المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب أهلية الشهادة وما يفيد قبولها ومستند علم الشاهد وتحمله وأدائه] - التاج والإكليل لمختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن يوسف المواق]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الْهِبَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَحُكْمِهَا]

- ‌[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] [

- ‌فَصْلٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَذَاتِ اللُّقَطَةِ وَأَحْكَامِهَا]

- ‌[كِتَابُ اللَّقِيطِ]

- ‌[بَابٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَأَحْكَامِ اللَّقِيطِ]

- ‌[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي تَوْلِيَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ]

- ‌[بَاب آدَاب الْقَضَاء]

- ‌[بَاب الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ]

- ‌[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [

- ‌بَاب أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا يفيد قَبُولهَا وَمُسْتَنِد عِلْم الشَّاهِد وتحمله وَأَدَائِهِ]

- ‌[بَاب الشَّهَادَات فِي الْعَدَد وَالذُّكُورَة]

- ‌[بَابٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا]

- ‌[بَابٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ]

- ‌[بَابٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]

- ‌[بَابٌ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]

- ‌ كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَمَجَامِعِ الْخُصُومَاتِ

- ‌[أَرْكَانُ الدَّعْوَى]

- ‌[تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ]

- ‌[بَابٌ فِي الدِّمَاءُ] [

- ‌الْجِنَايَة عَلَى النَّفْس] [

- ‌مُوجِبَات الْقِصَاص]

- ‌[مِنْ مُوجِبَات الْقِصَاص الْقَاتِل]

- ‌[مِنْ مُوجِبَات الْقِصَاص الْقَتِيل]

- ‌[شُرُوطُ الْقَتْلِ]

- ‌[قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ]

- ‌[الْجِنَايَة عَلَى الْأَطْرَاف]

- ‌[بَاب اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ لَهُ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]

- ‌[فَصَلِّ تَأْخِير الْقِصَاص]

- ‌[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمُمَاثَلَةِ]

- ‌[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

- ‌[الْوَاجِبِ فِي الدِّيَةِ]

- ‌[دِيَةُ النَّفْسِ]

- ‌[دِيَة الْعَمْد وشبه الْعَمْد وَالْخَطَأ]

- ‌[الدِّيَة الْوَاجِبَة فِيمَا دُون النَّفْس]

- ‌[الدِّيَة الْوَاجِبَة فِيمَا يَفُوت الْمَنَافِع]

- ‌[بَيَان مِنْ عَلَيْهِ الدِّيَة]

- ‌[كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ]

- ‌[الْقَسَامَةُ وَالشَّهَادَةُ بِالدَّمِ]

- ‌[سَبَبُ الْقَسَامَةُ]

- ‌[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ]

- ‌[بَاب فِي الْبَغْيُ]

- ‌[صِفَاتُ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ]

- ‌[بَابٌ فِي الرِّدَّةُ]

- ‌[حَقِيقَة الرِّدَّة وَأَحْكَامهَا]

- ‌[بَاب فِي الزِّنَا]

- ‌[مُوجَبُ الزِّنَا وَمُوجِبِهِ وَكَيْفِيَّة اسْتِيفَاء الْحَدّ وَمُتَعَاطِيه]

- ‌[بَابٌ فِي الْقَذْفِ] [

- ‌بَاب فِي أَلْفَاظ القذف وَمُوجِبه وَأَحْكَامه]

- ‌[بَاب فِي السَّرِقَةُ]

- ‌[مُوجِب حَدّ السَّرِقَة وَعُقُوبَتهَا وَحُكْمهَا]

- ‌[أَرْكَان السَّرِقَة]

- ‌[شَرْطَ قَطْعِ السَّارِقِ]

- ‌[بَاب فِي الْحِرَابَةِ]

- ‌[صفة المحاربين وَحُكْم قِتَالهمْ وَعُقُوبَتهمْ وَحُكْمهَا]

- ‌[بَابٌ فِي الشُّرْبِ]

- ‌[مُوجِب الشُّرْب وَالْوَاجِب فِيهِ]

- ‌[كِتَابُ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ] [

- ‌ضمان سراية الْفِعْل الْمَأْذُون فِي عَيْنه أَوْ جنسه]

- ‌[الضَّمَان فِي دَفْعِ الصَّائِل]

- ‌[ضمان مَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِم]

- ‌[كِتَاب الْعِتْق] [

- ‌بَاب أَرْكَان الْعِتْق]

- ‌[خواص الْعِتْق]

- ‌[بَابٌ فِي التَّدْبِيرُ]

- ‌[بَابُ نَدْبِ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ التَّبَرُّعِ]

- ‌[أَرْكَان الْكِتَابَة]

- ‌[بَاب إقْرَارُ السَّيِّدِ بِوَطْءِ الْأَمَة]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَلَاء]

- ‌[كِتَابُ الْوَصَايَا] [

- ‌بَاب أَرْكَان الْوَصِيَّة وَأَحْكَامهَا]

- ‌[بَاب الرُّجُوع عَنْ الْوَصِيَّة]

- ‌[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]

- ‌[بَاب فِي بَيَان الْوَرَثَة وَالتَّوْرِيث]

- ‌[بَاب مَا يَخْرَج مِنْ تَرِكَة الْمَيِّت]

- ‌[أَسْبَاب الأرث]

- ‌[بَاب فِي أُصُول الْحِسَاب وَبَيَان الْمَخَارِج]

- ‌[بَاب حِسَاب الْمُنَاسَخَات وَقِسْمَة التَّرِكَات]

- ‌[بَاب حِسَاب مَسَائِل الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار]

- ‌[حِسَاب مَسَائِل الْوَصَايَا]

- ‌[بَاب مَوَانِع الْإِرْث]

- ‌[مِيرَاث الْخُنْثَى]

الفصل: ‌باب أهلية الشهادة وما يفيد قبولها ومستند علم الشاهد وتحمله وأدائه]

[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [

‌بَاب أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا يفيد قَبُولهَا وَمُسْتَنِد عِلْم الشَّاهِد وتحمله وَأَدَائِهِ]

وَفِيهِ سِتَّةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ يُفِيدُ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ وَمَا يُفِيدُ قَبُولَهَا وَمَا يَمْنَعُ مِنْهُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةِ.

الثَّالِثُ فِي مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ وَتَحَمُّلِهِ وَأَدَائِهِ. الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ. الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. الْبَابُ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ خَاتِمَةُ الْكِتَابِ بِذِكْرِ اطِّلَاعِ الْقَاضِي بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَى خَلَلٍ فِي الشُّهُودِ. الْمُتَيْطِيُّ: مَرَاتِبُ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَاتِ إحْدَى عَشْرَةَ مَرْتَبَةً، وَالشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْءَ دُونَ يَمِينٍ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ، وَاَلَّتِي تُوجِبُهُ مَعَ الْيَمِينِ خَمْسَةٌ، وَاَلَّتِي تُوجِبُ حُكْمَهُ وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ.

ابْنُ عَرَفَةَ: لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ مُوجِبَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ بِمُقْتَضَاهَا اكْتَسَبَتْ مِنْ الشَّرَفِ مَنْزِلَةً فَاشْتُرِطَ فِيهَا شُرُوطٌ (الْعَدْلُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ بَالِغٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ فِي

ص: 161

الِاسْتِهْلَالِ وَنَحْوِهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ عِدْلَتَيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ شُرُوطِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَا تَحَمُّلِهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ. الْمَازِرِيُّ: شَرْطُ الْعَقْلِ وَاضِحٌ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ وَلَا يَضْبِطُهُ وَمَنْ هُوَ كَذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ.

ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا يُخْتَلَفُ فِي الْعَقْلِ فِي حَالَتَيْ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ، وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ الْعَقْلِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَذْكُرُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا أَعْرِفُهُ، بَلْ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْكَبِيرِ يُخْنَقُ ثُمَّ يُفِيقُ وَإِنْ كَانَ يُفِيقُ إفَاقَةً يَعْقِلُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُ وَبَيْعُهُ وَابْتِيَاعُهُ، وَالْبُلُوغُ فِي عُمُومِهَا اتِّفَاقًا. الْمَازِرِيُّ: لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَلَا يَأْثَمُ فِيمَا يَفْعَلُهُ مِنْ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَهَذَا يَمْنَعُ الثِّقَةَ بِشَهَادَتِهِ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ صَبِيٌّ بِشَهَادَةٍ ثُمَّ رَدُّوهَا بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُلُمِ جَازَتْ.

(بِلَا فِسْقٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا مَا يُفِيدُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُشْتَرَطُ الِاتِّصَافُ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ فَوَصْفَانِ: الْأَوَّلُ الْعَدَالَةُ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَحُسْنُ الْمُعَامَلَةِ. ابْنُ شَاسٍ: لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يُمَحِّصَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ إذْ ذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ، لَكِنْ مَنْ كَانَتْ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ حَالِهِ وَأَغْلِبَهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافَظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ فَهُوَ الْعَدْلُ.

(وَحَجْرٍ) سَمِعَ أَشْهَبُ: أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ عَدْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.

ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُهُ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ قِيَاسُ الْمَعْلُومِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي لَغْوِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْيَتِيمِ الْبَالِغِ فِي جَوَازِ أَفْعَالِهِ وَرَدِّهَا، وَأَمَّا الَّذِي يَأْتِي عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمَعْلُومِ وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي أَنَّ الْمَوْلَى لَا تَنْفُذُ أَفْعَالُهُ وَإِنْ كَانَ رَشِيدًا فِي أَفْعَالِهِ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أَخَذَهُ.

(وَبِدْعَةٍ وَإِنْ تَأَوَّلَ كَخَارِجِيٍّ وَقَدَرِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعِ سَاقِطَةٌ لِأَنَّهُ كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ. ابْنُ الْقَصَّارِ: وَلَوْ كَانَ عَنْ تَأْوِيلٍ غَلِطَ فِيهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَتَأْوِيلٍ كَالْخَارِجِيِّ وَالْقَدَرِيِّ.

(لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً) عِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ.

زَادَ عِيَاضٌ: وَمُتَوَقِّي الْمُثَابَرَةَ عَلَى الصَّغَائِرِ. ابْنُ عَاتٍ:

ص: 162

وَمُجَانِبًا مُخَالَطَةَ مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ (أَوْ كَثِيرَ كَذِبٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ قِيَامُ بَيِّنَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (أَوْ صَغِيرَةَ خَسَّةٍ وَسَفَاهَةٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَدَالَةُ صِفَةُ مَظِنَّةٍ تَمْنَعُ مَوْصُوفَهَا الْبِدْعَةَ وَمَا يَشِينُهُ عُرْفًا وَمَعْصِيَةَ غَيْرِ قَلِيلِ الصَّغَائِرِ.

فَالصَّغَائِرُ الْخَسِيسَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِيمَا يَشِينُ، وَنَادِرُ

ص: 163

الْكَذِبِ فِي غَيْرِ عَظِيمِ مَفْسَدَةٍ غَيْرِ مُنْدَرِجٍ فِي قَلِيلِ الصَّغَائِرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهَا مِمَّا يُجْرَحُ بِهِ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاحِدٍ (وَلَعِبَ نَرْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: الشِّطْرَنْجُ أَشَرُّ مِنْ النَّرْدِ. الْمَازِرِيُّ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةُ شِطْرَنْجٍ ".

(ذُو مُرُوءَةٍ بِتَرْكِ غَيْرِ لَائِقٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْوَجْهُ الثَّانِي الْمُرُوءَةُ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُرُوءَةُ هِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى فِعْلِ مَا تَرَكَهُ مِنْ

ص: 164

الْمُبَاحِ يُوجِبُ الذَّمَّ عُرْفًا كَتَرْكِ الْمَلِيءِ الِانْتِعَالَ فِي بَلَدٍ يُسْتَقْبَحُ فِيهِ مَشْيُ مِثْلِهِ حَافِيًا، وَعَلَى تَرْكِ مَا فَعَلَ مِنْ مُبَاحٍ يُوجِبُ ذَمَّهُ عُرْفًا كَالْأَكْلِ عِنْدَنَا فِي السُّوقِ وَفِي حَانُوتِ الطَّبَّاخِ لِغَيْرِ الْغَرِيبِ.

ابْنُ رُشْدٍ: لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ ذَوِي الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ كَالْكَنَّاسِ وَالْحَجَّامِ إلَّا مَنْ رَضِيَهَا اخْتِيَارًا مِمَّا لَا تَلِيقُ بِهِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي عَقْلِهِ. الْبُرْزُلِيِّ: حَكَى عَنْ الصَّالِحِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّبْتِيِّ حَالَاتٍ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَقَدْ فِيهِ إلَّا الْخَيْرُ لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ صَلَاحِهِ وَزُهْدِهِ وَإِيثَارِهِ، وَكَذَا حَكَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الرَّاوِيَةَ الْبَطْرِينِيُّ أَنَّ الْوَلِيَّ الْمَشْهُورَ الزَّوَاوِيَّ كَانَ مُخَرَّبَ الظَّاهِرِ وَهُوَ عِنْدَ الْعَامَّةِ مَشْهُورٌ بِالْوِلَايَةِ فَلَا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ تَخْرِيبُ ظَاهِرِهِ.

وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ: الْحِيَاكَةُ بِحَسَبِ الْبُلْدَانِ وَهِيَ فِي إقْلِيمِ إفْرِيقِيَّةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ يَسْتَعْمِلُهَا وُجُوهُ النَّاسِ، وَكَذَا كُلُّ صَنْعَةٍ بِحَسَبِ رِفْعَتِهَا وَخِسَّتِهَا.

(مِنْ حَمَامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُجْرَحُ الشَّاهِدُ بِثُبُوتِ لَعِبِهِ بِالْحَمَامِ إذَا كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهَا. مُحَمَّدٌ: مَنْ فَعَلَهُ عَلَى قِمَارٍ أَوْ أَدْمَنَ عَلَيْهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.

(وَسَمَاعِ غِنَاءٍ) الْمَازِرِيُّ: الْغِنَاءُ لَا بِآلَةٍ عِنْدَنَا مَكْرُوهٌ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى سَمَاعِ غِنَاءٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَيُمْكِنُ أَنَّهُ رَآهُ عَلَمًا عَلَى سُقُوطِ الْمُرُوءَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ وَالنَّائِحَةِ إنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ بِشَرْطِ اشْتِهَارِهِمْ بِذَلِكَ، وَالِاشْتِهَارُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْخَسَاسَةِ. قَالَ: وَلَمَّا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَكَانَ ضَرْبُ الْأَوْتَارِ وَالنَّفْخُ فِي الْمِزْمَارِ يُقَارِنُ شُرْبَهَا غَالِبًا وَيُحَرِّكُ النَّفْسَ إلَى شُرْبِهَا، انْسَحَبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يُطْرِبُ وَلَا يَدْعُو إلَى الشُّرْبِ.

وَفِي الْإِحْيَاءِ: كُلُّ آلَةٍ يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا صَوْتٌ مُسْتَطَابٌ مَوْزُونٌ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَعْتَادُهُ أَهْلُ الشُّرْبِ حَرُمَ سَمَاعُهَا وَإِلَّا فَهِيَ بَاقِيَةٌ

ص: 165

عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ قِيَاسًا عَلَى صَوْتِ الْكَبَرِ، بَلْ أَقُولُ: سَمَاعُ الْأَوْتَارِ مِمَّنْ يَضْرِبُهَا عَلَى غَيْرِ وَزْنٍ حَرَامٌ أَيْضًا اهـ. رَاجِعْ أَوَاخِرَ قَوَاعِدِ عِزِّ الدِّينِ وَفَتَاوِيهِ فِي حُكْمِ السَّمَاعِ وَهُوَ أَوْلَى مَنْ يُقَلَّدُ فِي هَذَا الْبَابِ.

(كَدِبَاغَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَارًا) تَقَدَّمَ هَذَا وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّ الْحِيَاكَةَ مِنْ الصِّنَاعَاتِ الرَّفِيعَةِ (وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَدْمَنَ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا. وَكَرِهَ مَالِكٌ اللَّعِبَ بِهَا وَقَالَ: هِيَ أَشَدُّ مِنْ النَّرْدِ.

وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُدْمِنُ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ إذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْ لَهْوٍ وَمَزْحٍ يَسِيرٍ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ اهـ. مَا لِابْنِ يُونُسَ.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلُ مَالِكٍ " إنْ كَانَ لَعِبُهُ بِالشِّطْرَنْجِ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ لِنَفْسِهِ وَعَيْنِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتَوَى قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ فِي تَحْرِيمِهِ وَلَيْسَ اللَّعِبُ بِهَا بِمُضْطَرٍّ إلَيْهِ وَلَا مِمَّا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَيُعْفَى عَنْ الْيَسِيرِ مِنْهُ قَالَ: وَمِمَّنْ أَجَازَ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى غَيْرِ قِمَارٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُهُ هِشَامٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَعَطَاءٌ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ: مَنْ كَانَ يَبِيعُ النَّرْدَ وَالزَّمَامِيرَ وَالْعِيدَانَ وَالطَّنَابِيرَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَكَذَا مَنْ يَشْتَغِلُ بِطَلَبِ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ. وَأَفْتَى الشَّيْخُ الصَّالِحُ الْمُنْتَصِرُ بِمَنْعِ إمَامَتِهِ.

وَحَدَّثَنِي شَيْخِي ابْنُ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ إنْسَانًا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُحْكِمُ عِلْمَهَا قَالَ رحمه الله: فَقُلْت لَهُ: الَّذِي أُفْتِيك بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تُبَيِّنَ لِلَّذِي تَشْتَرِي مِنْهُ أَنَّهَا مُدَبَّرَةٌ إذْ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْتُمَ أَحَدًا مِنْ أَمْرٍ عَرَضَهُ مَا إذَا ذَكَرَهُ كَرِهَهُ الْآخَرُ، أَوْ كَانَ ذِكْرُهُ أَبْخَسَ لَهُ وَكُلُّ النَّاسِ يُؤْثِرُ الْمَعْدِنِيَّ عَلَى الْمُدَبَّرِ.

(وَإِنْ أَعْمَى فِي قَوْلٍ أَوْ أَصَمَّ فِي فِعْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَصَمِّ فِي الْأَفْعَالِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَحْوُ نَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ " يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِيمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْلَمَهُ

ص: 166

الْبَصِيرُ ". وَلِابْنِ شَعْبَانَ: شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ جَائِزَةٌ إذَا عُرِفَتْ إشَارَتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ شَهَادَتِهِ كَصِحَّةِ عَقْدِ نِكَاحِهِ وَثُبُوتِ طَلَاقِهِ وَقَذْفِهِ وَكِلَاهُمَا فِيهِ.

(لَيْسَ بِمُغَفَّلٍ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْغَيْرِ الْمَأْمُونِ عَلَى مَا يَقُولُ وَقَدْ يَكُونُ عَدْلًا وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُغْتَفَلَ أَوْ يُضْرَبَ عَلَى خَطِّهِ وَيَشْهَدَ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يَعْرِفُهُ يَتَسَمَّى لَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَتُهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (إلَّا فِيمَا لَا يَلْبِسُ) الْمَازِرِيُّ: إطْلَاقُ الْمُتَقَدِّمِينَ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْبَلَهِ وَالْغَفْلَةِ، قَيَّدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِمَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَالْجُمَلِ الْمُتَعَلِّقِ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ لَا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ رَأَيْت هَذَا الشَّخْصَ قَتَلَ هَذَا الشَّخْصَ أَوْ سَمِعْته قَالَ هِيَ طَالِقٌ.

(وَلَا مُتَأَكِّدَ الْقُرْبِ كَأَبٍ وَإِنْ عَلَا وَأَمٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ تُهْمَةُ الْحُبِّ لِأَصْلٍ أَوْ عَارِضٍ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ يَدْخُلُ فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ شَهَادَةُ الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ. الْمَازِرِيُّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا لِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ، كَانَ جَدًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ، وَلَا شَهَادَةُ بَنِي بَنِيهِمْ لَهُمْ (وَزَوْجِهِمَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: مِنْ الْمَوَانِعِ أَكِيدُ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَكَذَلِكَ الزَّوْجِيَّةِ فِيهِمَا (وَوَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمَازِرِيِّ " وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ "(كَبِنْتِ الْوَلَدِ) شَمَلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا خَصَّ الْبِنْتَ تَوْطِئَةً (وَزَوْجِهِمَا) اللَّخْمِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ

ص: 167

لِزَوْجِ ابْنَتِهِ وَلَا لِزَوْجَةِ وَلَدِهِ.

(وَشَهَادَةُ ابْنٍ مَعَ أَبٍ وَاحِدَةٌ لِكُلٍّ عِنْدَ الْآخَرِ أَوْ عَلَى شَهَادَتِهِ أَوْ حُكْمِهِ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْخِلَافُ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ، وَالِابْنِ عِنْدَهُ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ وَاحِدٌ. قِيلَ: كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ وَمُطَرِّفٍ. وَقِيلَ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَفَرَّقَ

ص: 168

ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ، وَأَمَّا تَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ فَلَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَا أَدْرَكْت قَاضِيًا حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْ تَقْدِيمِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ إلَّا قَاضِيًا وَاحِدًا جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ عَلِمَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ.

وَلِبَعْضِ شُيُوخِ الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ: شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقِّ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ جَائِزَةٌ وَلَيْسَ كَالِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.

(بِخِلَافِ أَخٍ لِأَخٍ إنْ بَرَزَ وَلَوْ بِتَعْدِيلٍ وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِخِلَافِهِ

ص: 169

كَأَجِيرٍ وَمَوْلًى وَمُلَاطِفٍ وَمُفَاوِضٍ فِي غَيْرِ مُفَاوَضَةٍ وَزَائِدٍ أَوْ مُنَقِّصٍ وَذَاكِرٍ بَعْدَ شَكٍّ وَتَزْكِيَةٍ) ابْنُ بَشِيرٍ: سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ الْمُبْرِزُ: الشَّهَادَةُ لِلْأَخِ وَلِلْمَوْلَى وَلِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ وَلِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ

ص: 170

التِّجَارَةِ وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ وَالتَّعْدِيلُ انْتَهَى.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُشْتَرَطُ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَالْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، وَشَهَادَةِ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ، وَشَهَادَةِ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَشَهَادَةِ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ، وَفِيمَنْ سُئِلَ فِي مَرَضِهِ شَهَادَةٌ لِتُنْقَلَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَاعْتَذَرَ بِأَنَّهُ خَشِيَ فِي مَرَضِهِ عَدَمَ تَثَبُّتِهِ فِيهَا، وَمَنْ زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ بَعْدَ أَدَائِهَا.

ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِالْمَالِ.

قَالَ الْبَاجِيُّ: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ فِي نَفَقَةِ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ مَعْرُوفُهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَإِلَّا فَثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبْرِزًا فِي حَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ إنَّ الْأَخَ يُعَدِّلُ أَخَاهُ.

عِيَاضٌ: اشْتَرَطَ فِي شَهَادَةِ الْأَخِ أَوَّلَ الْكِتَابِ التَّبْرِيزُ وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَثْنَاءَهُ، فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ، مَرَّةً اشْتَرَطَ التَّبْرِيزَ وَمَرَّةً لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَعَلَى اشْتِرَاطِ التَّبْرِيزِ اخْتَصَرَهَا الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَيَكُونُ مَرَّةً بَيَّنَهُ وَمَرَّةً أَهْمَلَهُ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ إلَيْهِ، وَجَرُّهُ إلَيْهِ جَرٌّ إلَى نَفْسِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ إذَا كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ إذَا كَانَ عَدْلًا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ شَرًّا أَوْ يَجُرَّ إلَيْهَا.

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ الَّذِي تَحْتَ إنْفَاقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ لَغْوٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ إنْفَاقِهِ فَطَرِيقُ الْمَازِرِيِّ

ص: 171

مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِصَدِيقِهِ إنْ كَانَ لَيْسَ فِي نَفَقَتِهِ وَلَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِرُّهُ وَصِلَتُهُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي الْعَلَانِيَةِ إلَّا الْمُبْرِزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يُسْتَذَلُّ فِي رَأْيِهِ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَإِنْ ارْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ جَازَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ مِنْ التَّزْكِيَةِ عَلَى رَجُلَيْنِ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ.

(وَإِنْ بِحَدٍّ) الْمُتَيْطِيُّ وَالتَّعْدِيلُ يَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ فِي الدِّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ قَوْمٌ عَلَى حَقٍّ فَعَدَلَهُمْ قَوْمٌ غَيْرُ مَعْرُوفِينَ وَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ، فَإِنْ كَانَتْ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقَاضِي لَا يَقْبَلُ

ص: 172

عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ (بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُجْزِي فِي التَّعْدِيلِ إلَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ (مِنْ فَطِنٍ عَارِفٍ لَا يُخْدَعُ) تَقَدَّمَ نَصُّ سَحْنُونٍ بِهَذَا (مُعْتَمِدٌ عَلَى طُولِ عَشْرَةٍ) سَحْنُونَ: لَا يُزَكِّي إلَّا مَنْ خَالَطَهُ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَطَالَتْ صُحْبَتُهُ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ.

اللَّخْمِيِّ: وَلَا يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ (لَا سَمَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ وَجْهُ التَّعْدِيلِ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ لَا بِالتَّسَامُعِ (مِنْ سُوقِهِ أَوْ مَحَلَّتِهِ إلَّا لِتَعَذُّرٍ) اللَّخْمِيِّ: لَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ، فَإِنْ وَقَفَ أَهْلُ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ عَنْ تَعْدِيلِهِ فَذَلِكَ رِيبَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قُبِلَ مِنْ سَائِرِ بَلَدِهِ. الْمُتَيْطِيُّ لَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ إلَّا أَهْلُ مَسْجِدِهِ وَسُوقِهِ وَجِيرَانِهِ.

