المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة المؤمنون (23) : آية 9] - التحرير والتنوير - جـ ١٨

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌23- سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ

- ‌أغراض السُّورَة

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 5 إِلَى 7]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 8]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 9]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 10 إِلَى 11]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 17]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 18 إِلَى 20]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 21 إِلَى 22]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 23 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 26 إِلَى 27]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 28 إِلَى 29]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 31 إِلَى 32]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 33 إِلَى 38]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 39 إِلَى 40]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 42 إِلَى 43]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 45 إِلَى 48]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 49]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 50]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 55 إِلَى 56]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 57 إِلَى 61]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 64 إِلَى 67]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 68 إِلَى 70]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 71]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 72]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 73 إِلَى 74]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 75]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 76 إِلَى 77]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 78]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 79]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 80]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 81 إِلَى 83]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 84 إِلَى 85]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 86 إِلَى 87]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 88 إِلَى 89]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 90]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 91 إِلَى 92]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 93 إِلَى 95]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 96]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 97 إِلَى 98]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 99 إِلَى 100]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 101 إِلَى 104]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 105 إِلَى 107]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 108 إِلَى 111]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : الْآيَات 112 إِلَى 114]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 115]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 116]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 117]

- ‌[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 118]

- ‌24- سُورَةُ النُّورِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةُ

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 4 إِلَى 5]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 6 إِلَى 9]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 12]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 13]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 14]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 15]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 16]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 20]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 21]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 22]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 23 إِلَى 25]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 26]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 27 إِلَى 28]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 29]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 30]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 31]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 32]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 33]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 34]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 35]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 36 إِلَى 38]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 39]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 40]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 41]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 42]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 43]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 44]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 45]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 46]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 47 إِلَى 50]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 51]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 52]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 53]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 54]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 55]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 56]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 57]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : الْآيَات 58 إِلَى 59]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 60]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 61]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 62]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 63]

- ‌[سُورَة النُّور (24) : آيَة 64]

- ‌25- سُورَةُ الْفُرْقَانِ

- ‌أَغْرَاضُ هَذِهِ السُّورَةِ

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 1]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 2]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 3]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 4]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 5]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 6]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 7 الى 9]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 10]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 11]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 12 إِلَى 14]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 15 إِلَى 16]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : الْآيَات 17 إِلَى 18]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 19]

- ‌[سُورَة الْفرْقَان (25) : آيَة 20]

الفصل: ‌[سورة المؤمنون (23) : آية 9]

وَالْعَهْدُ: الْتِزَامٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى شَيْءٍ يُعَامِلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ الْآخَرَ بِهِ.

وَسمي عهدا لِأَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ بعد اللَّهِ، أَيْ بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ رَقِيبًا عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ لَا يُفِيتُهُمُ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى تَخَلُّفِهِ، وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ

فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [27] .

وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ مِنْ أَعْظَمِ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى شَرَفِ النَّفْسِ وَقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَيْنِ قَدْ يَلْتَزِمُ كُلُّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ عَمَلًا عَظِيمًا فَيُصَادِفُ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الِالْتِزَامِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَيَصْعُبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَجَشَّمَ عَمَلًا لِنَفْعِ غَيْرِهِ بِدُونِ مُقَابِلٍ يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ الْخَتْرَ بِالْعَهْدِ شُحًّا أَوْ خَوْرًا فِي الْعَزِيمَةِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ عَلَامَةً عَلَى عِظَمٍ النَّفْسِ قَالَ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الْإِسْرَاء: 34] .

وَالرَّعْيُ: مُرَاقَبَةُ شَيْءٍ بِحِفْظِهِ مِنَ التَّلَاشِي وَبِإِصْلَاحِ مَا يَفْسَدُ مِنْهُ، فَمِنْهُ رَعْيُ الْمَاشِيَةِ، وَمِنْهُ رَعْيُ النَّاسِ، وَمِنْهُ أُطْلِقَتِ الْمُرَاعَاةُ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ ذُو الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَامَلَةِ. وَالْقَائِمُ بِالرَّعْيِ رَاعٍ.

فَرَعْيُ الْأَمَانَةِ: حِفْظُهَا، وَلَمَّا كَانَ الْحِفْظُ مَقْصُودًا لِأَجْلِ صَاحِبِهَا كَانَ رَدُّهَا إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ حِفْظِهَا. وَرَعْيُ الْعَهْدِ مَجَازٌ، أَيْ مُلَاحَظَتُهُ عِنْدَ كُلِّ مُنَاسَبَةٍ.

وَالْقَوْلُ فِي تَقْدِيمٍ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ عَلَى راعُونَ كالقول فِي نظايره السَّابِقَةِ، وَكَذَلِكَ إِعَادَةُ اسْمِ الْمَوْصُولِ.

وَالْجَمْعُ بَيْنَ رَعْيِ الْأَمَانَاتِ وَرَعْيِ الْعَهْدِ لِأَنَّ الْعَهْدَ كَالْأَمَانَةِ لِأَنَّ الَّذِي عَاهَدَكَ قَدِ ائْتَمَنَكَ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ الْعَهْدُ.

وَذَكَرَهُمَا عَقِبَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَمَانَةُ اللَّهِ عِنْدَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْمَالِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ: حَقَّ اللَّهِ، وَحَقَّ الْمَالِ، وَحقّ الْمِسْكِين.

