المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(الكلام فى الاستدلال) - شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي ومعه حاشية السعد والجرجاني - جـ ٣

[عضد الدين الإيجي]

فهرس الكتاب

- ‌(مباحث التخصيص)

- ‌(مسائل الاستثناء)

- ‌(مباحث الشرط والصفة والغاية)

- ‌(مسائل التخصيص بالمنفصل)

- ‌(مسألة: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب

- ‌(المطلق والمقيد)

- ‌(المجمل)

- ‌(البيان والمبين)

- ‌(الظاهر والمؤول)

- ‌(المنطوق والمفهوم)

- ‌(مباحث النسخ)

- ‌(مسألة: يجوز نسخ القرآن بالقرآن

- ‌(الكلام فى القياس)

- ‌(مباحث مسالك العلة)

- ‌(الطرد والعكس

- ‌القياس جلى وخفى

- ‌(الاعتراضات)

- ‌(فساد الاعتبار)

- ‌ فساد الوضع

- ‌(الكلام فى الاستدلال)

- ‌(الكلام فى الاستصحاب)

- ‌(الكلام فى شرع من قبلنا)

- ‌(الكلام فى مذهب الصحابى)

- ‌(الكلام فى الاستحسان)

- ‌(الكلام فى المصالح المرسلة)

- ‌(الكلام فى الاجتهاد)

- ‌(التقليد والمفتى والمستفتى وما يستفتى فيه)

- ‌(الترجيح)

- ‌ القسم الأول: فى ترجيح المنقولين:

- ‌الصنف الأول: فى الترجيح بحسب السند:

- ‌(الفصل الأول: فى الراوى):

- ‌(الفصل الثانى: فى الترجيح بالرواية):

- ‌(الفصل الثالث: فى الترجيح بحسب المروى):

- ‌(الفصل الرابع: فى الترجيح بحسب المروى عنه):

- ‌ الصنف الثانى: الترجيح بحسب المتن:

- ‌ الصنف الثالث: الترجيح بحسب المدلول:

- ‌ الصنف الرابع: الترجيح بحسب الخارج:

- ‌ القسم الثانى: ترجيح المعقولين:

- ‌الصنف الأول: القياسان:

- ‌الفصل الأول: فى ترجيحه بحسب الأصل:

- ‌ الفصل الثانى: فى الترجيح بحسب العلة:

- ‌ الفصل الثالث: فى الترجيح بحسب الفرع:

- ‌الفصل الرابع: فى الترجيح بحسب الخارج:

- ‌الصنف الثانى: الاستدلالان:

- ‌ القسم الثالث: فى ترجيح المنقول والمعقول:

الفصل: ‌(الكلام فى الاستدلال)

(الكلام فى الاستدلال)

قال: (والاستدلال يطلق على ذكر الدليل ويطلق على نوع خاص وهو المقصود فقيل ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وقيل ولا قياس علة فيدخل نفى الفارق والتلازم وأما نحو وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط فقيل دعوى دليل وقيل دليل وعلى أنه دليل قيل استدلال وقيل إن أثبت بغير الثلاثة).

أقول: قد فرغ من القياس فشرع فى الاستدلال وهو آخر الأدلة الشرعية والاستدلال فى اللغة طلب الدليل وفى العرف يطلق على إقامة الدليل مطلقًا من نص أو إجماع أو غيرهما وعلى نوع خاص منه وهو المقصود ههنا فقيل هو ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس وليس ذلك لكونه تعريف بعض الأنواع ببعض تعريفًا بالمساوى فى الجلاء والخفاء بل لسبق معرفتك بتلك الأنواع تعريف للمجهول بالمعلوم وقيل مكان قولنا ولا قياس ولا قياس علة فيدخل فيه القياس بنفى الفارق وهو الذى سماه قياسًا فى معنى الأصل وقياس التلازم ونعنى به إثبات أحد موجبى العلة بالآخر لتلازمهما وهو الذى سماه قياس الدلالة وهما غير داخلين فى الأول فالأول أخص واعلم أن الفقهاء كثيرًا ما يقولون وجد السبب فيوجد الحكم أو وجد المانع أو فقد الشرط فيعلم الحكم فقيل ليس بدليل إنما هو دعوى دليل، فهو بمثابة قوله وجد دليل الحكم فيوجد الحكم ولا يكون دليلًا ما لم يتعين وإنما الدليل ما يستلزم الحكم وهو وجود السبب الخاص أو وجود المانع أو عدم الشرط المخصوص وقيل هو دليل إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول وهو كذلك وبناءً على أنه دليل فقيل هو استدلال مطلقًا لأنه غير النص والإجماع والقياس وقيل استدلال إن ثبت وجود السبب أو المانع أو فقد الشرط بغير الثلاثة وإلا فهو من قبيل ما ثبت به إن نصًا وإن إجماعًا وإن قياسًا وهذا هو المختار.

قوله: (وليس ذلك) إشارة إلى جواب سؤال على التعريف وقوله لكونه تعريف بعض الأنواع تعليل للمنفى يعنى لا يتوهم أن هذا تعريف بالمساوى فى الجلاء

ص: 551

والخفاء بسبب كونه تعريف بعض الأنواع بل ذلك تعريف للمجهول بالمعلوم بسبب سبق العلم بالأنواع المذكورة فى التعريف.

قوله: (ولا قياس علة) قد سبق أن القياس ينقسم إلى قياس علة وهو ما صرح فيه بالعلة كما يقال فى النبيذ مسكر فيحرم كالخمر وقياس دلالة وهو ما لا يذكر فيه العلة بل وصف ملازم لها كما لو علل فى قياس النبيذ على الخمر برائحة المشتد وحاصله إثبات حكم فى الفرع هو وحكم آخر توجبهما علة واحدة فى الأصل على ما سبق وتفصيله وقياس فى معنى الأصل وهو أن يجمع بين الأصل والفرع بنفى الفارق ويسمى تنقيح المناط كما فى قصة الأعرابى يلحق به الزنجى والهندى ففى التعريف لو أطلق القياس خرج عنه جميع أقسام القياس ولو قيد بقياس للعلة دخل فيه قياس الدلالة والقياس فى معنى الأصل لأن نفى الأخص لكونه أعم يوجب نفى الأعم فالتعريف المأخوذ فيه نفى الأعم لكونه أخص يكون أخص.

قوله: (وهو كذلك) أى قولنا وجد السبب فيوجد الحكم ونحوه بحيث يلزم من العلم به العلم بالمدلول غاية ما فى الباب أن إحدى مقدمتيه وهو أنه وجد السبب يفتقر إلى بيان.

قوله: (وهذا هو المختار) لأن حقيقة هذا الدليل هو أن هذا حكم وجد سببه وكل حكم وجد سببه فهو موجود والكبرى بينة فيكون مثبت الحكم هو ما يثبت الصغرى فإن كان غير النفى والإجماع والقياس كان مثبت الحكم غيرها فيكون استدلالًا وإن كان أحدها كان هو المثبت للحكم فلم يكن استدلالًا بل نصًا أو إجماعا أو قياسًا وإذا تحققت فجميع الأحكام الثابتة بالنص والإجماع والقياس من هذا القبيل لأنه ينتظم دليل هكذا هذا حكم دل عليه النص وكل حكم دل عليه بالنص فهو ثابت فبمجرد انضمام مقدمة أخرى لا يخرج الحكم عن كونه مثبتًا بالنص.

قوله: (وإذا تحققت فجميع. . . إلخ) لعل الأصل وإلا فجميع الأحكام. . . إلخ.

ص: 552

قال: (والمختار أنه ثلاثة تلازم بين حكمين من غير تعيين علة واستصحاب وشرع من قبلنا الأول تلازم بين ثبوتين أو نفيين أو ثبوت ونفى أو نفى وثبوت والمتلازمان كانا طردًا وعكسًا كالجسم والتأليف جرى فيهما الأولان طردًا وعكسًا وإن كانا طردًا لا عكسًا كالجسم والحدوث جرى فيهما الأول طردًا والثانى عكسًا والمتنافيان إن كانا طردًا وعكسًا كالحدوث ووجوب البقاء جرى فيهما الأخيران طردًا وعكسًا فإن تنافيا إثباتًا كالتأليف والقدم جرى فيهما الثالث طردًا وعكسًا، فإن تنافيا نفيًا كالأساس والخلل جرى فيهما الرابع طردًا وعكسًا).

