الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله كلُّ شيء هالكٌ إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (1)، وأشهد أن محمد عبدُه ورسوله، أدركته سنةُ الله في المرسلين قبله:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} (2).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
أيها المسلمون: أما العامُ الجديدُ فهو صفحةٌ بيضاء ينتظر الحفظةُ الكاتبون ما أنتم عاملون، ألا فاستقبلوه بعزائم قويةٍ، ونية صادقة على فعل الخير، وسيحفظ لكم النقيرُ والقطمير، ولن تُكْفَروا من أعمالكم شيئًا:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} (3).
تذكروا أن عامًا بأكمله سيُجزي الله فيه من الأحداث ما يجري ويقدر ما يشاء، ألا فاسألوه من خير هذا العام، واستعيذوا به من شروره وفتنه، فلا يَردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، وكم من فتنة حصلت؟ وكم من أمراض ومصائب وشرور حدثت في العام المنصرم؟ فإذا سلمكم الله منها فيما مضى فاسألوهُ أن يحفظكم منها، ويعيذكم من شرورها فيما تستقبلون من عامكم الجديد.
استقبلوا العام الجديد بوضع عددٍ من التساؤلات والنقاط تحددون بها مساركم، وتقيِّمون فيها بُعْدكم أو قربكم من الخير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فمن هذه النقاط في التقويم: ما نوع العلاقة مع الله؟ وما نوع العلاقة
(1) سورة الرحمن، الآيتان: 26، 27.
(2)
سورة آل عمران، الآية:144.
(3)
سورة الأنبياء، الآية:94.
مع الخلق؟ كيف أنت في العبادات؟ وكيف أنت في المعاملات؟
ما هي الخطيئة أو الخطايا التي لازمتك في عامك المنصرم وتنوي الخلاص منها في عامك الجديد؟
ما هي الفضيلة أو الفضائل التي فاتتك في عامك الماضي، وتفكر جادًا ألا تفوتك في العام المقبل؟ كيف أنت وفتنة الأهواء والشهوات والشبهات والفضائيات؟
ما قيمة الوقت عندك؟ وبماذا تستثمره؟ طاقاتك كيف تُصرف، وقدراتك بماذا تستثمر؟ ما نوع اهتمامك، هل تحمل همَّ الإسلام؟ وهل تستشعر قضايا المسلمين؟ وبماذا ساهمت فيها؟ ما مدى شعورك بانتصار الحقِّ وأهله؟ وما مدى أسفك لغلبة الباطل وكثرة المبطلين؟ هل تشكل الدعوة إلى الله جزءًا من حياتك؟ وما نصيب أهلك وأبنائك وذوي رحمك وجيرانك وزملائك وعموم المسلمين منها؟ هل تُجدد في أساليب دعوتك، وهل تتحرى الحكمة في قولك وفعلك؟ ما مدى قيامك بواجبك الوظيفي، وعلى أي نحوٍ تؤدي الأمانةَ التي أؤتمنت عليها في أي موقع كنت؟ حاسب نفسك في نوع مطعمك ومشربك، وملبسك، وماذا تسمع وتبصر، وبم تنطق، وماذا تُضمر في فؤادك:{إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (1).
راجع نفسك في أداءِ الفرائض، وكم قدرُ الاحتياطي عندك في السُّنن، فهن مكملات لنقص الفرائض، مسدداتٌ للخلل، رافعات للدرجات، مكفرات للسيئات، ما نصيبك من ذكر الله؟ وكيف صلتك بكتاب الله؟ وكيف أنت والنفقات الواجبة والمستحبة؟
(1) سورة الإسراء، الآية:36.
أيها المسلمون: هذه وأمثالها مراجعات يحسن بالمرء أن يراجع نفسه ويسألها عنها على الدوام
…
وهي خليقةٌ بالمحاسبة مع انصراف عامٍ وبدء عامٍ، وإذا أخرجت لنفسك ميزانيةً في آخر العام عرفت قدر المكاسبِ فيها والخسران، وإذا علمت ذلك سددت وقاربت قدر الإمكان، وتلك الميزانية والمحاسبة، وربّي، أولى من غيرها في موازين الدنيا ومحاسباتها
…
والغفلةُ تورث الهلكة
…
وما أعظم الحسرةَ حين يرد الناسُ يوم القيامة بحسنات كالجبال، ويرد المفرِّطون الغافلون بالخيبة والخسران، يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون.
عباد الله: نهايةُ عام وبدءُ عام مذكِّرةٌ بسرعة الأيام وانقضاء الأعمار، فإذا كانت الساعةُ تشكل قدرًا في أجل الإنسان، فكيف مما يزيد على ثمانية آلاف وست مئة ساعة في السنة، والله يقول:{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (1).
يا عبدَ الله: وبين عامٍ مضى وعام يوافي عبرٌ توقظُ الضمير الغافي، وهل نسيت أنه حصل في العام المنصرم عللٌ وأسقام، وفتن وهموم، وفقرٌ وحروب، وأمواتٌ رحلت، ودماءٌ أزهقت، وأطفالٌ ونساءٌ تأيمت
…
فإذا سلمك الله من هذا كله فاحمد الله واشكره، واعلم أن ما تخطاك لغيرك سيتخطى غيرك إليك، فكن مستعدًا للقاءِ ربك، مغتنمًا شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، والكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
(1) سورة الأعراف، الآية:34.
أيها المسلم: ومما يفيدك في المحاسبة - بشكل عام - أن تنظر في أمور دينك إلى من فوقك فذلك أدعى لرفع همتك، وتنظر في أمور دنياك إلى من هو دونك حتى لا تزدري نعمة الله عليك.
إخوة الإسلام: نهاية العام فرصةٌ للتأمل في المتغيرات التي تحصل في المجتمعات فما موقع المسلمين في خارطة العالم، وما نوع القوى التي تحظى بالنفوذ والسيطرة؟ إلى أين يسير الشباب؟ وماذا يراد للمرأة المسلمة؟ وماذا تصنع القنوات، وكم هي ضحايا الخمور والمخدرات؟ وكيف السبيل لتصحيح المسار، والوقايةُ خير من العلاج.
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (1)، {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (2).
عباد الله: وهذا اليوم - الذي نحن فيه - هو اليوم الموفي للعام المنصرم، أو هو أولُ أيام العام الجديد، وإذ يوافق يوم الجمعة ومنه ساعة استجابة لا يوافقها عبدٌ مسلم يسأل الله شيئًا من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، فإنني أذكر نفسي وإخواني بقيمة الدعاء فيه، ولا سيما في آخر ساعة منه.
اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، واجمع كلمتنا على الحق والهدى، واغفر لنا ما سلف من ذنوبٍ وأخطاء فيما مضى من عامنا واجعل عامنا الجديد عام خير وبركة ونصرٍ للإسلام والمسلمين، اللهم أعنّا فيه على عمل الصالحات وجنِّبنا الموبقات والمهلكات.
(1) سورة البقرة، الآية:251.
(2)
سورة هود، الآيتان: 116، 117.