الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نذر الكوارث والمعاصي
(1)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربّ العالمين، {جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (2)، {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (3).
وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (4)، يخوّف عباده بآياته ونذره، وهو القائل في محكم تنزيله:{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} (5).
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، كان أزكى البرية وأتقاها، وكان أخوف الناس لربه، وأكثرهم تضرعًا له، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(1) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق 15/ 10/ 1420 هـ.
(2)
سورة الفرقان، الآية:62.
(3)
سورة غافر، الآية:64.
(4)
سورة الزمر، الآية:67.
(5)
سورة الإسراء، الآية:17.
(6)
سورة الحشر، الآية:18.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} (1).
عباد الله: والمتأملُ ببصيرةٍ -يرى- في هذه الشهور والأيام مزيدًا من آيات الله ونذره، تعمُّ الأرض، وتهلك من تُهلك من البشر والشجر والحيوان، تهدُّ العوامرَ، وتعصف بالحياةِ والأحياء، وتُحيل المدن الكبرى إلى مجموعة من الركام والأنقاض. لا يستوقفها سدٌّ منيع .. ولا تُحيط بها قوة أو تستطيع أن تمنعها منظمةٌ أو هيئة -مهما أُوتيت من قوة ومعرفة. زلازلُ مدمرة، وأعاصيرُ مهلكة، وفيضانات مفسدة، وانهيارات مروعة، جفافٌ وجدب، خسوف وكسوف، انزلاقات، وسيولٌ، وكوارث، جوعٌ وأمراض وقتلٌ وتشريد .. ولا ندري ما بغيب الله في المستقبل .. ولكن الواقع منذرٌ بخطر، ومخوّف لأولي الأبصار، ومفزعٌ لأهل الإيمان الذين يتخوفون من عقوبة الله وقبضته.
أيها المسلمون: والمطالعُ لما يُنشر في الصحف من عناوين مثيرةٍ يروعه الأمر -ودونكم نماذج ممّا نُشر منها خلال الأشهر الماضية- فتأملوها واعقلوا فيها ما نُذر:
زلزالان يضربان تركيا ويثيران الرعب فيها 1/ 8 / 1420 هـ.
زلزال قوي يهز شمال إيران 12/ 8/ 1420 هـ.
إيطاليا تُعلن حالة الطوارئ في مناطق الفيضانات 10/ 9/ 1420 هـ.
فنزويلا: الشوارع اختفت تحت ركام الأوحال، خمسة آلاف قتيل، وعشرون ألف مصاب، ومئة وخمسون ألف مشرّد 13/ 9 / 1420 هـ.
الهند ترحب بالمساعدة الدولية للتغلب على آثار الإعصار المدمّر 30/ 7/ 1420 هـ.
(1) سورة الحج، الآية:1.
انهيار عددٍ من المنازل في الجزائر بسبب الفيضانات 13/ 9 / 1420 هـ.
في فيتنام إضافة إلى تهديد سبعة ملايين شخص بالجوع والمرض الفيضانات تقتل خمس مئة شخصٍ، وتُنزل خسائر بنحو أربعة وأربعين مليون دولار 30/ 7 / 1420 هـ.
السيولُ الفرنسيةُ تثير الجدل حول الوقاية من الكوارث الطبيعية 8/ 8/ 1420 هـ.
المكسيك ارتفاعُ عدد قتلى الزلزال 22/ 6 / 1420 هـ.
كمبوديا تجاوزت أسوأ فيضانات 28/ 7/ 1420 هـ.
زلزال قوي يضربُ منطقة توهوكو اليابانية 8/ 8/ 1420 هـ.
توقف البحثُ عن ناجين من الانهيار الأرضي في إندونيسيا 5/ 9/ 1420 هـ.
انزلاقات التربة تقتل وتصيب اثني عشر شخصًا في كولومبيا 13/ 9/ 1420 هـ.
