الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، خلقَ الخَلق، ومن ضعفٍ، ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة، يخلق ما يشاءُ وهو العليم القدير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسانُ، إنه كان ظلومًا جهولًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله أخبرَ وهو الصادقُ المصدوق أنه ما نحلَ والدٌ ولدًا خيرًا من أدبٍ حسن. اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر النبيين.
أيها المسلمون: وهناك وسيلةٌ لطيفة في التربية وذاتُ أثر على الأولاد عمومًا: والأطفال منهم على الخصوص، ألا وهي التفاهمُ بين الزوجين على علاج الخطأ الواقع من الأولاد أو ما يمكن تسميته (باصطناع المرونة)، فإذا اشتدت الأمُّ على الطفل لان الأب، وإذا عنَّف الأبُ لانت الأم، فقد يقع الولدُ في خطأ فيؤنبه والدُه تأنيبًا يجعله يتوارى خوفًا من العقاب الصارم، فإذا غاب جاءت الأم لتطيب خاطره وفي نفس الوقت لتوضح له خطأه برفق، وحينها يشعر الولدُ بأن أبويه على حق وصواب، فيقبل من الأب تأنيبه - وربما اعتذر إليه - ويحفظ للأم معروفها - وربما شكرها - والنتيجة أنه سيتجنبُ الخطأَ مرة أخرى (1).
وهذا الأسلوبُ أنفعُ من اعتذار أحد الأبوين للطفل عن خطئه، والدفاع عنه حين تأديبه، إذ يشعره ذلك بالدلال السلبي، ويدعوه للتعاظم وإن كان مخطئًا، وعدم القبول ممن وجهه، وإن كان ناصحًا.
(1) محمد إبراهيم الحمد، التقصير في تربية الأولاد:80.
أيها الآباء والأمهات: واحتسبوا الجلوس مع أطفالكم على موائد القرآن والسنة والدروس النافعة، فتلك وسيلةٌ مهمة من وسائل تربيتهم، وروّضوا أنفسكم على سماع شكواهم، وتقدير وجهات نظرهم، وإن كان رأيُهم متواضعًا، فذلك ينشئُ فيهم الثقة ويدعوهم للإفصاح عما في نفوسهم، والجرأة على التعبير عن آرائهم مع الآخرين مستقبلًا.
وثمة وسيلةٌ مساعدةٌ على تربية الأولاد ألا وهي زيارةُ الأسر التي تُعنى بتربية أولادها، فتلك مفيدةٌ في التربية، وطريق لنقل التجربة الناجحة، والوسيلة المناسبة.
وإذا تم في لقاءات العوائل عملُ برامج للأطفال فتلك نافعة بإذن الله تعالى، ومعينة على ترابط الأسرة وتآلفهم.
أيها المربون والمربيات: هذه أنماطٌ من وسائل التربية للأطفال، وقد تكونون مارستم بعضها أو ما هو أفضل منها، والمهم استشعارُ المسؤولية مع هؤلاء الأطفال، وتقديمُ ما نُعذر به، أمام الله وأمامهم، ومن عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا بد أنْ يثمر الغرسُ الطيب جنًى طيبًا، إن في الدنيا أو في الآخرة، وإياك أن تحقر وسيلةً من وسائل التربية، أو تظن أن الطفل لا ينتفع بها، ولربما رأيت أو رأى غيرُك ثمار التوجيه الحسن، وقد حُدثت أن طفلًا في المرحلة الابتدائية تأخر يومًا في أداء الواجب، فهمّ مدرّسُه بضربه، فقال له الطالب: أتحداك أن تضربني، فتعجب المدرسُ من مقولته هذه وسأله عن السبب، فقال الطفل: لأنني صليت اليوم الفجر مع الجماعة، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي» فأنا في ذمة الله، وكان من عَقْلِ المعلم ومشاركته في التربية أن ترك الطفل ولم يضربه.
أيها الآباء والأمهات، ويا أيها المربون والمربيات: وبقي أن نُعرِّج على شيءٍ من أخطائنا في تربية أطفالنا
…
فمن أخطائنا: أطفالُ الخادمات وذلك حينما نكل للخادمة كلَّ شيء في أمر الأطفال، تربيهم كيف شاءت، وتعودهم من الأخلاق ما تريد، وقد تكون الخادمةُ كافرةً أو ذات معتقد أو مذهبٍ فاسد فتُنشئُ ناشئتنَا أبعد ما تكونُ عن قيمنا وعاداتنا وأخلاقنا الإسلامية.
