الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثانى: فى الترجيح بحسب العلة:
قال: (وبالقطع بالعلة أو بالظن الأغلب وبأن مسلكها قطعى أو أغلب ظنًا والسير على المناسبة لتضمنه انتفاء العارض ويرجح بطريق نفى الفارق فى القياسين والوصف الحقيقى على غيره والثبوتى على العدمى والباعثة على الأمارة والمنضبطة والظاهرة والمتحدة على خلافها والأكثر تعديًا والمطردة على المنقوضة والمنعكسة على خلافها والمطردة فقط على المنعكسة فقط، وبكونه جامعًا للحكمة مانعًا لها على خلافه والمناسبة على الشبهية والضرورية الخمسة على غيرها، والحاجية على التحسينية، والتكميلية من الخمسة على الحاجية، والدينية على الأربعة، وقيل بالعكس ثم مصلحة النفس، ثم النسب ثم العقل ثم المال، وبقوة موجب النقض من مانع أو فوات شرط على الضعف والاحتمال وبانتفاء المزاحم لها فى الأصل وبرجحانها على مزاحمها والمقتضية للنفى على الثبوت وقيل بالعكس وبقوة المناسبة والعامة فى المكلفين على الخاصة).
أقول: الترجيح بحسب العلة من وجوه:
الأول: كون العلة قطعيًا فيه ظنيًا فى الآخر.
الثانى: كون ظن وجود العلة فيه أغلب على ظن وجودها فى الآخر.
الثالث: كون مسلكها الدال على عليتها قطعيًا ومسلك الأخرى ظنيًا.
الرابع: أن يكون مسلك عليه أحدهما يفيد ظنًا أغلب مما يفيده مسلك الآخر.
الخامس: يقدم قياس السبر على قياس المناسبة لأن قياس السبر يتضمن نفى المعارض لتعرضه لعدم علته غير المذكور بخلاف المناسبة.
السادس: إذا كان طريق ثبوت العلية فى القياسين هو نفى الفارق رجح أحدهما على الآخر بحسب طرق نفى الفارق فيقدم القاطع على الظنى والأغلب ظنًا على الآخر.
السابع: يقدم ما العلة فيه وصف حقيقى على غيره مما العلة فيه وصف اعتبارى أو حكمة مجردة.
الثامن: ما العلة فيه وصف ثبوتى على ما العلة فيه عدمى.
التاسع: يقدم ما العلة فيه وصف باعث على ما هى مجرد أمارة.
العاشر: تقدَّم العلة المنضبطة على المضطربة والظاهرة على الخفية والمتحدة على
المتعددة للخلاف فى مقابلاتها.
الحادى عشر: يقدم الوصف الذى يتعدى فى فروع أكثر على ما يتعدى فى الأقل لكثرة الفائدة.
الثانى عشر: تقدَّم العلة المطردة على المنقوضة.
الثالث عشر: تقدَّم المنعكسة على غير المنعكسة.
الرابع عشر: تقدَّم العلة المطردة غير المنعكسة على المنعكسة غير المطردة.
الخامس عشر: إذا كانت إحداهما جامعة مانعة للحكمه فكلما وجدت وجدت الحكمة، وكلما انتفت انتفت قدمت على ما لا تكون كذلك.
السادس عشر: تقدَّم العلة المناسبة على العلة الشبهية لأن الظن الحاصل به أقوى.
السابع عشر: إذا تعارضت أقسام من المناسبة قدم بحسب قوة المصلحة فقدمت الأمور الخمسة الضرورية على غيرها من حاجى أو تحسينى وقدم المصلحة الحاجية على التحسينية وقدم التكميلية من الخمس الضرورية على الأصل الحاجية وإذا تعارضت بعض الخمس الضرورية قدمت الدينية على الأربع الأخر لأنها المقصود الأعظم، قالت {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. وقيل بالعكس، أى تقدَّم الأربع الأخر لأنها حق الآدمى وهو يتضرر به والدينية حق اللَّه تعالى وهو لتعاليه لا يتضرر به ولذلك قدم قتل القصاص على قتل الردة عند الاجتماع ورجحت مصلحة النفس على مصلحة الدين فى التخفيف على المسافر بالقصر وترك الصوم، وكذلك مصلحة المال فى ترك الجمعة والجماعة لحفظ المال وأما الأربعة الأخر فتقدم بهذا الترتيب: مصلحة النفس إذ به تحصل العبادات ثم النسب لأنه لبقاء النفس، ثم العقل لفوات النفس بفواته، ثم المال.
الثامن عشر: إذا انتقض العلتان وكان موجب التخلف فى أحدهما فى صورة النقض قويًا وفى الآخر ضعيفًا أو محتملًا يقدم الأول.
التاسع عشر: ترجح العلة بانتفاء المزاحم لها فى الأصل بأن لا تكون معارضة والأخرى معارضة.
