الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية:
الحمد لله ربِّ العالمين {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} (1)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وعَد، ووعدُه حق، بنصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (2)، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، بَشَّر أمتَه بالسَّناءِ والنصرِ والتمكين فقال:«بشر هذه الأمة بالسَّناء (3) والنصر والتمكين، ومن عَمِل منهم عملَ الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» (4).
اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين.
عبادَ الله: نحتاج إلى التذكير بالمبشرات الصادقة، لندفع بها اليأس والإحباط، ونجدد العزائم ونتلمس أسبابَ النصر، ومن رحمة الله بهذه الأمة أن جعل لهم بعد العسرِ يسرًا، وبعد الضيق والشدة، السعةَ والفرج. أجل لقد أوحى اللهُ إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيما أوحى - {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (5).
وقد فهم السلفُ معنى الآية واعتقدوه، وقالوا: لن يغلب عُسرٌ يسرين لأن في الآية عُسرًا واحدًا معرفًا، ويسرين منكرين».
وفَهِمَ الخلفُ - كذلك مدلولات الآية - وقال الشيخُ السعدي رحمه الله: في تفسير الآية بشارةٌ عظيمة، إنه كلما وُجد عُسرٌ وصعوبةٌ فإن اليسرَ يقارنه ويصاحبِه،
(1) سورة المجادلة، الآية:21.
(2)
سورة غافر، الآية:51.
(3)
والسَّنا: ارتفاع المنزلة والقدر عند الله تعالى، كما في النهاية: 2/ 414 لابن الأثير.
(4)
أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما بإسناد صحيح المستدرك: 4/ 318، الدويش:22.
(5)
سورة الشرح، الآيتان: 5، 6.
حتى لو دخل العسرُ جُحرَ ضبٍّ لدخل عليه اليسرُ فأخرجه، كما قال تعالى:{سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (1)، وكما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم:«وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرًا» ثم قال الشيخ: وتعريف (العسر) في الآيتين يدل على أنه واحد، وتنكير (اليسر) يدل على تكراره فلن يغلب عُسرٌ يسرين، وفي تعريفه بالألف واللام الدال على الاستغراق والعموم، دلالة على أن كلَّ عسرٍ وإن بلغ من الصعوبة ما بلغ، فإنه في آخره التيسيرُ ملازمٌ له (2).
عبادَ الله: وتمثل الشعراءُ بهذه المعاني القرآنية، وسلوا أنفسهم بالفَرَجِ على إثر الشدائد، وقال ابنُ دريدٍ: أنشدني أبو حاتمٍ السجستاني:
إذا اشتملتْ على اليأسِ القلوبُ
…
وضاق لما بِه الصدرُ الرحيبُ
وأوطأت المكارهُ واطمأنت
…
وأرستْ في أماكِنها الخُطوبُ
ولم تر لانكشافِ الضرِّ وجهًا
…
ولا أغنى بحيلته الأريبُ
أتاك على قنوطٍ منك غوثٌ
…
يَمنُّ به اللطيفُ المستجيبُ
وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهت
…
فموصولٌ بها الفرجُ القريبُ
إخوة الإسلام: ومهما تلاحقت الخطوبُ واشتدت المكاره، وتفنن الأعداءُ في أساليب العداوةِ والبغضاء، فلا يغبْ عن بالكم أن نصرَ الله قريب، وأن كيدَ الشيطان ضعيف، وأن الغلبة في النهاية للحق وأهله:{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} (3).
إن الشدةَ تخفي وراءها فرجًا بإذن الله، والمكروه يحمل الخير القادم بإذن الله، وإن الدلائل والبشائر - من نصوص الكتاب والسنة، ومن واقع الحضارات
(1) سورة الطلاق، الآية:7.
(2)
تفسير كلام المنان: 7/ 646.
(3)
سورة الرعد، الآية:17.
المادية المنهارة، والآيلةِ للانهيار، ومن واقع الأمة الإسلامية التي باتت الصحوةُ تسري بين رجالها ونسائها ومثقفيها وعوامها، ومن لم يستطع منهم العمل للإسلام تراه متحسرًا على واقع المسلمين داعيًا على أعدائهم محاولًا إصلاح شأنه على الأقل ومن يعول. ومن واقع الأعداءِ كذلك وتآزرهم لضرب الإسلام وخنق المسلمين، كلُّ هذه وغيرها تقول بلسان الحال: إن الإسلام قادم، وإن الجولة القادمة للمسلمين - إن شاء الله.
