استغربوه على أبي كريب، واستنكروه، استنكره جماعة من العلماء، فالبخاري ماذا يقول في تعليله؟ نرى أن أبا كريب أخذه من أبي أسامة في حال المذاكرة، ولم يأخذه يعني في حال التحديث؛ لأنه حال المذاكرة غير حال التحديث، فاحتمال أن أبا أسامة إما دلسه، أو تسامح فيه، أو لم يضبطه.

فيتسامحون في حال المذاكرة عنه في حال الرواية، وكان كثير منهم يذاكر، يذاكر، فإذا قال له صاحبه: أريد هذا الحديث ليس عندي، قال له: انتظر، فيذهب، ويخرج الكتاب، ويحدثه من كتابه؛ لأنه حال التحديث يختلف الآن عن حال المذاكرة.

إذن ماذا نستفيد نحن؟ نستفيد أنه إذا مر بنا للعلماء تعليل، لا نقول: هذا ليس بعلة. هذا رأيته من بعض الباحثين يرفضون هذا يعني من باب يعني لم يستوعبوه، أو لم يعني ينظروا في كلام الأئمة، وفي تسامحهم في الرواية حال المذاكرة، ونستفيد منه -أيضا-: قد تمر هذه القضية بطالب العلم فيما لو أراد أن يوازن بين روايتين، ونص في أحدهما على أنه قد سمعه منه مذاكرة، ويمر هذا يمر هذا أن يقول: وهذا الحديث سمعته من فلان في المذاكرة، هذا يمر يعني وإن لم يكن كثيرا جدا، ولكنه موجود، وأنا أقول لطلاب العلم: هذه الدقائق، قد -مثلا- تشتغل بالسنة الأشهر أو سنة -مثلا-، ولا تحتاج إلى هذه الجزئية، ولكن هذه الجزئية، وتلك جزئية، وهذه جزئية، فجزئيات كثيرة مجموعها يمر بك يوميا.

ص: 346

يعني الواحدة منها تمر اليوم، وأخرى قد تمر بعد فترة، فهذه الجزئيات من تجميعها يتكون لدى الباحث قواعد نقد السنة، وقد تحتاج إليها في حديث واحد، وتحتاج إلى هذه وتلك في حديث آخر، وهكذا.

فلا ينبغي إغفالها، وأقل الأحوال أن طالب العلم لا ينبغي أن يكون يعني أن يتفهم كلام الأئمة لو مرت بك، وقال فلان: حدثني فلان مذاكرة، يعني تفهم ماذا يريد من قوله: مذاكرة، لماذا نص على كونه مذاكرة، تفهم أنه يريد أنه لم يحرر هذا جيدا، أو لم يتقنه، ليس..؛ لأني أسمعه منه بحال الرواية وستحتاج إلى تهيؤ.

هنا قضية التي هي قضية التحديث عن اثنين، هذه موضوع مهم، وهو أنه إذا كان الحديث يرويه عن شيخه عن اثنين أو ثلاثة، فبعض العلماء يقول: ينبغي أن يذكرهما جميعا أن يذكر الاثنين جميعا، حتى

ولا سيما إن كان أحدهما ضعيفا، والآخر ثقة؛ لأنه يحتمل.

وهذا هو الحاصل، وهذا هو الدقة، يحتمل أن يكون لو حذف أحدهما، يحتمل أن يكون اللفظ لفظ من؟ لفظ المحذوف، هذه قضية دقيقة تسمى الحمل، حمل إحدى الروايتين على الأخرى. المهم يقولون: ينبغي أن يذكر الاثنين، ومسلم يفعله أحيانا في ابن لهيعة يقول -مثلا-: حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة.

والبخاري طريقته أن يحذف ابن لهيعة يذكر فقط ابن الحارث. النسائي يقول: عن عمرو بن الحارث وآخر بدل ما يقول: وابن لهيعة؛ لأنه عنده ضعيف ولا يريد أن يخرج له. مسلم رحمه الله يعني يقول ابن كثير: إنه يسقطه، ولكن -أيضا- مسلم أحيانا يذكره، فيظن بعض الباحثين أن مسلما يخرج لابن لهيعة، مسلم لا يخرج لابن لهيعة، وإنما هو مر عنده في الإسناد، فمن ورعه رحمه الله لم يسقطه، وإنما ساقه الإسناد كما ورد إليه، ويقولون: الأولى بالمحدث أن يذكر الإسنادين جميعا؛ لاحتمال أن يكون المذكور لفظ أحدهما الذي هو المسقط.

ص: 347

هذا نص عليه الإمام أحمد يقول: لا ينبغي له أن يسوق واحدا منهما، ويسقط الآخر؛ لاحتمال أن يكون في لفظ أحدهما زيادة على الآخر، أو أن يكون اللفظ لأحدهما ويسقطه، ولا سيما يتأكد هذا إذا كان

عقد له الخطيب فصلا فيه الكفاية، يتأكد هذا إذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفا. ونحن نستفيد من هذا، يعني أنا أحاول أن أبين ماذا نستفيد من هذا الأمر، تستفيد منه فيما لو كنت تجمع الطرق، وتوازن بين الروايات، فلو ساقه -مثلا-

المهم أن هذه القضية ذكرتها قبل قليل، وهي حمل إحدى الروايتين على الأخرى. إذا أردنا أن نتحقق من لفظ أحد الراويين، وهذا موضوع يتعلق بدراسة الأسانيد، والعمدة فيه على التطبيق، يعني لا يتضح هذا إلا بالمثال. نعم.

الآن ندخل في آداب المحدث وآداب طالب الحديث، لا بد أن نقرأها اليوم. نعم. تفضل،

ولا نعلق عليها؛ لأنها واضحة، لكن ما نريد أن نتركها دون قراءة، هي واضحة، منها ما يتعلق بآداب طالب العلم عموما، ومنها مع شيخه، ومع العلم نفسه، ومنها ما يتعلق بالمحدث، يعني نفسه، سنعلق على ما يحتاج إلى تعليق، وإن كانت هي ظاهرة. نعم يا سيدي.

ص: 348