المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب آداب القضاء] - التاج والإكليل لمختصر خليل - جـ ٨

[محمد بن يوسف المواق]

فهرس الكتاب

- ‌[كِتَابُ الْهِبَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي أَرْكَانِ الْهِبَةِ وَحُكْمِهَا]

- ‌[كِتَابُ اللُّقَطَةِ] [

- ‌فَصْلٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَذَاتِ اللُّقَطَةِ وَأَحْكَامِهَا]

- ‌[كِتَابُ اللَّقِيطِ]

- ‌[بَابٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَأَحْكَامِ اللَّقِيطِ]

- ‌[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] [

- ‌بَابٌ فِي تَوْلِيَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ]

- ‌[بَاب آدَاب الْقَضَاء]

- ‌[بَاب الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ]

- ‌[كِتَابُ الشَّهَادَاتِ] [

- ‌بَاب أَهْلِيَّة الشَّهَادَة وَمَا يفيد قَبُولهَا وَمُسْتَنِد عِلْم الشَّاهِد وتحمله وَأَدَائِهِ]

- ‌[بَاب الشَّهَادَات فِي الْعَدَد وَالذُّكُورَة]

- ‌[بَابٌ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا]

- ‌[بَابٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ]

- ‌[بَابٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]

- ‌[بَابٌ السَّادِسُ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ]

- ‌ كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ وَمَجَامِعِ الْخُصُومَاتِ

- ‌[أَرْكَانُ الدَّعْوَى]

- ‌[تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ]

- ‌[بَابٌ فِي الدِّمَاءُ] [

- ‌الْجِنَايَة عَلَى النَّفْس] [

- ‌مُوجِبَات الْقِصَاص]

- ‌[مِنْ مُوجِبَات الْقِصَاص الْقَاتِل]

- ‌[مِنْ مُوجِبَات الْقِصَاص الْقَتِيل]

- ‌[شُرُوطُ الْقَتْلِ]

- ‌[قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ]

- ‌[الْجِنَايَة عَلَى الْأَطْرَاف]

- ‌[بَاب اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ]

- ‌[فَصَلِّ فِيمَنْ لَهُ وِلَايَةُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ]

- ‌[فَصَلِّ تَأْخِير الْقِصَاص]

- ‌[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمُمَاثَلَةِ]

- ‌[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

- ‌[الْوَاجِبِ فِي الدِّيَةِ]

- ‌[دِيَةُ النَّفْسِ]

- ‌[دِيَة الْعَمْد وشبه الْعَمْد وَالْخَطَأ]

- ‌[الدِّيَة الْوَاجِبَة فِيمَا دُون النَّفْس]

- ‌[الدِّيَة الْوَاجِبَة فِيمَا يَفُوت الْمَنَافِع]

- ‌[بَيَان مِنْ عَلَيْهِ الدِّيَة]

- ‌[كِتَابُ دَعْوَى الدَّمِ]

- ‌[الْقَسَامَةُ وَالشَّهَادَةُ بِالدَّمِ]

- ‌[سَبَبُ الْقَسَامَةُ]

- ‌[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلْعُقُوبَاتِ]

- ‌[بَاب فِي الْبَغْيُ]

- ‌[صِفَاتُ الْبُغَاةِ وَأَحْكَامِهِمْ]

- ‌[بَابٌ فِي الرِّدَّةُ]

- ‌[حَقِيقَة الرِّدَّة وَأَحْكَامهَا]

- ‌[بَاب فِي الزِّنَا]

- ‌[مُوجَبُ الزِّنَا وَمُوجِبِهِ وَكَيْفِيَّة اسْتِيفَاء الْحَدّ وَمُتَعَاطِيه]

- ‌[بَابٌ فِي الْقَذْفِ] [

- ‌بَاب فِي أَلْفَاظ القذف وَمُوجِبه وَأَحْكَامه]

- ‌[بَاب فِي السَّرِقَةُ]

- ‌[مُوجِب حَدّ السَّرِقَة وَعُقُوبَتهَا وَحُكْمهَا]

- ‌[أَرْكَان السَّرِقَة]

- ‌[شَرْطَ قَطْعِ السَّارِقِ]

- ‌[بَاب فِي الْحِرَابَةِ]

- ‌[صفة المحاربين وَحُكْم قِتَالهمْ وَعُقُوبَتهمْ وَحُكْمهَا]

- ‌[بَابٌ فِي الشُّرْبِ]

- ‌[مُوجِب الشُّرْب وَالْوَاجِب فِيهِ]

- ‌[كِتَابُ مُوجِبَاتِ الضَّمَانِ] [

- ‌ضمان سراية الْفِعْل الْمَأْذُون فِي عَيْنه أَوْ جنسه]

- ‌[الضَّمَان فِي دَفْعِ الصَّائِل]

- ‌[ضمان مَا أَتْلَفَتْهُ الْبَهَائِم]

- ‌[كِتَاب الْعِتْق] [

- ‌بَاب أَرْكَان الْعِتْق]

- ‌[خواص الْعِتْق]

- ‌[بَابٌ فِي التَّدْبِيرُ]

- ‌[بَابُ نَدْبِ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ التَّبَرُّعِ]

- ‌[أَرْكَان الْكِتَابَة]

- ‌[بَاب إقْرَارُ السَّيِّدِ بِوَطْءِ الْأَمَة]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَلَاء]

- ‌[كِتَابُ الْوَصَايَا] [

- ‌بَاب أَرْكَان الْوَصِيَّة وَأَحْكَامهَا]

- ‌[بَاب الرُّجُوع عَنْ الْوَصِيَّة]

- ‌[كِتَابُ الْفَرَائِضِ]

- ‌[بَاب فِي بَيَان الْوَرَثَة وَالتَّوْرِيث]

- ‌[بَاب مَا يَخْرَج مِنْ تَرِكَة الْمَيِّت]

- ‌[أَسْبَاب الأرث]

- ‌[بَاب فِي أُصُول الْحِسَاب وَبَيَان الْمَخَارِج]

- ‌[بَاب حِسَاب الْمُنَاسَخَات وَقِسْمَة التَّرِكَات]

- ‌[بَاب حِسَاب مَسَائِل الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار]

- ‌[حِسَاب مَسَائِل الْوَصَايَا]

- ‌[بَاب مَوَانِع الْإِرْث]

- ‌[مِيرَاث الْخُنْثَى]

الفصل: ‌[باب آداب القضاء]

(وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ) الْمَازِرِيُّ: يَحْرُمُ الطَّلَبُ لِلْقَضَاءِ عَلَى فَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ (أَوْ قَاصِدِ دُنْيَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ.

[بَاب آدَاب الْقَضَاء]

(وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) الْمَازِرِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمَنْ أَرَادَ إظْهَارَ عِلْمِهِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ سِرَاجِ الْمَرِيدِينَ.

(كَوَرَعٍ غَنِيٍّ حَلِيمٍ نَزْهٍ نَسِيبٍ مُسْتَشِيرٍ بِلَا دَيْنٍ وَحُرٍّ) ابْنُ رُشْدٍ

ص: 86

لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَيُسْتَحَبُّ لِعَدَمِهَا زِيَادَةُ عَزْلِهِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَرِعًا، غَنِيًّا، لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ وَلَا مِدْيَانٍ، مَعْرُوفَ النَّسَبِ، جَزْلًا نَافِذًا فَطِنًا غَيْرَ مَخْدُوعٍ لِغَفْلَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فِي زِنًا وَلَا قَذْفٍ وَلَا مَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ.

قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَأَنْ يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ، يُرِيدُ أَنَّهُ يُدِيرُ الْحَقَّ عَلَى مَنْ دَارَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِمَنْ لَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، حَلِيمًا عَنْ الْخَصْمِ مُسْتَشِيرًا لِأُولِي الْعِلْمِ (وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ) الطُّرْطُوشِيُّ: لَيْسَ بِحَسَنٍ الزِّيَادَةُ فِي عَقْلِهِ الْمُفْضِيَةُ إلَى الدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ رضي الله عنه زِيَادًا وَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى

ص: 87

فَضْلِ عَقْلِكَ وَكَانَ مِنْ الدُّهَاةِ (وَبِطَانَةِ سُوءٍ) نَحْوَ هَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاَلَّذِي فِي الْمَعُونَةِ أَخُصُّ مِنْ هَذَا.

(وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ وَالْمُصَاحِبِينَ وَتَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَلَا الرَّاكِبَ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيُمْنَعُ أَهْلُ الرُّكُوبِ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ وَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى أَعْوَانِهِ وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ أَعْوَانٌ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَيُخَفِّفَ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ.

(وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ رَجُلًا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِمْ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ مَا يَنْقِمُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ قَبُولِ شَاهِدٍ وَيَفْحَصُ عَنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ عَمَّا يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ.

(وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) ابْنُ شَاسٍ: لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقِبَ مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَآذَاهُ بِأَنْ يَنْسُبَ إلَيْهِ الظُّلْمَ أَوْ الْجَوْرَ مُوَاجَهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ بِخِلَافِ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ لِأَنَّ مُوَاجَهَتَهُ مِنْ قِبَلِ الْإِقْرَارِ (إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ قَالَ لِلْقَاضِي اتَّقِ اللَّهَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضِيقَ لِذَلِكَ وَلَا يَكْتَرِثَ عَلَيْهِ وَلْيَثْبُتْ وَيُجِيبُهُ جَوَابًا لَيِّنًا يَقُولُ لَهُ رَزَقَنِي اللَّهُ تَقْوَاهُ وَمَا أَمَرْتُ إلَّا بِخَيْرٍ وَمِنْ تَقْوَى اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ مِنْكَ الْحَقَّ إذَا بَانَ وَلَا يُظْهِرُ

ص: 88

بِذَلِكَ غَضَبًا.

(وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ قَاضِيًا مَكَانَهُ يَنْظُرَ لِلنَّاسِ وَيُرِيحَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَلَا إنْ عَاقَهُ شُغْلٌ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ أَوْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ أَوَّلًا انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ.

وَأَمَّا إنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُنَفِّذُ أُمُورَهُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَنْ اسْتَقْضَاهُ.

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ فَلَا يُبَالِي كَانَ الْقَاضِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ.

وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَسْتَخْلِفُ إنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ عَجَزَ عَنْ الِانْفِرَادِ بِالنَّظَرِ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ عَلَيْهِ فَلَا يُقَدِّمُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.

(فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) الْمُتَيْطِيُّ. إذَا كَانَ نَظَرُ الْقَاضِي وَاسِعًا وَأَقْطَارُ مِصْرِهِ مُتَبَايِنَةً فَلَا يَرْجِعُ الْخُصُومُ إلَى الْمِصْرِ

ص: 89

إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْأَمْيَالِ الْقَرِيبَةِ لِأَنَّ مَا بَعُدَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ وَيُقَدِّمُ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ حُكَّامًا يَنْظُرُونَ لِلنَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى.

اُنْظُرْ هَلْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ إمَامٍ؟ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَارِزَ الْعَدُوَّ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُبَارَزْ وَلْيُقَاتَلْ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارِزَةٍ وَلَا قِتَالٍ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ أَوْ نَهَى عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ.

وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَعَاكَ إمَامٌ جَائِرٌ إلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ فِي سَرِقَةٍ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَلَا تَجِبُ، إلَّا أَنْ تَعْلَمَ عَدَالَةَ الْبَيِّنَةِ فَعَلَيْك طَاعَتُهُ لِئَلَّا تَضِيعَ الْحُدُودُ. وَحَكَى الْبُرْزُلِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ فِي ضَرْبِ مَنْ قِيلَ لَهُ إنْ لَمْ تَضْرِبْهُ خَمْسِينَ سَوْطًا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ.

قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَمِنْ هَذَا فُتْيَا ابْنِ عَرَفَةَ بِجَوَازِ الرَّفْعِ لِحُكَّامِ الْفَحْصِ فِي الرَّعْيِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ فِي الزَّجْرِ مِنْ الْقُضَاةِ، لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ بِسَطْوَةِ الْحَاكِمِ وَلَا يَظْلِمُ خَصْمَهُ.

اُنْظُرْ فِي الْمَدَارِكِ فِي رَسْمِ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِئَلَّا تَضِيعَ الْحُدُودُ فَهُوَ فَرْعٌ إنْ أَتَى الْإِنْسَانُ لِإِمَامٍ غَيْرِ عَدْلٍ

ص: 91

فَانْظُرْهُ هُوَ مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ قَاضِي مِصْرٍ ".

(إنْ عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يُشْتَرَطُ عِلْمَهُ بِمَا يَسْتَخْلِفُ فِيهِ.

وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَةِ الْقَاضِي صِفَاتُ الْقُضَاةِ إلَّا إذَا لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ إلَّا سَمَاعُ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ.

(وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ مَاتَ الْقَاضِي وَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ سِرْ مَكَانِي وَنَفِّذْ مَا كُنْتُ صُدِّرْتُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ وَاقْضِ، فَلَا قَضَاءَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ.

(هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ وَلَوْ الْخَلِيفَةَ) قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْزَلُ الْقَاضِي بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِهِ. الْمُتَيْطِيُّ: وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ قَاضِيًا مَكَانَهُ وَيُرِيحُ نَفْسَهُ إلَّا إنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَلَا نُبَالِي كَانَ الْقَاضِي غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَوْقَ صَاحِبِهِ ثُمَّ قَالَ: لِلْقَاضِي تَقْدِيمُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْأَحْبَاسِ لِلنَّظَرِ فِيهَا وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْهَا وَكِرَائِهَا وَقَبْضِ غَلَّاتِهَا وَتَصَرُّفِهِ فِي مَصَالِحِهَا، وَيَجُوزُ إفْعَالُ الْمُقَدَّمِ لِذَلِكَ مِمَّا يُوَافِقُ السَّدَادَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَإِذَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْمُقَدِّمُ لَهُ أَوْ عُزِلَ فَتَقْدِيمُهُ تَامٌّ إذْ لَيْسَ يَنْفَسِخُ تَقْدِيمُ قَاضٍ بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ حَتَّى يَنْقُضَهُ الْوَالِي بَعْدَهُ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ وَقَدْ قَدَّمَ قُضَاةً وَحُكَّامًا وَوَلِيَ الْأَمْرَ غَيْرُهُ وَقَضَاءُ الْحُكَّامِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْإِمَامُ الْمَيِّتُ وَالْقَاضِي يَقْضِيه بَيْنَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَقِيَامِ الثَّانِي أَوْ بَعْدَ قِيَامِهِ وَقَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ وَيَمْضِي لَهُمْ الْحُكُومَةُ فِيمَا قَضَوْا بِهِ فِي الْفَتْرَةِ وَحَكَمُوا فِيهِ، فَأَقْضِيَتُهُمْ نَافِذَةٌ وَأَحْكَامُهُمْ جَائِزَةٌ وَسِجِلَّاتُهُمْ مَاضِيَةٌ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ وُلَاةِ الْأَيْتَامِ يُقَدِّمُهُمْ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْأَيْتَامِ ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاضِي أَوْ يُعْزَلُ، فَتَقْدِيمُهُ لَهُمْ مَاضٍ وَفِعْلُهُمْ جَائِزٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُمْضِيَهُ الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ اهـ.

اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ " وَإِنْ عُزِلَ بِمَوْتِهِ ".

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَضَيْتُ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْلِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. سَمِعَ أَصْبَغُ: ابْنَ الْقَاسِمِ: شَهَادَةُ الْقَاضِي بِقَضَاءٍ قَضَى بِهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ أَوْ غَيْرَ مَعْزُولٍ لَا يُقْبَلُ.

ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنًى خَفِيٌّ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي قَبْلَ عَزْلِهِ قَضَيْتُ بِكَذَا لَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ كَتَخَاصُمِ رَجُلَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ فَيَحْتَجُّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ قَاضِي بَلَدِ كَذَا قَضَى لِي بِكَذَا أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَنِّي حَكَمْتُ لِفُلَانٍ أَوْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا فَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ، وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَكَ عَلَى فُلَانٍ أَوْ فِيمَا حَكَمْتَ لِي بِهِ عَلَيْهِ فَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ قُبِلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَنْفُذُ فِيمَا يُسَجِّلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَشْهَدُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا دَامَ فِي قَضَائِهِ.

اُنْظُرْ هَذَا

ص: 97

بَعْدَ قَوْلِهِ " أَوْ شُهُودًا ".

(وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يَجُوزُ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ عَلَى أَنْ يُخَصَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَحْكُومِ فِيهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ يَصِحُّ فِيهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّحْجِيرُ، وَلَوْ اسْتَثْنَى فِي وِلَايَتِهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ ذَلِكَ اهـ.

قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَكَذَا فَعَلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ حِينَ قَدِمَ الْقُسْطَنْطِينِيَّة جَعَلَ لَهُ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَيْهِ فِي مَدْرَسَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَمَا تَحْتَ يَدِهِ.

وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ مَنَعَ الْإِمَامُ قَاضِيهِ الْحُكْمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَطَاعَهُ وَإِلَّا أَنْفَذَهُ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهُ رَأْسًا.

قَالَ ابْنُ فَتْحُونَ: وَقَدْ تَنْفَرِدُ الْقُضَاةُ بِبَعْضِ الْبَلَدِ بِخُطَّةِ الْمُنَاكِحِ فَيُوَلَّاهَا عَلَى حِدَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَمَا فِي بَلَدِنَا تُونِسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِأَحْكَامِ النِّكَاحِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْآخَرُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ. قَالَ: وَكَذَا عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنُفُوذِ حُكْمِهِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ خَوْفَ تَنَازُعِ الْخُصُومِ فِيمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَمُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ جَوَازُهُ وَالتَّنَازُعُ يَرْتَفِعُ شَغَبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الطَّالِبِ (ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ وَإِلَّا أُقْرِعَ) الْمَازِرِيُّ: لَوْ فَرَضْنَا الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا طَالِبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْقُضَاةِ، وَيَطْلُبُ الْآخَرُ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ.

وَإِنْ أَخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ أُوجِبَتْ لِلسَّابِقِ مِنْ رُسُلِ الْقَاضِيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبَقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (كَالِادِّعَاءِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ نُصِّبَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ ثُمَّ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الِاخْتِيَارِ أَوْ ازْدَحَمَ مُتَدَاعِيَانِ فَالْقُرْعَةُ.

ص: 98

(وَتَحْكِيمُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا

ص: 99

أَمْضَاهُ الْقَاضِي وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عِنْدَ الْقَاضِي. ابْنُ الْحَارِثِ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ إنْ خَالَفَ رَأْيَهُ. اللَّخْمِيِّ: إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ بِعَدْلٍ مُجْتَهِدٍ أَوْ عَامِّيٍّ يَحْكُمُ بِاسْتِرْشَادِ الْعُلَمَاءِ وَتَحْكِيمُ غَيْرِهِمَا خَطَرٌ وَالْعُذْرُ فِي الْحُكْمِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْبَيْعِ.

الْمَازِرِيُّ: وَتَحْكِيمُ الْخَصْمَيْنِ غَيْرَهُمَا جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَا فَقِيهًا يَعْمَلَانِ بِفَتْوَاهُ فِي قَضِيَّتِهِمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِهِمَا جَوَازُهُ ابْتِدَاءً وَلَفْظُ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ. وَانْظُرْ هَلْ لِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَضَيَا بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ فَلِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ.

(غَيْرِ خَصْمٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ حَكَّمَ خَصْمَهُ فَثَالِثُهَا يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ خَصْمُهُ الْقَاضِيَ. ابْنُ عَرَفَةَ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ مُضِيِّهِ مُطْلَقًا لَا أَعْرِفُهُ.

وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ جَوَازَ تَحْكِيمِ الْخَصْمِ خَصْمَهُ مُطْلَقًا.

وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا أُحِبُّ لِخَصْمِ الْقَاضِي أَنْ يُحَكِّمَهُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ نَزَلَ مَضَى.

وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ مَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا. ابْنُ عَرَفَةَ: يَنْبَغِي إنْ كَانَ جَوْرًا عَلَيْهِ مَالِيًّا إمْضَاؤُهُ لِأَنَّهُ مِنْهُ مَعْرُوفٌ لِخَصْمِهِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(وَجَاهِلٍ وَكَافِرٍ وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ) اللَّخْمِيِّ: اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ مَنْ يُذْكَرُ بَعْدُ عَلَى أَنْ لَا يَحْكُمَ جَاهِلٌ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ تَخَاطُرٌ، وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُوَسْوَسٍ اتِّفَاقًا (فِي مَالٍ وَجُرْحٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ. اللَّخْمِيِّ وَغَيْرُهُ: إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. سَحْنُونَ: وَلَا يَنْبَغِي فِي حَدٍّ وَلَا لِعَانٍ إنَّمَا هُمَا لِقُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ. أَصْبَغُ: وَلَا فِي قِصَاصٍ وَلَا حَدٍّ وَلَا قَذْفٍ وَلَا طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا وَلَاءٍ لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ.

زَادَ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَصْبَغَ: فَإِنْ حَكَّمَاهُ فِي ذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ وَنَفَاهُ السُّلْطَانُ عَنْ الْعَوْدَةِ. وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ قَوْلَ سَحْنُونٍ وَلَا يَنْبَغِي لِلَّذِي حَكَّمَهُ رَجُلَانِ أَنْ يُقِيمَ حَدًّا قَالَ: وَأَمَّا الْجِرَاحُ فَإِذَا أَقَادَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَقِيدَ إذَا كَانَ بَعِيدًا عَنْ السُّلْطَانِ (لَا حَدٍّ وَلِعَانٍ

ص: 100

وَقَتْلٍ وَوَلَاءٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ) تَقَدَّمَ النَّصُّ بِهَذَا كُلِّهِ. (وَمَضَى إنْ حَكَمَ صَوَابًا وَأُدِّبَ) أَصْبَغُ: إنْ حَكَّمَاهُ فِيمَا ذَكَرنَا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ أَنْفَذَ السُّلْطَانُ حُكْمَهُ فِي الْقَوَدِ وَالْحَدِّ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقَامَ ذَلِكَ فَقَتَلَ وَاقْتُصَّ وَضُرِبَ الْحَدَّ زَجَرَهُ الْإِمَامُ وَأَدَّبَهُ وَأَمْضَى صَوَابَ حُكْمِهِ.

(وَفِي صَبِيٍّ وَعَبْدٍ

ص: 101

وَامْرَأَةٍ وَفَاسِقٍ ثَالِثُهَا إلَّا الصَّبِيَّ وَرَابِعُهَا وَفَاسِقٍ) أَشْهَبُ: تَحْكِيمُ الصَّبِيِّ وَالْمَسْخُوطِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ. وَكَذَا قَالَ أَصْبَغُ: إنْ حَكَّمَا امْرَأَةً فَحُكْمُهَا مَاضٍ وَإِنْ كَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَكَذَا الْعَبْدُ.

قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ آخُذُ، قَالَ أَصْبَغُ: وَكَذَلِكَ الْمَسْخُوطُ إذَا أَصَابَ وَالْمَحْدُودُ وَالصَّبِيُّ إذَا عَقَلَ وَعَلِمَ، رُبَّ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ لَهُ عِلْمٌ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَوْ حَكَّمَا مَسْخُوطًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ.

وَفِي الْوَاضِحَةِ: وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ مِنْ الْمُنْتَقَى.

(وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ لَدَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ.

ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّ لَدَدَهُ إذَايَةٌ وَإِضْرَارٌ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُفَّهُ وَيُعَاقِبَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ. وَفِي حِفْظِي عَنْ بَعْضِهِمْ: إنْ قَالَ لِخَصْمِهِ ظَلَمْتنِي أَوْ غَصَبْتنِي وَنَحْوَهُ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي أَوْ تَظْلِمُنِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ يَا ظَالِمُ وَنَحْوَهُ بِاسْمِ الْفَاعِلِ أُدِّبَ.

(وَعَزْلُهُ لِمُصْلِحَةٍ وَلَمْ يَنْبَغِ إنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) الْمُتَيْطِيُّ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ قُضَاتِهِ

ص: 102

وَأُمُورَ حُكَّامِهِ وَوُلَاتِهِ وَيَتَطَلَّعَ أَحْكَامَهُمْ وَيَتَفَقَّدَ قَضَايَاهُمْ فَإِنَّهُمْ سَنَامُ أُمُورِهِ وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَيَسْأَلَ عَنْهُمْ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا يَجِبُ أَقَرَّهُمْ، وَإِنْ تُشَكَّى بِهِمْ عَزَلَهُمْ.

وَإِنْ كَانُوا مَشْهُورِينَ بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ سَعْدًا وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي قَوْمٌ عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَيَشْكُونَهُ إلَّا عَزَلْتُهُ عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ رضي الله عنه بِبَرَاءَةِ سَعْدٍ.

وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْزِلَ قَاضِيه بِالشَّكِيَّةِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا. ابْنُ عَرَفَةَ: يَجِبُ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ حَالَ قُضَاتِهِ فَيَعْزِلُ مَنْ فِي بَقَائِهِ مَفْسَدَةٌ وُجُوبًا فَوْرِيًّا وَمَنْ تُخْشَى مَفْسَدَتُهُ اسْتِحْبَابًا، وَمَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَزْلُهُ أَرْجَحُ (وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سَخَطٍ) أَصْبَغُ: لَا بَأْسَ إذَا عَزَلَهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِبَرَاءَتِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِشُرَحْبِيلَ إذْ عَزَلَهُ فَقَالَ لَهُ: أَعَنْ سَخْطَةٍ عَزَلْتنِي؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ وَجَدْتُ مَنْ هُوَ مِثْلُك فِي الصَّلَاحِ وَأَقْوَى عَلَى عَمَلِنَا مِنْك، فَلَمْ أَرَ أَنْ يَحِلَّ لِي إلَّا ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ عَزْلَك عَيْبٌ فَأَخْبِرْ النَّاسَ بِأَمْرِي فَفَعَلَ. فَإِنْ عَمَّ التَّشَكِّي بِالْقَاضِي عَزَلَهُ وَأَوْقَفَهُ لِلنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَأْتِي كُلُّ رَجُلٍ بِمَظْلِمَتِهِ وَشَكَوَاهُ.

(وَخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ لَا حَدٌّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ الْأَسْوَاطِ أَدَبًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا الْحُدُودُ وَشَبَهُهَا فَلَا.

(وَجُلُوسٌ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْقَضَاءُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ يَرْضَى فِيهِ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ وَتَصِلُ إلَيْهِ

ص: 103

الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ.

وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ وَهَذَا أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» (بِغَيْرِ عِيدٍ وَقُدُومِ حَاجٍّ وَخُرُوجِهِ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) اللَّخْمِيِّ: يَلْتَزِمُ وَقْتًا مِنْ النَّهَارِ لِيَعْلَمَهُ أَهْلُ الْخُصُومَاتِ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ أَضَرَّ بِالنَّاسِ وَلَا يَجْلِسُ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَا قَبْلَهَا كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَجٍّ وَلَا يَوْمَ خُرُوجِ الْحَاجِّ بِمِصْرَ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْتَغِلُ يَوْمَئِذٍ بِمَنْ يُسَافِرُ.

وَكَذَا فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً مِمَّنْ يَنْزِلُ بِهِ أَمْرٌ.

(وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ) أَصْبَغُ: حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْقَاضِي فِي رِزْقِهِ وَيَجْعَلَ لَهُ قَوْمًا يَقُومُونَ بِأَمْرِهِ وَيَدْفَعُونَ النَّاسَ عَنْهُ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَعْوَانٍ يَكُونُونَ حَوْلَهُ يَزْجُرُونَ مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، فَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يُنْكِرُ عَلَى الْقُضَاةِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ قَالَ: لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ. وَمِنْ ابْنِ عَرَفَةَ: وَيَسُوغُ لَهُ اتِّخَاذُ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِصَرْفِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَكَفِّ أَذَى النَّاسِ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَلَا يَتَّخِذُ لِذَلِكَ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا.

(وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ ثُمَّ وَصِيٍّ وَمَالِ طِفْلٍ وَمُقَدَّمٍ ثُمَّ ضَالٍّ

ص: 104

وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا ثُمَّ فِي الْخُصُومِ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ " وَمُقَدَّمٍ " وَاَلَّذِي لِلْمَازِرِيِّ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِي الْمَحْبُوسِينَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَمَنْ لَا يَجِبُ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْأَمْوَالِ.

ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَوْصِيَاءِ ثُمَّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ لِكَوْنِ مَنْ تَكُونُ لَهُ مُطَالَبَةٌ عَلَيْهِمْ قَدْ لَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ اللَّقِيطِ وَالضَّوَالِّ، ثُمَّ بَيْنَ الْخُصُومِ.

وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الْقَاضِي النِّدَاءَ عَنْ إذْنِهِ أَنَّهُ حُجِرَ عَلَى كُلِّ يَتِيمٍ لَا وَلِيَّ لَهُ وَعَلَى كُلِّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنْ هَذَيْنِ فَلْيَرْفَعْهُ لَنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ، وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمَا بَعْدَ النِّدَاءِ فَهُوَ مَرْدُودٌ.

(وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَتَّخِذُ الْقَاضِي كَاتِبًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا قَاسِمًا وَلَا يَتَّخِذُ فِي

ص: 105

شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْمُسْلِمِينَ الْعُدُولَ. (كَمُزَكٍّ) ابْنُ بَطَّالٍ: الشَّأْنُ عِنْدَنَا أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي رَجُلًا رِضًا مُجْمَعًا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ عَدْلٍ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ وَلَا يُشْهِدُ الْقَاضِي هَذَا السَّائِلَ.

سَحْنُونَ: لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ نَحْوَ تَزْكِيَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا الْمُبَرَّزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ (وَاخْتَارَهُمَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ: يَتَّخِذُ رَجُلًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ.

وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا يَسْتَكْتِبُ الْقَاضِي إلَّا أَهْلَ الْعَدَالَةِ وَالرِّضَا.

وَالْمُتَرْجِمُ مُخْبِرٌ كَالْمُحَلَّفِ فَسُمِعَ الْقَرِينَانِ: إنْ احْتَكَمَ لِلْقَاضِي خُصُومٌ يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَفْقَهُ كَلَامَهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُمْ رَجُلٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُسْلِمٌ وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيَّ وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ، وَلَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا مَسْخُوطٍ، وَلَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ وَالْحَقِّ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَامْرَأَتَانِ وَالرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ شَهَادَاتٍ.

ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي فِيهِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ كَقِيَاسَاتِ الْجِرَاحَاتِ وَالنَّظَرِ لِلْعُيُوبِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَالْقَسَمِ وَاسْتِنْكَاهِ مَنْ يُنْكِرُ سُكْرَهُ وَشَبَهِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ يَجُوزُ فِيهِ الْوَاحِدُ.

قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي

ص: 106

يُحْلِفُ الْمَرْأَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ رَسُولٌ وَاحِدٌ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا خِيَارَ فِي ذَلِكَ عَدْلَانِ وَيُجْزِئُ فِيهِ الْعَدْلُ الْوَاحِدُ.

وَقَوْلُهُ " لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ عَبْدٍ وَلَا مَسْخُوطٍ وَلَا كَافِرٍ " مَعْنَاهُ مَعَ وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْجَمَةِ كَافِرٍ أَوْ مَسْخُوطٍ لَقَبِلَ فِعْلَهُ وَحَكَمَ بِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ وَغَيْرِ الْعَدْلِ فِيمَا اُضْطُرَّ فِيهِ لِقَوْلِهِ مِنْ جِهَةِ مَعْرِفَتِهِ بِالطِّبِّ. وَسُمِعَ الْقَرِينَانِ: أَتَرَى الْمَسْأَلَةَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَا سَبِيلَ إلَّا لِلْعُدُولِ. ابْنُ رُشْدٍ: الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ هُوَ تَعْدِيلُ السِّرِّ وَتَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي السِّرِّ وَفِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ بِخِلَافِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ (وَالْمُتَرْجِمُ مُخْبِرٌ عَنْ الْمُحَلَّفِ وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ وَشَاوَرَهُمْ) الْمُتَيْطِيُّ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُشَاوِرَ فِيمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ مَنْ تَجِبُ مُشَاوِرَتُهُ وَيَثِقُ بِهِ فِي عِلْمِهِ وَدَيْنِهِ وَنَظَرِهِ وَفَهْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْكَامِ مَنْ مَضَى وَآثَارِهِمْ، وَقَدْ شَاوَرَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رضي الله عنه.

قَالَ مَالِكٌ: كَانَ عُثْمَانُ رضي الله عنه إذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ، فَإِذَا رَأَوْا مَا رَآهُ أَمْضَاهُ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ قَضَوْا لَسْتُ أَنَا قَضَيْت.

وَقَالَ

ص: 107

مُحَمَّدٌ: لَا يَدَعُ الْقَاضِي مَشُورَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَمَا يَتَوَجَّهُ لِلْحُكْمِ وَلَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ إلَّا بِحَضْرَةِ الْعَدْلِ، وَلْيَحْفَظُوا إقْرَارَ الْخُصُومِ خَوْفَ رُجُوعِ بَعْضِهِمْ عَمَّا يُقِرُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِمَا لَا خِلَافَ فِيهِ أَحْسَنَ لَهُ.

وَاخْتُلِفَ فِي جُلُوسِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعَهُ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِحَضْرَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُشَاوِرَتِهِمْ.

وَقَالَهُ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَخَافَ الْحَصْرَ مِنْ جُلُوسِهِمْ عِنْدَهُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ يَشْغَلُهُ عَنْ النَّظَرِ، كَانُوا أَهْلَ فِقْهٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَيْهِ الْحَصْرَ.

وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَا: وَلَكِنْ إذَا ارْتَفَعَ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاوَرَهُ وَعُرِفَ عِيَاضٌ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ وَذَكَرَ دِينَهُ وَعِلْمَهُ قَالَ: وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى أَحْكَامِهِ: حَكَمْت بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَكَمْت بِقَوْلِ أَشْهَبَ وَيَقُولُ: فِي الْبَلَدِ عُلَمَاءُ وَفُقَهَاءُ اذْهَبْ إلَيْهِمْ، فَمَا أَنْكَرُوا عَلَيْك فَارْجِعْ إلَيَّ وَكَانَ يَكْتُبُ الْقَضِيَّةَ وَيَقُولُ لِصَاحِبِهَا اذْهَبْ وَطُفْ بِهَا عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ ارْجِعْ إلَيَّ بِمَا يَقُولُونَ لَك. وَكَانَ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ وَقَفَ وَقَالَ: لَأَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَمَّا وَقَفْتَ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْأَلَنِي لِمَ

ص: 108

جَسَرْتَ.

(وَشُهُودًا) الْجَلَّابُ وَاللَّخْمِيُّ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ لِيَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ.

وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: إذَا جَحَدَ الْمُقِرُّ إقْرَارَهُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالْإِقْرَارِ.

قَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَحْضُرَهُ شَاهِدَانِ وَلَا يُعْذَرُ فِيهِمَا. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى إقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ عِنْدَهُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ ثُمَّ عَادَ فَجَحَدَهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةِ

ص: 109

سِوَاهُ وَإِلَّا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَوْقَهُ.

(وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُجِيبُ الْحَاكِمُ مَنْ سَأَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ بِالْفُتْيَا فِي كُلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ لِمَا عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي نَوَازِلِهِمْ ابْنُ عَرَفَةَ: عَزَا ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأَوَّلَ إلَى مَالِكٍ وَالْبَرْزَلِيِّ. وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْفَتْوَى فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ أَوْ عَلَى يَدَيْ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا.

وَمِنْ مَسَالِكِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: الْمَصْلَحَةُ أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى مُرْسَلَةً وَلَا تَكُونَ الشَّهَادَةُ إلَّا لِمَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي، لِأَنَّ الْمُفْتِي إذَا زَاغَ فَضَحَهُ الْعِلْمُ وَالشَّاهِدُ لَا يَعْلَمُ زَيْغَهُ إلَّا اللَّهُ.

وَفِي الْوَاضِحَةِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهِ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ انْتَهَى. اُنْظُرْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُفْتِي. أَمَّا إنْ كَانَ الْقُضَاةُ مُوَلَّيْنَ بِالْجَاهِ لَا بِالْمُرَجَّحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَفُتْيَا الْمُفْتِي حِينَئِذٍ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.

وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّقَ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ مَا سُئِلَ عَنْهُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» . وَهَذَا أَيْضًا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ

ص: 110

تَتَضَمَّنْ الْفَتْوَى تَعْلِيمَ خُصُومَةٍ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ ".

وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ ابْنِ عَلْوَانَ مُفْتِي تُونُسَ أَنَّهُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا أَنْدَلُسِيٌّ وَأَسَاءَ عِشْرَتَهَا وَعَسُرَ عَلَيْهَا التَّخَلُّصُ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا: ادَّعِي عَلَيْهِ أَنَّ بِدَاخِلِ دُبُرِهِ بَرَصًا، فَادَّعَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الزَّوْجُ طَلَّقَهَا، وَنَحْوُ هَذَا وَقَعَ لَهُ فِي وَصِيَّةٍ عَلَى أَوْلَادِهَا ثَبَتَ أَنَّهَا سَفِيهَةٌ فَقَالَ لَهَا: قَوْلِي لَهُمْ أَتْلَفْت مَا أَتْلَفْت فِي سَفَهِي فَسَرَّحَهَا الْقَاضِي.

قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَهَذَا التَّحَيُّلُ إنْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهَا مَظْلُومَةٌ فَالْفَتْوَى سَائِغَةٌ مِنْ قَبِيلِ الْإِنْقَاذِ مِنْ الظُّلْمِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَابِ تَلْقِينِ الْخَصْمِ الْقَادِحَ فِي الْعَدَالَةِ.

(وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِبَيْعٍ وَلَا بِابْتِيَاعٍ لِنَفْسِهِ. أَشْهَبُ: وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا مَا خَفَّ شَأْنُهُ وَقَلَّ شُغْلُهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ.

سَحْنُونَ: وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، وَمَا بَاعَ وَابْتَاعَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَا يُرَدُّ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إكْرَاهٌ أَوْ هَضِيمَةٌ.

وَقَالَ أَشْهَبُ: إذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ الْعَدْلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا أَوْ بَاعَ ثُمَّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ أَنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ مُخَيَّرٌ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ أَوْ

ص: 111

التَّرْكِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تِجَارَةُ الْوُلَاةِ لَهُمْ مُفْسِدَةٌ وَلِلرَّعِيَّةِ مُهْلِكَةٌ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَظَاهِرُ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ وَرِوَايَتِهِ جَوَازُ شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ لَا أَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ.

(كَسَلَفٍ وَقِرَاضٍ وَإِبْضَاعٍ) الْمُتَيْطِيُّ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ الْعَوَارِيِّ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ مَاعُونٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَعَنْ السَّلَفِ أَوْ يُقَارِضَ أَوْ يُبْضِعَ إلَّا مَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا، فَإِنْ وَاقَعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَخَفِيفٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَنْ يُخَاصَمُ عِنْدَهُ فَلَا يَفْعَلُ.

(وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ إلَّا لِنِكَاحٍ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي بِحُضُورِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَسْلِيمِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَجْلِسِ وَرَدِّهِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا

ص: 112

يُجِيبُ إلَى صَنِيعٍ إلَّا فِي الْوَلِيمَةِ، قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ كَانَتْ لِوَلِيمَةٍ أَوْ صَنِيعٍ عَامٍّ مِنْ الْفَرَحِ، فَأَمَّا لِغَيْرِ فَرَحٍ فَلَا، وَكَأَنَّهُ هُوَ الْمَدْعُوُّ خَاصَّةً وَغَيْرُهُ وَسِيلَةٌ لَهُ.

(وَقَبُولِ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ قَرِيبٍ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِمَّنْ كَانَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَلَا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا مِنْ صَدِيقٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَافَأَ عَلَيْهَا بِأَضْعَافِهَا إلَّا مِثْلَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِنْ خَاصَّةِ الْقَرَابَةِ الَّتِي تَجْمَعُ مِنْ حُرْمَةِ الْخَاصَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْهَدِيَّةِ.

قَالَ رَبِيعَةُ: إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةُ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ (وَفِي هَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ هَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ إخْوَانِهِ الَّذِينَ كَانَ يُعْرَفُ لَهُ قَبُولُهَا مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ

ص: 113

وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ الْمُتَيْطِيِّ.

وَأَمَّا مَسْأَلَةُ قَضَائِهِ وَهُوَ مَاشٍ فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَقْضِي وَهُوَ مَاشٍ. وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْكُمَ وَهُوَ مَاشٍ وَأَمَّا حُكْمُهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا يَحْكُمُ مُتَّكِئًا لِأَنَّ فِيهِ اسْتِخْفَافًا وَلِلْعِلْمِ حُرْمَةٌ.

وَرَوَى مُحَمَّدٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ. وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِأَشْهَبَ. قِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي: هَلْ أَلَّفْت كِتَابًا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ؟ قَالَ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْحَقِّ فَلْيَقْعُدْ فِي مَجْلِسِهِ كَيْفَ شَاءَ وَيَمُدَّ رِجْلَيْهِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي تَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ اسْتِحْلَافِ الْيَهُودِيِّ يَوْمَ السَّبْتِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِلْقَابِسِيِّ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِالْيَهُودِيِّ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُعَظِّمُ يَوْمًا. وَعَمَّمَهُ ابْنُ عَاتٍ فِيهِمَا قَالَ: لِأَنَّ يَوْمَ الْأَحَدِ لَهُ كَالسَّبْتِ لِلْيَهُودِيِّ.

وَأَمَّا تَحْدِيثُهُ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إنْ دَخَلَهُ ضَجَرٌ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُحَدِّثَ جُلَسَاءَهُ إذَا مَلَّ يُرَوِّحُ قَلْبَهُ ثُمَّ يَعُودُ لِلْحُكْمِ.

وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ

ص: 114

يَقُومُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَوْ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنْ يَقْضِيَ وَيَجُوزَ حُكْمُهُ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ وَالْأَقْوَالُ فِيهَا أَرْبَعَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَزْوُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ.

(وَلَا يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ) ابْنُ عَرَفَةَ: لَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ عَلَى صِفَةٍ يَخَافُ بِهَا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْقَضِيَّةِ صَوَابًا وَإِنْ نَزَلَ بِهِ فِي قَضَائِهِ تُرِكَ كَالْغَضَبِ وَالضَّجِرِ وَالْهَمِّ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَقْنِ، وَإِنْ أَخَذَ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ مَا يَكْفِيه لَمْ يَجْلِسْ.

ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ إنْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا قَالَ: وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» ابْنُ عَرَفَةَ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِأَعَمَّ مِنْ الْغَضَبِ وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّاغِلُ وَإِلْغَاءُ خُصُوصِ الْغَضَبِ وَسَمُّوا هَذَا الْإِلْغَاءَ وَالِاعْتِبَارُ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ (وَمَضَى) الْمُتَيْطِيُّ: إنْ حَكَمَ وَهُوَ غَضْبَانُ جَازَ حُكْمُهُ خِلَافًا لِلدَّاوُدِيِّ، وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْغَضَبِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ.

(وَعَزَّرَ شَاهِدَ الزُّورِ فِي الْمَلَأِ بِنِدَاءٍ وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ ضَرَبَهُ بِقَدْرِ رَأْيِهِ وَيُطَافُ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرِيدُ فِي الْمَجْلِسِ الْأَعْظَمِ.

ابْنُ وَهْبٍ: كَتَبَ مُحَمَّدٌ إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ: إنْ أَخَذْتُمْ شَاهِدَ زُورٍ فَاجْلِدُوهُ أَرْبَعِينَ وَسَخَّمُوا وَجْهَهُ وَطُوفُوا بِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ وَيُطَالُ حَبْسُهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي إتْيَانِ سَحْنُونَ بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ مَيْلٌ مِنْهُ إلَيْهِ. وَرَوَى مُطَرِّفٌ: لَا أَرَى الْحَلْقَ وَالتَّسْخِيمَ.

(ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إنْ تَابَ عِبَارَةُ ابْنِ رُشْدٍ: ظَاهِرُ سَمَاعِ. أَبِي زَيْدٍ.

إنْ عُرِفَتْ مِنْهُ تَوْبَةٌ وَإِقْبَالٌ وَتَزَيُّدٌ فِي الْخَيْرِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ خِلَافَ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ. وَقِيلَ: مَعْنَى السَّمَاعِ إنْ أَتَى تَائِبًا مُقِرًّا عَلَى

ص: 116

نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ.

وَنَقَلَ اللَّخْمِيِّ سَمَاعَ. أَبِي زَيْدٍ. غَيْرَ مُعْزٍ وَكَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ. الْمُتَيْطِيُّ: لَمْ يَصْحَبْ سَمَاعَ. أَبِي زَيْدٍ. عَمَلٌ.

(وَإِنْ أُدِّبَ التَّائِبُ فَأَهْلٌ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ فِي عُقُوبَتِهِ إنْ أَتَى تَائِبًا وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أُدِّبَ لَكَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا. وَقَالَ سَحْنُونَ: وَلَوْ عُوقِبَ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدٌ عَنْ شَهَادَتِهِ خَوْفَ الْعُقُوبَةِ كَالْمُرْتَدِّ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ. وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ: مَنْ سَأَلَ عَنْ إصَابَةِ أَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ لَا يُعَاقِبُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعَاقِبْهُ.

(وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ: إنْ شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَسْرَعَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَقَوْلِهِ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ زَجْرُهُ وَضَرْبُهُ إلَّا ذَا مُرُوءَةٍ فِي فَلْتَةٍ مِنْهُ فَلَا يَضْرِبُهُ.

(أَوْ مُفْتٍ أَوْ شَاهِدٍ) أَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيَدٍ وَابْنُ غَالِبٍ بِأَدَبِ مَنْ قَالَ لِلشُّهُودِ وَلِأَهْلِ الْفُتْيَا تَشْهَدُونَ عَلَيَّ وَتَفْتَرُونَ عَلَيَّ لَا أَدْرِي مَنْ أُكَلِّمُ مِنْكُمْ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: إنْ قَالَ الْخَصْمُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ أَوْ بِمَا يَسْأَلُك اللَّهُ عَنْهُ أَوْ مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ، لَمْ يُمَكِّنْ قَائِلُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ وَيُؤَدَّبُ الْمَعْرُوفُ بِالْإِذَايَةِ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْرِ الرَّجُلِ الْمُنْتَهَكِ حُرْمَتُهُ وَقَدْرِ الشَّاتِمِ فِي إذَايَةِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةٌ تَجَافَى عَنْهُ.

(لَا بِشَهِدَتْ عَلَيَّ بِبَاطِلٍ) ابْنُ كِنَانَةَ: إنْ قَالَ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ، إنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ لَمْ يُعَاقَبْ، وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَالشُّهْرَةَ بِهِ نُكِّلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

(كَلِخَصْمِهِ كَذَبْت) ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْفُقَهَاءُ لَا يَعُدُّونَ تَكْذِيبَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِلْآخَرِ

ص: 117

مِنْ السِّبَابِ وَلَوْ كَانَ بِصِيغَةِ كَذَبَ وَغَيْرِهَا مِنْ الصَّرِيحِ.

(وَلِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) ابْنُ عَرَفَةَ: رِوَايَاتُ الْأُمَّهَاتِ وَاضِحَةٌ فِي وُجُوبِ تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالسَّمَاعِ مِنْهُمَا وَرَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِمَا (وَإِنْ مُسْلِمًا مَعَ ذِمِّيٍّ) الْمَازِرِيُّ: لَوْ كَانَ الْخَصْمَانِ مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا فَفِي تَسْوِيَتِهِمَا فِي الْمَجْلِسِ كَمُسْلِمَيْنِ وَجُعِلَ الْمُسْلِمُ أَرْفَعَ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلَانِ لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ غَيْرَ الْأَوَّلِ مَعْزُوًّا لِأَصْبَغَ.

(وَقُدِّمَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ ثُمَّ السَّابِقُ) اللَّخْمِيِّ: يُقَدِّمُ الْقَاضِي الْخُصُومَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ إلَّا الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ (قَالَ وَإِنْ مَالَ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ) الْمَازِرِيُّ: إذَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنَّمَا يُقَدِّمُ الْأَسْبَقَ فِي خِصَامٍ وَاحِدٍ لَا فِي سَائِرِ مَطَالِبِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْظُرُ فِيهِ إنْ سَبَقَ بِخَصْمَيْنِ قَدَّمَ فِي خُصُومَتِهِ فِيهِمَا مَعًا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَطُولُ وَلَا يَضُرُّ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا غَيْرَ مَنْصُوصٍ لِأَصْحَابِنَا وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إذَا قُضِيَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي أَمْرٍ اخْتَصَمَا فِيهِ ثُمَّ أَخَذَ فِي حُجَّةٍ أُخْرَى فِي خُصُومَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرُهُمَا لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ لَا ضَرَرَ لِمَنْ حَضَرَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا (ثُمَّ أَقْرَعَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْأَوَّلِ مِنْ الْخُصُومِ كَتَبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي

ص: 118

بَطَائِقَ وَخُلِطَتْ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ بَدَأَ بِهِ وَذَلِكَ كَالْقُرْعَةِ بَيْنَهُمْ.

(وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) أَشْهَبُ: إنْ رَأَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ فَذَلِكَ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَلَا يُقَدِّمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُخْتَلَطِينَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا مَعْلُومًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَلَ.

ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْمَجَالِسِ. الْمَازِرِيُّ: إنْ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَبْعَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ مِنْ الْأَخْصَامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ الرِّجَالِ (كَالْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ) ابْنُ شَاسٍ: وَيَفْعَلُ الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ كَذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ، إنَّمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: وَتَخْرِيجُهَا عَلَى حُكْمِ تَزَاحُمِ الْخُصُومِ وَاضِحٌ.

وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يُقَدِّمُ صَاحِبُ الرَّحَى أَحَدًا عَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَتْ سُنَّةً لِلْبَلَدِ. الْبُرْزُلِيِّ: وَعَلَى هَذَا يَأْتِي التَّقْدِيمُ فِي طَبْخِ الْخُبْزِ وَالْعَنَاءِ وَسَائِرِ الصِّنَاعِ إنْ كَانَ عُرْفًا عُمِلَ عَلَيْهِ وَإِلَّا قَدَّمَ الْآكِدَ فَالْآكِدَ. وَيُقَدِّمُ فِي الْقِرَاءَةِ مَنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ لِتَحْصِيلِ كَثْرَةِ الْمَنَافِعِ عَلَى قِلَّتِهَا، وَكَانَ الشَّيْخُ الْأَبِيُّ يَقُولُ: الطَّالِبُ الَّذِي لَا قَابِلِيَّةَ لَهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ اهـ.

وَفِي الْمُوَافَقَاتِ فِي الطَّالِبِ الَّذِي لَا قَابِلِيَّةَ لَهُ أَنَّ تَعَلُّقَهُ بِالتَّعْلِيمِ مِنْ بَابِ الْعَبَثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُجْتَلَبَةِ وَمِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فِي حَقِّهِ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ شَرْعًا، وَاَلَّذِي فِيهِ قَابِلِيَّةٌ قَدْ يَكُونُ التَّعَلُّمُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِ.

(وَأَمَرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْمُدَّعِي مَنْ عَرِيَتْ دَعْوَاهُ مِنْ مُرَجِّحٍ غَيْرِ شَهَادَةٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ اقْتَرَنَتْ دَعْوَاهُ بِهِ.

فَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ " الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ " يَبْطُلُ عَكْسُهُ بِالْمُدَّعِي وَحْدَهُ وَمَعَهُ بَيِّنَةٌ. أَشْهَبُ: إذَا جَلَسَ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ مَا لَكُمَا وَمَا خُصُومَتُكُمَا أَوْ يَسْكُتَ لِيَبْتَدِئَاهُ، فَإِنْ تَكَلَّمَ

ص: 119

الْمُدَّعِي أَسْكَتَ الْآخَرَ حَتَّى يَسْمَعَ حُجَّةَ الْمُدَّعِي، ثُمَّ يُسْكِتُهُ وَيَسْتَنْطِقُ الْآخَرَ وَيَتَرَبَّصُ بِهِ حَتَّى يَفْهَمَ عَنْهُ وَلَا يَبْتَدِئُ أَحَدَهُمَا فَيَقُولُ مَا تَقُولُ أَوْ مَالَك إلَّا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ الْمُدَّعِي. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ أَيُّكُمَا الْمُدَّعِي.

فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا وَسَكَتَ الْآخَرُ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ دَعْوَاهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ حَتَّى يُقِرَّ خَصْمُهُ بِذَلِكَ (وَإِلَّا فَالْجَالِبُ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُدَّعِي، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جَلَبَ الْآخَرَ فَالْجَالِبُ الْمُدَّعِي (وَإِلَّا أَقْرَعَ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِنْ لَمْ يَدْرِ الْجَالِبَ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ، وَإِنْ بَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقًا بِالْآخَرِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.

(فَيَدَّعِي بِمَعْلُومٍ مُحَقَّقٍ قَالَ وَكَذَا شَيْءٌ وَإِلَّا لَمْ تُسْمَعْ كَأَنْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ) ابْنُ شَاسٍ: فِي الدَّعْوَى الْمَسْمُوعَةِ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً صَحِيحَةً، فَلَوْ قَالَ مِمَّا عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَقْبَلْ دَعْوَاهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَقْلُ الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْمَذْهَبِ قَالَ: وَعِنْدِي لَوْ قَالَ الطَّالِبُ أَتَيَقَّنُ عِمَارَةَ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ أَجْهَلُ مَبْلَغَهُ وَأُرِيدُ جَوَابَهُ بِذِكْرِهِ مُفَصَّلًا أَوْ إنْكَارِهِ جُمْلَةً لَزِمَهُ الْجَوَابُ. ابْنُ شَاسٍ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْك شَيْئًا يَعْنِي فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ أَيْضًا. ابْنُ عَرَفَةَ: فَاخْتَصَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ " وَشَرْطُ الْمُدَّعِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُحَقَّقًا " فَقَبِلَهُ شَارِحَاهُ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ خِلَافًا. وَسُمِعَ الْقَرِينَانِ: مَنْ دَخَلَ بِزَوْجَتِهِ ثُمَّ مَاتَ فَطَلَبَتْ صَدَاقَهَا حَلَفَ الْوَرَثَةُ مَا نَعْلَمُ بَقِيَ عَلَيْهِ صَدَاقٌ.

ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ نَكَلُوا عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ صَدَاقَهَا وَاسْتَوْجَبَتْهُ لَا عَلَى أَنَّ الْوَرَثَةَ عَلِمُوا أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْهُ فَرَجَعَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ عَلَى غَيْرِ مَا نَكَلَ عَنْهُ الْوَرَثَةُ وَلَهَا نَظَائِرُ. وَيُخْتَلَفُ فِي تَوَجُّهِ هَذِهِ الْيَمِينِ إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ. اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ، وَانْظُرْ فِي الصُّلْحِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَلَا يَحِلُّ لِظَالِمٍ ".

(وَكَفَاهُ بِعْتُ وَتَزَوَّجْتُ وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ) ابْنُ شَاسٍ: إذَا ادَّعَى فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا بَلْ وَلَوْ أَطْلَقَ سُمِعَ أَيْضًا.

وَكَذَا فِي الْبَيْعِ بَلْ وَلَوْ

ص: 120

قَالَ هَذِهِ زَوْجَتِي لَكَفَاهُ الْإِطْلَاقُ.

(وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ) الْمَازِرِيُّ: إذَا نَظَرَ الْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ وَادَّعَى أَمْرًا مَجْهُولًا فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِفْسَارِهِ.

وَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ: يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ لِلطَّالِبِ مِنْ أَيْنَ وَجَبَ لَك مَا ادَّعَيْت، فَإِنْ قَالَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ ضَمَانٍ أَوْ تَعَدٍّ وَشَبَهِهِ لَمْ يُكَلِّفْهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكْشِفْ الْقَاضِي عَنْ وَجْهِ ذَلِكَ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ وَجَبَ صَارَ كَالْخَابِطِ عَشْوَاءَ إذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ

ص: 121

يَكُونَ الْحَقُّ إنَّمَا يَدَّعِيه مُدَّعِيه مِنْ وَجْهٍ لَا يَجِبُ بِهِ حَقٌّ إذَا فَسَّرَهُ.

(ثُمَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ) ابْنُ شَاسٍ: الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَاهُ عَنْ أَمْرٍ يُصَدِّقُهُ أَوْ كَانَ أَضْعَفَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَمْرًا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ وَاقْتَرَنَ بِهَا مَا يُوهِنُهَا عَادَةً، وَذَلِكَ كَالْخَارِجِ عَنْ مَعْهُودٍ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الصِّدْقِ

ص: 122

وَالْمُخَالِفُ لِأَصْلٍ وَشَبَهُ ذَلِكَ، وَمَنْ تَرَجَّحَ جَانِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (بِجَوَابِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: إذَا ذَكَرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَمَرَ الْقَاضِي خَصْمَهُ بِجَوَابِهِ إنْ اسْتَحَقَّتْ الدَّعْوَى جَوَابًا وَإِلَّا فَلَا، رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.

(إنْ خَالَطَهُ) اللَّخْمِيِّ: مِنْ ادَّعَى قَبْلَ رَجُلٍ دَعْوَى فَأَنْكَرَهُ لَمْ يَحْلِفْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى إلَّا بِمَا يَنْضَافُ إلَيْهَا مِنْ خُلْطَةٍ وَشَبَهِهِ أَوْ دَلِيلٍ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُدَّعَى فِيهِ.

(بِدَيْنٍ) الْبَاجِيُّ: الدَّعَاوَى الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْخُلْطَةُ هِيَ الْمُدَايَنَةُ، وَمَنْ ادَّعَى ثَوْبًا بِيَدِ إنْسَانٍ إنَّهُ لَهُ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

ابْنُ زَرْقُونٍ: لِأَنَّهَا دَعْوَى فِي مُعَيَّنٍ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَا يُحْلَفُ عَلَى دَعْوَى الْمُعَيَّنَاتِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ شُبْهَةٍ. الْمُتَيْطِيُّ: ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ، وَقَضَى بِذَلِكَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَالْمَشْيَخَةُ السَّبْعَةُ.

(أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ) الْمَازِرِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَغَيْرُ الْخُلْطَةِ أَنْ يَبِيعَ إنْسَانٌ إنْسَانًا بِالدَّيْنِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِالْعَقْدِ مِرَارًا.

قَالَ ابْنُ سَلْمُونَ: وَإِذَا لَمْ تَقَعْ مُفَاصَلَةٌ بَيْنَ الْمُتَعَامِلَيْنِ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بَقِيَ قِبَلَهُ مِنْ سَبَبِ تَعَامُلِهِمَا وَأَشْبَهَ مَا ادَّعَاهُ، فَرَأَى الْمُتَأَخِّرُونَ أَنَّهُ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَيَحْلِفُ عَلَى مَا يَدَّعِيه وَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ. اُنْظُرْ فِي فَصْلِ الصُّلْحِ مِنْهُ.

وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَالَ كُنْت أُعَامِلُ فُلَانًا فَمَا ادَّعَى عَلَيَّ فَأَعْطَوْهُ قَالَ: يُصَدَّقُ فِي مُعَامَلَةِ مِثْلِهِ وَأَرَاهُ ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَإِنْ ادَّعَى مَا لَا يُشْبِهُ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا مِنْ ابْنِ سَلْمُونَ.

(وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي بِالْخُلْطَةِ شَاهِدًا حَلَفَ وَثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ ثُمَّ يَحْلِفُ حِينَئِذٍ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ الْيَمِينَ أَنَّهُ خُلْطَةٌ.

(لَا بِبَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَقَامَ شُهُودًا عُدُولًا عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ فَأَقَامَ الرَّجُلُ بَيِّنَةً أَنَّهُمْ مُعَادُونَ لَهُ

ص: 124

فَسَقَطَتْ شَهَادَتُهُمْ فَهُمْ كَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنْ لَا يَحْلِفَ، وَكَذَلِكَ عَنْهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ.

(إلَّا الصَّانِعَ وَالْمُتَّهَمَ) أَصْبَغُ: سَبْعَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ دُونَ خُلْطَةٍ: الصَّانِعُ، وَالْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِي عِنْدَ فُلَانٍ دَيْنٌ، وَالرَّجُلُ يَمْرَضُ فِي الرُّفْقَةِ فَيَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَالَهُ لِرَجُلٍ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَدْلًا وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ نَزَلَ فِي مَدِينَةٍ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ مَالًا. ابْنُ عَرَفَةَ: نَقَلَ ابْنُ رُشْدٍ هَذِهِ الْخَمْسَةَ غَيْرَ مَعْزُوَّةٍ كَأَنَّهَا الْمَذْهَبُ.

الْبَاجِيُّ: وَمِثْلُ الصَّانِعِ تُجَّارُ السُّوقِ لِأَنَّهُمْ نَصَّبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّاسِ. مِنْ عَدَمِ الْمُسَامَحَةِ وَالتَّشَاحِّ مَا لَا يُتْرَكُ فِيهِ الْحَقُّ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَيَكُونُ لِذَلِكَ الزَّمَانِ الْإِسْقَاطُ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا لِلْمَازِرِيِّ فِيمَنْ طَلَبَ رَهْنًا زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ فِي حَقٍّ قِبَلَهُ مُنْذُ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ. فَأَجَابَ: إنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يَسْكُتُ عَنْ طَلَبِ مَا ذَكَرَ طُولَ هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَسْقُطُ، وَأَجَابَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ لَا يَسْأَلُ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَيْنَ صَارَ لَهُ.

قَالَ ابْنُ لُبٍّ: عُقُودُ الْأُصُولِ لَا تُوجِبُ اسْتِحْقَاقًا مِنْ يَدِ مِنْ الشَّيْءِ بِيَدِهِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ.

(وَإِنَّمَا تَفْتَرِقُ الدُّورُ مِنْ غَيْرِهَا فِي الْأَجْنَبِيِّ فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ فِي عَبْدٍ وَعَرْضٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا فَرْقَ

ص: 125

فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ لِوَرَثَتِهِ بَيْنَ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ ذَلِكَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ مَالَ الْأَجْنَبِيِّ بِالِاعْتِمَارِ وَالسُّكْنَى وَالِازْدِرَاعِ فِي الْأُصُولِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَاللِّبَاسِ فِي الرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ. فَقَالَ أَصْبَغُ: إنَّ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الثِّيَابِ حِيَازَةٌ إذَا كَانَتْ نَفْعَ هَاتِ قِرْطَاسَك أَكْتُبُ لَك فِيهِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ.

(وَإِنَّ أَنْكَرَ قَالَ أَلَكَ بَيِّنَةٌ فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَخْلَفَهُ فَلَا بَيِّنَةَ

ص: 127

إلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ) الْمَازِرِيُّ: الْأَصْلُ أَنَّ الْقَاضِي لَا يَسْتَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِإِذْنِ الْمُدَّعِي. ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ثَلَاثِينَ دِينَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَاسْتَحْلَفَهُ الْقَاضِي فَقَالَ الطَّالِبُ: لَمْ آذَنْ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ وَلَمْ أَرْضَ بِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُعَادَ هَذِهِ الْيَمِينُ.

فَأَمَرَ الْقَاضِي غُلَامَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْ مَالِهِ الثَّلَاثِينَ دِينَارًا كَرَاهَةَ أَنْ يُكَلِّفَهُ إعَادَةَ يَمِينٍ قَضَى عَلَيْهِ بِهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا قَضَى لَهُ بِهَا.

قَالَ فِي الْوَاضِحَةِ: بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهَا.

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَةٍ تَارِكًا لَهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ، فَلَا حَقَّ لَهُ وَإِنْ قُدِّمَتْ بَيِّنَةٌ.

وَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَضَى بِهَا لِيَهُودِيٍّ وَقَالَ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ، اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ وَلَهُ بَيِّنَةٌ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ ".

(أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الْأَوَّلُ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَإِنَّمَا هُوَ فَرْعٌ وَاحِدٌ وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا فَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبْقَيْت لَكُمَا حُجَّةً، فَإِنْ قَالَا لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ حُجَّةٌ بَعْدَ إنْفَاذِ حُكْمِهِ.

وَلَوْ قَالَ لَهُ بَقِيَتْ لِي حُجَّةٌ أَمْهَلَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَكَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَتَيَا بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ نَقْضَ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَأْتِيَا بِأَمْرٍ يَرَى أَنَّ لِذَلِكَ وَجْهًا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَاهِدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْضِي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَقَالَ الْخَصْمُ لَا أَعْلَمُ لِي شَاهِدًا آخَرَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي ثُمَّ وَجَدَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلْيَقْضِ بِهَذَا الْآخَرِ. وَمِثْلُ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ.

(وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ) الْمَازِرِيُّ: وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ قَدْ كُنْت اسْتَحْلَفْتنِي فَاحْلِفْ لِي عَلَى ذَلِكَ؛ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ وَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ مَنْ قَامَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِفِسْقِهِمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ لَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إنَّمَا أَعْلَمُ بِعِلْمِك بِفِسْقِ شُهُودِك، وَكَذَا إنْ قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي عَلَى أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى فِيمَا مَضَى لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ يَمِينًا ثَانِيَةً، وَبِهَذَا مَضَى الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا أَنْ يَلْزَمَ الْمُدَّعِي الْيَمِينُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى، ثُمَّ لَا يَحْلِفُ مَرَّةً أُخْرَى.

(وَأَعْذَرَ بِأَبْقَيْتُ لَك حُجَّةٌ) الْمُتَيْطِيُّ: الْإِعْذَارُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ. يُقَالُ أَعْذَرَ الرَّجُلُ أَيْ أَتَى بِعُذْرٍ

ص: 130

صَحِيحٍ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ " مَنْ أَنْذَرَ فَقَدْ أَعْذَرَ " أَيْ بَالَغَ فِي الْعُذْرِ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْك فَأَنْذَرَك، وَمِنْهُ أَعْذَرَ الْقَاضِي إلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ فِي الشُّهُودِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا " قَوْلَ الْمُدَوَّنَةِ " يَقُولُ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ

ص: 131

(وَنُدِبَ تَوْجِيهُ مُتَعَدِّدٍ فِيهِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَا يُنَفِّذُ الْقَاضِي حُكْمَهُ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يَعْذِرَ إلَيْهِ بِرَجُلَيْنِ، وَإِنْ أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَخْبَرَاهُ عَلَى مَا فَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي أُنَيْسُ إذْ قَالَ لَهُ:«اُغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (إلَّا لِشَاهِدٍ بِمَا فِي الْمَجْلِسِ وَمُوَجِّهُهُ وَمُزَكِّي السِّرِّ وَالْمُبْرِزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ) أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: مَا انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي بِمَا أَقَرَّ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا إعْذَارَ فِيهِ.

وَقَدْ أَسْقَطَ مَالِكٌ الْإِعْذَارَ فِيمَنْ عَدَلَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَكَيْفَ بِهِ فِيمَنْ هُوَ عِنْدَهُ عَدْلٌ وَشَهِدَ عِنْدَهُ بِمَا سَمِعَ فِي مَجْلِسِهِ. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي فَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ قِبَلَ نَفْسِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ يُوَجِّهُهُ الْحَاكِمُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَاتٍ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ وُجِّهَ لِلْإِعْذَارِ.

قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: لَا إعْذَارَ فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ لَا تَخْرُجُ أَوْ مَرِيضٍ كَذَلِكَ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي مُزَكِّي السِّرِّ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ الْعَلَانِيَةِ أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِي الْمُبْرِزِ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ مُطْلَقًا.

وَفِي الْمُبْرِزِ: تَجْرِيحُ الْعَدَاوَةِ أَوْ الْقَرَابَةِ وَشَبَهِهَا. وَأَمَّا أَنَّهُ لَا إعْذَارَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ يُخْشَى مِنْهُ فَقَالَ اللَّخْمِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْجَرْحِ إذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْنَعُ التَّجْرِيحَ وَيَخْتَلِفُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِمَّنْ يَتَّقِي شَرَّهُ.

(وَأَنْظَرَهُ لَهَا بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ حَكَمَ كَنَفْيِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فِيمَا يَدَّعِيه مِنْ بَيِّنَةٍ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: يَقُولُ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَا لَا حَكَمَ بَيْنَهُمَا.

اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا ".

(وَلْيُجِبْ عَنْ الْمُجَرِّحِ) اللَّخْمِيِّ: يُسْتَحَبُّ كَوْنُ التَّجْرِيحِ سِرًّا لِأَنَّ فِي إعْلَانِهِ

ص: 132

أَذًى لِلشَّاهِدِ، وَمِنْ حَدِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْمُجَرِّحِ. اُنْظُرْ فِي الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا.

(وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَحَبْسٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ) الْجَزِيرِيُّ: إذَا انْصَرَمَتْ الْآجَالُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَيَصِحُّ التَّعْجِيزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَدَّعِي فِيهِ إلَّا فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الدِّمَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ.

وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ، فَإِنْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ تَعْجِيزِهِ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ (وَكَتَبَهُ) مِنْ الْمُفِيدِ: حَقٌّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ التَّعْجِيزَ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَنْظُرُ لَهُ هُوَ وَلَا مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ مَا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْعِتْقَ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ.

(وَإِنْ لَمْ يَجِبْ حُبِسَ وَأُدِّبَ ثُمَّ حَكَمَ بِلَا يَمِينٍ) اللَّخْمِيِّ: إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ دَعْوَى فَلَمْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ كَانَتْ بِيَدِهِ دَارٌ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهَا لِابْنِهِ وَلِجَدِّهِ فَسُئِلَ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ.

