الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وما بكم من نعمةٍ فمن الله، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يبتلي الناس بالشرِّ والخير فتنة وإليه يرجعون.
وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، لم يتوفاه الله حتى دلَّ الأمة على كل خير، وحذرهم من كل شرٍّ، اللهم صلِّ وسلِّمْ عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين.
عباد الله: يتبادر إلى أذهان الغيورين حين الحديث عن هذه الأزمات العالمية عدةُ أسئلة، ومنها:
أين موقعُ المسلمين في هذه الأزمات؟ وهل يتوفر الصوتُ الإسلامي الداعي للإنقاذ؟ وما هي مسؤولية المسلمين في حلِّ أزمات إخوانهم المسلمين، إن أعياهم الحلُّ لأزمة العالم كلِّه؟ وبم يكون الحلُّ؟
إن سيطرة الجاهلية اليوم، وتنحية الإسلام عن القيادة سبقتها جاهلياتٌ أخرى، وفي أزمنةٍ متعددة، ودعونا نستقرئ أحداث التاريخ فيما مضى، وخاصة يوم بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد عمت الجاهليةُ أنحاء الأرض، ونظر اللهُ إلى أهل الأرض - حينها - فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب - كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان الفسادُ العقديُّ، والوثنيةُ تضرب أطنابها، ليس في عالم الفرس والروم فحسب - بل وبجوار بيت الله الحرام، والأزماتُ الاقتصادية والعسكرية على قدم وساق، إذ يشيع الربا وأكل أموال الناس بالباطل، ليس فقط عند أهل الوثنية الجاهلية، بل يشاركهم أهلُ الكتاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (1)، {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} (2).
أما الأزمات العسكرية فشاهدُها اشتعال الحروب لأتفه الأسباب، وربما امتدت الحربُ عدة عقود، فأفنت الرجال وسبيت الذرية - وربما كان لأهل الكتاب دورٌ في هذه الحروب - وكانت الجزيرةُ وما حولها مسرحًا للنهب والسلب، لغةُ القوة فيها هي السائدة، ويعبرُ عنها الشاعرُ بقوله:
ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ويشربُ غيرُنا كدرًا وطينًا
وبعث محمدٌ صلى الله عليه وسلم وفارسُ والروم تسيطران على أطراف الجزيرة وما حولها
…
ولربما قال قائل: وما موقع المسلمين المستضعفين المطاردين في هذا العالم المسيطر؟ ومع صدق الانتماء، وقوة اليقين، وشحذ الهمم والتربية الجادة من قبل محمد صلى الله عليه وسلم تأسست شجرةُ الإيمان وصُقلت مواهبُ المؤمنين
…
وبدأ البساطُ يسحب من تحت أقدام الكافرين شيئًا فشيئًا حتى شمل نورُ الإسلام المعمورة ودخل الناسُ في دين الله أفواجًا، لا يضير المسلمين في هذا أن يقدموا عددًا من الشهداء، أو تمر بهم عددٌ من الأزمات فيتجاوزوها، وهنا أُذكر بواحدة من الأزمات الاقتصادية التي مرت بالمسلمين في عهد الراشدين، وكيف تجاوزوها وتعامل معها الفاروقُ رضي الله عنه بمساعدة المسلمين له، إنها أزمةُ المجاعةِ في السنة السابعة عشرة للهجرة، أو ما يُعرف بعام الرمادة، تلك التي قال الطبريُّ في وصفها: كانت الرمادةُ جوعًا أصاب الناس بالمدينة ومن حولها فأهلكهم، حتى جعلت الوحوشُ تأوي إلى الإنس، وحتى جعل الرجلُ يذبح الشاة فيعافها من قُبحها، وإنه لمقفر (3)، وحتى أن الأعرابي ليردُ إلى المدينة فيقسم ما أكل
(1) سورة التوبة، الآية:34.
(2)
سورة النساء، الآية:4.
(3)
التاريخ: 4/ 223.
سمنًا ولا زيتًا، ولا أكلًا منذ كذا وكذا (1)
…
وحينها تعامل الفاروقُ مع الحدث بكل جديّةٍ وعدالة وصدق، فبعث أمراءه إلى الأمصار يستغيثهم ويستمدهم، ولربما كتب في الكتاب الواحد (الغوث الغوث مائتي مرة)، وأدرك أمراءُ الأمصار صدق عمر فصدقوا في الاستجابة معه، وقد جاء في ردِّ أحدهم: لُبيت، لبيت، لبيت يا عمر، أتاك الغوث، بعثتُ إليك عيرًا أولُها بالمدينة وآخرها بالشام (2)،
وما بالُ هؤلاء لا يستجيبون للنداء، وقد ضرب عمرُ بنفسه نموذجًا رائعًا في مشاركة المسلمين في أزمتهم، فلقد حلف لا يأكل عمرُ سمنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس ولربما أشحبّ لونه، أو سمع قرقرة لبطنه، فألزمها الجوع والصبر حتى تنكشف الغمةُ عن المسلمين؟
ولقد رؤي الفاروقُ عند جماعة من الناس أقدمهم الجوعُ وبلغ بهم الجهدُ مبلغه، ومعهم جلدُ ميتة مشوية يأكلونه، فما كان من عمر إلا أن نزل وطرح رداءه، ثم طبخ لهم حتى طعموا وشبعوا
…
(3)
لقد بلغ عمرُ من الاهتمام بأمر المسلمين مبلغًا قدَّره له الصحابةُ والتابعون حين قالوا: «لو لم يرفع الله المَحْلَ والرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين» (4).
وهكذا يكون الاهتمام بأمر المسلمين! ومع الجهود التي بذلها عمرُ والمسلمون معه عام الرمادة، فلم ينس عمرُ ربَّه في الدعاء لتفريج الكربات، ولقد أشير عليه أن يستسقي بالمسلمين، فخرج عمرُ بالمسلمين لصلاة الاستسقاء، فصلى بهم ودعا دعاءً كثيرًا، واستغفر حتى رؤيت الدموعُ تسيل على خديه، وقد بكى الناس معه، وكان يقول: لقد طلبتُ الغيث بمجادف السماء
(1) ابن سعد: الطبقات: 2/ 212.
(2)
عمر بن شبَّة، تاريخ المدينة: 2/ 243 ..
(3)
ابن سعد: الطبقات: 2/ 314.
(4)
ابن سعد: الطبقات: 2/ 315.
التي بها يُستنزل المطر، ثم قرأ:{اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} (1)(2)، هذا فوق تضرع عمر في خلواته وداخل بيته في هزيع الليل، وقد سمعه ابنه يومًا يقول في دعائه:«اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي» (3).
وكذلك يمثل عمر نموذجًا للخليفة الصالح، والرجل الناصِحِ لنفسه وأمته، والمقتدر على المشاركة في حل الأزمة، وتفعيل الأمة لحلها.
وكذلك تخرج الأمةُ من الأزمات بصدق التوجه إلى الله، والجدية في العمل والتعاون على البر والتقوى.
(1) سورة نوح، الآيتان: 10، 11.
(2)
الطبري: 4/ 225، الطبقات: 3/ 320.
(3)
الطبقات: 3/ 320.