الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الأذان
بَدْءِ الأَذَانِ
623 -
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: أَوَ لَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ".
• [رواته: 6]
1 -
محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن علية: تقدم 486.
2 -
إبراهيم بن الحسن الهيثمي المصيصي: تقدم 64.
3 -
حجاج بن محمَّد المصيصي الملقب بالأعور: تقدم 32.
4 -
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: تقدم 32.
5 -
نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما: تقدم 12.
6 -
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: تقدم 12.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، وابن ماجه وأحمد وابن خزيمة في صحيحه وأبو عوانة وعبد الرزاق في مصنفه والدارقطني.
• اللغة والإعراب
(الأذان) لغة: الإعلام، قال تعالى:{وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ} ، واشتقاقه: من
الأذن -بفتحتين- وهو الاستماع. والأذان: اسم يقوم مقام الإيذان، وهو المصدر الحقيقي، والأذان والتأذين والأذين: الإعلام بوقت الصلاة. قال الفرزدق:
وحتى علا في كل مدينة
…
مناد ينادي فوقها بأذين
وقال الآخر:
طهور الحصل كانت أذينًا ولم تكن
…
بها ريبة مما يخاف تريب
وقال جرير:
هل تملكون من المشاعر مشعرًا
…
أو تشهدون مع الأذان أذينا
وهو شرعًا: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، وهي مشتملة على أصل الاعتقاد: وهو تعظيم الله تعالى والشهادة له بالوحدانية ونفي الشريك والشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وهذا معنى كلمة الإخلاص، ثم الدعاء إلى الركن الأعظم بعد الشهادتين، ثم الدعاء إلى الفلاح وهو البقاء في النعيم، ولا يحصل ذلك إلا بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، مع اعتقاد البعث بعد الموت والجزاء بالأعمال. فهو ألفاظ قليلة تجمع معاني كثيرة جليلة، ولهذا صار شعيرة من شعائر الإِسلام، وفيه الندب إلى الاجتماع على طاعة الله تعالى. قوله:(بدء الأذان) البدء مصدر في الأصل، وهو: أول وجود الشيء أو حصوله، وبدء الأذان بالمدينة في السنة الأولى على الصحيح، وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة، وكلها ضعيفة لا يصح منها شيء للاحتجاج، وهي معارضة بالأحاديث الصحيحة الثابتة بأن الأذان لم يشرع إلا بالمدينة، فوجب الأخذ بها للاتفاق على صحتها كما سيأتي إن شاء الله تعالى -وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله منها: حديث عمر عند الطبراني وفي إسناده متروك وهو طلحة بن زيد، وحديث أنس عند الطبراني في الأطراف وسنده ضعيف، وحديث عائشة عند ابن مردويه وفيه مجهول لا يعرف، وحديث علي عند البزار وفيه أبو الجارود زياد بن المنذر: متروك. وقد اختلف في حكم الأذان وذكر البخاري بعد هذه الترجمة آيتين: قوله تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} الآية، وقوله تعالى:{إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} [الجمعة: 9] ولم يتعرض لبيان حكمه، وعلل ابن حجر ذلك بأنه لم يترجح عنده شيء في حكمه، وكأن
ذكره للآيتين يشير به إلى أنه شرع بالمدينة لأنهما مدنيتان وليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هاتين الآيتين، وقد جزم القرطبي في تفسيره بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع الأذان ليلة الإسراء. أما حكمه: فهو عند مالك وجماعة من أصحابه فرض كفاية في مساجد الجماعات، وعند الشافعي وأكثر أصحابه وأبي حنيفة وقول عن أحمد وعليه أكثر أصحابه أنه سنة مؤكدة، وعند داود الظاهري والأوزاعي ومجاهد أنه واجب، وعند بعض أصحاب الشافعي أنه فرض كفاية، وعند جماعة منهم أنه فرض كفاية في الجمعة دون غيرها، والأكثرون منهم على ما تقدم ذكره من أنه سنة، وذكر ابن عبد البر أن بعض أصحاب مالك قال بأنه سنة مؤكدة واجبة على الكفاية. قال ابن العربي رحمه الله:(الأذان من شعائر الدين، يحقن الدماء ويسكن الدهماء، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فهو واجب على البلد والحي، وليس بواجب في كل مسجد ولا على كل فذّ، ولكنه يستحب في مساجد الجماعات أكثر مما يستحب في الفذ. وقال عطاء: لا تجوز صلاة بغير أذان، وهذا ليس بصحيح لأنه ليس في فرضيته أثر) اهـ.
قلت: تمسك القائلون بوجوبه: بأمره صلى الله عليه وسلم لمالك بن الحويرث وصاحبه، وما شاكله من الأحاديث التي فيها الأمر بالأذان، مع مواظبته عليه السلام عليه وكذلك الخلفاء من بعده وهلم جرّا، وكونه كان يحقن به دماء من سمعه منهم. واستدل الباقون بكونه ورد تركه في الثانية من المجموعتين، ولم يذكره صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته، ولأن الغرض منه الإعلام بوقت الصلاة فأشبه النداء بـ (الصلاة جامعة). والذي يظهر لي هو القول بكونه فرض كفاية في البلد والمحلة لما فيه من إظهار شعيرة الإِسلام، غير أنه لا تتوقف صحة الصلاة عليه. والله أعلم.
