الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بشائر بمستقبل الإسلام
(1)
الخطبة الأولى:
الحمد لله ربِّ العالمين، يعلم السرَّ وأخفى، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، إليه المنتهى، وما من دابةٍ في الأرض إلا هو آخذٌ بناصيتها، ويعلم مستقرَّها ومستودَعها، كلٌّ في كتاب مبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان واثقًا بربه مطمئنًا إلى نصره، صابرًا على البلاء يصيبه، اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أوصي نفسي وإياكم - معاشر المسلمين - بتقوى الله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (2)، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} (3)، {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (4).
أيها المسلمون: هل يخالجكم شكٌّ في قوة الله وقدرته على نصرةِ دينه وأوليائه؟ وهل ترتابون في ضعف كيد الأعداء مهما بلغت قوتُهم وكثر جمعُهم؟ وهل يتردد مسلمٌ في الاعتقاد بأن العاقبةَ للتقوى والمتقين، والغلبةَ في النهاية للإسلام والمسلمين.
تلك مُسَلّماتٌ لا تقبل الجدل، وأدلتُها في الكتاب العزيز والسنة المطهرة أكثرُ
(1) ألقيت هذه الخطبة يوم الجمعة الموافق 16/ 1/ 1421 هـ.
(2)
سورة النساء، الآية:131.
(3)
سورة الطلاق، الآيتان: 2، 3.
(4)
سورة الأنفال، الآية:29.
من أن تُحصر
…
وإن كان اللهُ جعل لكل شيءٍ قدرًا، وربط الأمور بأسبابها، وجعل للنصرِ والتمكين شروطًا لا بد من توفرها
…
ولكن هذه الأسباب والشروط ليست ضربًا من المستحيل، ولا فوق طاقات البشر، لكنها محتاجةٌ إلى صدق وإخلاصٍ وجهادٍ ونية، وأنتم اليوم - كما كان أسلافكم من قبل - مُمتحنون على صدق الجهاد لدينه، والولاء لشرعه وللمؤمنين، والبراءة من الشرك وأهله، وقد قيل لمن هو خير منا:{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (1).
عباد الله: ودعونا نستبشر ونبشر بنصر الله، ونقارن بين العسر واليسر، ونُجدد عزائم النفوس، ونطرد بالأمل والبشرى دواعي الألمِ والقنوط ومظاهرَ الإحباط واليأس.
إن الدينَ دينُ الله، والحُرمات حرماتُه، واللهُ أغيرُ على دينه وحرماتِه منا، وهو الذي أنزل الدين، وأرسل الرسل، وتكفّل بإظهار دينه {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (2)، {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} (3) ويقول جلَّ قائلًا عليمًا {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (4).
ومن قديم الزمنِ وحديثهِ والأعداءُ يتربصون بالمؤمنين الدوائر، ويكيدون لهم، وفي مثل هذا الزمن يبلغ كيدُ الأعداء مبلغًا ربما ظن معه ضعفاءُ الإيمان أن المسلمين لن تقوم لهم بعده قائمة ولن ترتفع لهم راية
…
ولكن العودةَ إلى آيات
(1) سورة آل عمران، الآية:179.
(2)
سورة التوبة، الآية: 33، والصف، الآية:9.
(3)
سورة الفتح، الآية:28.
(4)
سورة الصف، الآية:8.
القرآن تكشف عن مكرٍ قديمٍ للأعداء، وعن إنفاقِ الأموال للصد عن سبيله
…
ومع ذلك باءت هذه المحاولاتُ بالفشل بالنهاية، وكشف اللهُ عن ضعفِ كيد الأعداء وغلبتهم في النهاية، واقرأ بتمعُّن هذين النموذجين في زمنين مختلفين.
وقال عن النموذج الثاني: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (2).
عباد الله: وينبغي أن لا يغيب عن بالنا ونحن نقاوم أعداء الإسلام أن هؤلاء الأعداء أعداءٌ لله قبل أن يكونوا أعداءَ لنا، تجدون ذلك في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} (3)، وإنهم يكذبون بآيات الله قبل أن يكذبوا المرسلين، أو يسخروا بالمسلمين، يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (4)، والله تعالى أغير على دينه وحرماته
…
ولكنه القدرَ الإلهيَّ بامتحان الناس بالشر والخير فتنة، وبالجملة فمهما بلغ كيدُ الأعداء، فالله موهنُ كيدهم، والله يمهلهم قليلًا ثم يأخذهم، تأملوا قوله تعالى:{ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} (5)، وقوله: {إِنَّهُمْ
(1) سورة النمل، الآيات: 48 - 52.