(وَلِمُدَّعًى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ وَقَبْلَ نِسْيَانِهِ بِلَا يَمِينٍ) أَشْهَبُ: لَوْ سَأَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَالِبَهُ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي عَلَيْهِ هَذَا الْمَالَ فَقَالَ: تَقَدَّمَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُخَالَطَةٌ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْضِ الْقَاضِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ حَتَّى يُسَمِّيَ الْمُدَّعِي السَّبَبَ الَّذِي كَانَ لَهُ الْحَقُّ. وَمِثْلُ هَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ.

وَزَادَ ابْنُ أَبِي الطَّالِبِ: أَنْ يُخْبَرَ بِالسَّبَبِ، فَإِنْ قَالَ لِأَنِّي لَمْ أَذْكُرْ وَجْهَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلَا يُقْضَى عَلَى دَعْوَاهُ.

وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ بِلَفْظِ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ وَادَّعَى نِسْيَانَهُ قُبِلَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأُلْزِمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي هَذَا نَظَرٌ رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَإِنْ أَنْكَرَ الْمَطْلُوبُ الْمُعَامَلَةَ فَالْبَيِّنَةُ ثُمَّ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ بِخِلَافِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ)

ص: 133

اُنْظُرْ فِي الْوَدِيعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجْحَدُهَا " ثُمَّ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّدِّ خِلَافٌ.

وَمِنْ الْمُتَيْطِيِّ: إذَا تَرَافَعَا إلَيْهِ عُقِدَتْ فِي ذَلِكَ أَشْهَدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ إلَيَّ فَادَّعَى مُدَفِّعًا أَجَلَهُ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ يُعْجِزُهُ وَشَاوَرَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَقَالَ إنْ نَوَى أَنْ تَشْهَدَ عَلَى تَعْجِيزِك لِفُلَانٍ وَعَلَى الْمُوَكِّلِينَ لَهُ وَأَنْ تَعُودَ الدَّارُ مِيرَاثًا لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَلَيْسَ إنْكَارُ خَصْمِهِمْ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ الْمَذْكُورَةُ صَارَتْ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْمُتَوَفَّى تُخْرِجُهُمْ عَنْ حِصَصِهِمْ مِنْهَا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَهُمْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِاشْتِرَاكِهِمْ أَجْمَعِينَ فِيهَا بِسَبَبِ الْمِيرَاثِ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ إنْكَارُهُمْ عَلَى التَّعْنِيتِ لِلطَّالِبِ. ثُمَّ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَقَوْلُنَا يَعْنِي فِي هَذَا التَّسْجِيلِ حِكَايَةً عَنْ الْمُفْتِينَ وَلَيْسَ إنْكَارُ خَصْمِهِمْ إلَخْ. هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَعَلَى ذَلِكَ جَرَتْ الْأَحْكَامُ.

وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمْ إذَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَارَ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْمُتَوَفَّى، فَلَمَّا ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُتَوَفَّى اسْتَظْهَرُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَارَ إلَيْهِمْ بِسَبَبٍ إمَّا بِصَدَقَةٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَكَذَبُوا بَيِّنَتَهُمْ.

قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ مَنْ أَكْذَبَ بَيِّنَةً فَقَدْ أَسْقَطَهَا وَمَنْ أَوْجَبَ لَهُ السَّمَاعَ مِنْهَا بَعْدَ تَكْذِيبِهِ إيَّاهَا فَقَدْ فَتَحَ بَابَ التَّعْنِيتِ وَالتَّشْغِيبِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ.

قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَأَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْمُعَامَلَةَ فَأَثْبَتهَا الطَّالِبُ فَاسْتَظْهَرَ الْمَطْلُوبَ بِالْبَرَاءَةِ بِدَفْعِهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ إنْكَارِ الْمُعَامَلَةِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.

وَرَوَى حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُ الْمُعَامَلَةِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ فَلَمَّا قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِسَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ جَاءَ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ شُهُودٍ عَلَى الدَّفْعِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ قَوْلًا وَاحِدًا.

(وَكُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَنِكَاحٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: كُلُّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَقَتْلِ الْعَمْدِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالرَّجْعَةِ.

(وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ وَالرَّحِمِ كَأَنْ خَشِيَ تَفَاقُمَ الْأَمْرِ) اللَّخْمِيِّ: لَا يَدْعُو إلَى الصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا أَشْكَلَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقِفُ وَلَا يَحْكُمُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَتَى أَوْقَع الْحُكْمَ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَعَظُمَ الْأَمْرُ وَخُشِيَتْ الْفِتْنَةُ وَيَنْدُبُ أَهْلَ الْفَضْلِ إلَى تَرْكِ الْخُصُومَاتِ.

قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: كَانَ أَبِي رُبَّمَا رَدَّ الْخَصْمَيْنِ إلَّا مَنْ عُرِفَ بِالصِّحَّةِ وَالْأَمَانَةِ فَيَقُولُ لَهُمَا اذْهَبَا إلَى فُلَانٍ يُصْلِحُ بَيْنَكُمَا، فَإِنْ اصْطَلَحْتُمَا وَإِلَّا رَجَعْتُمَا إلَيَّ وَتَرَافَعَ إلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَبَى

ص: 134

أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا وَقَالَ لَهُمَا اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِي مِنْ أَمْرِكُمَا عَلَى مَا قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْكُمَا، وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: رَدِّدُوا الْحُكْمَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ: اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا بَيْنَ الْأَقَارِبِ حَسَنٌ.

وَإِنْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا قَالَ سَحْنُونَ: وَإِذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصُّلْحِ.

وَقَالَ مَالِكٌ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ: لَوْ اصْطَلَحَا.

(وَلَا يَحْكُمُ لِمَنْ لَا يَشْهَدُ لَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي صِحَّةِ حُكْمِهِ لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.

قَالَ مُحَمَّدٌ: كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ وَنَحْوُهُ لِمُطَرِّفٍ.

اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا

ص: 135

أَحْسَنُ لِأَنَّ الظِّنَّةَ تَلْحَقُ فِي ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ وَالْحُكْمِ وَهَذَا فِي الْمَالِ.

قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ أَخَذَ الْقَاضِي مَنْ سَرَقَهُ فَلَهُ قَطْعُهُ وَلَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ.

وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَبَ مَالَهُ وَيُعَاقِبَهُ لِقَطْعِ أَبِي بَكْرٍ يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عَقْدَ زَوْجَتِهِ أَسْمَاءَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِسَرِقَتِهِ.

قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي فَأَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّ الْقَاضِي عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ.

(وَنُبِذَ حُكْمُ جَائِرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْجَائِرُ تُرَدُّ أَحْكَامُهُ دُونَ تَصَفُّحٍ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقِيمَةً فِي ظَاهِرِهَا إلَّا أَنْ يُثْبِتَ صِحَّةَ بَاطِنِهَا.

وَفِي نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ.

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهُوَ فِسْقٌ يُرِيدُ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ فَالْمَشْهُورُ الْفَسْخُ اهـ.

وَانْظُرْ فِي الِاجْتِهَادِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا لِتَأَوُّلٍ عَلَى الْأَحْسَنِ " أَنَّ الْجَاهِلَ لَا يُعْذَرُ بِمُوَافَقَتِهِ لِلْفِقْهِ.

وَقَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: إنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّخْمِينِ فِسْقٌ وَظُلْمٌ وَخِلَافُ الْحَقِّ، وَيُفْسَخُ هَذَا الْحُكْمُ وَغَيْرُهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْغَيْرِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا حَكَمَ.

(أَوْ جَاهِلٍ لَمْ يُشَاوِرْ) الْمُتَيْطِيُّ: الْقَاضِي الْعَدْلُ الْجَاهِلُ الَّذِي عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشَاوِرُ فَلِلْقَاضِي الْوَالِي بَعْدَهُ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْكَامَهُ؛ فَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ نَفَّذَهُ، وَمَا أَلْفَى مِنْهَا مُخَالِفًا لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي بَلَدِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَافَقَ حُكْمَهُ قَوْلَ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ لَا يُعْمَلُ بِهِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسَخُهُ، وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فِيهِ قَوْلَ قَائِلٍ نَقَضَهُ وَلَمْ يُنَفِّذْهُ (وَإِلَّا تُعُقِّبَ وَمَضَى غَيْرُ الْجَوْرِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْعَدْلُ تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ؛ فَمَا هُوَ صَوَابٌ أَوْ خَطَأٌ فِيهِ خِلَافٌ أُنْفِذَ، وَمَا هُوَ خَطَأٌ لَا خِلَافَ فِيهِ رُدَّ.

ابْنُ رُشْدٍ: وَيُخْتَلَفُ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ الَّذِينَ لَا تُرْضَى أَحْوَالُهُمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَفِي أَحْكَامِ أَهْلِ الْبِدَعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: هِيَ كَأَحْكَامِ الْجَائِرِ لَا يَمْضِي إلَّا مَا عُلِمَ صِحَّةُ بَاطِنِهِ.

وَقَالَ أَصْبَغُ: كَأَحْكَامِ الْعَدْلِ الْجَاهِلِ يَمْضِي مِنْهَا مَا كَانَ صَحِيحًا فِي الظَّاهِرِ.

(وَلَا يُتَعَقَّبُ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْقَاضِي الْعَدْلُ الْعَالِمُ لَا تُتَصَفَّحُ أَحْكَامُهُ وَلَا يُنْظَرُ فِيهَا إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ لَهَا إنْ اُحْتِيجَ إلَى النَّظَرِ إلَيْهَا لِعَارِضِ خُصُومَةٍ أَوْ اخْتِلَافٍ فِي حَدٍّ لَا عَلَى وَجْهِ الْكَشْفِ وَالتَّعَقُّبِ لَهَا إنْ سَأَلَ ذَلِكَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَتُنَفَّذُ كُلُّهَا إلَّا أَنْ يَظْهَرَ شَيْءٌ مِنْهَا عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ أَنَّهُ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَلْيُرَدَّ ذَلِكَ.

(وَنَقَضَ وَبَيَّنَ السَّبَبَ مُطْلَقًا) أَمَّا حُكْمُ نَفْسِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، هَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ بِخِلَافِ حُكْمِ غَيْرِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ ضَرَرَ فَسْخِهِ؟ قَالَ مُطَرِّفٌ: فَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي بِفَسْخِ قَضِيَّةِ نَفْسِهِ وَلَا فَسَّرَ وَجْهَ فَسْخِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَسْخٍ.

وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إشْهَادُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَكْفِيه.

قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنَّمَا الْفَسْخُ الَّذِي لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يُخَلِّصَ مَا رَدَّ بِهِ الْقَضِيَّةَ إذَا فَسَخَ حُكْمَ غَيْرِهِ.

(مَا خَالَفَ قَاطِعًا

ص: 137

أَوْ جَلِيَّ قِيَاسٍ) اُنْظُرْ مَا تَقَدَّمَ لِلْمُتَيْطِيِّ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَإِلَّا تُعُقِّبَ " قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا تُتَعَقَّبُ أَحْكَامُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلَا يُنْقَضُ مِنْهَا إلَّا مَا خَالَفَ قَاطِعًا، الْمَازِرِيُّ: وَيُحْمَلُ رَدُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَضَاءَ شُرَيْحٍ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا حَفِظَ خَبَرَ أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا.

(كَاسْتِسْعَاءِ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ وَشُفْعَةِ جَارٍ) ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْعَدْلِ الْعَالِمِ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ لِعِتْقِ بَعْضِهِ وَبِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَتَوْرِيثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَشَبَهِهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: لِمَا ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ هَذِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُرَى النَّقْضُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَطْعِيٍّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ بَعِيدٌ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ ثَبَتَ بِهِ حَدِيثٌ.

وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: إذَا قَضَى بِخِلَافِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا نُقِضَ قَضَاؤُهُ مِثْلُ الْقَضَاءِ لِذَوِي الْأَرْحَامِ بِالْمِيرَاثِ وَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. أَبُو عُمَرَ: مَا قَالَ هَذَا غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَحُكْمٍ عَلَى عَدُوٍّ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا أَقَامَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةَ أَنَّ الْقَاضِي عَدُوٌّ لَهُ فَلَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ عَلَيْهِ (أَوْ بِشَهَادَةِ كَافِرٍ وَمِيرَاثِ ذِي رَحِمٍ) تَقَدَّمَ قَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ " هَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ "(أَوْ مَوْلَى أَسْفَلَ) تَقَدَّمَ هَذَا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ (أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَتَقَرَّرُ.

اللَّخْمِيِّ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يَلِي الْقَضَاءَ وَلَا بَعْدَ أَنْ وَلِيَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ أَنْ يَتَحَاكَمَا إلَيْهِ أَوْ يَجْلِسَا لِلْحُكُومَةِ مِثْلُ أَنْ يَسْمَعَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا يُقِرُّ لِلْآخَرِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَا لِلْحُكُومَةِ أَنْكَرَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ شَاهِدٌ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ جَلَسَا لِلْخُصُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.

وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ: ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَحْكُمُ. وَرَأَيَا أَنَّهُمَا إذَا جَلَسَا لِلْمُحَاكَمَةِ فَقَدْ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يَقُولَانِهِ وَلِذَلِكَ قَصْدًا، وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ حَتَّى حَكَمَ ثُمَّ أَنْكَرَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَالَ مَا كُنْت أَقْرَرْت بِشَيْءٍ لَمْ يُنْظَرْ إلَى إنْكَارِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ (أَوْ جَعْلِ بَتَّةٍ وَاحِدَةٍ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ فَرُفِعَ لِمَنْ يَرَاهَا وَاحِدَةً فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فَتَزَوَّجَهَا الْبَاتُّ قَبْلَ زَوْجٍ، فَلِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ الَّذِي يُقَرُّ الْحُكْمُ بِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَنْقُضُ ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ مَا لَمْ يَكُنْ خَطَأً مَحْضًا (أَوْ أَنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ بِبَيِّنَةٍ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي الْعَدْلِ فِيمَا حَكَمَ فِيهِ رَأْيًا فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْوًا نُقِضَ حُكْمُهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: ذَكَرَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ. اُنْظُرْ نَصَّهُ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ رَأَى مُقَلِّدَهُ "(أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ ظَهَرَ أَنَّهُ قَضَى بِعَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نُقِضَ الْحُكْمُ بِخِلَافِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ (أَوْ فَاسِقَيْنِ كَأَحَدِهِمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ ثَبَتَ تَقَدُّمُ جَرْحِ الْبَيِّنَةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: يُنْقَضُ الْحُكْمُ.

وَقَالَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ: يَمْضِي وَعَلَى هَذَا يَجْرِي إنْ ثَبَتَ أَنَّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُمْ عَدَاوَةً أَوْ تُهْمَةً (كَأَحَدِهِمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ نُقِضَ الْحُكْمُ.

قَالَهُ مَالِكٌ

ص: 138

وَأَصْحَابُهُ. وَلَوْ قِيلَ يَمْضِي كَانَ لَهُ وَجْهٌ بَلْ هُوَ أَوْلَى مِنْ إمْضَائِهِ إنْ ثَبَتَتْ جُرْحَتُهُ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ اتِّفَاقًا، وَالْعَبْدُ أَجَازَ شَهَادَتَهُ عَلِيٌّ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَصْرَانِيٌّ رُدَّ الْحُكْمُ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا مُوَلًّى عَلَيْهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يُنْقَضُ وَالنَّقْضُ فِي هَذَا أَبْعَدُ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: إنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ تَجُوزُ ابْتِدَاءً وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ عَدْلٌ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ بِجَهْلِهِ بِتَدْبِيرِ مَالِهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: الرِّوَايَاتُ وَاضِحَةٌ بِأَنَّ كَوْنَهُمَا صَبِيَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَكَوْنِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا كَافِرًا (إلَّا بِمَالٍ فَلَا يُرَدُّ إنْ حَلَفَ وَإِلَّا أُخِذَ مِنْهُ إنْ حَلَفَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَكَمَ بِمَالٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ حَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْبَاقِي، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ وَاسْتَرْجَعَ الْمَالَ، وَإِنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا فَاقْتُصَّ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُتَوَلِّي الْقَطْعِ شَيْءٌ وَهَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ اهـ. نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ.

وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: يُرِيدُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُرُّ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ عَبْدٌ.

ابْنُ عَرَفَةَ: اسْتَشْكَلَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ وَلَمْ يَقُلْ يَحْلِفُ الْمُقْتَصُّ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْبَاقِي كَمَا قَالَ فِي الْمَالِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهَا إنَّ جِرَاحَ الْعَمْدِ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَالْمَالِ، وَوُجِّهَ بِأَنَّ الْمَالَ يُمْكِنُ رَدُّهُ فَكَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مُنْتَفِعٌ بِيَمِينِهِ فَصَحَّ حَلِفُهُ وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَلَا نَفْعَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ. اهـ. مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِهِ الْفَتْوَى.

(وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ خَمْسِينَ مَعَ عَاصِبِهِ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ وَغَرِمَ شُهُودٌ عَلِمُوا وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ) ابْنُ سَحْنُونٍ: إنْ بَانَ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ أَوْ مُوَلًّى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ مَعَ رَجُلٍ مِنْ عَصَبَتِهِ خَمْسِينَ يَمِينًا تَمَّ الْحُكْمُ وَنَفَذَ، وَإِنْ نَكَلَ الْمَحْكُومُ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ انْتَقَضَ الْحُكْمُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

ابْنُ شَاسٍ: إذَا نَكَلَ الْمَقْضِيُّ لَهُ بِالْقَتْلِ عَنْ الْقَسَامَةِ فَالنُّكُولُ فِي مِثْلِ هَذَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَيُنْقَضُ بِهِ الْحُكْمُ. اللَّخْمِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدِ إنْ جَهِلَ رَدَّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ.

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ. ابْنُ شَاسٍ: وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ هَدَرٌ لَا عَلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ وَقَدْ فَعَلَ الَّذِي عَلَيْهِ، وَلَا تِبَاعَةَ أَيْضًا عَلَى الشَّاهِدِ وَلَا عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.

(وَفِي

ص: 139

الْقَطْعِ حَلَفَ الْمَقْطُوعُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ) تَقَدَّمَ قَبْلُ قَوْلُهُ " وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ إنَّ الْمُقْتَصَّ لَهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهُ، وَهَذَا فَرْعُ أَنَّ الْمَقْطُوعَ لَا يَحْلِفُ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَقْوَالُ فِي هَذَا الْفَرْعِ سِتَّةٌ وَفِيمَا تَقَدَّمَ قَبْلُ قَوْلُهُ " وَحَلَفَ فِي الْقِصَاصِ " كِفَايَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَقْصِدِي.

(وَنَقَضَهُ هُوَ فَقَطْ إنْ ظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: يُرَى لِلْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ أَصْوَبُ أَنْ يَرُدَّ قَضِيَّتَهُ وَيَقْضِي بِمَا رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَا قَضَى بِهِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.

قَالَ: إنَّمَا قَالَ إنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقَّ غَيْرُ مَا قَضَى بِهِ رَجَعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا لَا يَرْجِعُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ الْقُضَاةُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ.

ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِقَضِيَّةٍ جَائِزٌ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا، وَأَمَّا رَدُّ غَيْرِهِ لِحُكْمِهِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا أَوْ بِخِلَافٍ شَاذٍّ (أَوْ خَرَجَ عَنْ رَأْيِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ رَأَى خِلَافَ مَا قَضَى بِهِ بِاجْتِهَادِهِ فَالْمَشْهُورُ إنْ رَأَى مَا هُوَ أَحْسَنُ نَقَضَهُ وَرَجَعَ إلَى مَا رَأَى مَا دَامَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَوْ كَانَ قَضَاؤُهُ أَوَّلًا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَهَذَا إذَا قَضَى وَهُوَ يَرَاهُ بِاجْتِهَادِهِ يَوْمَ قَضَائِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَضَى بِهِ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا فَلَا يُسْمَعُ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ

ص: 141

عَنْهُ إلَى مَا رَأَى. وَانْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنَّهُ قَصَدَ كَذَا فَأَخْطَأَ " فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَهُ يَنْقُضُهُ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى هُوَ (أَوْ رَأْيِ مُقَلَّدِهِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا وَقَضَى بِهِ تَقْلِيدًا فَلَا يَسَعُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى تَقْلِيدٍ آخَرَ.

ابْنُ مُحْرِزٍ: وَإِنْ قَصَدَ إلَى الْحُكْمِ بِمَذْهَبٍ فَصَادَفَ غَيْرَهُ سَهْوًا فَهَذَا يَفْسَخُهُ هُوَ دُونَ غَيْرِهِ إذَا كَانَ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةَ لِجَرَيَانِهِ عَلَى مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ، وَوَجْهُ غَلَطِهِ لَا يُعْرَفُ، إلَّا مِنْ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عَلِمَتْ قَصْدَهُ إلَى الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ فَوَقَعَ فِيهِ فَيَنْقُضُهُ مَنْ بَعْدَهُ كَمَا يَنْقُضُهُ هُوَ (وَرَفَعَ الْخِلَافَ) اُنْظُرْ الْفَرْقَ السَّابِعَ وَالسَّبْعِينَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْخِلَافِ يَتَقَرَّرُ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ، إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ مِنْ قَوَاعِدِ الْقَرَافِيُّ.

(لَا أَحَلَّ حَرَامًا) ابْنُ رُشْدٍ: حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا عَلَى مَنْ عَلِمَهُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ إنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا

ص: 142

ظَهَرَ وَهُوَ الَّذِي يُتَعَبَّدُ بِهِ وَلَا يُنْقَلُ الْبَاطِلُ عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} [البقرة: 188] وَفِي الْحَدِيثِ «لَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ» وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي حَلِّ عِصْمَةِ النِّكَاحِ أَوْ عَقْدِهَا بِظَاهِرِ مَا يَقْضِي بِهِ الْحُكْمُ، وَهَذَا خِلَافُ الْبَاطِنِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْأَمْوَالَ وَالْفُرُوجَ سَوَاءٌ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: إنَّ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، فَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَعَمَّدَا الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقَبِلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا لِظَاهِرِ عَدَالَتِهِمَا عِنْدَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِي شَهَادَتِهِ وَاحْتَجُّوا بِحُكْمِ اللِّعَانِ.

وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: إنَّمَا الْقَضَاءُ إظْهَارُهُ لِحُكْمِ الشَّرْعِ لَا اخْتِرَاعٌ لَهُ، فَلَا يَحِلُّ لِلْمَالِكِيِّينَ شُفْعَةُ الْجَارِ إنْ قَضَى لَهُ بِهَا الْحَنَفِيُّ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هَكَذَا قَالُوا. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " هَكَذَا قَالُوا " أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَاجِعْهُ فِيهِ.

(وَنَقْلُ مِلْكٍ أَوْ فَسْخُ عَقْدٍ أَوْ تَقَرُّرُ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ حُكْمٌ) ابْنُ شَاسٍ: مَا قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخِ الْعُقُودِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ حُكْمًا، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ تَأْثِيرُ الْقَاضِي فِي الْحَوَادِثِ أَكْثَرَ مِنْ إقْرَارِهَا لِمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَقَرَّهُ وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ وَجَاءَ غَيْرُهُ، فَهَذَا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: طَرِيقُهُ طَرِيقُ الْحُكْمِ وَإِمْضَاؤُهُ وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَازَتِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ

ص: 143

أَحْسَنُ.

ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إنْ تَرَكَ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَسْأَلَةٍ فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ بِفِقْهِهِ أَنْ يَمْضِيَ حُكْمُهُ بِالتَّرْكِ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ صَحِيحٌ كَتَرْكِهِ فَسْخَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الْمِلْكِ وَنَحْوِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَارٍ عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَاءِ الِاعْتِرَاضِ وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِهِ (لَا أُجِيزُهُ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا لَوْ رُفِعَ هَذَا النِّكَاحُ إلَى قَاضٍ فَقَالَ لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِ هَذَا النِّكَاحِ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ وَلَكِنَّهُ فَتْوَى وَيَكُونُ لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ النَّظَرَ فِيهِ.

ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَى جَعْلِهِ فَتْوَى لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ نَقَضَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ لِأَنَّ قَوْلَ الْأَوَّلِ " لَا أُجِيزُهُ وَلَا أَفْسَخُهُ " حُكْمٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالْكَرَاهَةُ أَحَدُ أَقْسَامِ الشَّرْعِ الْخَمْسِ يَجِبُ رَعْيُ كُلِّ حُكْمٍ مِنْهَا وَلَازِمِهِ، وَحُكْمُ الْمَكْرُوهِ عَدَمُ نَقْضِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، اُنْظُرْ الشَّيْءَ يُذْكَرُ بِالشَّيْءِ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ تَرْكُ الْإِشْهَادِ عَلَى الْوَلِيِّ فِي الْمُرَاجَعَةِ.

قَالَ شَيْخُ الشُّيُوخِ ابْنُ لُبٍّ: قَدْ رَوَى أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّتَهَا وَثُبُوتَهَا بِخِلَافِ النِّكَاحِ ابْتِدَاءً يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَلَا يَصِحُّ.

قَالَ وَالْفَرْقُ أَنَّ طَلَبَ الْوِلَايَةِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الْكَفَاءَةِ فَيَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِيهَا، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ قَبْلُ: الْمُرَاجَعَةُ فِي النِّكَاحِ الْمُنْعَقِدِ وَيَنْضَمُّ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَاضِدًا لَهَا مُرَاعَاةَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ.

(أَوْ أَفْتَى) ابْنُ الْحَاجِبِ: فَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: جَزْمُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى وَجْهِ مُجَرَّدِ إعْلَامِهِ بِهِ فَتْوَى لَا حُكْمٌ وَجَزْمُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِهِ حُكْمٌ.

ص: 144

(وَلَمْ يَتَعَدَّ لِمُمَاثِلِ بَلْ إنْ تَجَدَّدَ بِالِاجْتِهَادِ كَفَسْخٍ بِرَضَاعِ كَبِيرٍ وَتَأْبِيدِ مَنْكُوحَةِ عِدَّةٍ وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بِاجْتِهَادٍ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ لَيْسَ نَقْلُ مِلْكَ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلُ حُكُومَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا إثْبَاتُ عَقْدٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا فَسْخُهُ، مِثْلُ أَنْ يُرْفَعَ إلَى قَاضٍ رَضَاعُ كَبِيرٍ فَيَحْكُمُ بِأَنَّ رَضَاعَ الْكَبِيرِ يَحْرُمُ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ مِنْ أَجْلِهِ، فَالْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حُكْمِهِ هُوَ فَسْخُ النِّكَاحِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِحُكْمِهِ بَلْ يَبْقَى ذَلِكَ مَعْرِضًا لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.

وَكَذَلِكَ لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حَالُ امْرَأَةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا فَفَسَخَ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَهَا عَلَى زَوْجِهَا. لَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حُكْمِهِ فَسْخَ النِّكَاحِ فَحَسْبُ، وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَمَعْرِضٌ لِلِاجْتِهَادِ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي ذَلِكَ الْحَبْسِ مِنْ الْعُقُودِ وَلَا الْبَيَّاعَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْرِضٌ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ.

(وَلَا يَدْعُو لِصُلْحٍ إنْ ظَهَرَ وَجْهُهُ) اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَأَمَرَ بِالصُّلْحِ ذَوِي الْفَضْلِ "(وَلَا يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ) هَذَا تَوْطِئَةٌ لِمَا بَعْدَهُ إذَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ " أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ "(إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ) أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ أَوْ يَجْرَحَ بِعِلْمِهِ وَأَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى غَيْرِ مَا شَهِدُوا أَنَّهُ يُنَفِّذُ عِلْمَهُ وَيَرُدُّ شَهَادَتَهُمْ بِعِلْمِهِ. سَحْنُونَ: وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَدْلَانِ مَشْهُورَانِ بِالْعَدَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ خِلَافَ مَا شَهِدُوا بِهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ أَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا أَنْ أَرُدَّهُمَا لِعَدَالَتِهِمَا، وَلَكِنْ أَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ الَّذِي فَوْقِي وَأَشْهَدُ بِمَا عَلِمْتَ وَغَيْرِي بِمَا عَلِمَ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ لَيْسَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ لَمْ أَقْضِ بِشَهَادَتِهِمَا (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.