قوله: (كان المسلمون) يعني الصحابة وقوله: (حين قدموا المدينة) أي في وقت قدومهم المدينة، وذلك يحتمل أن المراد قدومهم قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم استمر الحال على ذلك بعد قدومه، ويحتمل أن المراد ما بعد مقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وعبّر بقدومهم لأنهم تبع له صلى الله عليه وسلم، وكان قدومه في السنة التي اتفق المسلمون في زمان عمر أن يجعلوها مبدأ التاريخ الإِسلامي، وهي على رأس 53 من عمره الشريف صلى الله عليه وسلم على الصحيح، وكان مبدأ الأذان في السنة
الأولى من الهجرة على الصحيح، حينما كثر المسلمون بالمدينة وصار بعضهم تفوته الصلاة، فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فيما يُعْلِمُ به للصلاة ويجعله شعارًا لها عند دخول الوقت. وقوله:(يجتمعون) عند النبي صلى الله عليه وسلم أو في المسجد، وقوله:(يتحينون) أي ينتظرون الحين الذي تصلى فيه الصلاة وهو وقتها، أي يجتمعون لانتظار حين الصلاة، وحين الشيء: وقته ومدته، وحان حينه: جاء وقته وأجله، ومنه: تحين الناقة: إذا جعل لِحَلْبِها وقتًا معينًا. قالت بثينة لما نعي إليها جميل:
وإن سلوى عنك يا جميل لساعة
…
من الدهر لا حانت ولا حان حينها
وأصل الحين: ظرف من الزمن صادق بالقليل والكثير. وقوله: (وليس ينادي بها أحد) هذه جملة حالية، أي: والحال أن الصلاة لا ينادي بها أحد، لأن الأذان لم يشرع إذ ذاك كما قدمنا، فالجملة دليل على صحة ما تقدم من كونه لم يشرع قبل ذلك، ولم يكن هناك شعار غيره ينادى به للصلاة. وقوله:(فتكلموا) أي تشاوروا في بعض الأيام في أمر يتفقون عليه للإعلام بدخول الوقت، وهو المراد بقوله:(في ذلك) أي الشيء الذي يخصصونه للإعلام به، (فقال بعضهم) الفاء تحتمل العطف والاستئناف، وقوله:(اتخذوا) مقول القول و (ناقوسًا) منصوب على أنه مفعول به لـ (اتخذوا)، وقوله:(مثل ناقوس)(مثل) صفة لناقوس، وهو فاعول من النقس: وهو القرع، وهو آلة يستعملها النصارى: خشبة طويلة يضربون عليها بالوبيلة القصيرة، ويجعلون ذلك شعارًا لصلاتهم، والجمع: نواقيس. قال جرير:
لما تذكرت بالديرين أرقني
…
صوت الدجاج وضرب بالنواقيس
وقال:
صبحن توماء والناقوس يضربه
…
قس النصارى حراجيجًا بنا تجف
وذكر صاحب التاج أنه يجمع على نقس -بضمتين- على توهم حذف الألف، وبه فسر قول الأسود بن يعفر:
وقد سبأت لفتيان ذوي كرم
…
قبل الصباح ولما تقرع النقس
قلت: وهذا يدل على أنه عربي له اشتقاق، وقد ذكر بعضهم أنه معرب وليس بعربي. اهـ فكرهه حبًا لمخالفتهم، (وقال بعضهم) أي بعض الصحابة
(بل قرنًا) أي اتخذوا قرنًا مثل قرن اليهود، وهو الذي يسمى بالشبور، فكرهه صلى الله عليه وسلم للعلة المذكورة، (فقال عمر: أَوَ لَا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على محذوف مقدر كما هو المعروف في نظائره، فالهمزة إنكار للجملة الأولى -أي المقدرة، أي: أتفعلون شيئًا من ذلك ولا تبعثون إلخ، فالإنكار للجملة الأولى والثانية مثبتة. وقوله:(ينادي) هذا اللفظ محتمل لمعنيين هنا، أن يكون المعنى: ينادي بالصلاة بلفظ غير لفظ الأذان، ويحتمل أن يكون المراد: ينادي بالأذان، فيحتاج حينئذ إلى تقدير أنهم بعدما رأى عبد الله رؤياه قال عمر هذه المقالة، ويكون المراد أنه لما سمع رؤيا عبد الله قال ذلك، وضعفه ابن حجر للأحاديث الدالة على أن عمر لم يكن حاضرًا حين جاء عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالرؤيا، لأن في بعضها: أن عمر لما سمع أذان بلال جاء وأخبر أنه قد رأى مثل ذلك، فلهذا يترجح الوجه الأول وهو أن المراد: النداء للصلاة بلفظ غير الأذان المعروف، والنداء يحصل بكل شيء يفيد السامع المراد. قال ذو الرمة:
لا يرفع الرأس إلا ما تخونه
…
داع يناديه باسم الماء مبغوم
يعني: أن ولد الظبية تناديه بصوتها الذي هو: ماء، كاسم الماء المعروف: وقوله: (يا بلال قم فناد) أي استجابة لرأي عمر في ذلك، على أن المراد بالنداء غير الأذان. قال ابن حجر: وفي رواية الإسماعيلي: فأذن. قال عياض: المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع، وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فحمل قوله:(أذن) على الأذان المشروع، وطعن في صحة حديث ابن عمر وقال:(عجبًا لأبي عيسى كيف صححه، والمعروف أن شرع الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد) اهـ. قال: ولا تدفع الأحاديث الصحيحة مثل هذا مع إمكان الجمع كما قدمناه، أي يحمل النداء على غير الأذان، وقد قال ابن منده في حديث ابن عمر: إنه مجمع على صحته. وقوله: (قم) فيه حجة لشرع الأذان قائمًا، أي إن السنة وردت بأن المؤذن يكون قائما ولا يؤذن الجالس، وكذا احتج به ابن خزيمة وابن المنذر، وتعقبه النووي بأن المراد: اذهب إلى مكان بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان. قلت: هذا إن كان محتملا فظاهر الصيغة يؤيد الأول، لأن