الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين، يُحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب المحسنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا يحب الفاحش المتفحش ولا يحب البذيء، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أخبر أن عطاء الله لعبدٍ من أمور الدنيا لا يعني المحبة والرضا فقال:«إذا رأيتَ اللهَ تعالى يُعطي العبدَ من الدنيا ما يُحبُّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنما ذلك منه استدراجٌ» رواه أحمد وغيره بسند صحيح (1).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: ومن عظمة هذا الدين أنه يُشيع المحبةَ بين المسلمين فيجزي على الابتسامة المؤنسة: «وتبسُّمكَ في وجْهِ أخيك صدقةٌ» . ويهدي لاختيار أطيب عبارةٍ حين المحادثة، ويرتب عليها المثوبة:«والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ» ويدعو إلى النظرة الهادفة لتأليف القلوب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يُقبِل بوجهه وحديثه على أشرِّ القومِ يتألَّفهم بذلك - كما قال عمرو بنُ العاص رضي الله عنه (2).
كان من هديه صلى الله عليه وسلم بسطُ النفس ومداعبة من يحتاج إلى المداعبة .. وكلُّ ذلك تشريعٌ للأمةِ ودعوةٌ لها إلى مكارم الأخلاق، وإشاعةِ المحبةِ والخير بين المسلمين. بل دعا إلى إظهار المحبة بين المتحابين؛ لأنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودة، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام:«إذا أحبَّ أحدكم أخاه في الله، فليُعْلمْه، فإنه أبقى في الألفةِ وأثبتُ في المودَّة» ، رواه ابنُ أبي الدنيا بسندٍ حسنٍ، عن مجاهد مرسلًا (3). بل لقد ورد في بعض روايات الحديث: «إذا
(1) صحيح الجامع الصغير: 1/ 214.
(2)
مختصر الشمائل 181 بسندٍ حسن.
(3)
صحيح الجامع: 1/ 137.
أحبَّ أحدُكم صاحبَه، فليأتِه في منزلِه فليخبِرْهُ أنه يُحبُّه للهِ». رواه أحمد والضياءُ بسند صحيح (1).
أيها المسلمون: وثمَّة ما يستدعي النظر ويستحق الوقفة، فبعضُ الناس يظن التعبيسَ في وجوه الآخرين دينًا يتقربُ به إلى الله، أو ربما ظنه بعضُ الخيرين تأكيدًا للولاء والبراءِ المشروعيْن .. وليس الأمرُ كذلك، فليس من هَدْي الإسلام ازدراءُ الناسِ واحتقارُ أعمالهم في مقابلِ تزكيةِ النفس، وليس من هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم الانقباضُ عن الناس وشدةُ القولِ ورديءُ الكلام ولو كانوا أصحابَ سوء.
وفي «صحيح البخاري» من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: ائذنوا له فبئس ابنُ العشيرة، أو بئس أخو العشيرة، فلما دخل ألانَ له الكلام، فقلتُ له: يا رسولُ الله: قلتَ ما قلت، ثم ألنْتَ له في القول، فقال:«أيْ عائشةُ: إنّ شرَّ الناسِ منزلةً عند الله من تركَه أو وَدَعَهُ الناسُ اتقاءَ فُحْشِه» (2).
هكذا ساقه البخاريُّ في كتاب الأدب، باب: المداراة مع الناس. وساقه مسلم في كتاب البرِّ والصلة والآداب، باب مدارةِ من يُتقى فحشه (3).
ولقد فهم الصحابةُ رضوان الله عليهم هذا الأدب ومغزاه وتمثلوه ودعوا إلى دين الله من خلاله، وهذا أبو الدرداءِ رضي الله عنه يقول: إنا لنكشر في وجوه أقوامٍ وإن قلوبنا لتلعنهم (4).
قال الحافظُ ابن حجر يرحمه الله: هذا الحديث أصلٌ في المداراة (5).
(1) صحيح الجامع: 1/ 137.
(2)
صحيح البخاري: 7/ 102.
(3)
صحيح مسلم: 3/ 2002.
(4)
الصحيح مع الفتح: 10/ 528.
(5)
الفتح: 10/ 454.