ومن أخطائنا: أطفالُ الشاشات، وذلك حينما نوفرُ للطفل ما هبَّ ودبَّ من وسائل اللهو المحرمة، ونهيئُ له الفرصة للنظر بكل شاشة فاتنة .. فينشأ جيل مغرمٌ باللهو .. مفتونٌ بالقنوات، يربيه غيرُنا ويتشكلُ عقلهُ وفكره من بيئات وأممٍ تضمر العداوة لنا ولأطفالنا، وماذا نتوقعُ المستقبلَ لأطفال ربتهم الشاشاتُ الهابطة، وأُشربوا حُبَّ القنوات الفضائية المعادية؟ وهناك بدائل صالحة في هذا لمن شاء.
ومن أخطائنا: الدعاءُ على أطفالنا، أو لعنهم
…
وتلك حماقةٌ تصدر من الوالدين أحيانًا - وخاصة الأمهات - وهم المتحملون لوزرها، وقد قيل إن الدعوات كالحجارة التي يُرمى بها، وقد تُصيب وقد تخطئ، ولهذا نهى محمدٌ صلى الله عليه وسلم عن الدعاء على الأولاد، وقال:«لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسْأل فيها عطاءً فيستجيب لكم» (1).
ومن الأخطاء: الشماتةُ بالمبتلين من أولاد غيرنا، وبدل أن نسأل الله لهم العافية، ونشكره على أن أصلح ولدنا، ترى بعض الناس يشمت بهؤلاء ويلوم أهلهم ويعنفُ عليهم، وقد يكونون مجتهدين، ولكن الله لم يشأ هدايتهم، وربما
(1) رواه مسلم: 4/ 2304.
انتقل الداءُ إليه عقوبةً من الله على شماتته وعدم شكره (1).
أيها الناسُ: ومن أخطائنا مع أطفالنا استحياؤنا من تعليم أولادنا أحكام البلوغ وعلاماته قبل بلوغهم، ولذا فقد تصوم أو تصلي الفتاة العذراءُ وهي حائض أو جنب، وقد يصلي الشابُّ المحتلم وهو جُنبٌ
…
وهكذا.
ومن أخطائنا: عدمُ تحذير أطفالنا مما نخشاه عليهم أو نحاذر من وقوعهم فيه من قبلُ، فقد يقعون في شرب الدخان أو المخدرات وهم يظنون ذلك من الرجولة، وقد يختارون رفقاء السوء وهم يحسبونه جليسًا صالحًا.
ومن أخطائنا: التفريق بين أولادنا في الأعطيات المادية أو المعنوية فيتولد عندهم الحقدُ، وينشأ الحسدُ، ونضع الكرة فيما بيننا وبينهم - وبالعدل قامت السماوات والأرض - وعلى الوالدين قدر الإمكان ألا يُظهرا الأولاد على خلافاتهم، وألا يكثروا من الشجار والخصومة بحضرتهم، فذلك مؤثرٌ على نفسياتهم، وقد يؤثر في سلوكياتهم.
ومن أخطائنا: تخويف أطفالنا تخويفًا وهميًا حتى يستجيبوا لمطلبنا، ولكن هذا التخويف قد يخلف آثارًا سيئة على مستقبلهم.
ومن أخطائنا: ضعفُ النساء - إلا ما ندر - في تربية الأطفال على معالي الأمور، واشتغالهن أكثر بملبسه وشكله وطعامه، وليتهن يقتدين بالأمهات السابقات، ومن نماذجهن أمُّ سفيان الثوري (فقيه العرب والمسلمين ومحدثهم) وقد ورد عن الإمام أحمد أن أمَّ سفيان قالتْ له: يا بنيّ، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي، ثم كانت تتعهده بالنصح والتربية، فقد روى أحمد كذلك أنها قالت له يومًا: يا بني: إن كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى في نفسك زيادةً في
(1) الحمد: التقصير في تربية الأولاد: 37.
خشيتك وحلمك ووقارك، فإن لم تر ذلك فاعلم أنها تضرك ولا تنفعك (1).
أيها المؤمنون: وخلاصة القول: استجيبوا لنداء ربكم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (2)، وقدروا مسؤوليتكم مع أبنائكم «فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته» وأدوا الأمانة التي ائتمنتُمْ عليها وارعوها حقَّ رعايتها، وإياكم أن تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون، أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يصلح أحوال المسلمين ويردهم إليه ردًّا جميلًا، وأن يحفظ شبابهم وشاباتهم من كل مكروه ومن كل فتنةٍ.
(1) محمد الحمد: التقصير في تربية الأولاد: ص 45، 46.
(2)
سورة التحريم، الآية:6.