فالأيامُ دول، وحركةُ التاريخ لم تتوقف عن التغيير، ولم يحدث أن توقفت النوبةُ عند أمةٍ من الأمم لم تتجاوزها إلى غيرها.
يا أخا الإسلام: جنّد نفسَك لخدمةِ دين الله، وساهم في جهاد أعداءِ الله، واعلم أنك تنفع نفسك، وإلا فالله غني عنك وعن جهادك:{وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (1).
واعلم كذلك أن الله قادر على الانتقام من أعدائه، والانتصارِ عليهم، ولكن ليبلوَ الناس ويُميزَ الصادقين المجاهدين من الكاذبين المتخاذلين {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} (2).
إخوة الإيمان: وثمة تساؤل يطرحه بعضُ من لا يعلم سُنن الله في الكون ويقول: كيف يكون المستقبل للإسلام والغلبةُ للمسلمين في مثل هذا الزمن الذي اجتمع فيه الأعداء وتغلبوا على المسلمين، بمقدراتهم ومخترعاتهم المادية؟ كيف ينتصر المسلمون وعدوُّهم يملكُ القنابل النووية والأسلحة المتطورة، والمسلمون دون عدوِّهم في وسائل القتال والتقنية بمراحل؟
والجواب أن على المسلمين أن يُعدِّوا أنفسهم بما يستطيعون كما قال تعالى:
(1) سورة العنكبوت، الآية:6.
(2)
سورة محمد، الآية:4.
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (1)، لكن عليهم أن يدركوا أن النصر لهم في النهاية ليس بقوة المسلمين وجهدهم، وإنما بقوة الله ودفعه كما قال تعالى:{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} (2).
والمسلمون، إذا صدقوا، سببٌ لتحقيق قدرِ الله وإرادته في عدوه وعدوهم:{فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (3).
وكل ذلك لا يدعو المسلمين للتواكل، ولكنه مشعرٌ لهم أن النصر من عند الله، وهو مُشعرٌ كذلك ألا يهن المسلمون ويضعفوا وهم يرون ما بالأعداء من قوة، فـ «يدُ الله فوق أيديهم» ، وأمرُه إذا أراد شيئًا بين الكاف والنون:{وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} (4).
وقد سبق للمسلمين والرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم أن هُزموا وهم كثرة كما في حنين، وانتصروا وهم قلة كما في بدر، وفي واقعنا المعاصر يشهد الناسُ نماذج لانتصار المسلمين وهم قِلة مستضعفون، واندحار المبطلين وهم كثرةٌ مدججون بالسلاح، أفلا يفيقُ المسلمون ويدركون أسباب النصر وجهته، والله يذكرهم بهذا في كتابه ويقول:{وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (5)، ويقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (6).
تلك معانٍ ورؤىً لا بد أن نستشعرها في حربنا مع أعدائنا، ولا بد أن نعيها حين نريد التمكين في الأرض، ولا بد من الإيمان بها ونحن نستشرف المستقبل للإسلام والغلبةَ للمسلمين إن شاء الله، تحقيقًا لا تعليقًا، ولكن أمدَ ذلك علمُه عند الله، ولكن يقظة المسلمين واجتماع كلمتِهم وصدقِهم وجهادهم
…
كلُّ
(1) سورة الأنفال، الآية:80.
(2)
سورة التوبة، الآية:14.
(3)
سورة الأنفال، الآية:17.
(4)
سورة القمر، الآية:50.
(5)
سورة آل عمران، الآية:126.
(6)
سورة محمد، الآية:7.
ذلك يُعجل النصر
…
ويقرب النهاية للباطل وأهله.
اللهم انصر دينك، واجعلنا من أنصار دينك يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الوهن والوهم، وحبّ الدنيا وكراهية الموت، اللهم اجمع كلمتنا على الحق، وطهر بلادنا من الفساد والمفسدين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، وأصلح أئمتنا وولاة أمرنا والمسلمين، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.