أقول: قد اختلف فى أنواع الاستدلال والمختار أنه ثلاثة: التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة وإلا كان قياسًا، واستصحاب الحال، وشرع من قبلنا، قالت الحنفية: والاستحسان أيضًا، وقالت المالكية: والمصالح المرسلة أيضًا، وقال قوم: نفى المدارك فى الأحكام العدمية، ونفى قوم شرع من قبلنا، وقوم الاستصحاب.

الكلام فى التلازم وهو أربعة أقسام إنما يكون بين حكمين والحكم إما إثبات أو نفى ويحصل بحسب التركيب أقسام أربعة لأن التلازم بين ثبوتين أو بين نفيين أو بين ثبوت ونفى أو بين نفى وثبوت ومحل الحكم إن لم يكونا متلازمين ولا متنافيين وهما العام والخاص، من وجه كالأسود والمسافر لم يجر فيه شئ منها فلا يصح إن كان مسافرًا فهو أسود ولا إن لم يكن أسود فليس مسافرًا ولا إن كان أسود فليس مسافرًا ولا إن لم يكن أسود فهو مسافر وإنما يجرى فيما فيه تلازم أو تنافٍ والتلازم إما أن يكون طردًا وعكسًا أى من الطرفين أو طردًا لا عكسًا، أى من طرف واحد والتنافى لا بد أن يكون من الطرفين لكنه إما أن يكون طردًا وعكسًا أى إثباتًا ونفيًا وإما طردًا فقط، أى إثباتًا وإما عكسًا فقط أى نفيًا فهذه خمسة أقسام فلينظر ماذا يجرى فيها من الأقسام الأربعة أى يصدق فيها:

الأول: المتلازمان طردًا وعكسًا وهو كالجسم والتأليف إذ كل جسم مؤلف وكل مؤلف جسم وهذا يجرى فيه الأولان أى التلازم بين الثبوتين وبين النفيين كلاهما طردًا وعكسًا فيصدق كلما كان جسمًا كان مؤلفًا، وكلما كان مؤلفًا كان جسمًا، وكلما لم يكن جسمًا لم يكن مؤلفًا، وكلما لم يكن مؤلفًا لم يكن جسمًا.

الثانى: المتلازمان طردًا فقط، كالجسم والحدوث إذ كل جسم حادث ولا ينعكس فى الجوهر الفرد والعرض فهذان يجرى فيهما الأول أى التلازم بين الثبوتين طردًا

ص: 553

فيصدق كلما كان جسمًا، كان حادثًا، لا عكسًا، فلا يصدق كلما كان حادثًا كان جسمًا ويجرى فيهما الثانى أى التلازم بين النفيين عكسًا فيصدق كلما لم يكن حادثًا لم يكن جسمًا لا طردًا فلا يصدق كلما لم يكن جسمًا لم يكن حادثًا.

الثالث: المتنافيان طردًا وعكسًا كالحدوث ووجوب البقاء؛ فإنهما لا يجتمعان فى ذات فيكون حادثًا واجب البقاء، ولا يرتفعان فيكون قديمًا غير واجب البقاء فهذان يجرى فيهما الأخيران أى: تلازم الثبوت والنفى والنفى والثبوت طردًا وعكسًا أى: من الطرفين فيصدق لو كان حادثًا لم يجب بقاؤه ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثًا ولو لم يكن حادثًا فليس لا يجب بقاؤه ولو لم يكن لا يجب بقاؤه فليس بحادث.

الرابع: المتنافيان طردًا لا عكسًا أى إثباتًا لا نفيًا كالتأليف والقدم إذ لا يجتمعان فلا يوجد شئ هو مؤلف وقديم لكنهما قد يرتفعان كالجزء الذى لا يتجزأ وهذان يجرى فيهما الثالث: أى تلازم الثبوت والنفى طردًا وعكسًا أى من الجانبين فيصدق كلما كان جسمًا لم يكن قديمًا وكلما كان قديمًا لم يكن جسمًا لا الرابع أى تلازم النفى والإثبات، من شئ من الجانبين فيصدق كلما لم يكن جسمًا كان قديمًا أو كلما لم يكن قديمًا كان جسمًا.