العشرون: يقدم إذا كانا مزاحمين برجحان العلة فى أحدهما على المزاحم دون الآخر.
الحادى والعشرون: تقدَّم العلة المقتضية للنفى على العلة المقتضية للثبوت، لثبوت حكمها راجحة أو مساوية بخلاف المثبتة إذ لا يثبت حكمها إلا راجحة ولتأيدها بالنفى الأصلى وقيل بالعكس أى ترجح المثبتة على النافية لإفادتها حكمًا شرعيًا.
الثانى والعشرون: يقدم العام فى جميع المكلفين على الخاص ببعض لكثرة الفائدة.
قوله: (للخلاف فى مقابلاتها) متعلق بالتاسع إلخ وما لم يذكر وجهه من المرجحات فلظهوره والأصل إفادة زيادة غلبة الظن.
قوله: (ورجحت مصلحة النفس) عطف على قوله: قدم قتل القصاص وقوله: وكذلك مصلحة المال أى رجحت على مصلحة الدين حيث جوز ترك الجمعة والجماعة لأجل حفظ المال وأجيب بأن القصاص حق اللَّه تعالى ولهذا يحرم عليه قتل النفس والتصرف بما يفضى إلى تفويتها تقدَّم لترجحه باجتماع الحقين وأما التخفيف عن المسافر والمريض فليس تقديمًا لمقصود النفس على مقصود أصل الدين بل فروعه ولو سلم فمشقة الركعتين فى السفر تقاوم مشقة الأربع فى الحضر وكذلك صلاة المريض قاعدًا بالنسبة إلى صلاة الصحيح قائمًا وأما أداء الصوم فلا يفوت مطلقًا بل إلى خلف وهو القضاء وبهذا يندفع ما ذكر فى ترك الجمعة والجماعة لحفظ المال.
قوله: (وأما الأربعة الأخر) يعنى مصلحة النفس والنسب والعقل والمال فمصلحة النسب تلو مصلحة الدين إذ بها تحصيل العبادات التى هى أساس الدين فتقدم على الثلاثة الباقية وتقدم مصلحة النسب على العقل والمال لأنه لبقاء النفس حيث شرع لأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعًا لا مربى له، وتقدم مصلحة العقل على المال، لأن العقل مركب الأمانة ومدرك التكليف ومطلوب للعبادة بنفسه من غير واسطة ولا كذلك المال فإن قيل قوله: لبقاء النفس إنما يصلح علة لتأخر مصلحة النسب عن مصلحة النفس لا لتقدمها على العقل والمال فإن المال أيضًا لبقاء النفس قلنا: حفظ النسب متمحض لبقاء النفس بخلاف المال فإن فيه مصالح أخر غير مجرد البقاء من الترفه والتزين ونحو ذلك، وأما قوله: ثم العقل
لفوات النفس لفواته فظاهره ليس بمستقيم لأن الأمر بالعكس ولذا قال العلامة إن حفظ العقل تبع لحفظ النفس لفواته بفواتها دون العكس فلذا كانت المحافظة على المنع مما يفضى إلى الفوات مطلقًا أولى وبهذا يشعر كلام الآمدى أيضًا وغاية ما يمكن أن يقال: إن النفس تفوت بفوات العقل من جهة انتفاء ما يصونها عن تعرض الآفات لكن لا يبقى فى الكلام ما يشعر بجهة تقدم النسب على العقل وقد قالوا أما حفظ النسب يقدم على العقل والمال لأنه راجع إلى بقاء النفس بخلافهما.
قوله: (فى الآخر ضعيفًا أو محتملًا) هذا هو الملائم لعبارة المتن إلا أنه لما قال فى المتن: ويرجح باحتماله وعدمه فى الآخر ذهب الشارح العلامة إلى أن الأولى أن يقال: المراد أنه ترجح باحتمال موجب النقض فى أحدهما دون الآخر.
قوله: (بأن لا تكون) أى العلة فى أحد القياسين معارضة على لفظ اسم المفعول أى ذات تعارض والأخرى أن العلة فى القياس الآخر لها معارض.
قوله: (إذا كانا مزاحمين) على لفظ اسم المفعول أى إذا كان القياسان بحيث يكون لكل منهما مزاحم ومعارض إلا أن العلة فى أحدهما راجحة على مزاحمها ومعارضها وفى الآخر غير راجحة قدم الأول.
قوله: (لثبوت حكمها) أى حكم المقتضية للنفى حال كونها راجحة أو مساوية أما راجحة فظاهرة، وأما مساوية فلأنهما إذا تساقطا انتفى الحكم بحكم الأصل وهذا حاصل تأيدها بالنفى الأصلى ولذا قال العلامة: وعلى تقدير مساواتها لتأيدها بالأصل وأما ما سبق من تقدم الثبوتى على العدمى فإنما هو فى العلة لما فى التعليل بالعدمى من الخلاف وما سبق من وجوه ترجيح النص المثبت على النافى فلا يخفى أنه لا يجرى فى القياسين.