رَوَاهُ أَشْهَبُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدَ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ أَوْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَةً فِي ذَلِكَ الْحَقِّ (وَوَجَبَتْ إنْ تَعَيَّنَ كَجُرْحٍ إنْ بَطَلَ حَقٌّ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّي الرَّجُلَ إذَا كَانَ عِنْدَهُ عَدْلًا وَكَذَلِكَ فِي تَجْرِيحِهِ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ عَدْلٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إحْيَاءً لِلْحَقِّ فَلَا يَسَعُهُ تَرْكُ ذَلِكَ (كَجَرْحٍ) وَسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " كَالزِّنَا " أَنَّ الشَّهَادَةَ تَجِبُ بِالتَّجْرِيحِ (وَنُدِبَ تَزْكِيَةُ سِرٍّ مَعَهَا) سُمِعَ الْقَرِينَانِ: أَتَرَى الْمَسْأَلَةَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا؟ قَالَ: نَعَمْ وَهُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي فِعْلُهُ وَلَا يَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَهُ، وَيَكْتَفِي بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. حَكَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَالْأَخَوَيْنِ. وَمَعْنَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ لَا عَلَى اللُّزُومِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا (مِنْ مُتَعَدِّدٍ) ابْنُ رُشْدٍ: تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ وَفِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ بِخِلَافِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ إنَّ نَقْلَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ تَكُونُ عَنْ رَجُلَيْنِ فَانْظُرْهُ مَعَ هَذَا.

(وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الِاسْمَ) سَحْنُونَ: مَنْ عَدَّلَ رَجُلًا لَمْ يَعْرِفْ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ (أَوْ لَمْ يَذْكُرْ السَّبَبَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ. ابْنُ الْمَوَّازِ: التَّزْكِيَةُ جَائِزَةٌ مِنْ غَيْرِ تَفْسِيرٍ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: قَوْلُهُ " لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا " لَغْوٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمِثْلُهُ لَا بَأْسَ بِهِ (بِخِلَافِ

ص: 173

الْجَرْحِ) اللَّخْمِيِّ: فِي قَبُولِ التَّجْرِيحِ إجْمَالًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: قِيلَ: يُقْبَلُ، وَقِيلَ: لَا، وَقَالَ الْأَخَوَانِ يُقْبَلُ مِمَّنْ يَعْرِفُ وَجْهَ التَّجْرِيحِ كَانَ الْمُجَرِّحُ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ أَمْ لَا. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْبَلُ فِي مَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إلَّا مُفَسَّرٌ.

الْمَازِرِيُّ: أَكَّدَ الشَّافِعِيُّ فِي وُجُوبِ الْكَشْفِ فِي الْجَرْحِ لِأَنَّ شَاهِدًا جَرَّحَ شَاهِدًا فَسُئِلَ عَنْ جُرْحَتِهِ فَقَالَ: رَأَيْته يَبُولُ قَائِمًا. فَقِيلَ لَهُ: وَإِذَا بَال قَائِمًا مَاذَا يَكُونُ؟ قَالَ: يَتَطَايَرُ عَلَيْهِ الْبَوْلُ. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ رَأَيْته صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا، فَظَهَرَ غَلَطُهُ.

(وَهُوَ الْمُقَدَّمُ) ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ اجْتَمَعَ تَعْدِيلٌ وَتَجْرِيحٌ فَطُرُقٌ. رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الشَّاهِدِ يُعَدِّلُهُ رَجُلَانِ وَيَأْتِي الْمَطْلُوبُ بِرَجُلَيْنِ فَيُجَرِّحَانِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى الْأَعْدَلِ مِنْ الشُّهُودِ فَيُؤْخَذُ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: الْمُجَرِّحَانِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا زَادَا وَيَسْقُطُ التَّعْدِيلُ. وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَسَحْنُونٌ. وَقَالَ: لَوْ عَدَّلَهُ أَرْبَعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ وَالْأَرْبَعَةُ أَعْدَلُ أُخِذَتْ بِشَهَادَةِ الْمُجَرِّحَيْنِ لِأَنَّهُمَا عَلِمَا مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْآخَرُونَ.

(وَإِنْ شَهِدَ ثَانِيًا وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالتَّزْكِيَةِ الْأُولَى تَرَدُّدٌ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَجْهُولُ الْحَالِ إذَا عُدِّلَ مَرَّةً فِي أَمْرٍ ثُمَّ شَهِدَ ثَانِيَةً فَقَالَ سَحْنُونَ: يُطْلَبُ تَعْدِيلُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَيَشْتَهِرَ مُطْلَقًا.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتَفِي بِالتَّعْدِيلِ الْأَوَّلِ حَتَّى يَطُولَ سَنَةً، فَلَوْ طَلَبَ تَعْدِيلَهُ بِالْقُرْبِ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَعَجَزَ عَنْ ذَلِكَ لِفَقْدِ مَنْ عَدَّلَهُ أَوَّلًا، وَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِ لِأَنَّ طَلَبَ تَعْدِيلِهِ ثَانِيَةً إنَّمَا هُوَ اسْتِحْسَانٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ.

(وَبِخِلَافِهَا لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ أَبَوَيْهِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَيْلٌ لَهُ) سُمِعَ عِيسَى ابْنُ الْقَاسِمِ

ص: 174

لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ عَلَى كَبِيرٍ لِتُهْمَتِهِ بِالْجَرِّ لِنَفْسِهِ لِمَكَانِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَإِنْ شَهِدَ لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ أَوْ لِكَبِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ جَازَتْ إنْ كَانَ عَدْلًا لَا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ الِانْقِطَاعُ عَنْهُ إلَيْهِ وَالْأَثَرَةُ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَتِهِ أَوْ عَرَفَ جَفْوَتَهُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ. لِسَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ.

ابْنُ رُشْدٍ: فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ تَفْصِيلٌ.

وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الِابْنِ يَشْهَدُ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا أَوْ يَكُونَ مَا شَهِدَ بِهِ يَسِيرًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَشَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِهِ أَوْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ طَالِبَةً لِلطَّلَاقِ، وَبِطَلَاقِ غَيْرِ أُمِّهِ جَائِزَةٌ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ مَيِّتَةً وَغَيْرُ جَائِزَةٍ إنْ كَانَتْ حَيَّةً فِي عِصْمَتِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ هِيَ الطَّالِبَةُ لِلطَّلَاقِ.

(وَلَا عَدُوٍّ عَلَى عَدُوٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: عَدَاوَةُ الشَّاهِدِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْمَانِعِيَّةِ اتِّفَاقًا.

وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: إنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فِي الْأَمْوَالِ وَالْمَوَارِيثِ وَالتِّجَارَةِ وَنَحْوِهَا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَضَبًا لِلَّهِ لِفِسْقِهِ وَجَرَاءَتِهِ عَلَى اللَّهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ تَسْقُطْ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا مُفَسِّرٌ لِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ (وَلَوْ عَلَى ابْنِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَتُهُ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ أَوْ أَبِيهِ بِقَتْلٍ أَوْ حَدٍّ سَاقِطَةٌ وَفِي الْمَالِ وَالْجِرَاحِ ثَالِثُهَا

ص: 175

فِي الْجِرَاحِ.

ابْنُ الْحَاجِبِ: شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ وَمَا لَا تَلْحَقُ الْأَبَ مِنْهُ مَعَرَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ.

(أَوْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) عِيَاضٌ: قَوْلُهُ فِي آثَارِ الْكِتَابِ " تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفَّارِ " هَذَا مَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَعَدَاوَةُ الدِّينِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ غَيْرُ خَاصَّةٍ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْعَدَاوَةُ الْخَاصَّةُ.

وَاخْتُلِفَ إذَا طَرَأَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ عَدَاوَةٌ حَدِيثَةٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، فَاعْتَبَرَهَا بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُجِزْ الشَّهَادَةَ وَهَذَا الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ خَاصٌّ.

(وَلْيُخْبِرْ بِهَا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ فَاحْتَاجَ أَهْلُ الشَّهَادَةِ إلَيْهَا، فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ وَلْيُخْبِرْ مَعَ شَهَادَتِهِ بِعَدَاوَتِهِ إيَّاهُ وَلَا يَكْتُمُ.

ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُ هَذَا فِي سَمَاعِ عِيسَى خِلَافُ سَمَاعِ سَحْنُونٍ وَنَوَازِلِهِ، وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يُخْبِرُهُ بِعَدَاوَتِهِ لِأَنَّهُ

ص: 176

يُبْطِلُ بِذَلِكَ حَقًّا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَغُرْمِ شُهُودٍ عَلِمُوا ". اُنْظُرْ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَهُ وَعَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَسْقُطُ فِيهِمَا.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِي بُطْلَانِ كُلِّ الشَّهَادَةِ بِبُطْلَانِ بَعْضِهَا لِلتُّهْمَةِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْهَا مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ.

(كَقَوْلِهِ بَعْدَهَا تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجْنُونِ مُخَاصِمًا لَا شَاكِيًا) مِنْ نَوَازِلِ أَصْبَغَ: مَنْ شَهِدَ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَائِمٌ يَسْمَعُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَهَادَتِهِ تَحَوَّلَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ وَالْقَاضِي يَسْمَعُ أَنْتَ تَشْتُمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ.

لَمْ يَطْرَحْ ذَلِكَ شَهَادَتُهُ إلَّا بِعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ لَهُ: فِي الثَّمَانِيَةِ إنْ قَالَ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَالِاسْتِنْهَاءِ مِنْ الْأَذَى لَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ الْخُصُومَةِ وَلَا يُسَمِّي الشَّتْمَةَ فَلَا أَرَاهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتْمَةَ وَهِيَ مِمَّا فِي مِثْلِهَا الْخُصُومَةُ إنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ لِخُصُومَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الشَّتْمَةَ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ وَهُوَ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ هُنَا.

وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا. ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ عَدُوُّهُ انْتَهَى.

وَنَحْوُ هَذَا اخْتَارَ اللَّخْمِيِّ.

قَالَ: وَطَرْحُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ أَحْسَنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا. قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ عَادَاهُ وَقَبُولُهَا هُنَا أَحَقُّ، إذَا كَانَتْ قُيِّدَتْ قَبْلَ الْعَدَاوَةِ.

(وَاعْتَمَدَ فِي إعْسَارِهِ بِصُحْبَتِهِ وَقَرِينَةِ صَبْرِ ضَرٍّ كَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَرْطِ شَهَادَةِ غَيْرِ السَّمَاعِ يَقْطَعُ الشَّاهِدُ بِالْعِلْمِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ مُطْلَقًا، وَصِحَّتُهَا بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ فِيهِمَا يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً طَرِيقَانِ. الْأُولَى

ص: 177

لِلْمُقَدِّمَاتِ قَائِلًا: الْعِلْمُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ وَبِالْعَقْلِ مَعَ أَحَدِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَبِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَمِنْهُ نَظَرُهُ كَشَهَادَةِ خُزَيْمَةَ بِشِرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْفَرَسَ، وَكَذَا الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ جَائِزَةٌ كَالْوَلَاءِ وَالْمَوْتِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَالْقَطْعُ بِهَا.

الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَازِرِيِّ قَالَ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ بِزَوْجِيَّةِ رَجُلٍ امْرَأَةً بِرُؤْيَةِ حَوْزِهِ إيَّاهَا حَوْزَ الْأَزْوَاجِ زَوْجَاتِهِمْ وَإِنْ لَمْ يُولَدْ حِينَ التَّزْوِيجِ: هَذَا نَوْعٌ خَارِجٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ الْقَوِيُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالشَّهَادَةِ بِالتَّفْقِيرِ. وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ تَابِعًا لِابْنِ شَاسٍ: وَيُعْتَمَدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَفِي الْإِعْسَارِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.

رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ فَقَدْ رَدَّ الطَّرِيقَتَيْنِ إلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: وَلَوْ صَرَّحَ فِي أَدَاءِ شَهَادَتِهِ بِالظَّنِّ لَمْ تُقْبَلْ يَعْنِي عَلَى كِلَا الطَّرِيقَتَيْنِ.

(وَلَا إنْ حَرَصَ

ص: 178

عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ فِيمَا رَدَّ فِيهِ بِفِسْقٍ أَوْ صِبًا أَوْ رِقٍّ أَوْ كُفْرٍ أَوْ عَلَى التَّأَسِّي كَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ التُّهْمَةُ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ عَرَضَ أَوْ تَخْفِيفِ مَعَرَّةٍ بِمُشَارِكٍ فِيهَا مِنْ الْوَرَثَةِ.

مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إلَى قَاضٍ فَرَدَّهَا لِمَوَانِعِهِمْ لَمْ تَجُزْ بَعْدَ زَوَالِهَا أَبَدًا. أَشْهَبُ: مَنْ قَالَ لِقَاضٍ يَشْهَدُ لِي فُلَانٌ الْعَبْدُ أَوْ النَّصْرَانِيُّ أَوْ فُلَانٌ الصَّبِيُّ فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُمْ ثُمَّ زَالَتْ مَوَانِعُهُمْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ فُتْيَا لَا رَدٌّ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا وَقَبُولِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالزِّنَا.