(2)
سورة الأنفال، الآية:36.
(3)
سورة الممتحنة، الآية:1.
(4)
سورة الأنعام، الآية:33.
(5)
سورة الأنفال، الآية:18.
يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} (1).
أيها المسلمون: وشرطُ التمكين لكم والنصر على أعدائكم الإيمانُ وعملُ الصالحات: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (2).
وإذا تحقق الشرطُ فوعدُ الله حقٌّ، وهو لا يخلف الميعاد {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (3)، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} (4).
عبادَ الله: ومنذُ نزل على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قولُه تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (5)، ودينُ الله ينتصر، والمسلمون يسيحون في الأرض ينشرون الإسلام، ويبشرون برضوان الله والجنة، حتى بلغ الإسلامُ مبلغًا لم يبلغه أيُّ دين، ودخل في الإسلامِ ما لم يدخل في غيره من الأديان
…
ولم تتوقف حركةُ المدِّ الإسلامي حتى اليوم - وإن كانت بشكل عامٍ تقوى أو تضعف، حسب قوة المسلمين أو ضعفِهم، ولكن سورة النصرِ - بشكل عام - فيها إشارةٌ إلى أنَّ النصر يستمرُّ للدين ويزدادُ عند حصول التسبيح بحمد الله واستغفاره وشكره، كما نقل ذلك أهل التفسير (6).
(1) سورة الطارق: الآيات: 15 - 17.
(2)
سورة النور، الآية:55.
(3)
سورة الروم، الآية:47.
(4)
سورة الصافات، الآيات: 171 - 173.
(5)
سورة النصر، الآيات: 1 - 3.
(6)
السعدي، تفسير كلام المنان: 7/ 682، 683.
أيها المسلمون: ومن آيات القرآن إلى نصوص السنة وبشائرها، إذْ تجدون في هدي الذي لا ينطق عن الهوى وعودًا صادقةً بنصرة الدين، وبلوغه ما بلغ الليل والنهار، وفي حديث تميم الداري رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهار، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله اللهُ هذا الدين بعزِّ عزيزٍ، أو بذلِّ ذليل، عِزًّا يُعز اللهُ به الإسلام، وذُلًا يُذلُّ الله به الكفرَ» ، رواه أحمدُ والحاكمُ وغيرهما بسند على شرط مسلم (1).
وتجدون كذلك وعدًا بفتح للمسلمين لم يفتحوه بعد، فقد سُئل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ المدينتين تُفتح أولًا: أقسطنطينية أم رُوْمية؟ فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «مدينةُ هرقلَ تُفتح أولًا، يعني: «القسطنطينية» (2).
وعلى ذلك فالمسلمون على وعدٍ بفتح روما - وهي واحدةٌ من قلاع النصارى، وحاضرةٌ كبرى من حواضر النصرانية.
أما اليهود فتجدون وعدًا نبويًا آخر صادقًا بوقوع معركة فاصلة مع اليهود، ينتصر فيها المسلمون وتُغلب اليهود، ويقول عليه الصلاة والسلام:«لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلُ المسلمون اليهودَ، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهوديُّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجرُ أو الشجر: يا مسلمُ، يا عبدَ الله، هذا يهوديٌّ خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود» متفق عليه (3).
أيها المسلمون: وما ترون اليومَ من مللٍ زائغة كاليهودية والنصرانية ونحوها ستنتهي ويبقى الإسلام، وفي آخر الزمان وحين ينزل عيسى عليه السلام لا يحكم
(1) محمد الدويش البشائر بنصرة الإسلام ص 18.
(2)
رواه أحمد والدارمي وابن أبي شيبة، وحسّنه المقدسي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/ 8، الدويش البشائر:26.
(3)
خ (2926)، (2925)، م (2922)، (2921).
بالنصرانية، وإنما يحكم بالإسلام، فقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح فقال:«والله لينزلن ابنُ مريم حكمًا عادلًا فليكسِرنَّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعَنَّ الجزية» رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية أبي داود: «فيقاتل الناسَ على الإسلام، فيدُقَّ الصليبَ، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهلك الله في زمانه الملل كلَّها إلا الإسلام» (1).
فهل يفقه المسلمون مدلولات هذه الأحاديث؟ وهل تزيدهم ثقةً بدينهم، وتدعوهم إلى الدعوة للحق الذي يملكون؟ حتى وإن كان أصحابُه اليوم مستضعفين، وتقلل في أذهانهم من شأن اليهود والنصارى وتلقي في روعهم بطلان عقائدهم وإن كانوا اليوم غالبين.
(1) جامع الأصول: (10/ 328).