الخامس: المتنافيان عكسًا أى نفيًا كالأساس والخلل فإنهما لا يرتفعان فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل وقد يجتمعان فى كل ذى أساس يختل بوجه آخر وهذان يجرى فيهما الرابع أى تلازم النفى والثبوت طردًا وعكسًا فيصدق كل ما لم يكن له أساس فهو مختل وكل ما لم يكن مختلًا فله أساس ولا يجرى فيهما الثالث فلا يصدق كل ما كان له أساس فليس بمختل، أو كل ما كان مختلًا فليس له أساس.

قوله: (واختلف فى أنواع الاستدلال) قال الآمدى منها قولهم وجد السبب أو المانع أو فقد الشرط ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر ثم قسمه إلى الاقترائى والاستثنائى وذكر الأشكال الأربعة وشروطها وضروبها والاستثنائى بقسميه المتصل والمنفصل بأقسامه الثلاثة، ثم قال: ومنها استصحاب الحال.

ص: 554

قوله: (أربعة اقسام) لأن التلازم بين الثبوت والنفى بأن يكون الثبوت ملزومًا والنفى لازمًا غير التلازم بين النفى والثبوت بمعنى كون النفى ملزومًا والثبوت لازمًا.

قوله: (إن لم يكونا) قيل الضمير لمحل الحكم لأنه بمعنى الجنس المتناول للواحد والاثنين ويحتمل أن يكون الضمير للحكمين وبالجملة محل الحكم مبتدأ ولم يجز جزاء الشرط والجملة الشرطية خبر المبتدأ وضمير فيه لمحل الحكم وضمير منها للأقسام الأربعة وقوله وهما أى الحكمان اللذان ليسا بمتلازمين ولا متنافيين هما العام والخاص من وجه وأما العام والخاص مطلقًا فمتلازمان لكن من طرف واحد إذ المعنى بالتلازم ههنا اللزوم أعم من أن يكون طردًا وعكسًا بمعنى أن يكون كل منهما ملزومًا ولازمًا أو طردًا فقط بمعنى أن يكون أحدهما ملزومًا والآخر لازمًا من غير عكس ولا يتصور مجرد العكس وأما التنافى فبالضرورة يكون من الطرفين بأن يكون وجود كلٍّ منافيًا لوجود الآخر وعدمه لعدمه وهو الانفصال الحقيقى وقد يكون طردًا فقط بأن يكون وجود كلٍّ منافيًا لوجود الآخر ولا يكون عدمه منافيًا لعدمه وهو منع الجمع وقد يكون عكسًا فقط بأن يكون عدم كلٍّ منافيًا لعدم الآخر ولا يكون وجوده منافيًا لوجوده وهو منع الخلو فبهذا الاعتبار أقسام التلازم اثنان وأقسام التنافى ثلاثة فالمجموع خمسة ويجرى فى كل منهما بعض الأقسام الأربعة الحاصلة للتلازم باعتبار الإثبات والنفى ووجه الجميع ظاهر لأن حاصله أنه إذا كان بين الشيئين تلازم تساوٍ فثبوت كلٍّ يستلزم ثبوت الآخر ونفيه نفيه وإن كان مطلق اللزوم فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم من غير عكس ونفى اللازم يستلزم نفى الملزوم من غير عكس وأنه إذا كان بين الشيئين انفصال حقيقى فثبوت كل يستلزم نفى الآخر ونفيه ثبوته وإن كان منع جمع فثبوت كل يستلزم نفى الآخر من غير عكس وإن كان منع خلو فخفى كل يستلزم ثبوت الآخر من غير عكس وحاصل الكلام أن الأقيسة الاستثنائية من أقسام الاستدلال ولا خفاء فى أن الاقترانية أيضًا كذلك على ما هو كلام الآمدى ولو لم يكن حادثًا فليس لا يجب بقاؤه لم يقل لو لم يكن حادثًا وجب بقاؤه تنبيهًا على أن العبرة بالمعنى دون اللفظ وإزالة لما عسى يتوهم من أن نفى الحدوث لا يستلزم ثبوت وجوب البقاء لجواز أن يكون معدومًا بخلاف صورة السبب وأما قوله لو لم يكن لا يجب بقاؤه فليس بحادث فمقتضى