(أَوْ مَنْ حُدَّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: كُلُّ مَنْ حُدَّ فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَابَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِ مَا حُدَّ فِيهِ. وَقَالَهُ ابْنُ حَارِثٍ فِي الْقَاذِفِ اتِّفَاقًا. وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهَا أَيْضًا تَصِحُّ فِيمَا حُدَّ فِيهِ قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ

ص: 179

وَأَصْبَغُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كِتَابِ الدِّيَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَرَوَى الْأَخَوَانِ وَأَصْبَغُ لَا تَصِحُّ.

قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

(وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ كَمُخَاصَمَةِ مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَشَهِدَ وَحَلَفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ السَّادِسُ مَنْ ظَنَّ عَدَمَ اسْتِيفَاءِ وَاجِبِ التَّحَمُّلِ أَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِهَا الْمُوجِبَ دَوَامَ مُحَرَّمٍ أَوْ الْحِرْصَ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي لَا خَفَاءَ فِي رَدِّهَا عَلَى الْقَوْلِ بِلَغْوِ الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّ دُونَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ عَلَى، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَتُهُ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ: إلَّا أَنْ يَكُونَ قَذْفًا. ابْنُ عَرَفَةَ: أَوْ غَيْرُهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِتُهْمَةِ الْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا.

قِيلَ: إذَا حَلَفَ الشَّاهِدُ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إنَّ حَلِفَهُ قَادِحٌ فِيهَا لِأَنَّ حَلِفَهُ كَالْعِلْمِ عَلَى التَّعَصُّبِ وَالْحَمِيَّةِ. قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَامَ الشُّهُودُ وَخَاصَمُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَسْقَطَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَتَهُمْ لِأَنَّ خِصَامَهُمْ عَلَمٌ عَلَى شِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِ شَهَادَتِهِمْ، وَشِدَّةَ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِهَا يَحْمِلُ عَلَى تَحْرِيفِهَا أَوْ زِيَادَةٍ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ. فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَنْ

ص: 180

قَامَ يَطْلُبُ حَقًّا لِلَّهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ فِيهِ. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

وَقَالَ مُطَرِّفٌ: شَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ.

(أَوْ رَفَعَ قَبْلَ الطَّلَبِ فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ) ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَالِ الْحَاضِرِ تَبْطُلُ بِتَرْكِ إعْلَامِهِ لَا بِتَرْكِ رَفْعِهَا لِلسُّلْطَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّهَا مِمَّنْ هُوَ إلَى نَظَرِ السُّلْطَانِ كَالْيَتِيمِ الْمُهْمَلِ.

ص: 184

وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَدَاءِ يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ طَلَبِهِ فِيمَا تَمَحَّضَ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ قَادِحٌ.

(وَفِي مَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالْإِمْكَانِ إنْ اُسْتُدِيمَ تَحْرِيمُهُ كَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ وَوَقْفٍ وَرَضَاعٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ وَالْوَقْفِ لَمْ تَقْدَحْ الْمُبَادَرَةُ، بَلْ تَجِبُ. ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ تَحْرِيمُهُ تَبْطُلُ بِتَرْكِ رَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ إلَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ. (وَالْأَخِيرُ كَالزِّنَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ فَيُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا

ص: 185

وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَلَا تَقْدَحُ وَلَا تَجِبُ إلَّا فِي التَّحْرِيمِ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ.

ابْنُ رُشْدٍ: الشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهَا، وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ إلَّا فِي الْمُشْتَهِرُ، وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَسَالِكِهِ: الْمَشْهُودُ بِهِ إنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ وَلَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخُمُورِ. زَادَ أَصْبَغُ: وَالسَّرِقَةِ. فَتَرْكُ الشَّهَادَةِ لَهُ جَائِزَةٌ، وَلَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكْتُمُهَا وَلَا يَشْهَدُ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَتَعَلَّقُوا بِهِ وَرَفَعُوا لِلسُّلْطَانِ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيُحَدُّونَ لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ.

ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ تَعَلُّقَهُمْ بِهِ وَرَفْعَهُمْ إيَّاهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَلْ هُوَ مَكْرُوهٌ لَهُمْ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.

قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصَابَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ» قَالَ فِي التَّمْهِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّتْرَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إذَا أَتَى فَاحِشَةً، وَوَاجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَيْرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا رَأَيْته عَلَى مَعْصِيَةٍ فَعِظْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَلَا تَفْضَحْهُ. رَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» «وَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِهَزَّالٍ: هَلَّا سَتَرْته بِرِدَائِك» خَرَّجَهُ أَهْلُ الصَّحِيحِ. وَلَمَّا «أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِ السَّارِقِ وَقَالَ صَفْوَانُ: لَمْ أُرِدْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟» وَكَذَلِكَ الْجِوَارُ أَمَانَةٌ وَالْجَارُ عَلَيْهِ أَمِينٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ وَيَصُمُّ أُذُنَيْهِ وَيَكُفُّ عَنْهُ أَذَاهُ وَيَسْدُلُ دُونَهُ حِجَابَهُ، فَإِنْ رَأَى عَوْرَةً سَتَرَهَا أَوْ سَيِّئَةً غَفَرَهَا أَوْ حَسَنَةً بَثَّهَا وَنَشَرَهَا.

كَانَ لِأَبِي حَنِيفَةَ جَارٌ إسْكَافٌ يَعْمَلُ نَهَارَهُ أَجْمَعَ فَإِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ حَمَلَ لَحْمًا فَطَبَخَهُ أَوْ سَمَكَةً فَشَوَاهَا ثُمَّ لَا يَزَالُ يَشْرَبُ حَتَّى إذَا دَبَّ الشَّرَابُ فِيهِ غَزَلَ بِصَوْتٍ يَقُولُ: أَضَاعُونِي وَأَيُّ فَتًى أَضَاعُوا. لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسَدَادِ ثَغْرٍ. فَلَا يَزَالُ يَشْرَبُ وَيُرَدِّدُ هَذَا الْبَيْتَ حَتَّى يَأْخُذَهُ النَّوْمُ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ فَفَقَدَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْلَةً صَوْتَهُ فَاسْتَخْبَرَ عَنْهُ فَقِيلَ: أَخَذَهُ الشُّرَطُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو حَنِيفَةَ الصُّبْحَ مِنْ غَدِهِ رَكِبَ بَغْلَتَهُ وَجَاءَ الْأَمِيرَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ وَأَنْ لَا يَنْزِلَ حَتَّى يَطَأَ الْبِسَاطَ، فَلَمْ يَزَلْ الْأَمِيرُ يُوَسِّعُ لَهُ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ مُسَاوِيًا لَهُ. فَقَالَ: مَا حَاجَتُك؟ فَقَالَ: إسْكَافٌ أَخَذَهُ الْحَرَسُ لِيَأْمُرْ الْأَمِيرُ بِتَخْلِيَتِهِ.

قَالَ: نَعَمْ وَكُلُّ مَنْ أُخِذَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَخَلَّى جَمِيعَهُمْ فَرَكِبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْإِسْكَافُ يَمْشِي وَرَاءَهُ، وَلَمَّا نَزَلَ مَضَى إلَيْهِ وَقَالَ: يَا فَتَى أَضَعْنَاك؟ قَالَ: لَا، بَلْ حَفِظْت وَرَعَيْت جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا عَنْ حُرْمَةِ الْجَارِ وَرِعَايَةِ الْحَقِّ، وَتَابَ الرَّجُلُ عَمَّا كَانَ فِيهِ بَيْدَ أَنَّ هَذَا فِي كُلِّ ذَنْبٍ يَخْتَصُّ بِالْعَبْدِ لَا يَتَعَدَّاهُ، فَإِنْ كَانَ يَلْحَقُ غَيْرَهُ مِنْهُ ظُلْمٌ فَخَيْرُ الشُّهُودِ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهَا مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ ابْنِ عَوْفٍ فِي حَدِيثِ الْوَفَاءِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّ حَمْلَهَا لَيْسَ مِنْهُ.

وَأَمَّا شَهَادَتُهُ عَلَى رُؤْيَتِهِ لِزِنَاهَا فَمَكْرُوهٌ، وَالْفِرَاقُ مَعَ السَّتْرِ أَفْضَلُ وَأَوْلَى وَأَوْجَبُ وَأَحْرَى، وَأَمَّا مَعَ إلْحَاقُ غَيْرِ وَلَدِهِ بِهِ فَلَا صَبْرَ.

ص: 186

عِيَاضٌ: كَانَ مَعَ تَمِيمٍ قَوْمٌ بِبَابِ دَارِهِ إذْ وَثَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قُومُوا فَادْخُلُوا فَدَخَلُوا وَأَغْلَقَ الْبَابَ وَلَا يَدْرُونَ مَا السَّبَبُ فَقَالَ: رَأَيْت سَكْرَانًا فَلَمْ أُرِدْ أَنْ تَرَوْهُ فَقَالُوا: مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا سَتَرْته عَنْكُمْ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ بِهِ. فَقَالَ عِيَاضٌ: اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى فَضْلِ هَذَا الرَّجُلِ أَعْنِي تَمِيمًا الْمَذْكُورَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ بِالْقَيْرَوَانِ وَسُمِعَ مِنْهُ.

قَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَرَ ابْنُ سَلَمَةَ الْقَاضِي بِإِنْسَانٍ فِي رَأْسِهِ غِرَارَةٌ وَبِيَدِهِ كَبَرٌ فَأَمَرَ بِكَسْرِ الْكَبَرِ وَعَلِمَ وَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ الْغِرَارَةَ مَمْلُوءَةٌ أَكْبَارًا فَقَالَ: أَنْزِلُوا الْغِرَارَةَ: قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: مَا عَلَيْك أَنْ تُفَتِّشَ أَمْتِعَةَ النَّاسِ إنَّمَا عَلَيْك أَنْ تُغَيِّرَ مَا ظَهَرَ مِنْ الْمُنْكَرِ. فَأَمْسَكَ الْقَاضِي عَمَّا أَمَرَ بِهِ مِنْ تَفْتِيشِ الْغِرَارَةِ ثُمَّ اجْتَمَعَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ لُبَابَةَ ذَكَرَ لَهُ الْقَضِيَّةَ.

فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ مِثْلَ مَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَأَقْبَلَ الْقَاضِي عَلَى أَحْمَدَ وَقَالَ: لَقَدْ انْتَفَعْت الْيَوْمَ بِصُحْبَتِك يَا رُعَيْنِيُّ.

وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: مَنْ سَتَرَ مَعْصِيَةً فِي دَارِهِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَجَسَّسَ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَى فَاسِقًا وَتَحْتَ ذَيْلِهِ شَيْءٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ. نَعَمْ لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِخْبَارٍ بِأَنَّ فُلَانًا فِي دَارِهِ خَمْرٌ فَلَهُ الدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ وَعَبْدَانِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْلَى الْمَنْعُ إذْ لَا يَسْقُطُ حَقٌّ إلَّا بِعَدْلَيْنِ انْتَهَى.

وَانْظُرْ أَيْضًا إذَا شَهِدَ أَحَدٌ عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُنَكَّلُ الشَّاهِدُ.

وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: مَشَى عُمَرُ رضي الله عنه بِاللَّيْلِ فَرَأَى نَارًا فِي بَيْتٍ فَأَتَى إلَيْهَا فَإِذَا بِقَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَشَيْخٌ فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْكُمْ. فَقَالَ الشَّيْخُ: مَا نَحْنُ بِأَعْظَمَ مِنْك ذَنْبًا، تَعَدَّيْت وَدَخَلْت بِغَيْرِ إذْنٍ فَاحْتَشَمَ عُمَرُ وَقَالَ: ذَرُوا هَذِهِ بِهَذِهِ انْتَهَى.

وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ مَا يُعَارِضُ هَذَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يَسْتَظْهِرُ وَيَشْتَهِرُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِهَا وَإِنْ كَانَ مُشْتَهِرًا اتِّفَاقًا. وَانْظُرْ قَدْ يَكُونُ يَتَضَرَّرُ بِالرَّفْعِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ التَّغْيِيرُ لِمَا ذُكِرَ. عِيَاضٌ: شَرُفَ مَالِكٌ فِي رُجُوعِ أَشْيَاخِهِ لِكَلَامِهِ. حُكِيَ أَنَّ ابْنَ هُرْمُزَ مَرَّ بِدَارِ بَعْضِ أَهْلِ الْأَقْدَارِ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: إنَّك عَلَى الطَّرِيقِ وَلَيْسَ يَحِلُّ لَك هَذَا، فَقَالَ لِعَبِيدِهِ: طَئُوا بَطْنَهُ فَوَطِئُوهُ حَتَّى حُمِلَ إلَى مَنْزِلِهِ، فَعَادَهُ النَّاسُ وَفِيهِمْ مَالِكٌ فَجَعَلَ يَشْكُو وَالنَّاسُ يَدْعُونَ لَهُ وَمَالِكٌ سَاكِتٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقَالَ: إنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَك أَنْ تَأْتِيَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَعَهُ حَشَمُهُ وَمَوَالِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُرْمُزَ: أَفَتَرَانِي أَخْطَأْت؟ قَالَ: إي وَاَللَّهِ.