ص: 145

قَالَ مَالِكٌ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ وَلَا تُطْلَبُ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِعَدَالَتِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِشُهْرَتِهِ بِغَيْرِ الْعَدَالَةِ، وَإِنَّمَا يَكْشِفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ. وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ: أَمَّا الْإِسْلَامُ فَاسْمُهُ عَدْلٌ وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّك ابْنُ أَبِي حَازِمٍ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَشَايِخَنَا.

ابْنُ عَرَفَةَ: وَذَكَرَ لِي بَعْضُ شُيُوخِي أَنَّ الْبَرْقِيَّ فَقِيهَ الْمَهْدِيَّةِ شَهِدَ فِي مَسِيرِهِ إلَى الْحَجِّ عِنْدَ قَاضِي الْإِسْكَنْدَرِيَّة، فَلَمَّا قَرَأَ اسْمَهُ قَالَ: أَنْتَ الْبَرْقِيُّ فَقِيهُ الْمَهْدِيَّةِ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ. فَطَلَبَ الْمَشْهُودُ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ وَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِ دُونَ طَلَبِ تَعْدِيلِهِ.

(أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ بِالْعَدَالَةِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حَكَمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً.

ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا الْفَرْعَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْلِ الْمَذْهَبِ، وَفِي جَرْيِهِ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مُتَنَاقِضٌ فَيَجِبُ طَرْحُهُ. فَإِنْ قُلْتُ: فَقَدْ قَالَ فِي الْكَافِي إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الشُّهُودَ وَاعْتَرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ قَضَى بِهِمْ إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ وَلَا يَقْضِي بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ. قُلْت: قَوْلُهُ " إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ " صَيَّرَ الْمَسْأَلَةَ إلَى بَابِ الْإِقْرَارِ.

وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الْقَاضِي لَمْ يَحْكُمْ بِهَا. وَانْظُرْ مِنْ نَوْعِ هَذَا عَدَّلَ قَاضٍ شُهُودًا فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّ فِيهِ جُرْحَةً أَوْ شَهِدَ أَيْضًا عَلَى مُزَكِّيهِ أَنَّ فِيهِ جُرْحَةً قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّ الْقَدَحَ فِي الْأَصْلِ قَدَحٌ فِي الْفَرْعِ (وَإِنْ أَنْكَرَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ إقْرَارَهُ بَعْدَهُ لَمْ يُفِدْهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ بِعِلْمٍ سَبَقَ مَجْلِسَهُ ".

(وَإِنْ شَهِدَ بِحُكْمٍ نَسِيَهُ أَوْ أَنْكَرَهُ أَمْضَاهُ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ أَنْكَرَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ وَقَالَ مَا حَكَمْتُ بِهَذَا فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِحُكْمِهِ لَهُ

ص: 146

وَجَبَ تَنْفِيذُهُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ.

وَفِي التَّلْقِينِ: إنْ نَسِيَ الْحَاكِمُ حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَإِنْ شَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ بِهِ أَنْفَذَ شَهَادَتَهُمَا.

قَالَ فِي فُرُوقِهِ: بِخِلَافِ إذَا شَهِدَ شُهُودُ الْفَرْعِ وَنَسِيَ الشَّهَادَةَ شَاهِدُ الْأَصْلِ قَالَ: وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ فَهُوَ نَقْلٌ عَنْ الْغَيْرِ الْمَازِرِيُّ: هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ.

(وَأَنْهَى لِغَيْرِهِ بِمُشَافَهَةٍ إنْ كَانَ كُلٌّ بِوِلَايَتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ يَعْنِي فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فِي إنْهَاءِ الْحُكْمِ إلَى الْقَاضِي الْآخَرِ وَذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُشَافَهَةِ،

ص: 147

فَلَوْ شَافَهَ الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ لَمْ يَكْفِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَلَا يَنْفَعُ سَمَاعُهُ أَوْ إسْمَاعُهُ إلَّا إذَا كَانَا قَاضِيَيْنِ بِبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَتَنَادَيَا مِنْ طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا فَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ فَيُعْتَمَدُ.

وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَهْلٍ: رَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَةَ يُجِيزُونَ إخْبَارَ الْقَاضِي الْمُحْتَلِّ بِغَيْرِ بَلَدِهِ لِقَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي اُحْتُلَّ فِيهِ وَيَنْفُذُ وَيَرَوْنَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَيْسَ لِلْقَاضِي إذَا حَلَّ بِغَيْرِ عِمَالَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ يَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ أَوْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ. رَاجِعْ الْمُتَيْطِيَّ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ أَصْبَغَ وَابْنِ عَاتٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى (وَبِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقًا) فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ: لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ لِلْقَاضِي فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَى أَنَّهُ كِتَابُهُ.

ابْنُ رُشْدٍ: عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالنَّظَرُ، وَأَمَّا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِمَا كِتَابُ الْقَاضِي اتِّفَاقًا.

(وَاعْتَمَدَا عَلَيْهَا وَإِنْ خَالَفَا كِتَابَهُ وَنُدِبَ خَتْمُهُ) ابْنُ شَاسٍ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي إذَا أَشْهَدَ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ أَنْ يَكْتُبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ جَازَ إذَا طَابَقَ الدَّعْوَى.

(وَلَمْ يُفِدْ وَحْدَهُ) ابْنُ شَاسٍ: الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَلَى الْقَاضِي لَا أَثَرَ لَهُ. ابْنُ رُشْدٍ: مَذْهَبُ مَالِكٍ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي كِتَابِ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِالْحُكْمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي أَقْوَى مِنْ ثُبُوتِهِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْبَيِّنَةِ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي مِمَّا لَهُ تَوَقُّفٌ عَلَى مُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فَقَطْ، وَثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْبَيِّنَةِ مِمَّا لَهُ تَوَقُّفُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مَعَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْقَاضِي، وَمَا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ أَقْوَى مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعَ غَيْرِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: اتَّفَقَ أَهْلُ عَصْرِنَا عَلَى قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْحُقُوقِ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِيمَا أَظُنُّ عَلَى صَرْفِهِمْ عَنْهُ انْتَهَى. رَاجِعْ أَنْتَ الْمُطَوَّلَاتِ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَإِنَّمَا قَصْدِي أَنْ أُشِيرَ إلَى بَعْضِ مَا قِيلَ تَنْشِيطًا لِمُرَاجَعَةِ الْفِقْهِ فِي أَمَاكِنِهِ، وَلِابْنِ عَاصِمٍ فِي أُرْجُوزَتِهِ: وَالْعَمَلُ الْيَوْمَ عَلَى قَبُولِ مَا خَاطَبَهُ قَاضٍ بِمِثْلِ " اعْلَمَا " قَالَ ابْنُهُ: تَقْيِيدُ الْعَمَلِ بِالْيَوْمِ يُؤْذِنُ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَبْلُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَقَدْ كَانَ الْعَمَلُ بِاسْتِصْحَابِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْمَكْتُوبِ بَعْدَ أَنْ كَانَ الْعَمَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْكِتَابِ الْمَخْتُومِ.

(وَأَدَّيَا وَإِنْ عِنْدَ

ص: 148

غَيْرِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لِلشَّاهِدِ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي فِي كِتَابِهِ إلَى مَنْ يَصِلُ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ كِتَابًا مِنْ قَاضٍ آخَرَ فَعَلَى مَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ إنْفَاذُ الْكِتَابِ.

ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا إذَا ثَبَتَ الْكِتَابُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ كِتَابُهُ.

قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.

(وَأَفَادَ إنْ أَشْهَدَهُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمُهُ أَوْ خَطُّهُ كَالْإِقْرَارِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ قَالَ الْقَاضِي أُشْهِدُكُمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي كَفَى ذَلِكَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مَا فِي كِتَابِي حُكْمِي، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي الْإِقْرَارِ أُشْهِدُك عَلَى مَا فِي الْقَبَالَةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ كَفَى حَتَّى إذَا حَفِظَ الشَّاهِدُ الْقَبَالَةَ وَمَا فِيهَا وَشَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ جَازَ أَيْضًا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَوَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْمَجْهُولِ صَحِيحٌ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ دَفَعَ إلَى شُهُودٍ كِتَابًا مَطْوِيًّا وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ أَوْ كَتَبَ الْحَاكِمُ كِتَابًا إلَى حَاكِمٍ وَخَتَمَهُ وَأَشْهَدَ الشُّهُودَ بِهِ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ.

وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَشْهَدُوا بِهِ إلَّا أَنْ يَقْرَؤُهُ عِنْدَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ.

(وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ اسْمٍ وَحِرْفَةٍ وَغَيْرِهِمَا) ابْنُ شَاسٍ: وَلْيَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ اسْمَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَاسْمَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَحِلْيَتِهِ وَمَسْكَنِهِ وَصِنَاعَتِهِ أَوْ تِجَارَتِهِ أَوْ شُهْرَةٍ لَهُ إنْ كَانَ بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ رِجَالٌ يُلَائِمُونَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تُعْرَفُ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْمُلَائِمِينَ قَدْ مَاتَ لَمْ يُسْتَحَقَّ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا مَا فِي الْكِتَابِ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ الَّذِي اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ الْمَيِّتِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادَ بِالشَّهَادَةِ لِبُعْدِهِ فَيَلْزَمُ الْحَيَّ (فَنَفَّذَهُ الثَّانِي وَبَنَى) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ اقْتَصَرَ الْأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَنْهِيِّ إلَيْهِ الْإِتْمَامُ.

ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا نَقْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.

(كَأَنْ نُقِلَ لِخِطَّةٍ أُخْرَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ مَاتَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ وَوَصَلَ الْكِتَابُ لِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ أَنْفَذَهُ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا

ص: 149

كَتَبَ لِغَيْرِهِ. الْمَازِرِيُّ: اخْتِيَارُ بَعْضِ الشُّيُوخِ عَدَمُ تَسْمِيَةِ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ.

ابْنُ سَهْلٍ: سَأَلْت ابْنَ عَاتٍ عَنْ الْحَاكِمِ يُرْفَعُ إلَى خِطَّةُ الْقَضَاءِ هَلْ يَسْتَأْنِفُ مَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ لَمْ يُكْمِلْهَا أَوْ يَصِلُ نَظَرَهُ فِيهَا؟ قَالَ: بَلْ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْحُكُومَةِ وَبِذَلِكَ أَفْتَيْت. ابْنُ ذَكْوَانَ: حِينَ ارْتَفَعَ مِنْ أَحْكَامِ الشُّرْطَةِ وَالسَّوْقِ إلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ.

(وَإِنْ حَدًّا) لَوْ قَالَ " وَلَوْ زِنًا " لَكَانَ أَبْيَنَ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَحْنُونٍ: لَا يَثْبُتُ كِتَابُ قَاضٍ بِالزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ.

مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ كَتْبُ الْقُضَاةِ إلَى الْقُضَاةِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا لِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ.

(إنْ كَانَ أَهْلًا أَوْ قَاضِي مِصْرٍ وَإِلَّا فَلَا) ابْنُ شَاسٍ: إذَا وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ عَلَى قَاضٍ فَإِنْ عَرَفَهُ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ قَبِلَهُ.

قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ عَرَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهُ.

قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ جَاءَهُ بِكِتَابِ قَاضٍ لَا يَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخَطَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ مِثْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانَ وَالْأَنْدَلُسَ فَلْيُنَفِّذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلِيَحْمِلَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَأَمَّا قُضَاةُ الْكُوَرِ الصِّغَارِ فَلَا يُنَفِّذُهُ حَتَّى يَعْرِفَ وَيَسْأَلَ عَنْهُ الْعُدُولَ الدَّجْنَ وَعَنْ حَالِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ شَرْطُ قَبُولِ خِطَابِ الْقَاضِي صِحَّةُ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ تَصِحُّ وِلَايَتُهُ بِوَجْهٍ احْتِرَازًا مِنْ مُخَاطَبَةِ قُضَاةِ أَهْلِ الدَّجْنِ كَقَاضِي مُسْلِمِي بَلَنْسِيَةَ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: لَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْعَدْلِ الْوِلَايَةَ لِلْمُتَغَلِّبِ جُرْحَةً لِخَوْفِ تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ.

قَالَ سَيِّدِي ابْنُ عَلَاقِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى إقْلِيمٍ فَقَدَّمُوا قَاضِيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَا أَذْكُرُ نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ.

وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إذَا وَلَّوْا قَاضِيًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ إنْفَاذُ ذَلِكَ جَلْبًا لِلْمَصَالِحِ وَدَرْءًا لِلْمَفَاسِدِ الشَّامِلَةِ إذْ لَمْ يَبْعُدْ مِنْ رَحْمَةِ الشَّرْعِ وَرِعَايَةً لِمَصَالِحِ عِبَادِهِ وَتُحْمَلُ الْمَفَاسِدُ الشَّامِلَةُ بِفَوَاتِ كَمَالٍ، فَمَنْ يَتَعَاطَى تَوْلِيَتَهُ بَاطِنًا هُوَ أَهْلٌ لَهَا، اُنْظُرْ فِي الْمَدَارِكِ اسْمَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ وَابْنِ التَّبَّانِ وَاسْمَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْكُرَابَةِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَزْرَةَ وَالدَّاوُدِيِّ (كَأَنْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ مَيِّتًا) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ:" وَمَيَّزَ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ ".

(وَإِنْ لَمْ يُمَيِّزْ فَفِي إعْدَائِهِ أَوْ لَا حَتَّى يُثْبِتَ أُحْدِيَّتَهُ قَوْلَانِ) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وُجِدَ بِالْبَلَدِ رَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَشَفَ الْقَاضِي عَنْ الْأَمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ عَلَى تِلْكَ

ص: 150