ص: 555

الظاهر أن يقال لو لم يكن يجب بقاؤه فهو حادث لأنه فى بيان أن نفى وجوب البقاء يستلزم ثبوت الحدوث ومقتضى ما ذهب إليه من العدول إلى صورة السبب أن يقال لو لم يكن يجب بقاؤه فليس لا يكون حادثًا إلا أنه عدل إلى ما نرى تنبيهًا على أن العبرة لجانب المعنى بأن يعبر عن استلزام نفى أحد جزأى الانفصال الحقيقى ثبوت الآخر بصورة استلزام نفى نفيه نفى الآخر.

ص: 556

قال: (الأول فى الأحكام من صح طلاقه صح ظهاره ويثبت بالطرد ويقوى بالعكس ويقرر بثبوت أحد الأثرين فيلزم الآخر للزوم المؤثر وبثبوت المؤثر ولا يعين المؤثر فيكون انتقالًا إلى قياس العلة الثانى لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم ويثبت بالطرد كما تقدَّم ويقرر بانتفاء أحد الأثرين فينتفى الآخر للزوم انتفاء المؤثر بانتفاء المؤثر الثالث ما كان مباحًا لا يكون حرامًا، الرابع ما لا يكون جائزًا يكون حرامًا ويقرران بثبوت التنافى بينهما أو بين لوازمهما).

أقول: لما بيَّن أقسام التلازم بحسب مواردها ذكر لها أمثلة من الأحكام الشرعية:

فالأول: وهو تلازم الثبوت والثبوت كما يقال من صح طلاقه صح ظهاره، وهذا يثبت بالطرد وهو أنا تتبعنا فوجدنا كل شخص يصح طلاقه يصح ظهاره ويقوى بالعكس وهو أنا تتبعنا فوجدنا كل شخص لا يصح طلاقه لا يصح ظهاره وحاصله التمسك بالدوران ولكن على أن العدم ليس جزءًا لما تقدَّم وقد تقرر بوجه آخر وهو أن يقال قد ثبت أحد الأثرين فيلزم ثبوت الآخر وذلك للزوم وجود المؤثر للثابت منهما، واستلزامه للآخر، أو يقال ثبت أحد الأثرين فيكون المؤثر ثابتًا فيكون الآخر ثابتًا وفى كليهما لا يعين المؤثر فيكون قد انتقل من التلازم إلى قياس العلة، ولنفرض أن الكفارة والتحريم أثران للأهلية.

الثانى: وهو استلزام النفى النفى لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم، لأنه فى قوة قولك لما لم يصح التيمم بغير نية لم يصح الوضوء فإن لو لانتفاء الشئ لانتفاء غيره، أو فى قوة قولك لو لم تشترط النية فى الوضوء لم تشترط فى التيمم فيتساهل فيه إذ لا عبرة بالعبارة وهذا أيضًا يثبت بالطرد ويقوى بالعكس كما مر، ويقرر بوجه آخر وهو أن يقال انتفى أحد الأثرين فلزم انتفاء الآخر للزوم انتفاء المؤثر أو يقال قد انتفى أحد الأثرين فينتفى المؤثر فيختفى أثره الآخر ولنفرض أن الثواب واشتراط النية أثران للعبادة.

الثالث: وهو تلازم الثبوت والنفى ما يكون مباحًا لا يكون حرامًا.

الرابع: وهو تلازم النفى والثبوت ما لا يكون جائزًا يكون حرامًا.

وهذان يقرران بثبوت التنافى بينهما أو بين لوازمهما لأن تنافى اللوازم يدل على تنافى الملزومات.

