الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أنزل على رسوله أول ما أنزل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (1).
والصلاةُ والسلام على النبيِّ الأمي الذي عَلَّمَهُ ربُّه ما لم يكن يعلم، فعلَّمَ الأميين، وفاق بأدبه وخلقه وعلمه أهل الكتاب الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين.
وبعد - إخوة الإسلام -: فمن الوقفات مع بدء العام الدراسي الجديد - وقفةٌ مع المعلمين والمعلمات تذكرهم بأمانة التعليم ومسؤولية التربية، وأهمية القدوة والإخلاص في الأداء، وربط المعلومة بالواقع، ومتابعة الطلاب والطالبات، وتشجيع النابهين وإعانة المتخلفين، وتقويم ما انحرف من سلوك، وعدم تكليف الطلاب والطالبات ما يشق عليهم أو أوليائهم.
وهنا وقفةٌ أخرى يشترك في ضرورة التنبيه إليها إدارة المدرسة مع المعلمين، مع الأولياء، ألا وهي عدمُ المبالغة في تأمين الأدوات المدرسية، والإسراف في الطلبات إلى حد يرهق الأولياء، وربما كسر قلوب الفقراء الذين لا يجدون ما يوفرون به هذه المتطلبات من جانب، ويجدون إلحاحًا من أبنائهم وبناتهم على توفيرها من جانب آخر، ويدخل في هذا الجانب إسرافُ بعض الأولياء في النقود
(1) سورة العلق، الآيات: 1 - 5.
التي يصرفونها لأبنائهم وبناتهم للفسحة بما يفوق حاجتهم، ويؤثر على نفسيات أبناء الأسر الفقيرة من زملائهم، وتحية للأولياء المقتصدين، ولو كانوا قادرين، واضعين نصب أعينهم مشاعر الآخرين، وهنا اقتراحٌ حريٌّ بالدراسة وهو دفعُ مبلغ من المال محدد من كل طالب وطالبة مع بداية الفصل، وتتولى المدرسة تأمين فسحةٍ يومية مناسبة لكل طالب وطالبة على حدٍّ سواء، فذلك يريحُ الأولياء من جانب، ويشعرُ الطلاب بالمواساة من جانب آخر، وربما كان فيه ترشيدٌ للنفقة من جانب ثالث، وتسهم المدرسةُ فيه بتأليف قلوب الطلبة والطالبات وإشراك بعضهم في خدمةِ بعض من جانب رابع
…
وهكذا
…
وكذلك الأدوات المدرسية لو أمكن تحديدُها من قبل المدرسة بشكل جماعي محدد ومقتصد لأراح الأولياء والمدرسة
…
إنها مشكلةٌ أن يتعلق الطالبُ أو الطالبة بشكليات التعليم، ويتنافس الأولياء في تأمين أحسن الأنواع، أما لبُّ التعليم والهدفُ من التحصيل فلا نجد فيه مثل هذه المنافسة.
وهنا أقف مذكرًا إخواني الطلاب وأخواتي الطالبات بمسألة غايةٍ في الأهمية، بل لعلها الهدفُ من التعليم أساسًا ألا وهي العملُ بالعلم واستثمارُ العلم وسيلةً لنهوض الأمة وتقدمها، وتلك مسألة لا ينفرد الطلاب في التنبيه عليها، بل هي جزءٌ من مسؤولية المعلمين والمعلمات، والآباء والأمهات
…
فما قيمة العلم بلا عمل
…
إن رسالة التعليم لا تعني في أهدافها وغاياتها أن يحمل الطلابُ والطالبات على عواتقهم كمًّا من المقررات طيلةَ فصلٍ أو عام ثم يرون أنهم يتخففون منها بأداء الإمتحان.
إن رسالة التعليم لم تبلغ الغاية منها إذا حفَّظت طالبًا أو طالبة نصوصًا في أهمية الصلاة وكيفية أدائها وشروطها وواجباتها، فإذا بالطالب أو الطالبة لا يُصلي إلا قليلًا، أو يصليها على غير ما تعلمها، ووظيفة المعلم والمعلمة لا
تكتملُ بتلقين الطلبة والطالبات نصوصًا في برِّ الوالدين واحترام الآخرين، حين يوجد من بين المتعلمين والمتعلمات عددٌ من العاقِّين لوالديهم والمتعاملين بنوع من الفظاظة والشدة مع الناس من حولهم، وقلْ مثل ذلك عن بقية مفردات المناهج في النواحي السلوكية والخلقية، فلا بد من وعي وتأكيد على النواحي العملية وربط التعليم بواقع الطلاب والطالبات، ولا بد كذلك من مشاركة البيت في تطبيق ما تعلَّمه الدارسون والدارسات في المدرسة، ومثل ذلك يقالُ عن المناهج العلمية التطبيقية؛ إذ لا بد من تأمين المعامل الكافية في المدرسة، ولا بد من متابعة الجديد في التقنيات الحديثة، ولا بد كذلك من تأمين فرصٍ للتدريب خارج المدرسة، ولا بد من تحفيز النابهين على الاختراع
…
وهكذا حتى لا تظلَّ الأمةُ المسلمةُ دائمًا عالةً على الآخرين في منتجاتها وسوقًا تروّج فيها بضائع الآخرين، وهي تمتلك عقولًا كعقول الآخرين أو أحسن، ولا تنقصها المادةُ المموّلة للإنتاج والاختراع.
وهكذا نستثمر التعليم، ونرقى بمستوى المتعلمين، ونتجاوزُ الشكليات إلى الجواهر، دون أن نُخِلَّ بأصولنا ومنطلقاتنا الفكرية، أو نقعدَ عن مسايرة الركب في بناء الحضارة الحقّةِ، تلك أفكارٌ ووقفات أثق أن المسئولين في التعليم يقدرونها حقَّ قدرها، وأثق أنها لا تغيب عن بال المعلمين والمعلمات، ويطمع الأولياء أن يصل إليها أبناؤهم، ويود الطلابُ والطالبات لو استثمروا التعليم بشكل جيد
…
ولكنها الذكرى، ولنتعاون جميعًا على تحقيقها، وبارك الله في جهدِ كلِّ عامل مخلص، وربّك لا يضيع أجر من أحسن عملًا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.