الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] [
فَصْلٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَذَاتِ اللُّقَطَةِ وَأَحْكَامِهَا]
ِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: فِي هَذَا الْكِتَابِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ فِي الِالْتِقَاطِ.
الثَّانِي فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ.
الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ اللُّقَطَةِ. (اللُّقَطَةُ مَالٌ مَعْصُومٌ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ) ابْنُ شَاسٍ: اللُّقَطَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَالٍ مَعْصُومٍ عُرِّضَ لِلضَّيَاعِ كَانَ فِي عَامِرِ الْبَلَدِ أَوْ غَامِرِهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ اللُّقَطَةُ هِيَ مَالٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ لَيْسَ حَيَوَانًا نَاطِقًا وَلَا نَعَمًا فَيَخْرُجُ الرِّكَازُ وَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَتَدْخُلُ الدَّجَاجَةُ وَحَمَامُ الدُّورِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إلَّا السَّمَكَةُ تَقَعُ فِي سَفِينَةٍ هِيَ لِمَنْ وَقَعَتْ إلَيْهِ، وَالضَّالَّةُ نَعَمٌ وُجِدَ بِغَيْرِ حِرْزٍ مُحْتَرَمٍ، وَالْآبِقُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ (وَإِنْ كَلْبًا) ابْنُ شَاسٍ: مَنْ وَجَدَ كَلْبًا الْتَقَطَهُ إنْ كَانَ بِمَكَانٍ يُخَافُ عَلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: يُخَصُّ هَذَا بِالْمَأْذُونِ فِيهِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَتَلَ كَلْبًا مِنْ كِلَابِ الدُّورِ مِمَّا لَا يُؤْذِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَا يُتْرَكُ، وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِي اتِّخَاذِهِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
هَذَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ وَفِيهِ مَعَ هَذَا نَظَرٌ لِقَوْلِهَا مَنْ سَرَقَ كَلْبًا صَائِدًا أَوْ غَيْرَ صَائِدٍ لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يُرَاعَى دَرْءُ الْحَدِّ
بِالشُّبَهِ.
(وَفَرَسًا وَحِمَارًا) اللَّخْمِيِّ: الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَسَائِرُ الدَّوَابِّ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَمْ تُؤْخَذْ وَإِلَّا أُخِذَتْ وَعُرِّفَتْ عَامًا. اُنْظُرْ هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ مَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ عَاشَتْ عِنْدَهُ وَمَنْ مَاتَتْ رَاحِلَتُهُ بِفَلَاةٍ فَأَسْلَمَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ رَجُلٌ وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَبِعَدَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَأَتَى رَجُلٌ فَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَيُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ.
أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا أَنَّ
الْعِفَاصَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا وَهِيَ لُغَةً مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ، وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ (بِلَا يَمِينٍ) الْبَاجِيُّ: هَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ؟ الْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا وَلَا مَنْ يُنَازِعُ عَنْهُ (وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ وَاحِدٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَوَصَفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ إلَّا الْعِفَاصَ وَحْدَهُ (وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلُ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرُهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الثَّانِي (كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ تُؤَرَّخَا وَإِلَّا فَلِلْأَقْدَمِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً اُنْتُزِعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا بَقِيَتْ لِلْأَوَّلِ بِالصِّفَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ وَزَادَ: هَذَا إنْ لَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا كَانَتْ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.
(وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ فِيمَا سِوَاهُ فَلْيَسْتَبْرِئْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أُعْطِيَهَا هَذَا كَمَا فِي شَرْطِ الْخَلِيطَيْنِ أَوْصَافًا تُجْزِئُ وَإِنْ انْخَرَمَ بَعْضُهَا (لَا غَلِطَ عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْعِفَاصُ وَالْوِكَاءُ إذَا وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرَ أَوْ غَلِطَ فِيهِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْجَهَالَةَ اسْتَبْرَأَ أَمْرَهُ،
وَإِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ (وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا جَهْلُهُ بِالْعَدَدِ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ غَلَطُهُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَلَطِهِ بِالنُّقْصَانِ.
(وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ اضْطِرَابٌ. ابْنُ رُشْدٍ: يَلْزَمُ أَنْ يُؤْخَذَ اللَّقِيطُ وَلَا يُتْرَكُ لِأَنَّهُ إنْ تُرِكَ ضَاعَ وَهَلَكَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُقَطَةِ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَا يُخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ عَلِمَ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ فَأَخْذُهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَكْثَرِ الْخَوْفَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا أَعْنِي هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَجِدَ رَبَّهَا لِتَفَرُّقِ الْحَاجِّ إلَى بُلْدَانِهِمْ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِي سِوَاهَا.
اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ كَانَ حِفْظُهَا وَاجِبًا لِأَنَّ حِفْظَ
أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَلَّا تَضِيعَ وَاجِبٌ (لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَمَتَى أُنْشِدَتْ وَعُرِّفَتْ أَخَذَهَا مُنِعَ مَنْ وَجَدَهَا أَنْ يَعْرِضَ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَفْتَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ وَيُخْشَى إنْ صَارَتْ إلَيْهِ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ أَخْذِهَا فَيُقَالُ لَهُ لَا تَقْرَبْهَا (وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَحْسَنِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْوَاجِدُ لَهَا مَأْمُونًا وَلَا يَخْشَى سُلْطَانَ الْمَوْضِعِ إنْ أَنْشَدَهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَهِيَ بَيْنَ نَاسٍ لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ وَلَهَا قَدْرٌ، كَانَ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا مُسْتَحَبًّا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كُرِهَ لَهُ أَخْذُهَا
مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: لَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا.
(وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عَرْضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا تَمَّ أَمْرُهُ بِأَكْلِهَا، كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ، دِرْهَمٌ فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إنْ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمَهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ (وَلَوْ كَالدَّلْوِ لَا تَافِهًا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لُقَطَةُ مِثْلِ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْمِخْلَاةِ وَشِبْهَ ذَلِكَ إنْ وُجِدَ بِطَرِيقٍ وَقَعَ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ وَإِنْ بِمَدِينَةٍ عُرِّفَ وَانْتُفِعَ بِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ هُوَ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تُرِكَ، وَيَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ الْتَقَطَهُ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لَقِيمَتِهِ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَرَّفُ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ.
أَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» . وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا. وَقَدْ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ السَّوْطَ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُعَرِّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً وَقَدْ يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ. وَظَاهِرُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي
الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنَّمَا يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ أَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِرَبِّهِ كَالشَّاةِ يَجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ فِي غَيْرِ فَيْفَاءَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيُعَرِّفُ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُعَرِّفُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرُهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِنْهُ.
(كَبَابِ الْمَسْجِدِ) سُمِعَ
الْقَرِينَانِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ أَنْ تُعَرَّفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْحِلَقِ فِي الْمَسْجِدِ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا لِكَيْ يُعَمِّيَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَأْتِيَ مُتَخَيِّلٌ فَيَصِفَهَا بِذَلِكَ بِصِفَةِ الْعُرْفِ فَيَأْخُذُهَا وَلَيْسَتْ لَهُ، وَيُعَرِّفُهَا فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ صَنْعَتَهُ وَيُعَرِّفَهَا (بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) اللَّخْمِيِّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعٍ: بَيْنَ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَدْفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَكَانَ لَا يَتَشَاغَلُ عَنْ تَعْرِيفِهَا، أَوْ إلَى مَأْمُونٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا مَنْ يُعَرِّفُهَا.
وَأَجَازَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا عَلَيْهَا يُرِيدُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَعْرِيفَهَا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى غَيْرِهِ لِيُعَرِّفَ بِهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَعْمَلَ بِهَا مَا شَاءَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا إلَّا أَمَانَتَهُ فَلَا يَدْفَعُهَا لِغَيْرِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَذَكَرَ هَذَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ فِي فَرْقِهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ هَلَاكَ لُقَطَةٍ بَعْدَ السَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ فِي ذِمَّتِهِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَأَمَّا قَبْلَ السَّنَةِ فَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَرْقٌ، هَذَا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا فِي رَقَبَتِهِ وَالْجَمِيعُ اسْتِهْلَاكٌ (وَبِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ عَرَّفَهَا فِي تِينِك الْمَدِينَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ الْمَدِينَةِ وَالْقَرْيَةِ (وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ هَلْ يُسَمِّي جِنْسَ اللُّقَطَةِ إذَا أَنْشَدَهَا وَأَنْ لَا يُسَمِّيَ أَحْسَنُ. اُنْظُرْ نَقْلَ ابْنِ يُونُسَ عِنْدِ قَوْلِهِ " فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ ".
(وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ
إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ قَالَ: تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ. وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَالُ الْكِتَابِيِّ لِأَهْلِ دِينِهِ ". وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي الْجِزْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ " وَرَأَيْت فُتْيَا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ غَصَبَ يَهُودِيًّا ثُمَّ تَابَ وَجَهِلَهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَالْعَاصِبُ بَيْتُ الْمَالِ اُنْظُرْهُ فِي الْوَصَايَا.
(وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ) الْجَلَّابُ: إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ طَالِبُهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا أَوْ حَبَسَهَا لِيَأْتِيَ رَبُّهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» . وَفِي الصَّحِيحِ «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالٌ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ خِلَافُهُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي اشْتَرَى كُبَّةَ الْخُيُوطِ مِنْ
الْمَغْنَمِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبَ ذَهَبٍ فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ قِسْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْجَيْشِ لِافْتِرَاقِهِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا فِي جَوَازِ أَكْلِهَا لِمُلْتَقِطِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم «فَشَأْنُك بِهَا» لِأَنَّ مَالِكًا اإنَّمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَيَجِدَهُ عَدِيمًا لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ صَاحِبَهَا أَبَدًا لَمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا، وَافْتِرَاقُ الْجَيْشِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا، وَهَذَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الْوَاجِبَةِ لِلْجَيْشِ، وَأَمَّا الْخُمُسُ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَهُ فِي مَوَاضِعِ الْخُمُسِ.
وَقَاسَ فِي نَوَازِلِهِ عَلَى هَذَا حُكْمَ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ يَتُوبُ وَمَا بِيَدِهِ لَيْسَ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ وَأَرْبَابُ مَتَاعِهِ مَجْهُولُونَ قَالَ: حُكْمُ مَا بِيَدِهِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَحُكْمُ كُبَّةِ الْخُيُوطِ قَالَ: بَلْ هَذَا فِي الْجَوَازِ أَحْرَى لِأَنَّ أَهْلَ تَبَاعَتِهِ حَقُّهُمْ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي عَيْنِ مَا بِيَدِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَهَذَا الصَّوَابُ. رَاجِعْ النَّوَازِلَ (وَلَوْ بِمَكَّةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ " وَقَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ
الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ.
(ضَامِنًا فِيهِمَا كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: هِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ هُوَ بَلْ لِأُعَرِّفَهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ. قَالَ
أَشْهَبُ: بِلَا يَمِينٍ.
(وَرَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً بَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا، وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ فِي سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا وَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَيَقُولُ لَا فَيَتْرُكُهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ فِي أَثَرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ رَدَّهُ بِالْقُرْبِ، وَأَمَّا إنْ رَدَّهُ بَعْدَ طُولٍ فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكِسَاءِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّعْرِيفِ. قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَاخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ فَقِيلَ إنَّهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ.
(وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ) اللَّخْمِيِّ: إذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ عَرَّفَهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ
السَّنَةِ لَمْ تَكُنْ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فِي ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «عَرَّفَهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ " فَشَأْنُك بِهَا ".
(وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ وَشَاةٍ بِفَيْفَاءَ) تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا تَافِهًا " وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ ضَالَّةً بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهِ وَلَا يَأْكُلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا.
وَقَالَ سَحْنُونَ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، يُرِيدُ بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا لَهُ وَلَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا وَهَذَا خَفِيفٌ لِأَنَّهُ يَرْعَاهَا وَيَتَفَقَّدُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ الْغَنَمَ فِي أَقْرَبِ الْعُمْرَانِ فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَأْتِ رَبُّهَا فَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الِاسْتِينَاءُ بِثَمَنِهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَنَسْلُهَا مِثْلُهَا. وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالزُّبْدُ فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لِذَلِكَ ثَمَنٌ فَلْيَبِعْ وَيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا يَصْنَعُ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ
كَانَ لَهُ قِيَامٌ وَعُلُوفَةٌ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ. وَأَمَّا الصُّوفُ وَالسَّمْنُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَالِ. اهـ.
نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ. وَلِابْنِ رُشْدٍ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ: لَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا قَدْرَ قِيَامِهِ بِهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَلُقَطَةِ طَعَامٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِتَاجِهَا. وَلِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا: خَفَّفَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مَالَهُ قَدْرٌ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ كَلُقَطَةٍ وَمَا لَا يَشِحُّ بِهِ لَهُ أَكْلُهُ.
(كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا) وَمِنْ الْمُخْتَلِطَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَضَالَّةُ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ فِي الْفَلَاةِ تَرَكَهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ.
(وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا) اللَّخْمِيِّ: ضَالَّةُ الْبَقَرَةِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهَا إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَعْيٍ وَمَاءٍ
لَا يُخَافُ عَلَيْهَا سِبَاعٌ وَلَا نَاسٌ، فَإِنْ انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أُخِذَتْ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ صَبْرٌ عَنْ الْمَاءِ كَالْإِبِلِ، فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ حَوْلًا وَإِذَا تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَاجِدُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ صَاحِبَهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ مَضَرَّةٌ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَعْيِهَا فِي أَمْنٍ وَحِفْظٍ أَوْ يُؤَاجِرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ مِنْ النَّفَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُهَا إلَى الرَّعْيِ اُسْتُؤْجِرَتْ فِي مَأْمُونٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوَفِّ الْإِجَارَةُ بِعَلَفِهَا أَوْ قَالَ وَاجِدُهَا لَا أَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ، رَاجِعْ اللَّخْمِيِّ.
(وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ) مُطَرِّفٌ: لَوْ أَجَّرَ ضَالَّةَ الدَّوَابِّ لِرُكُوبِهَا إلَى مَوْضِعِهِ لَا فِي حَوَائِجِهِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا.
(وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا) الَّذِي لِمَالِكٍ: نِتَاجُ الضَّالَّةِ مِثْلُهَا وَلَبَنُهَا عَلَى أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ.
وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " كَبَقَرٍ " فَانْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إسْلَامِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَلْيُعَرِّفْهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا أَخَذَهَا. وَمَا أَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى مَا الْتَقَطَ مِنْ
عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ عَلَى إبِلٍ قَدْ كَانَ رَبُّهَا أَسْلَمَهَا أَوْ عَلَى بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ مَتَاعٍ أُكْرِيَ فَحَمَلَهُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَيْسَ لِرَبِّ ذَلِكَ أَخْذُهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ فَيَأْخُذَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رُهُونِهَا الْمُنْفِقُ عَلَى الضَّالَّةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهُ.
(وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِيعَتْ اللُّقَطَةُ بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ، وَلِرَبِّهَا أَخْذُ الثَّمَنِ مِمَّنْ قَبَضَهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّوَابِّ إذَا بِيعَتْ. ابْنُ يُونُسَ: وَجَعَلَ أَشْهَبُ بَيْعَ الثِّيَابِ بَعْدَ السَّنَةِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ تَعَدِّيًا وَجَعَلَهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ فِي الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ عليه السلام «فَشَأْنُك بِهَا» فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَبْيَنُ.
(بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْمِسْكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ أَكَلَهَا الْمَسَاكِينُ فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُمْ لِأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ يَأْكُلُ الْهِبَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ هَذَا لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ؛ ابْنُ يُونُسَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ أَنْ الْتَزَمَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ. أَنْ يُلْزِمَهُ مَا الْتَزَمَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا تَعَدِّيًا أَوْ عَنْ رَبِّهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ لَزِمَ مُلْتَقِطَهَا قِيمَتُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وُجِدَتْ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ لِرَبِّهَا نَقْضَ الْبَيْعِ الَّذِي بَاعَهُ الْمَسَاكِينُ لَهَا وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ بَاعَهَا خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهَا وَأَوْقَفَ لَهُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يُنْقَضْ بَيْعُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَشَأْنُك بِهَا» وَالْمَسَاكِينُ إنَّمَا بَاعُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ فَلِمُسْتَحِقِّهَا نَقْضُ بَيْعِهِمْ كَنَقْضِهِ بَيْعَ الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، ابْنُ يُونُسَ: فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَكَلُوهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الَّذِي سَلَّطَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَكَلُوهَا، وَانْظُرْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ أَعْنِي فِي رُجُوعِ الْإِنْسَانِ فِي عَيْنِ مَالِهِ فَإِنْ فَاتَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ: مَنْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَةٍ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَمَنْ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَمَنْ اشْتَرَى حَاجَةً لِغَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ، أَوْ دَفَعَ ثَوْبًا أَرْفَعَ مِمَّا بَاعَ غَلَطًا أَوْ بَاعَ مُرَابَحَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ غَلِطَ، وَمَا أَصَابَ الْخَوَارِجُ مِنْ الْأَمْوَالِ ثُمَّ تَابُوا، وَمَنْ دَفَعَ كَفَّارَةً أَوْ زَكَاةً لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْ عَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرٍ فَأَخْرَجَ الْعُشْرَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ ذَلِكَ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ إنْ تَلِفَ.
قَالَ الصَّائِغُ: وَإِنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ آخَرُ فَلَا يُحَاسِبُ بِقَدْرِ مَا زَادَ جَهْلًا (وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِشَيْءٍ.