المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة النور (24) : آية 62] - التحرير والتنوير - جـ ١٨

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌23- سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ

- ‌أغراض السُّورَة

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 5 إِلَى 7]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 10 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 18 إِلَى 20]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 21 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 23 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 26 إِلَى 27]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 28 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 31 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 33 إِلَى 38]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 39 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 42 إِلَى 43]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 45 إِلَى 48]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 49]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 50]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 55 إِلَى 56]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 57 إِلَى 61]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 64 إِلَى 67]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 68 إِلَى 70]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 71]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 72]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 73 إِلَى 74]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 75]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 76 إِلَى 77]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 79]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 80]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 81 إِلَى 83]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 84 إِلَى 85]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 86 إِلَى 87]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 88 إِلَى 89]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 90]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 91 إِلَى 92]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 96]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 97 إِلَى 98]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 99 إِلَى 100]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 101 إِلَى 104]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 105 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 108 إِلَى 111]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 112 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 118]

- ‌24- سُورَةُ النُّورِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةُ

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 4 إِلَى 5]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 6 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 23 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 27 إِلَى 28]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 36 إِلَى 38]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 47 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 56]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 58 إِلَى 59]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 64]

- ‌25- سُورَةُ الْفُرْقَانِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 7 الى 9]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 20]

الفصل: ‌[سورة النور (24) : آية 62]

وَانْتَصَبَ تَحِيَّةً عَلَى الْحَالِ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ فَسَلِّمُوا نَظِيرَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَصْدَرِ فِي قَوْلِهِ: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [الْمَائِدَة: 8] .

وَالْمُبَارَكَةُ: الْمَجْعُولَةُ فِيهَا الْبَرَكَةُ. وَالْبَرَكَةُ: وَفْرَةُ الْخَيْرِ. وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ التَّحِيَّةُ مُبَارَكَةً لِمَا فِيهَا مِنْ نِيَّةِ الْمُسَالَمَةِ وَحُسْنِ اللِّقَاءِ وَالْمُخَالَطَةِ وَذَلِكَ يُوَفِّرُ خَيْرَ الْأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.

وَالطَّيِّبَةُ: ذَاتُ الطِّيبِ، وَهُوَ طِيبٌ مَجَازِيٌّ بِمَعْنَى النَّزَاهَةِ وَالْقَبُولِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَوَجْهُ طِيبِ التَّحِيَّةِ أَنَّهَا دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ وَإِيذَانٌ بِالْمُسَالَمَةِ وَالْمُصَافَاةِ. وَوَزَنُ طَيِّبَةً فَيْعِلَةٌ مُبَالَغَةً فِي الْوَصْفِ مِثْلَ: الْفَيْصَلِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً فِي آلِ عِمْرَانَ [38] وَفِي قَوْلِهِ: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ فِي سُورَةِ يُونُسَ [22] .

وَالْمَعْنَى أَنَّ كَلِمَةَ «السَّلَامِ عَلَيْكُمْ» تَحِيَّةُ خَيْرٍ مِنْ تَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ [يُونُس: 10] أَيْ تَحِيَّتُهُمْ هَذَا اللَّفْظُ.

وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ تَكْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ قَبْلَهَا فِي آيَةِ الِاسْتِئْذَانِ لِأَنَّ فِي كُلِّ مَا وَقَعَ قَبْلَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَيَانًا لِآيَاتِ الْقُرْآنِ اتَّضَحَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا وَهُوَ بَيَانٌ يُرْجَى مَعَهُ أَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ الْفَهْمُ وَالْعِلْمُ بِمَا فِيهِ كَمَال شَأْنكُمْ.

[62]

[سُورَة النُّور (24) : آيَة 62]

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

ص: 305

(62)

لَمَّا جَرَى الْكَلَامُ السَّابِقُ فِي شَأْنِ الِاسْتِئْذَانِ لِلدُّخُولِ عُقِّبَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الِاسْتِئْذَانِ لِلْخُرُوجِ وَمُفَارَقَةِ الْمَجَامِعِ فَاعْتُنِيَ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَاجِبِ مِنْهُ وَهُوَ اسْتِئْذَان الرَّسُول صلى الله عليه وسلم فِي مُفَارَقَةِ مَجْلِسِهِ أَوْ مُفَارَقَةِ جَمْعٍ جُمِعَ عَنْ إِذْنِهِ لِأَمْرٍ مُهِمٍّ كَالشُّورَى وَالْقِتَالِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلْوَعْظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَكَانَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُنَافِقِينَ أَنْ يَحْضُرُوا هَذِهِ الْمَجَامِعَ ثُمَّ يَتَسَلَّلُوا مِنْهَا تَفَادِيًا مِنْ عَمَلٍ يَشُقُّ أَوْ سَآمَةٍ مِنْ سَمَاعِ كَلَامٍ لَا يَهْتَبِلُونَ بِهِ، فَنَعَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِعْلَهُمْ هَذَا وَأَعْلَمَ بِمُنَافَاتِهِ لِلْإِيمَانِ وَأَنَّهُ شِعَارُ النِّفَاقِ. بِأَنْ أَعْرَضَ عَنْ وَصْفِ نِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ وَاعْتَنَى بِاتِّصَافِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحِقَّاءِ بِضِدِّ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ [التَّوْبَة: 127] وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ قَوْلُهُ: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً [النُّور: 63] .

فَالْقَصْرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (إِنَّمَا) قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلَى صِفَةٍ. وَالتَّعْرِيفُ فِي الْمُؤْمِنُونَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ أَوِ الْعَهْدِ، أَيْ إِنَّ جِنْسَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ إِنَّ الَّذِينَ عُرِفُوا بِوَصْفِ الْإِيمَانِ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَمْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ. فَالْخَبَرُ هُوَ مَجْمُوعُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ قَصْرُ إِفْرَادٍ، أَيْ لَا غَيْرَ أَصْحَابِ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الَّذِينَ أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَلَا يَسْتَأْذِنُونَ الرَّسُولَ عِنْدَ إِرَادَةِ الِانْصِرَافِ، فَجُعِلَ هَذَا الْوَصْفُ عَلامَة مُمَيزَة للْمُؤْمِنين الْأَحِقَّاءِ عَنِ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُؤْمِنِينَ الْأَحِقَّاءِ يَوْمَئِذٍ مَنْ يَنْصَرِفُ عَنْ مجْلِس النبيء صلى الله عليه وسلم بِدُونِ إِذْنِهِ، فَالْمَقْصُودُ: إِظْهَارُ عَلَامَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَمْيِيزُهُمْ عَنْ عَلَامَةِ الْمُنَافِقِينَ.

فَلَيْسَ سِيَاقُ الْآيَةِ لِبَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لِأَنَّ لِلْإِيمَانِ حَقِيقَةً مَعْلُومَةً لَيْسَ اسْتِئْذَان النبيء صلى الله عليه وسلم عِنْدَ إِرَادَةِ الذَّهَابِ مِنْ أَرْكَانِهَا، فَعَلِمْتُ أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْحَصْرِ سَلْبَ الْإِيمَانِ عَنِ الَّذِي يَنْصَرِفُ دُونَ إِذْنٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَحِقَّاءِ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ قَصْدِ الخذل للنبيء صلى الله عليه وسلم أَوْ أَذَاهُ، إِذْ لَا يَعْدُو ذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ أَحَدُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرًا فِي الْأَدَبِ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وَالتَّنْبِيهَ عَلَى تَجَنُّبِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ كَمَا وَرَدَ التَّحْذِيرُ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ.

ص: 306

وَعَلِمْتَ أَيْضًا أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّعْرِيفِ فِي الْمُؤْمِنُونَ مَعْنَى الْكَمَالِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْصُلْ قَصْدُ التَّشْهِيرِ بِنِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ.

وَالْأَمْرُ: الشَّأْنُ وَالْحَالُ الْمُهِمُّ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [59] .

وَالْجَامِعُ: الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ لِأَجْلِهِ لِلتَّشَاوُرِ أَوِ التَّعَلُّمِ. وَالْمُرَادُ: مَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ لِأَجْلِهِ حَوْلَ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام فِي مَجْلِسِهِ أَوْ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا مَا يَقْتَضِيهِ (مَعَ) وَ (عَلَى) مِنْ قَوْلِهِ: مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لِإِفَادَةِ (مَعَ) مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ وَإِفَادَةِ (عَلَى) مَعْنَى التَّمَكُّنِ مِنْهُ.

وَوَصْفُ الْأَمْرِ بِ جامِعٍ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْجَمْعِ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فِي سُورَةِ يُونُسَ [71] .

وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ (وَذَلِكَ سَنَةُ خَمْسٍ) كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْ جَيْشِ الْخَنْدَقِ وَيَعْتَذِرُونَ بِأَعْذَارٍ كَاذِبَةٍ.

وَجُمْلَةُ: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ إِلَى آخِرِهَا تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ مَضْمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ مَضْمُونُ مَعْنَى جُمْلَةِ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَةَ. وَقَدْ تَفَنَّنَ فِي نَظْمِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَجَعَلَ مَضْمُونَ الْمُسْنَدِ فِي الْأُولَى مُسْنَدًا إِلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ وَالْمَسْنَدَ إِلَيْهِ فِي الْأُولَى مُسْنَدًا فِي الثَّانِيَةِ وَمَآلُ الْأُسْلُوبَيْنِ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمَآلَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا هُوَ ذَاكَ عَلَى حَدِّ: وَشِعْرِي شِعْرِي، تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَلِيُبْنَى عَلَيْهَا تَفْرِيعٌ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ لِيُعَلِّمَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَعْذَارَ الْمُوجِبَةَ لِلِاسْتِئْذَانِ، أَيْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَأْذِنُوا فِي الذَّهَابِ إِلَّا لِشَأْنٍ مُهِمّ من شؤونهم.

وَوَقَعَ الِالْتِفَاتُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْله: يستأذنوك تَشْرِيفًا للرسول صلى الله عليه وسلم بِهَذَا الْخِطَابِ.

وَقَدْ خَيَّرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فِي الْإِذْنِ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالشَّأْنِ الَّذِي قَضَاؤُهُ أَرْجَحُ مِنْ حُضُورِ الْأَمْرِ الْجَامِعِ لِأَنَّ مَشِيئَةَ النَّبِيءِ لَا تَكُونُ عَنْ هَوًى وَلَكِنْ لِعُذْرٍ وَمَصْلَحَةٍ.

ص: 307