ص: 557

قوله: (وهذا يثبت بالطرد) فإن قيل هذا هو الطرد نفسه إذ لا معنى له سوى أنه كلما وجد هذا وجد ذاك فالذى يثبت به قلنا كأنه يرى التلازم أمرًا مغايرًا له يثبت به وفى شرح العلامة أنه يثبت به أن صحة الطلاق علة لصحة الظهار وأنت خبير بأن الكلام فى التلازم لا العلية وبهذا يندفع ما يقال إن ثبوت العلية بالطرد خلاف اختيار المصنف وأن إثباته بالطرد وجعل العكس مقويًا لذلك خلاف ما ذكر أن لاجتماع الطرد والعكس أثرًا ليس لكل واحد منهما على الانفراد وبالجملة مجرد الطرد مثبت للزوم بل نفسه والعكس يقرره حيث لم يحصل الانعكاس فى جانب العدم أيضًا وما ذكره المحقق ربما يشعر بأن الكلام فى إثبات العلية لأن ما تقدَّم هو أنه لا مدخل للانعكاس فى صحة العلية وإلا لزم فى العلة الانعكاس وليس كذلك.

قوله: (وقد تقرر) يعنى أن التلازم يثبت بالطرد بطريق الاستدلال من ثبوت أحد أثرى الشئ على الآخر وبطريق الاستدلال من ثبوت الأثر على ثبوت مؤثره ومنه على ثبوت أثره الآخر وهذان متقاربان جدًا لأن توسط المؤثر ملاحظ فى الأول أيضًا وإن لم يصرح به وكذا استلزام نفى صحة التيمم بدون النية لنفى صحة الوضوء بالطرد على معنى أنه كلما تحقق هذا النفى تحقق ذاك وبالاستدلال من انتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر وبالاستدلال من انتفاء الأثر على انتفاء مؤثره ومنه على انتفاء أثره الآخر وتقرير العلامة أنه يفرض كون صحة الطلاق وصحة الظهار أثرين لمؤثر واحد وكذا صحة التيمم وصحة الوضوء والشارح المحقق فرض فى الأولين كون الكفارة والتحريم أثرين للأصلية وفى الثانى كون الثواب واشتراط النية أثرين للعبادة ولا يظهر احتياج إلى ذلك.

قوله: (فإن لو لانتفاء الشئ) هذا يوافق ما ذهب إليه المصنِّفُ من أن لو لانتفاء الأول لانتفاء الثانى ليكون معنى لو صح الوضوء بغير نية لصح التيمم لما لم يصح التيمم لم يصح الوضوء فيكون من استلزام النفى النفى وإلا فظاهره من استلزام الثبوت الثبوت وأما تأويله الآخر وهو أنه لو لم يشترط النية فى الوضوء لم يشترط فى التيمم فكلمة لو فيه لإفادة الملزوم على ما يستعمله المنطقيون من غير اعتبار انتفاء الشئ لانتفاء غيره.

ص: 558

قوله: (وهذان يقرران) يعنى أن المنع الشرعى وعدمه إما نفس الحرمة والإباحة أو لازمان لهما وهما متنافيان فيكونان متنافيين.

المصنف: (الأول فى الأحكام من صح طلاقه صح ظهاره) أى أريد الاستدلال على صحة الظهار من الذمى.

الشارح: (وهذان يقرران بثبوت التنافى بينهما) أراد بين الثبوتين أعنى الإباحة والتحريم والجواز والحرمة لا بين الثبوت والنفى أو النفى والثبوت فالمراد ثبوت التنافى بين الثبوتين فإن كان التنافى بينهما فى الجمع استلزم كل من الثبوتين نفى الآخر فيصدق ما كان مباحًا لا يكون حرامًا وإن كان التنافى بينهما فى الخلو كما بين الجائز بمعنى ما لا يمتنع شرعًا والحرام استلزم نفى كل من الثبوتين عين الآخر فيصدق ما لا يكون جاءوا فهو حرام.

قوله: (وبهذا يندفع ما يقال. . . إلخ) أى لأنا لم ندع ثبوت العلية بل ثبوت التلازم.

قوله: (وكلما تحقق هذا النفى تحقق ذاك) المأخوذ من التحرير أنه قد تحقق كل من النفيين فى ذاته وما قاله المحشى هو الموافق لما ذكره فى نظيره إلا أنه يحتاج إلى أن يكون النزاع فى وصف مخصوص.

قوله: (بغرض كون صحة الطلاق وصحة الظهار أثرين لمؤثر واحد) هو الأهلية وقوله وكذا صحة التيمم وصحة الوضوء أى بغير نية وكل منهما أثر للكون ليس عبادة وقد انتفى أحد الأثرين وهو صحة التيمم بغير نية لانتفاء المؤثر.

ص: 559

قال: (ويرد على الجميع منعهما ومنع أحدهما ويرد من الأسئلة ما عدا أسئلة نفس الوصف الجامع ويختص بسؤال مثل قولهم فى قصاص الأيدى باليد أحد موجبى الأصل وهو النفس فيجب بدليل الموجب الثانى وهو الدية وقرر بأن الدية أحد الموجبين فيستلزم الآخر لأن العلة إن كانت واحدة فواضح، وإن كانت متعددة فتلازم الحكمين دليل تلازم العلتين فيعترض بجواز أن يكون فى الفرع بأخرى لا تقتضى الآخر، ويرجحه باتساع المدارك فلا يلزم الآخر وجوابه أن الأصل عدم أخرى وترجيحه بأولوية الاتحاد لما فيه من العكس فإن قال فالأصل عدم علة الأصل فى الفرع قال فالمتعدية أولى).

أقول: جميع أقسام التلازم يرد عليه منع الأمرين وهما تحقق الملزوم من نفى أو إثبات وتحقق الملازمة ويرد من الاسئلة الخمس والعشرين الواردة على القياس جميعها ما عدا الأسئلة المتعلقة بنفس الوصف الجامع، لأنه لم يذكر فيه وصف جامع ويختص بسؤال لا يرد على القياس ويوضحه فى مثال وهو كما يقال فى قصاص الأيدى باليد الواحدة قياسًا على النفوس بالنفس الواحدة، القصاص أحد موجبى الأصل وهو النفس بدليل الموجب الآخر وهو الدية ويقرر بأن الدية أحد الموجبين وقد ثبت فيلزم وجود الآخر وهو القصاص لأن العلة فيهما إما واحدة أو متعددة؛ فإن كانت واحدة فواضح وإن كانت متعددة فتلازم الحكمين طردًا وعكسًا يدل على تلازم العلتين فكلما ثبت علة أحد الحكمين ثبت علة الآخر سواء كان نفسه أو ملازمه طردًا وعكسًا، فيقول المعترض لم لا يجوز أن يثبت أحد الموجبين فى الفرع بعلة أخرى تختص به وتقتضى ذلك الموجب ولا تقتضى الموجب الآخر فلا يلزم وجود الموجب الآخر فيه والحاصل أن المعلوم تلازمهما فى غير محل النزاع فلم لا يجوز أن يكون موجب أحدهما وهو الأصل أعم حتى يوجد فى الفرع دون الآخر فإنه يوجد فيما عدا الفرع ولا يوجد فيه مثل أن تكون الدية ثبتت بعلة موجودة فى النفس وفى اليد والقصاص بعلة ثبتت فى النفس دون اليد هذا ويرجح ثبوته فى الفرع بعلة أخرى إذا أريد الترجيح بأنه يفضى إلى اتساع مدارك الأحكام فيكون أكثر فائدة وإذا ثبت بعلة أخرى فما ذكرناه من الاحتمال ظاهر.

والجواب: أن الأصل عدم علة أخرى، ويرجح المستدل بأن اتحاد العلة فى

ص: 560

الحكم الواحد أولى من تعدده لأنه يستلزم الانعكاس والعلة المنعكسة علة باتفاف بخلاف غيرها إذ فيه الخلاف والمتفق عليه أرجح، فإن قال المعترض إذا تمسكتم بأن الأصل هو العدم فنعارضه بأن الأصل عدم علة الأصل فى الفرع قلنا تعارضا وتساقطا والترجيح معنا من وجه آخر وهو أن العلة المتعدية أولى من القاصرة للاتفاق عليها، والخلاف فى القاصرة ولكثرتها وقلة القاصرة وإذا أثبتنا الحكم فى الفرع بعلة الأصل فقد عديناها وإذا لم نثبته بها فقد قصرنا علة الأصل على الأصل وعلة الفرع على الفرع.