وَقِيلَ لِمَالِكٍ: الرَّجُلُ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ يُجَادِلُ عَلَيْهَا قَالَ: لَا يُخْبِرُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ سَمِعَ مِنْهُ وَإِلَّا سَكَتَ. قِيلَ: فَيَنْصَحُ السُّلْطَانَ؟ قَالَ: إنْ رَجَا أَنْ يَسْمَعَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ ذَلِكَ فِي سَعَةٍ. وَانْظُرْ إذَا كَانَ الدَّارُ لِمُنْكَرٍ وَالْجِيرَانُ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ وَالْفِقْهُ أَنَّهُ لَا يَقْتَحِمُ عَلَيْهِ فِي الدَّارِ وَلَكِنْ تُرْفَعُ الشَّكْوَى بِهِ لِلْقَاضِي وَيَعْذِرُ لَهُ ثُمَّ تُكْرَى عَلَيْهِ غَيْرَ أَنْ يَقْذِفَ أَوْ يَكْشِفَ عَلَيْهِ. اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيُّ.

(بِخِلَافِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ كَالْمُخْتَفِي) ابْنُ شَاسٍ: مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ الْحِرْصُ عَلَى التَّحَمُّلِ مِثْلُ أَنْ يَجْلِسَ مُخْتَفِيًا فِي زَاوِيَةٍ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ فَيَنْبَنِي قَبُولُ شَهَادَتِهِ عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي شَهَادَةِ

ص: 187

الشَّاهِدِ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ أَوْ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ: إحْدَاهُمَا يَشْهَدُ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ ذَلِكَ وَاخْتَارَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ الْعَمَلُ قَالَهُ فِي الْمُفِيدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ أَوَّلَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ ".

(وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَ كَبَدْوِيٍّ لِحَضَرِيٍّ) الْمَازِرِيُّ: تُعْرَضُ التُّهْمَةُ مِنْ جِهَةِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ وَمُخَالَفَةِ الْعَادَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَالِكٌ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ إذَا شَهِدُوا فِي الْحَاضِرَةِ لِأَنَّهَا تُهْمَةٌ أَنْ يَشْهَدَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ دُونَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ، وَأَجَازَهَا فِي الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ وَحَيْثُ تُطْلَبُ الْخَلَوَاتُ وَالْبُعْدُ مِنْ الْعُدُولِ (بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ أَوْ مَرَّ بِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: حَدِيثُ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» مَحْمَلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الرِّيبَةِ، فَأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ سَمِعَهَا أَوْ رَآهَا أَوْ كَانُوا فِي سَفَرٍ فَلَا رِيبَةَ فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ.

(وَلَا سَائِلٍ فِي كَثِيرٍ) اللَّخْمِيِّ: وَاخْتُلِفَ فِي الْفَقِيرِ الْمُتَكَفِّفِ. قِيلَ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْ شَبَهِهَا (بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ) ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْبَلُ الشَّيْءَ مِمَّنْ يُعْطِيه مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ «مَا أَتَاك مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَك اللَّهُ» ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ بَابِ السُّؤَالِ، وَذَكَرَ اللَّخْمِيِّ هَذَا اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ وَابْنُ يُونُسَ أَقْدَمُ (أَوْ يَسْأَلْ الْأَعْيَانَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ سُؤَالًا لِلْإِمَامِ أَوْ الْأَعْيَانِ قُبِلَتْ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: الْفَقِيرُ الَّذِي

ص: 188

لَا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ شَهَادَتُهُ فِي الْيَسِيرِ جَائِزَةٌ، وَاخْتُلِفَ فِي الْكَثِيرِ.

(وَلَا إنْ جَرَّ بِهَا كَعَلَى مُوَرِّثِهِ الْمُحْصَنِ

ص: 189

بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ إلَّا الْفَقِيرَ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَانِعُ الثَّانِي جَرُّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ لِنَفْسِهِ نَفْعًا لِأَنَّهُ بِهَا مُتَّهَمٌ. فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ عُمَرُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ.

الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: هُوَ الْمُتَّهَمُ الَّذِي يُظَنُّ بِهِ غَيْرُ الصَّلَاحِ. ابْنُ كِنَانَةَ: شَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ وَإِنْ كَانَ مُبْرِزًا فِي الْعَدَالَةِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَبِيهِمْ بِالزِّنَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ وَلَا يُرْجَمُ لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ عَلَى إرْثِهِ وَيُحَدُّونَ.

وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَرُجِمَ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ وَكَذَا إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا.

وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لِتُهْمَتِهِمْ عَلَى سُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُمْ

ص: 191

بِرَجْمِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ: قَالَ: قَالَ أَشْهَبُ يُرْجَمُ الْأَبُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا إنْ كَانَ مُوسِرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَتِهِمْ بِالْمِيرَاثِ، قَالَ: وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَتَلَ فُلَانًا عَمْدًا وَهُوَ مُعْسِرٌ أَيْضًا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الرَّاحَةَ مِنْهُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ.

ابْنُ رُشْدٍ: فِي تَسْوِيَةِ أَشْهَبَ بَيْنَ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ وَشَهَادَتِهِمْ بِقَتْلِهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ بِقَتْلِهِ وَاجِبَةٌ إنْ دُعُوا إلَيْهَا، وَمُسْتَحَبَّةٌ إنْ لَمْ يُدْعَوْا، فَوَاجِبٌ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُتَّهَمُوا عَلَى إرْثِهِ وَالرَّاحَةِ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَشَهَادَتُهُمْ بِزِنَاهُ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالسَّتْرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى النَّاسِ، فَالصَّوَابُ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ بِزِنَاهُ لِأَنَّهَا عُقُوقٌ إلَّا أَنْ يُعْذَرُوا بِجَهْلٍ أَوْ لِأَنَّهُمْ دُعُوا إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يَقُومَ بِحَدٍّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ بِالزِّنَا فَسَأَلَ الْقَاذِفُ بَنِيهِ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِزِنَاهُ لِيَسْقُطَ عَنْهُ حَدُّ قَذْفِهِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ قَوْلِ أَشْهَبَ.

(أَوْ بِعِتْقِ مَنْ يُتَّهَمُ فِي وَلَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا نِسَاءٌ وَالْعَبْدُ يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا نِسَاءٌ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا.

(أَوْ بِدَيْنٍ لِمَدِينِهِ) اُنْظُرْ هَذَا الْإِطْلَاقَ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: وَالْمِدْيَانُ الْمُعْسِرُ لِرَبِّهِ، فَسُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: شَهَادَةُ الرَّجُلِ لِرَجُلٍ وَلِلشَّاهِدِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ حَقٌّ جَائِزَةٌ. ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلَغَنِي إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُوسِرًا قُبِلَتْ وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ إنَّمَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَا إنْ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ عَلَى الشَّاهِدِ حَقٌّ إنْ كَانَ مَلِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا لَمْ تَجُزْ.

ابْنُ رُشْدٍ: مَا بَلَغَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مُفَسِّرٌ لَمَّا سَمِعَهُ مِنْهُ مُجْمَلًا، وَهَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ قَرِيبَ الْحُلُولِ، وَإِنْ بَعُدَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مَلِيًّا

ص: 192

وَشَهَادَتُهُ لَهُ فِيمَا عَدَا الْأَمْوَالِ جَائِزَةٌ.

(بِخِلَافِ الْمُنْفِقِ لِلْمُنْفِقِ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ هُوَ فِي عِيَالِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذْ لَا تُهْمَةَ هُنَا. اُنْظُرْ أَوَّلَ تَرْجَمَةٍ مِنْ الشَّهَادَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

(وَشَهَادَةُ كُلٍّ لِلْآخَرِ وَإِنْ بِالْمَجْلِسِ) سُمِعَ أَبُو زَيْدٍ: إنْ شَهِدَ رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رَجُلٍ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا ثَالِثُ الْأَقْوَالِ.

رَاجِعْ الْمَسْأَلَةَ فَفِيهَا طُولٌ.

(وَالْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ عَلَى الْمُحَارِبِينَ شَهَادَةُ مَنْ حَارَبُوهُ إنْ كَانُوا عُدُولًا إذْ لَا سَبِيلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، شَهِدُوا بِقَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَسُمِعَ يَحْيَى بْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ شَهِدَ مَسْلُوبَانِ أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذِهِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَيْدِيهِمْ أُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ سِوَاهُمَا.

ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ وَلَوْ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَدُّهَا فِيهِمَا وَلَوْ بِالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا، ثَالِثُهَا فِي الْحَدِّ وَالْمَالِ لِغَيْرِهِمَا لَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَرَابِعُهَا لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، رَاجِعْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا طَوِيلَةٌ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ أَوْصَى بِفِدَاءِ مَنْ لَا طَالِبَ لَهُ قَالَ: هَذَا بَابٌ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ يَخْتَلِفُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ، فَإِذَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ رُضِيَتْ هَدْيُهُ عَمِلَتْ بِهِمْ.

وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: شَهَادَةُ الْأَسْرَى عَلَى التَّوَسُّمِ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ.

وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: رَأَيْنَا مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ يُجِيزُونَ لِلضَّرُورَةِ شَهَادَةَ بَعْضِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ عَلَى بَعْضٍ إذَا عَرَضَ لَهُمْ خِصَامٌ فِيمَا يَدُورُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَالسَّلَفِ وَالْمُعَامَلَةِ بِتَوَسُّمِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ كَانُوا مِنْ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ

ص: 193

بُلْدَانٍ شَتَّى، وَلَا تَجْرِيحَ لِلْخَصْمِ فِيهِمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْحُدُودِ وَالْغَصْبِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوُجُوهَ لَا شَهَادَةَ فِيهَا إلَّا بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِيمَا ذَكَرْنَا لِإِصْلَاحِ السُّبُلِ وَرَدْعِ الشِّرَارِ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ.:

الْمَصَالِحُ الضَّرُورِيَّةُ كَنَفَقَةِ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْحَاجِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَالْحَاجِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى التَّمَامِيَّةِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى أَقَارِبِهِ وَالْمَشَقَّةُ مُصْلِحَةٌ وَلَوْ أَفَضْت إلَى مُخَالَفَةِ الْقَوَاعِدِ وَذَلِكَ ضَرُورِيٌّ يُؤَثِّرُ فِي الرُّخَصِ كَالْبَلَدِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْعُدُولُ.

قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي نَوَادِرِهِ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَمْثَالِهِمْ لِأَنَّهَا ضَرُورَةٌ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ فِي الْقُضَاةِ وَسَائِرِ الْوُلَاةِ.

وَقَالَ أَيْضًا مَا نَصُّهُ: أَوَّلُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ فِي زَمَنِ آدَمَ كَانَ الْحَالُ ضَيِّقًا فَأُبِيحَتْ الْأُخْتُ لِأَخِيهَا، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ حُرِّمَتْ وَحُرِّمَ السَّبْتُ وَالشُّحُومُ وَالْإِبِلُ، وَفُرِضَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَكَانَتْ التَّوْبَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِقَطْعِ الثَّوْبِ، فَلَمَّا هَرِمَتْ الدُّنْيَا وَقَلَّ الْجَلَدُ أُحِلَّتْ تِلْكَ الْحُرُمَاتُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ.

(لَا الْمَجْلُوبِينَ إلَّا كَعِشْرِينَ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْحِصْنِ يُفْتَحُ فَيُسْلِمُ أَهْلُهُ فَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَأَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِأَنْسَابِهِمْ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ حِينَ أَسْلَمَتْ: وَأَمَّا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ يَتَحَمَّلُونَ إلَيْنَا فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا سِوَاهُمْ مِنْ تُجَّارٍ أَوْ أُسَارَى كَانُوا عِنْدَهُمْ فَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعِشْرُونَ عَدَدٌ كَثِيرٌ. وَانْظُرْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا لِابْنِ عَاتٍ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إذَا شَهِدُوا فِي حَقٍّ لِامْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ أَنَّهُ يَسْتَكْثِرُ مِنْهُمْ وَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ.

وَنَقَلَ الْبُرْزُلِيِّ هَذَا فِي نَوَازِلِهِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ بِالْقُرَى عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ الْبَلَدِ فِيهَا الثَّلَاثُونَ رَجُلًا وَالْأَرْبَعُونَ وَالْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَقَلُّ وَلَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ مَشْهُورٌ بِالْعَدَالَةِ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ فَقَالَ: لِكُلِّ قَوْمٍ عُدُولُهُمْ وَلْيَسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَيَقْضِي بِهِمْ، وَانْظُرْ أَنْتَ يَجُوزُ أَنْ يُزَكِّيَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَيَعْدِلُ هَذَا مَنْ هُوَ مَعْرُوفٌ.

اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " مِنْ مَعْرُوفٍ إلَّا الْغَرِيبَ ".

(وَلَا مَنْ شَهِدَ لَهُ بِكَثِيرٍ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةٍ وَإِلَّا قُبِلَ لَهُمَا) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ اضْطِرَابٌ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ

ص: 194

فِيمَنْ شَهِدَ لِرَجُلٍ فِي ذِكْرِ حَقٍّ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ: لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ عَلَى وَصِيَّةٍ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ. هَذَا إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ فِيهَا شَيْءٌ تَافِهٌ لَا يَتَّهِمُ عَلَيْهِ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَازَ الشَّهَادَةُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ فَشَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِقَوْمٍ بِوَصَايَا وَأَوْصَى لِلشَّاهِدِ مِنْهَا بِوَصِيَّةٍ وَأَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَى الشَّاهِدِ وَهُوَ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَ بِهِ لِنَفْسِهِ تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا ضَرُورَةٌ أَوْ قَدْ يَخْشَى الْمُوصِي مُعَاجَلَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَحْضُرُهُ إلَّا الَّذِي أَوْصَى لَهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَلْحَقُهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ، وَكَمَا أَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ لِلضَّرُورَةِ وَشَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ فَكَذَلِكَ هَذَا.

(وَلَا إنْ دَفَعَ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَدْفَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِرَدِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ أَدَاءٌ وَالْمِقْدَارَ الَّذِي يَلْزَمُ الْغَنِيَّ أَدَاؤُهُ يَسِيرٌ جِدًّا.

ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ مَقُولٌ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَلَا أَعْرِفُهُ إلَّا لِلْمَازِرِيِّ وَوَجِيزُ الْغَزَالِيِّ (وَالْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّهِ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ مَدْيُونٍ لِمَدِينِهِ ".

(وَلَا مُفْتٍ عَلَى مُسْتَفْتِيهِ إنْ كَانَ فِيمَا يُنَوَّى فِيهِ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَاتِ شَهَادَةٌ لَا يَجُوزُ الْقِيَامُ بِهَا وَلَوْ دُعِيَ إلَيْهَا وَهِيَ الَّتِي يُعْلَمُ مِنْ بَاطِنِهَا خِلَافُ مَا يُوجِبُ ظَاهِرَهَا كَالرَّجُلِ يَأْتِي الْعَالِمَ فَيَقُولُ حَلَفْت بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا فَكَلَّمْته بَعْدَ ذَلِكَ بِشَهْرٍ لِأَنِّي كُنْت نَوَيْت أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إلَى شَهْرٍ، فَإِنْ دَعَتْهُ امْرَأَتُهُ لِيَشْهَدَ لَهَا فِيمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ مَنْ حَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِلَّا رَفَعَ.

(وَلَا إنْ شَهِدَ بِاسْتِحْقَاقٍ وَقَالَ أَنَا بِعْته لَهُ وَلَا إنْ حَدَثَ فِسْقٌ بَعْدَ الْأَدَاءِ) الَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: إنْ ارْتَدَّ الشُّهُودُ أَوْ فَسَقَوْا قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ وَسَقَطَتْ وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُمْ فِسْقٌ أَوْ أُخِذُوا يُشْرِبُونَ خَمْرًا وَذَلِكَ بَعْدَ حُكْمِ الْإِمَامِ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَوْ الْقِصَاصِ لَا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ بَعْدُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَدُ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ الْأَمْرُ بِهِ.

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي شَهَادَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى قَتَلَ قَتِيلًا عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ

ص: 195

قَذَفَ رَجُلًا وَقَاتَلَ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بِهَذَا شَهَادَتُهُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَحْدُثَ مَا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ تِلْكَ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لِأَنَّهُ مِمَّا يَظُنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا. وَلَوْ حُكِمَ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ فِي حَدٍّ فَلَمْ يُقَمْ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُمْ شُرْبُ الْخَمْرِ أَوْ فِسْقٌ أَوْ ارْتِدَادٌ فَالْحُكْمُ نَافِذٌ لَا يُرَدُّ، وَاذَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَهُوَ كَالرُّجُوعِ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ.

قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ قَاتَلَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ شَهَادَتَهُمْ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَشْهَبُ: إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَ قَاضٍ ثُمَّ جَنَتْ أَوْ شَجَّتْ خَطَأً لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهَا، وَإِنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ أَدَائِهَا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا بَعْدَ تَعْدِيلِهَا مَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ كَشُرْبِ خَمْرٍ رُدَّتْ شَهَادَتُهَا. مُحَمَّدٌ: مِمَّا يُظَنُّ أَنَّهُ فَعَلَهُ قَدِيمًا وَلَيْسَ مِمَّا يُعْلِنُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إسْرَارُهُ.

قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَقَتْلٍ عَلَى نَائِرَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ قَتْلِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَفِي رَدِّهَا قَوْلَانِ. وَسَمِعَ سَحْنُونَ ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ شَهِدَ وَهُوَ عَدْلٌ فَلَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ لَمْ تُرَدَّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهَا ابْنُ رُشْدٍ شَيْئًا.

(بِخِلَافِ تُهْمَةِ جَرٍّ وَدَفْعٍ وَعَدَاوَةٍ) ابْنُ رُشْدٍ: التُّهْمَةُ بِالْعَدَاوَةِ تَحْدُثُ وَالظِّنَّةُ تَقَعُ لَا تُؤَثِّرُ فِي إجَازَةِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ لِذَلِكَ سَبَبٌ قَبْلَ أَدَائِهَا كَمَنْ شَهِدَ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُهَا قَبْلَ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا.

وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَمْ تَبْطُلْ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ أَنَّ مَا يُطَالِبُهُ بِهِ قَبْلَ إيقَاعِ الشَّهَادَةِ.

(وَلَا عَالِمٍ عَلَى مِثْلِهِ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: خُذُوا الْعِلْمَ حَيْثُ وَجَدْتُمْ وَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَةَ الْفُقَهَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّهُمْ يَتَغَايَرُونَ كَمَا يَتَغَايَرُ التُّيُوسُ فِي الزَّرِيبَةِ.

وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ

ص: 196

الْقَارِئِ عَلَى الْقَارِئِ يَعْنِي الْعُلَمَاءَ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ تَحَاسُدًا.

وَقَالَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.

وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَشَهَادَةُ ذَوِي الْقَبُولِ مِنْهُمْ مَقْبُولَةٌ بَيْنَهُمْ كَغَيْرِهِمْ. انْتَهَى. وَانْظُرْ كَثِيرًا مَا يَكُونُ هَذَا التَّغَايُرُ فِي خِلَافِهِمْ فِي تَحْقِيقِ الْمُنَاظَرَاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِيهَا الِاجْتِهَادُ أَبَدًا، فَانْظُرْ كَيْفَ اخْتَلَفَتْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ قَبُولِهِمْ حَدِيثَ «مَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا» الْحَدِيثَ.

وَمِثْلُ هَذَا يَقَعُ لِلْأَوْلِيَاءِ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِمْ. ذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمَعَارِجِ أَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إنْكَارُ الْقَوْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَى أَنْ يُكَفِّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْكُمَ بِحَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ.

قَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي إحْيَائِهِ: وَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ أَجْوِبَتُهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ تَاجِ الدِّينِ: تَنَوَّعَتْ أَجْنَاسُ الْأَعْمَالِ لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ الْأَحْوَالِ، وَوَارِدَاتُ الْأَحْوَالِ مَا يَرِدُ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ الْمَعَارِفِ، فَقَدْ يَكُونُ وَارِدٌ يُرِيدُ قَبْضًا وَآخَرُ يُرِيدُ بَسْطًا أَوْ هِبَةً أَوْ أُنْسًا أَوْ رَجَاءً أَوْ خَوْفًا. وَانْظُرْ قَضِيَّةَ يَحْيَى وَعِيسَى عليهما السلام حِينَ الْتَقَيَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ.

وَقَالَ الْآخَرُ لَهُ: وَأَنْتَ كَأَنَّك آمِنٌ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ. فَتَنَوَّعَ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِمَا لِتَنَوُّعِ وَارِدَاتِ أَحْوَالِهِمَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَادِقٌ بِنِسْبَةٍ، فَبِهَذَا يَجِبُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِالْجَمِيعِ وَلَا نَسْمَعُ كَلَامَ الْبَعْضِ فِي الْبَعْضِ لِأَجْلِ غَيْرَتِهِمْ عَلَى الدِّينِ لَا تَحَاسُدِهِمْ.

(وَلَا إنْ أَخَذَ مِنْ الْعُمَّالِ أَوْ أَكَلَ عِنْدَهُمْ) سَحْنُونَ: مَنْ قَبِلَ الْجَوَائِزَ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، وَمَنْ كَانَتْ مِنْهُ الزَّلَّةُ وَالْفَلْتَةُ فَغَيْرُ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْخَفِيفَ مِنْ الزَّلَّةِ وَالْفَلْتَةِ لَا يَضُرُّ فِي الْعَدَالَةِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُمْ سَاقِطُ الشَّهَادَةِ.

وَأَمَّا جَوَائِزُ الْخُلَفَاءِ فَجَائِزَةٌ لَا شَكَّ فِيهَا لِاجْتِمَاعِ الْخَلْقِ عَلَى قَبُولِ الْعَطِيَّةِ مِنْ الْخُلَفَاءِ مِمَّنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمِمَّنْ لَا يَرْضَى وَمَا يَظْلِمُ فِيهِ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُهُ " قَبُولُهُ مِنْ الْعُمَّالِ جُرْحَةٌ " وَمَعْنَاهُ عِنْدِي عُمَّالُ الْجِبَايَةِ الَّذِينَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُمْ قَبْضُ الْأَمْوَالِ وَتَحْصِيلُهَا دُونَ وَضْعِهَا فِي وُجُوهِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَأَمَّا الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ فَوَّضَ لَهُمْ الْخَلِيفَةُ أَوْ خَلِيفَتُهُ قَبْضَ الْأَمْوَالِ وَصَرْفَهَا فِي وُجُوهِهَا بِاجْتِهَادِهِمْ كَالْحُجَّاجِ وَشَبَهِهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْبِلَادِ الْمُفَوَّضِ جَمِيعَ الْأُمُورِ فِيهَا إلَيْهِمْ فَجَوَائِزُهُمْ كَجَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ.

وَأَمَّا الْقُضَاةُ وَالْأَجْنَادُ وَالْحُكَّامُ فَلَهُمْ أَخْذُ أَرْزَاقِهِمْ مِنْ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ

ص: 197

وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَلَالًا لَكِنْ لَمْ يَعْدِلْ فِي قَسْمِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجَائِزَةِ مِنْهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، وَإِنْ شَابَ الْمُجْبَى حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَالْأَكْثَرُ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَخْذِ مِنْهُ، مِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُجْبَى حَرَامًا فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّمَ أَخْذَ الْجَائِزَةِ وَالرِّزْقِ عَلَى عَمَلٍ مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْهُمْ، وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ.

اهـ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ. وَاَلَّذِي نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ قَالَ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنَّ مَنْ بِيَدِهِ مَالٌ حَرَامٌ فَاشْتَرَى بِهِ دَارًا أَوْ ثَوْبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَحَدًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْتَرِيَ أَنْتَ تِلْكَ الدَّارَ أَوْ الثَّوْبَ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِالْمَالِ الْحَرَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشُّفْعَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْفَعَ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَيَبْقَى النَّظَرُ فِي قَبُولِ هِبَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي بِالْمَالِ الْحَرَامِ وَمَعَ كَوْنِ مُشْتَرِيه مُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ، فَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ لَمْ تَجُزْ صَدَقَتُهُ وَلَا هِبَتُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَأَجَازَ قَبُولَ هَذَا الْمُشْتَرَى هِبَةً. ابْنُ سَحْنُونٍ وَابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الْعُمَّالُ مَا اشْتَرَوْهُ فِي الْأَسْوَاقِ فَأَهْدَوْهُ لِرَجُلٍ طَابَ لِلْمُهْدَى لَهُ.

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْحَرَامَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ وَالْمُهْدِي فَهُوَ الْمَأْخُوذُ بِهِ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ.

وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَوْدَعْتَهُ دَنَانِيرَ فَابْتَاعَ بِهَا سِلْعَةً فَلَيْسَ لَك أَخْذُهَا، إنَّمَا لَك أَخْذُ دَنَانِيرِك، وَفِيهَا: إنْ غَصَبَ دَنَانِيرَ فَاشْتَرَى بِهَا شِقْصًا كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ لِأَنَّهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ غَرِمَ مِثْلَهَا وَلَمْ يُنْقَضْ الْبَيْعُ، وَانْظُرْ ابْنَ بَطَّالٍ مِنْ الْجَنَائِزِ، وَنُقِلَ عَنْ الطَّبَرِيِّ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِيَدِهِ مَالٌ لَا يَدْرِي مِنْ حَرَامٍ كَسَبَهُ أَوْ مِنْ حَلَالٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِمَنْ أُعْطِيَهُ بَعْدَ أَنْ لَا يَعْلَمَهُ حَرَامًا بِعَيْنِهِ.