قوله: (لإفادتها) أى المثبتة، حكمًا شرعيًا: أى لا يعلم بالبراءة الأصلية بل بالشرع بخلاف النافية فإنها تفيد ما يعلم بحكم الأصل وأجاب الآمدى بأن الحكم لا يكون مطلوبًا لنفسه بل لما يفضى إليه من الحكمة والشارع كما يود تحصيل الحكمة بواسطة ثبوت الحكم يود تحصيلها بواسطة نفيه.
المصنف: (وبالقطع بالعلة أو بالظن) أى القطع بوجودها أو الظن به وقوله: وبأن مسلكها قطعى أى يقطع يكون الوصف علة وقوله: والباعث على الأمارة أى
العلة ذات التأثير والتخييل أرجح من التى لا يظهر لها معنى فقهى فاندفع بذلك ما يقال: إن العلة أبدًا إما بمعنى الباعث أو الأمارة أو المؤثر فلا تكون تارة بمعنى الباعث وتارة بمعنى الأمارة.
الشارح: (فقدمت الأمور الخمسة الضرورية) تقدم أن الضروريات التى روعيت فى كل ملة خمس وهى: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فالدين بقتل الكفار والنفس بالقصاص والعقل بحد السكر والنسل بعد الزانى والمال بعد السارق والمحارب، والمكمل للضرورى كحد قليل المسكر وهو لا يزيل العقل وحفظ العقل حاصل بتحريم المسكر وإنما حرم القليل للتتميم والتكميل لأن قليله يدعو إلى كثيره ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه والحاجى ينقسم إلى حاجى فى نفسه كالمقصود من البيع والإجارة ومكيل للحاجى كالمقصود من وجوب رعاية الكفاءة ومهر المثل فى الولى إذا زوج الصغيرة وقد يكون الحاجى فى بعض الصور ضروريًا كالإجارة فى تربية الطفل الذى لا أم له والتحسينى كسلب العبد أهلية الشهادة.
الشارح: (إذا انتقض العلتان. . . إلخ) يعنى إذا كان أحد القياسين علته منقوضة فى بعض الصور بوجود مانع أو فقد شرط والقياس الآخر علته منقوضة بما لم يتحقق كونه لوجود مانع أو فقد شرط قدم الأول على الثانى لأن قوة موجب النقض دليل على قوة العلة هكذا قيل ويظهر أن التوجيه بغير ذلك وهو أن تحقق كون التخلف لمانع أو فقد شرط أمارة كون الوصف علة بخلاف ما إذا كان التخلف لغير ذلك بأن يكون بطريق الاستثناء فإنه يضعف معه كون الوصف علة.
الشارح: (والعام على الخاص) قد ذكر المصنف فيه أقوالًا كثيرة فيما تقدم واختار منها أنه إن ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخصصًا خص به وإلا فالمعين القرائن فى الوقائع.
قوله: (والأصل إفادة غلبة الظن) أى الأصل فى الترجيح إفادة زيادة غلبة الظن فهو القاعدة.
قوله: (ولهذا يحرم عليه قتل النفس) أى يحرم على الشخص قتل نفسه.
قوله: (وبهذا يندفع ما ذكر فى ترك الجمعة والجماعة) أى فيقال: إنهما تركا إلى بدل وهو الظهر والصلاة منفردًا وقوله: قلنا حفظ النسب متمحض لبقاء النفس
بخلاف المال أى فصح تقديم النسب على المال وأما تقدمه على العقل فلم يظهر وجهه كما يأتى.
قوله: (فلذا كانت المحافظة على المنع مما يفضى إلى الفوات مطلقًا أولى) أى فلكون فوات النفس هو فوات للعقل دون العكس كانت المحافظة على المنع مما يؤدى إلى فوات النفس مطلقا بعقل وبغير عقل أولى من المحافظة على المنع من فوات العقل مع بقاء النفس.
قوله: (وغاية ما يمكن أن يقال. . . إلخ) قال الأبهرى: إن العقل إذا فات ماتت النفس لأنه يصير الشخص عند خلوه من العقل كالحيوانات المعجم ويسقط عنه التكليف ولذا كان الواجب على من جنى على عقل شخص الدية كاملة كالجناية على النفس.
قوله: (الأولى أن يقال. . . إلخ) الأولى أن يقول المصنف بدل قوله: وبقوة موجب النقل ما نصه: وباحتمال موجب النقض فى أحدهما دون الآخر أى أنه إذا احتمل أن يكون النقض فى علة أحد القياسين لوجود مانع أو فقد شرط والنقض فى الآخر لم يحتمل ذلك بل كان للاستثناء من كلما وجد الوصف وجد الحكم يعنى إلا فى هذه الصورة التى تخلف فيها الحكم عن الوصف فيقدم القياس الأول على الآخر.