قوله: (ويوضحه فى مثال) وهو أن يثبت قطع الأيدى باليد الواحدة قياسًا على قتل الأنفس بنفس واحدة بجامع وجوب الدية على الجميع ومرجعه إلى قياس القصاص على الدية بجامع كونهما أثرًا يترتب على الجناية وتقريره أن الدية على الكل الأثرين فى الأول أعنى النفس وقد وجد فى الفرع أعنى اليد فيلزم وجود الأثر الآخر وهو القصاص على الكل لأن علة الأثرين فى الأول إن كانت واحدة فواضح أنه يلزم من وجود أحد الأثرين فى الفرع وجود العلة ومن وجود العلة وجود الأثر الآخر وهو القصاص على الكل وإن كانت متعددة فتلازم الأثرين فى الأصل دليل لتلازم العلتين فوجود أحد الأثرين فى الفرع مستلزم وجود علته وهو يستلزم وجود علة الأثر الآخر فيثبت الأثر الآخر فيعترض بأنه لا يلزم من ثبوت أحد الأثرين كالدية مثلًا فى الفرع ثبوت الأثر الآخر كالقصاص لجواز أن تكون علته فى الفرع غير علته فى الأول وهى أعنى علته فى الفرع تكون بحيث تقتضى وجوب الدية على الكل لا تقتضى وجوب قطع الكل ولا يكون أيضًا متلازمًا لأمر يقتضى ذلك وإن كانت فى الأول أعنى النفس تقتضيهما جميعًا أو يكون متلازمًا لأمر يقتضى قتل الكل، فقوله وهو أى الأول هو النفس وقوله بدليل الموجب الآخر متعلق بمحذوف أى فيجب وكأنه سقط من القلم قوله ويقرر أى وجوب القصاص على الجميع فى الفرع وقوله لأن العلة فيهما أى فى الدية والقصاص فى الأصل، وقوله سواء كان أى سواء كانت علة أحد الحكمين نفس علة الآخر أو أمرًا ملازمًا لها طردًا أو عكسًا وقوله يختص به أى يوجد فى الفرع ولا يوجد فى الأصل ويقتضى ذلك الموجب يعنى الدية على الكل ولا تقتضى الموجب الآخر

ص: 561

يعنى القصاص على الكل وتقرير الاعتراض على هذا الوجه يوافق كلام الآمدى وجميع الشارحين وسيأتى على تقدير اتحاد العلة فى الأصل وتعددها ويخالف ما ذكره المحقق فى الحاصل لأن مبناه على تعدد العلة فى الأصل على أن علة ثبوت الدية فى الفرع هى علة ثبوت الدية فى الأصل إلا أنها فى الأصل تلازم أمرًا هى علة ثبوت القصاص وفى الفرع لا تلازمه فقوله المعلوم تلازمهما أى تلازم الحكمين فى الأصل وهو النفس والنزاع إنما هو فى الفرع أعنى اليد وقوله موجب أحدهما على لفظ اسم الفاعل وضمير هو لأحدهما والمراد بالأصل ههنا الدية ولا يبعد أن تكون وهو الأصل من سهو القلم والصواب فى الأصل يعنى لم لا يجوز أن يكون الأمر الذى يوجب أحد الحكمين فى الأصل أعم بحيث يوجد فيه وفى الفرع بخلاف الأمر الذى يوجب الأثر الآخر فإنه أخص لا يوجد إلا فى الأصل وهذا لا ينافى تلازم الموجبين أعنى العلتين فى الأصل بمعنى أنه كلما ثبت هذا قد ثبت ذاك وبالعكس كما يقال الحركة والضحك متلازمان فى الإنسان وإن كانت الحركة توجد فى غيره فكأنه أشار إلى أنه يمكن تقرير الاعتراض بوجهين يبتنى أحدهما على تعدد العلة أو أراد بعلة أخرى مغايرتها للعلة فى الأصل لا بالذات بل بالوصف بمعنى أنها فى الفرع لا تلازم علة الأثر الآخر ومعنى تختص به أنها تختص بأحد الموجبين بمعنى أنه يقتضيه ولا يقتضى الموجب الآخر على أن يكون قوله ويقتضى تفسيرًا للاختصاص ولا يخفى ما فيه من التعسف.

قوله: (كما يقال الحركة والضحك) أراد بالحركة الحركة بالإرادة.

ص: 562