قَالَ: وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَتْ الْأَئِمَّةُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. وَمَنْ كَرِهَهُ فَإِنَّمَا رَكِبَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ وَتَجَنُّبِ الشُّبُهَاتِ لِأَنَّ الْحَرَامَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيِّنًا غَيْرَ مُشْكِلٍ. وَنَحْوُ هَذَا قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي تَمْهِيدِهِ. وَانْظُرْ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ.

وَقَالَ سُفْيَانُ: جَوَائِزُ السُّلْطَانِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ لِأَنَّهُمْ لَا يَمُنُّونَ وَالْإِخْوَانُ يَمُنُّونَ، وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَرُدُّ عَطَايَاهُمْ إلَّا أَحْمَقُ أَوْ مُرَاءٍ وَهَذَا فِيمَا لَا يُعْلَمُ فِيهِ الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ. اهـ مِنْ التَّمْهِيدِ.

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَسُئِلَ النَّخَعِيُّ عَنْ الرَّجُلِ يَرِثُ الْمِيرَاثَ مِنْهُ الْحَلَالُ وَمِنْهُ الْحَرَامُ قَالَ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَرَامُ بِعَيْنِهِ.

وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ: مَنْ عَمِلَ عَمَلَ السُّلْطَانِ فَظَلَمَ النَّاسَ أَوْ كَانَ قَاهِرًا غَاصِبًا أَوْ قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ أَوْ سَارِقًا أَوْ تَاجِرًا عَمِلَ بِالرِّبَا، ثُمَّ مَرِضَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَخَلَّصَ وَأَنَالَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَرَادَ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ: أَنَا قَدْ نِلْتُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْ

ص: 198

جَمِيعِ مَالِي وَلَا أَعْرِفُ أَصْحَابَهُ، فَأَنَا أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْمَسَاكِينِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إذَا أَبَى وَرَثَتُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَجَازَ لَهُ الثُّلُثُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ اهـ.

وَانْظُرْ آخِرَ الثُّلُثِ الْوَسَطِ مِنْ نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي نَفَقَةِ تِبَاعَتِهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ، وَحُكْمُ مَنْ وَجَدَ فِي الْمُشْتَرَى مِنْ الْمَغْنَمِ كُبَّةَ خُيُوطٍ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبًا ذَهَبًا يَكُونُ فِيهِ سَبْعُونَ دِينَارًا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ، فَانْظُرْ هَذَا الْفِقْهَ وَالْفِقْهَ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الطُّرَرِ هَلْ يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ الْمُسْتَغْرَقَ الذِّمَّةِ بِالْمَالِ الْحَرَامِ يُعَامَلُ فِيهِمَا بِيَدِهِ بِالْقِيَمِ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْعَطِيَّةِ، بَلْ مَنْ تَمَكَّنَ بِشَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ فُتْيَا الْمُحَاسِبِ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ حَبْسِ وَدِيعَةٍ لِبَعْضِ أَصْحَابِ السُّلْطَانِ فَقَالَ لَهُ: إنْ رَدَدْتَهَا لَهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِثْلِهَا عَنْ الْمَسَاكِينِ إنْ لَمْ تَعْرِفْ أَرْبَابَهَا.

وَعَلَى هَذَا لَوْ جَنَى هَذَا الْمُسْتَغْرَقُ الذِّمَّةِ عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ فَقَتَلَهَا أَوْ عَلَى ثَوْبٍ فَأَفْسَدَهُ لَمَا سَاغَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يُغَرِّمَهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يُدْخِلُ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَاتِهِ نَقْصًا. وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَسُوغُ لِأَجِيرٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً فِي خِدْمَتِهِ إيَّاهُ وَلَا لِحَجَّامِ، إجَارَةً فِي حِجَامَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ تِبَاعَتِهِ نَقْصًا، وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ لَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ مُبَايَعَتِهِ، وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ الْمَشْهُورِ بِالْوَرَعِ دَفَعَ إلَيْهِ جُنْدِيٌّ فَرَسَهُ فَرَكِبَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ إمَّا وَرَعٌ نَقَصَ وَإِمَّا عِلْمٌ زَادَ.

قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَعَلَّهُ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ انْتِفَاعِهِ بِهِ. وَعُرِّفَ عِيَاضٌ بِابْنِ مُجَاهِدٍ الْبِيرِيِّ لَمَّا زَارَ الْجُبَيْرِيُّ بِالزَّهْرَاءِ وَأَكَلَ مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ إلَّا مِنْ السُّلْطَانِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ أَمْسَكْتُ عَنْ طَعَامِهِ لَكَانَ جَفَاءً عَلَيْهِ وَقَدْ قَوَّمْتُ مَا أَكَلْتُ وَأَجْمَعْتُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِهِ وَثَوَابُ ذَلِكَ لِصَاحِبِهِ، وَرَأَيْتَ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ طَعَامِهِ وَالْجَفَاءِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْخُلَفَاءِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ

ص: 199

بِقَبْضِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يَرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يَرْضَى بِخِلَافِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَالْقَبُولُ مِنْهُمْ مُسْقِطٌ لِلشَّهَادَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَكْلُ عِنْدَهُمْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الزَّلَّةَ وَالْفَلْتَةَ فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ، وَأَمَّا الْمُدْمِنُ الْأَكْلَ عِنْدَهُمْ فَسَاقِطُ الشَّهَادَةِ.

(وَلَا إنْ تَعَصَّبَ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ "(كَالرِّشْوَةِ وَتَلْقِينِ خَصْمٍ) ابْنُ عَاتٍ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مُرْتَشٍ وَلَا مُلَقِّنٍ لِلْخُصُومَةِ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَيُضْرَبُ عَلَى يَدَيْهِ وَيُشَهَّرُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ وَيُعْرَفُ بِهِ وَيُسَجَّلُ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْضُ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ بِكَبِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِمَشُورَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ ".

وَسُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ الْهَدِيَّةِ تَأْتِي الْفَقِيهَ عَنْ الْفُتْيَا فَقَالَ: إنْ كَانَ يَنْشَطُ فِي الْفُتْيَا أَهْدَى إلَيْهِ أَوْ لَمْ يُهْدِ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ خُصُومَةٌ وَإِنَّمَا يَسْتَفْتِيهِ فِي شَيْءٍ يَعْرِضُ لَهُ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَدِيَّةً مِنْ صَاحِبِ فُتْيَا وَلَا مَسْأَلَةٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَيْشُونَةَ، وَكَانَ يَجْعَلُ غَيْرَ ذَلِكَ رِشْوَةً.

وَقَالَ عليه السلام: «مَنْ شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً وَأَهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا» وَمِنْ هَذَا انْقِطَاعُ الرَّعِيَّةِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّقِينَ بِالسُّلْطَانِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ فِيمَا دُونَهُمْ لِذَلِكَ.

وَمَا أَهْدَى إلَى الْفَقِيرِ رَجَاءَ الْعَوْنِ عَلَى الْخُصُومَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ قَبُولُهُ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا تَنَازَعَ عِنْدَهُ خَصْمَانِ فَأَهْدَيَا إلَيْهِ جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا يَرْجُو أَنْ يُعِينَهُ فِي حُجَّتِهِ عِنْدَ حَكَمٍ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُسْمَعُ مِنْهُ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ.

(وَلَعِبٍ بِنَيْرُوزَ) عِبَارَةُ ابْنِ عَاتٍ: يُجْرَحُ الرَّجُلُ بِصَنِيعَةِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ إذْ هُوَ مِنْ فِعْلِ النَّصَارَى لِقَوْلِهِ عليه السلام -

ص: 200

«مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا فَهُوَ مِنْهُمْ» .

(وَمَطْلٍ) فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ: سَحْنُونَ: مَطْلُ الْغَنِيِّ جُرْحَةٌ لِقَوْلِهِ عليه السلام «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .

ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا بَيِّنٌ عَلَى مَا قَالَهُ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ بِالْمَطْلِ دُونَ ضَرُورَةٍ جُرْحَةٌ لِأَنَّهُ إذَايَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي مَالِهِ. ابْنُ مُحْرِزٍ: وَرَأْي بَعْضُهُمْ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ.

(وَحَلِفٍ بِعِتْقٍ وَطَلَاقٍ) فِي الرِّسَالَةِ: وَيُؤَدَّبُ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَيَلْزَمُهُ. قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ لَزِمَ ذَلِكَ وَاعْتَادَهُ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِيهِ.

الْمُتَيْطِيُّ: وَاسْتَحْسَنَ مَالِكٌ كِتَابَ هِشَامٍ أَنْ يُضْرَبَ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَمَنْ تَكَرَّرَ حَلِفُهُ بِذَلِكَ وَعُرِفَ بِهِ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَإِنْ بَرَّ فِي حَلِفِهِ بِهِ.

(وَبِمَجِيءِ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثًا بِلَا عُذْرٍ) سَحْنُونَ: لَا يَكُونُ

ص: 201

عَدْلًا مَنْ أَتَى مَجْلِسَ الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ.

(وَبِتِجَارَةٍ لِأَرْضِ حَرْبٍ) سَحْنُونَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ تَجَرَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. وَأَجَازَهَا أَبُو صَالِحٍ فِي الْمُخْتَلِفِينَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ إذَا كَانُوا لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ.

قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: كَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ يَقُولُ: فِي السَّفَرِ فِي مَرَاكِبِ الرُّومِ نَظَرٌ فِي حَالٍ لِهَذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الصَّلَاحِ يَرْكَبُ مَعَهُمْ.

(وَبِسُكْنَى مَغْصُوبَةٍ أَوْ مَعَ وَلَدٍ شِرِّيبٍ وَبِوَطْءِ مَنْ لَا تُوطَأُ) سَحْنُونَ: مَنْ وَطِئَ جَارِيَةً قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا أُدِّبَ مُوجَعًا مَعَ طَرْحِ شَهَادَتِهِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَكَذَلِكَ.

ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْحَمْلُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا لَمْ تَسْقُطْ بِهِ شَهَادَتُهُ لِرِوَايَةِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا.

(وَبِالْتِفَاتِهِ فِي الصَّلَاةِ) الْأَخَوَانِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي رُكُوعِهِ دُونَ عُذْرٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. ابْنُ كِنَانَةَ: وَلَوْ فِي النَّفْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْأَظْهَرُ إنْ عُلِمَتْ إقَامَتُهُ فِي الْفَرْضِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ (وَبِاقْتِرَاضِهِ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ) سَحْنُونَ: إذَا تَسَلَّفَ مِنْ حِجَارَةِ الْمَسْجِدِ وَرَدَّ عِوَضَهَا وَقَالَ ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا يَجُوزُ.

(وَعَدَمِ إحْكَامِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالزَّكَاةِ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) ابْنُ كِنَانَةَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُحْكِمُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ لِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَكَذَا مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ نِصَابِ الْمَالِ وَهُوَ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَكُونُ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ لَا يَفْتَقِرُ فِي زَكَاتِهِ لِتَحْقِيقِ قَدْرِ النِّصَابِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إخْرَاجُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَهَذَا فِي الْمَالِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا فِي الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ فَلَا (وَبَيْعِ نَرْدٍ وَطُنْبُورٍ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِدَامَةِ شِطْرَنْجٍ ".

(وَاسْتِحْلَافِ أَبِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي دَعْوَاهُ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ شَحَّ الِابْنُ فِي اسْتِحْلَافِ أَبِيهِ أُحْلِفَ لَهُ وَكَانَتْ جُرْحَةً عَلَى الِابْنِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ عُقُوقٌ إذَا اسْتَحْلَفَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ حَدًّا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَوْ عُذِرَ بِجَهَالَةٍ أَوْ كَانَ حَقُّهُ حَقًّا.

(وَقُدِحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ بِكُلٍّ) اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحَ فِي الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا (وَفِي الْمُبَرِّزِ بِعَدَاوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ وَإِنْ بِدُونِهِ كَغَيْرِهِمَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: وَيُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الرَّجُلِ الْمُبَرِّزِ وَالْمَعْرُوفِ بِالْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الْعَدَاوَةِ وَالْهِجْرَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ أَوْ مَا أَشْبَهَ

ص: 202

ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ مِنْ وَجْهِ الْإِسْفَاهِ؛ فَمَنَعَهُ أَصْبَغُ وَأَجَازَهُ سَحْنُونَ وَقَالَ: يُمَكَّنُ الْخَصْمُ مِنْ تَجْرِيحِ الرَّجُلِ الْبَيِّنِ الْفَضْلِ وَالْمُبَرِّزِ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ جَرْحِهِ بِالْإِسْفَاهِ وَغَيْرِهَا.