وقال ابنُ بطالٍ يرحمه الله موضحًا معنى المداراةِ والفرق بينها وبين المداهنة: «المداراةُ من أخلاق المؤمنين، وهي خفضُ الجناح للناس، ولينُ الكلمة، وتركُ الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظن بعضُهم أن المداراة هي المداهنةُ فغلط؛ لأن المداراةَ مندوبٌ إليها، والمداهنةَ محرمةٌ، والفرقُ بينهما: أن المداهنةَ من الدِّهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويسترُ باطنه، وفسرها العلماءُ - يعني المداهنة - بأنها معاشرةُ الفاسق وإظهارُ الرضا بما هو فيه من غير إنكارٍ عليه، والمداراةُ هي الرفقُ بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حيث لا يُظهر ما هو فيه، والإنكارُ عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك (1). ألا ما أنفس هذا الكلام وأحرى للمسلم بالعمل به.
عبادَ الله: ولا يعني إشاعةُ المحبة بين الناس إضاعة الدين أو تذويبَ الفوارق بين المؤمنين والكافرين والمنافقين، كلا فمبدأ الولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين عقيدة يحفظها المسلمون من كتاب ربِّهم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويعمل بها المؤمنون، وهم يقرؤون:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ}
…
الآية (2).
ويقرؤون قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (3) الآيات. وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} (4).
(1) الفتح: 10/ 528، 529.
(2)
سورة المجادلة، الآية:22.
(3)
سورة المائدة، الآية:55.
(4)
سورة التوبة، الآية:171.
بل لقد قَسَّم أَهلُ العلم الناسَ في الحُب والبغض إلى ثلاثة أصناف:
الأول: من يحبُّ جملة، وهو من آمن بالله ورسوله وقام بوظائف الإسلام علمًا وعملًا واعتقادًا، وأخلص في أفعاله وأقواله لله، وانقاد لأوامره، وانتهى عن نواهيه.
الثاني: من يحبُّ من وجهٍ، ويُبغض من وجهٍ، فهو المسلمُ الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فيحب ويوالى على قدر ما معه من الخير، ويبغض ويعادى على ما معه من الشر.
الثالث: من يبغض جملةً، وهو من كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يؤمن بالقدر خيره وشره، وأنكر البعث أو شيئًا من أمور الدين الثابتة، أو استحلّ ما عليه أهلُ البدع والأهواء المضللة .. فليفهم هذا جيدًا.
أيها المسلمون: والموفقُ من وفَّقه اللهُ لطاعتهِ وحسنِ عبادتهِ، وهل علمتم أن توفيق العبد لذلك دليلُ محبة اللهِ له، وإذا كان اللهُ يعطي الدنيا من أحبَّ ومن لم يحب، فاللهُ لا يُعطي الدين إلا من أحبَّ ..
وثمة علامةٌ أخرى لمحبة الله للعبد، وذلك بإشاعةِ حبِّه بين الناس. روى البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:«إذا أحبَّ اللهُ العبدَ نادى جبريلَ: إن اللهَ يُحبُّ فلانًا فأَحِبُّوه، فيحبه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القبولُ في الأرض» (1).
(1) كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع جبريل: 13/ 387.
ورواه مسلم وزاد: «وإذا أبغضَ اللهُ عبدًا دعا جبريلَ فيقولُ: إني أبغضُ فلانًا فأبغِضْهُ، فيبغِضُه جبريلُ، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوهن قال: فيبغضونه، ثم توضع البغضاءُ في الأرض» (1).
وفي «مسلم» أيضًا ذكر هذه الصورة العملية للحب، فعن سهيل بن أبي صالح قال: كنا بعرفة، فمرَّ عمرُ بنُ عبد العزيز وهو على الموسم، فقام الناسُ ينظرون إليه، فقلتُ لأبي: يا أبتِ إني أرى الله يحبُّ عمرَ بنَ عبد العزيز، قال: وما ذاك؟ قلتُ: لِمَا له من الحبِّ في قلوب الناس، قال: فأنبِّئُك؟ إني سمعتُ أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ثم ذكر الحديث السابق (2)، وأخرجه الترمذيُ بمثل حديث مسلم وزاد: فذاك قولُ الله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} (3).
اللهم اجعلنا من أحبابك، ووفقنا لطاعتك وحسن عبادتك، وثبِّتنا إلى أن نلقاك وأنت راضٍ عنا يا ذا الجلال والإكرام .. هذا وصلوا.
(1) كتاب البر والصلة: ح 2637، 4/ 2030.
(2)
السابق: 4/ 2031.
(3)
سورة مريم، الآية: 96، جامع الأصول: 6/ 555.