إلى غير ذلك من أحداثٍ داميةٍ .. ونذرٍ إلهية تمتد في مشرق الأرض ومغربها، وشمالها وجنوبها -فماذا تعني هذه النذر. وما سبلُ الخلاصِ من العقوبات والبلايا والمحن؟
أيها المؤمنون: لقد عمَّ الفساد وكثر المفسدون على وجه الأرض، وصدق الله:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (1) وما أعظم العبرة في قول ربِّنا: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (2).
(1) سورة يوسف، الآية:103.
(2)
سورة الروم، الآية:41.
لقد أنعم الله على عباده ففجَّر لهم مكنوز الأرض، وفتح لهم أبوابَ السماء .. فاتخذوا من نعمِ الله وسائل للكفرِ والتمردِ على شرعه -إلا من رحم الله- وانتشر الظلمُ والفساد، وكثر القتل والتشريد، وأصبحت لغةُ القوة لغة التخاطب، وبها يأكل القويُّ الضعيف -وربّك يرى ويسمع ويمهل ولا يُهمل، يسبق حلمُه غضبَه، ولكن أخْذَه أليمٌ شديد:{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (1).
أيها المسلمون: ويختلف أهلُ الإيمان عن أهل الكفر والفسوق والظلمِ والعدوان في نظرتهم لهذه الكوارث والأحداث الكونية، فإذا أصابت الغفلةُ القومَ الكافرين - {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (3) - فأهل الإسلام والإيمان لهم نظرةٌ أخرى وميزانٌ آخر، تخوّفهم الآيات والنُّذُر، ويربطون بينها وبين كثرة المعاصي والذنوب، وفي كتاب ربهم العزيز:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (4).
ويقولُ أحدُ علمائهم الربانيين -شيخ الإسلام -: ومن المعلوم بما أرانا الله من
(1) سورة هود، الآية:117.
(2)
سور القصص، الآية:58.
(3)
سورة الأعراف، الآية:179.
(4)
سورة الشورى، الآية:30.
آياته في الآفاق وفي أنفسنا، وبما شهد به في كتابه أن المعاصي سبب المصائب، وأن الطاعة سبب النعمة (1).
ويقول رباني آخر -ابن القيم -: ومن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النِّعَم، وتُحِلُّ النقم. ومن تأمل ما قصّ اللهُ في كتابه من أحوالِ الأمم الذين أزال نعمه عنهم وجد أن سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمرِه وعصيانُ رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال عنهم من نعم وجد ذلك من سوء عواقب الذنوب (2).
إخوة الإيمان: والمخيفُ في الأمر أن العقوبة إذا حلَّت شملت الجميع إلا من رحم ربُّك. وفي التنزيل: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (3).
وفي ((صحيح البخاري)) (بابٌ إذا أنزل الله بقوم عذابًا) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنزل اللهُ بقومٍ عذابًا أصاب العذابُ من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالِهم)).
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على الحديث: وفي الحديث تحذيرٌ وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن؟ ! فكيف بمن رضي؟ ! فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة (4).
وفي الحديث الآخر: أنهلكُ وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ)). فإذا قيل هذا للصحابة الكرام، فما الظنُّ بغيرهم؟
إخوة الإسلام: وإذا كان السكوتُ على المنكرات سببًا للهلاك، فلا شك أن
(1) ابن تيمية ((الفتاوى)) 28/ 138.
(2)
ابن القيم: الجواب الكافي.
(3)
سورة الأنفال، الآية:25.
(4)
الفتح 13/ 60، 61.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} (1).
قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ اللهُ أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يُستجابُ لكم)) رواه الترمذي وحسَّنه.
قال العالِمون: وأيُّ دين، وأيُّ خير فيمن يرى محارم الله تُنتهك وحدوده تُضاع، ودينه يترك، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها وهو باردُ القلب، ساكتُ اللسان، شيطانٌ أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطانٌ ناطق، وهل بليّة الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلُهم ورياستُهم فلا مبالاة بما جرى على الدين.
أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (2).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
(1) سورة الأعراف، الآية:165.
(2)
سورة الأنعام، الآية:82.