وَاخْتُلِفَ بَعْدَ الْقَوْلِ بِقَبُولِ تَجْرِيحِهِ وَيُقْبَلُ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا لِسَحْنُونٍ، وَالثَّانِي لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّالِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالرَّابِعِ لِمُطَرِّفٍ قَالَ: يُجَرَّحُ الشَّاهِدُ بِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ بِالْإِسْفَاهِ وَالْعَدَاوَةِ. اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّ الْجَرْحَ مِمَّا يَكْتُمُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ وَهِيَ بِشَهَادَةٍ وَعِلْمٍ عِنْدَهُ يُؤَدِّيهِ مِثْلَ سَائِرِ الشَّهَادَاتِ.

وَالِاسْتِحْسَانُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ لَيْسَ بِالْمُبَرِّزِ قَبْلَ جَرْحِهِ مِنْ عَدْلٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ هَلْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُبَرِّزًا قُبِلَ مِنْ مُبَرِّزٍ كَانَ أَيْضًا مِثْلَهُ أَوْ دُونَهُ، وَلْيُسْأَلْ الْمُجَرِّحُ بِمَاذَا يُجَرِّحُهُ؛ فَإِنْ ذَكَرَ وَجْهًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَنْفَرِدَ ذَلِكَ بِمَعْرِفَتِهِ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْفَى مِثْلُهُ قُبِلَ مِنْ مُجَرِّحِهِ وَجَازَ ذَلِكَ.

(وَزَوَالِ الْعَدَاوَةِ وَالْفِسْقِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بِلَا حَدٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: جُرْحَةُ الْفِسْقِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْفِقْهِ.

الْمَازِرِيُّ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ ثَبَتَ إنَّمَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ حَالِهِ وَالْقَرَائِنِ عَلَى صِدْقِهِ مَعَ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ، وَلَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ وَوَقَّتَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ.

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَزَوَالُ الْعَدَاوَةِ كَالْفِسْقِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا لِغَيْرِهِ. رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ لَمْ يُزَكِّ شَاهِدَهُ وَيُجَرِّحْ شَاهِدًا عَلَيْهِ وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَالْعَكْسُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ امْتَنَعَتْ لَهُ امْتَنَعَتْ فِي تَزْكِيَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ وَتَجْرِيحِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَنْ امْتَنَعَتْ عَلَيْهِ امْتَنَعَتْ فِي الْعَكْسِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: أَقَلُّ مِنْ شَطْرِ عَدَدِ كَلِمَاتِهِ التَّزْكِيَةُ فِي شَيْءٍ بِهِ كَشَهَادَتِهِ بِهِ وَالتَّجْرِيحُ فِيهِ كَشَهَادَةٍ بِنَقِيضِهِ عِلَّةُ الْجَمِيعِ جَرُّ نَفْعٍ أَوْ دَفْعُ ضُرٍّ (إلَّا الصِّبْيَانَ) قَالَ الْمُقْرِي: كُلُّ مَنْ لَيْسَ بِحُرٍّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ مُسْتَعْمَلٍ لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إلَّا بَعْضِ ذُكُورِ صِبْيَانِ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ الذُّكُورِ فِي جِرَاحِهِمْ الْمَذْهَبُ صِحَّتُهَا وَشَرَطَ الْقَاضِي أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَعْقِلُ الشَّهَادَةَ. ابْنُ عَرَفَةَ: لِقَوْلِهَا تَجُوزُ وَصِيَّةُ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يُقَارِبُهَا (لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ) اللَّخْمِيِّ: فِي إلْحَاقِ النِّسَاءِ بِالصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ الْجِرَاحِ فِي الْمَآتِمِ وَالْعُرْسِ وَالْحَمَّامِ، نَقَلَ الْجَلَّابُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: وَلَوْ لَمْ تَكُونَا عَدْلَتَيْنِ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَحْضُرُهُ الْعُدُولُ وَأَرَى أَنْ يُقْسِمَ مَعَهُمَا فِي الْقَتْلِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الْجَلَّابِ أَنَّ الْمَذْهَبَ سُقُوطُهَا (فِي جَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ) ابْنُ سَحْنُونٍ: قُلْت لِسَحْنُونٍ: لِمَ أَجَزْتَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحِ وَلَمْ تُجِزْهَا فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ؟ قَالَ: لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ الْحُقُوقَ يَحْضُرُهَا الْكِبَارُ. قُلْت: فَيَلْزَمُك أَنْ تُجِيزَهَا فِي غَصْبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ اتِّبَاعِ الْمَاضِينَ وَلَا وَجْهَ لِلْقِيَاسِ فِيمَا هُوَ سُنَّةٌ أَوْ كَالسُّنَّةِ (وَالشَّاهِدُ حُرٌّ) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا الصِّبْيَانُ الْمَمَالِيكُ وَلَا أَحْفَظُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا

ص: 203

تَجُوزُ وَكَذَا صِبْيَانُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (مُمَيِّزٌ) تَقَدَّمَ شَرْطُ الْقَاضِي هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " لَا نِسَاءً "(ذَكَرٌ تَعَدَّدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ. وَلَا تَجُوزُ أَيْضًا شَهَادَةُ الْإِنَاثِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَإِنْ كَثُرْنَ (لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ لِقَرِيبٍ وَلَا لِعَدُوٍّ مِنْهُمْ إذَا ثَبَتَتْ الْعَدَاوَةُ.

مُحَمَّدٌ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى عَدَالَةٍ وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِيهِمْ (وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَوْ شَهِدَ صَبِيَّانِ أَنَّ صَبِيًّا قَتَلَ صَبِيًّا وَشَهِدَ آخَرُ أَنْ لَيْسَ مِنْهُمَا الْقَاتِلُ وَأَنَّ دَابَّةً أَصَابَتْهُ جُبَارًا قَالَ: تَمْضِي شَهَادَةُ الصَّبِيَّيْنِ عَلَى الْقَتْلِ.

وَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: هَذَا اخْتِلَافٌ يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِمْ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ.

وَانْظُرْ قَوْلَهُ " قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ " وَقَدْ قَالَ فِي التَّلْقِينِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَتُقْبَلُ عَلَى شُرُوطٍ تِسْعَةٍ مِنْهَا: أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ مُتَّفِقَةٌ غَيْرُ مُخْتَلِفَةٍ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصَّةً لَا لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَفُرْقَةٍ.

قَالَ مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ مَا لَمْ يَفْتَرِقُوا أَوْ يُخَبِّبُوا. مُحَمَّدٌ: أَوْ يَدْخُلْ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ. الْبَاجِيُّ: التَّخْبِيبُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يُلَقِّنَهُمْ. ابْن فَتُّوحٍ: مَعْنَى يُخَبَّبُ أَيْ يُعَلَّمُوا (إلَّا أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا قَيَّدْت شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ بِالْعُدُولِ لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ إلَّا أَنْ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ حَتَّى يَكْبَرُوا وَيَعْدِلُوا فَيُؤْخَذُوا بِرُجُوعِهِمْ إذَا أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْبَاطِلِ، وَقَالَ نَحْوَهُ سَحْنُونَ (وَلَمْ يَحْضُرْ كَبِيرٌ أَوْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ التَّلْقِينِ بِهَذَا فَانْظُرْهُ مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ لِابْنِ يُونُسَ.

قَالَ مَا نَصَّهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا دَخَلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ شَاهِدٌ أَوْ مَشْهُودٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الصِّغَارِ لِأَنَّ الْكَبِيرَ يُعَلِّمُهُمْ إلَّا كَبِيرَ مَقْتُولٍ لَمْ يَبْقَ حَتَّى يُعَلِّمَهُمْ (وَلَا يَقْدَحُ رُجُوعُهُمْ) قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ " لَمْ يُبْطِلْهَا رُجُوعُهُمْ "(وَلَا تَجْرِيحُهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ مُحَمَّدٍ " لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى عَدَالَةٍ

ص: 204

وَلَا إلَى جُرْحَةٍ فِي الصِّبْيَانِ "

(وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ بَيِّنَةِ الزِّنَا كَوْنُهَا أَرْبَعَةً بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَحُكْمِ عُمَرَ. الْمَازِرِيُّ: وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ: وَالشَّهَادَةُ فِي اللِّوَاطِ كَالزِّنَا. (بِوَقْتٍ وَرُؤْيَةٍ اتَّحَدَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَجْهُ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا أَنْ يَأْتِيَ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُونَ عَلَى وَطْءِ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِهَذَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ (وَفُرِّقُوا فَقَطْ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْشِفَ الشُّهُودُ بِالزِّنَا عَنْ شَهَادَتِهِمْ كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ رَأَى فِي شَهَادَتِهِمْ مَا يُبْطِلُهَا أَبْطَلَهَا.

وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ الشُّهُودِ لَا يُفَرَّقُونَ وَلَا يُسْأَلُونَ إنْ كَانُوا عُدُولًا إلَّا فِي الزِّنَا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وَيُسْأَلُونَ أَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا. مَالِكٌ: لَا تَتِمُّ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقُولُوا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ. الْغَزَالِيُّ: وَنِيطَ الزِّنَا بِهَذَا وَهَذَا قَطُّ لَا يَتَّفِقُ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ

ص: 206

عَلَى طَلَبِ الشَّرْعِ لِسَتْرِ الْفَوَاحِشِ، فَانْظُرْ إلَى الْحِكْمَةِ فِي جَرْحِهِمْ فِي بَابِ الْفَاحِشَةِ بِإِيجَابِ الرَّجْمِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ اُنْظُرْ إلَى كَشْفِ سِتْرِ اللَّهِ كَيْفَ أَسْبَلَهُ عَلَى الْعُصَاةِ بِتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ فِي كَشْفِهِ فَنَرْجُو مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا نُحْرَمَ هَذَا مِنْ هَذَا الْكَرَمِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (وَلِكُلٍّ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: قِيلَ: إنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِنُثْبِتَ الشَّهَادَةَ قَالَ: كَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا.

وَنَاقَضَ هَذَا ابْنُ هَارُونَ بِعَدَمِ إجَازَتِهِ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْإِصَابَةِ وَهِيَ بِكْرٌ أَنَّهَا تُصَدَّقُ وَلَا يَنْظُرُهَا النِّسَاءُ.

قَالَ الْقَرَوِيُّونَ: ذَلِكَ مُشْكِلٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرَدُّ هَذَا بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ الْحَدُّ حَقٌّ لِلَّهِ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَحَقُّ اللَّهِ آكَدُ لِقَوْلِهَا: مَنْ سَرَقَ يَدَ رَجُلٍ عَمْدًا قُطِعَ لِلسَّرِقَةِ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.

الثَّانِي مَا لِأَجْلِهِ نَظَرٌ وَهُوَ الزِّنَا مُحَقَّقُ الْوُجُودِ أَوْ رَاجِحُهُ وَثُبُوتُ الْعَيْبِ مُحْتَمَلٌ عَلَى السَّوِيَّةِ.

الثَّالِثُ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ فِي الزِّنَا مَغِيبُ الْحَشَفَةِ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ مِنْ الْإِحَاطَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ مَا يَسْتَلْزِمُهُ النَّظَرُ إلَى الْعَيْبِ.

وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: إنْ لَمْ يَكُنْ

ص: 207

هَذَا الزَّانِي مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ فَفِي تَعَمُّدِ النَّظَرِ إلَيْهِمَا نَظَرٌ، يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا يَكْشِفُونَ وَلَا تَتَحَقَّقُ عَلَيْهِمْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَوْ تَبَيَّنَ لَهُمْ ذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُبَلِّغُوا الشَّهَادَةَ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِيَتَعَمَّدْ النَّظَرَ خَوْفَ أَنْ يَحِدُّوا قَاذِفَهُ وَلَكِنَّ السَّتْرَ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ نَادِرٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَلِقَوْلِهَا مَنْ قَذَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ زَنَى حَلَالٌ لَهُ الْقِيَامُ بِحَدِّ مَنْ قَذَفَهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: وَهَذَا كُلُّهُ إنْ عَجَزَ الشُّهُودُ عَنْ مَنْعِ الْفَاعِلَيْنِ إتْمَامَ مَا ابْتَدَآهُ مِنْ الْفِعْلِ، وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَلَمْ يَفْعَلُوا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِعِصْيَانِهِمْ بِعَدَمِ تَغْيِيرِ هَذَا الْمُنْكَرِ. (وَنُدِبَ سُؤَالُهُمْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّهُودِ فِي الزِّنَا: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يَدْرَأُ بِهِ الْحَدَّ دَرَأَهُ. مُحَمَّدٌ: فَإِنْ غَابُوا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ غَيْبَةً بَعِيدَةً أَوْ مَاتُوا أَقَامَ الْحَدَّ بِشَهَادَتِهِمْ (كَالسَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أُخِذَتْ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الشُّهُودَ بِالسَّرِقَةِ مَا

ص: 208