[9]

[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 9]

وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ

ص: 17

(9)

ثَنَاءٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، أَيْ بِعَدَمِ إِضَاعَتِهَا أَوْ إِضَاعَةِ بَعْضِهَا، وَالْمُحَافَظَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْحِفْظِ إِذْ لَيْسَتِ الْمُفَاعَلَةُ هُنَا حَقِيقِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ [الْبَقَرَة: 238] وَتَقَدَّمَ مَعْنَى الْحِفْظِ قَرِيبًا.

وَجِيءَ بِالصَّلَوَاتِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَعْدَادِهَا كُلِّهَا تَنْصِيصًا عَلَى الْعُمُومِ.

وَإِنَّمَا ذُكِرَ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: 2]

لِأَنَّ ذِكْرَ الصَّلَاةِ هُنَالِكَ جَاءَ تَبَعًا لِلْخُشُوعِ فَأُرِيدَ خَتْمُ صِفَاتِ مَدْحِهِمْ بِصِفَةِ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى الصَّلَوَاتِ لِيَكُونَ لِهَذِهِ الْخَصْلَةِ كَمَالُ الِاسْتِقْرَارِ فِي الذِّهْنِ لِأَنَّهَا آخِرُ مَا قَرَعَ السَّمْعَ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.

وَقَدْ حَصَلَ بِذَلِكَ تَكْرِيرُ ذِكْرِ الصَّلَاةِ تَنْوِيهًا بِهَا، وَرَدًّا لِلْعَجُزِ عَلَى الصَّدْرِ تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ تِلْكَ الصِّفَاتُ لِتَزْدَادَ النَّفْسُ قَبُولًا لِسَمَاعِهَا وَوَعْيِهَا فَتَتَأَسَّى بِهَا.

وَالْقَوْلُ فِي إِعَادَةِ الْمَوْصُولِ وَتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ وَإِضَافَةِ الصَّلَوَاتِ إِلَى ضَمِيرِهِمْ مِثْلَ الْقَوْلِ فِي نَظِيرِهِ وَنَظَائِرِهِ.

وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ عَلى صَلَواتِهِمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَخَلَفٌ عَلَى صَلَاتِهِمْ بِالْإِفْرَادِ.

وَقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أُصُولَ التَّقْوَى الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهَا أَتَتْ عَلَى أَعْسَرِ مَا تُرَاضُ لَهُ النَّفْسُ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ.

فَجَاءَتْ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ وَهُوَ أَسَاسُ التَّقْوَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [الْبَلَد: 17] وَقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النُّور: 39] .

ثُمَّ ذُكِرَتِ الصَّلَاةُ وَهِيَ عِمَادُ التَّقْوَى وَالَّتِي تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَكَرُّرِ اسْتِحْضَارِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَمُنَاجَاتِهِ.

ص: 18

وَذَكَرَتِ الْخُشُوعَ وَهُوَ تَمَامُ الطَّاعَةِ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ لِلْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ غَيْرَ مُسْتَحْضِرٍ خُشُوعًا لِرَبِّهِ الَّذِي كَلَّفَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِذَا تَخَلَّقَ الْمُؤْمِنُ بِالْخُشُوعِ اشْتَدَّتْ مُرَاقَبَتُهُ رَبَّهُ فَامْتَثَلَ وَاجْتَنَبَ. فَهَذَانِ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ.

وَذَكَرَتِ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّغْوِ، وَاللَّغْوُ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ الْمُتَعَلِّقِ بِاللِّسَانِ الَّذِي يَعْسُرُ إِمْسَاكُهُ فَإِذَا تَخَلَّقَ الْمُؤْمِنُ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّغْوِ فَقَدْ سَهُلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ. وَفِي الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّغْوِ خُلُقٌ لِلسَّمْعِ أَيْضًا كَمَا عَلِمْتَ.

وَذَكَرَتْ إِعْطَاءَ الصَّدَقَاتِ وَفِي ذَلِكَ مُقَاوَمَةُ دَاءِ الشُّحِّ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التغابن: 16] .

وَذَكَرَتْ حِفْظَ الْفَرْجِ، وَفِي ذَلِكَ خُلُقُ مُقَاوَمَةِ اطِّرَادِ الشَّهْوَةِ الْغَرِيزِيَّةِ بِتَعْدِيلِهَا وَضَبْطِهَا وَالتَّرَفُّعِ بِهَا عَنْ حَضِيضِ مُشَابَهَةِ الْبَهَائِمِ فَمَنْ تَخَلَّقَ بِذَلِكَ فَقَدْ صَارَ كَبْحُ الشَّهْوَةِ مَلَكَةً لَهُ وَخُلُقًا.

وَذَكَرَتْ أَدَاءَ الْأَمَانَةِ وَهُوَ مَظْهَرٌ لِلْإِنْصَافِ وَإِعْطَاءِ ذِي الْحَقِّ حَقَّهُ وَمُغَالَبَةِ شَهْوَةِ النَّفْسِ لِأَمْتِعَةِ الدُّنْيَا.

وَذَكَرَتِ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ وَهُوَ مَظْهَرٌ لِخُلُقِ الْعَدْلِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْإِنْصَافِ مِنَ النَّفْسِ بِأَنْ يَبْذُلَ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْوَفَاءِ.

وَذَكَرَتِ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَهُوَ التخلق بالعناية بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الْحُدُودِ وَالْمَوَاقِيتِ وَذَلِكَ يَجْعَلُ انْتِظَامَ أَمْرِ الْحَيَاتَيْنِ مَلَكَةً وَخُلُقًا رَاسِخًا.

وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الْخِصَالَ وَجَدْتَهَا تَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ مَا مِنْ شَأْنِ النُّفُوسِ إِهْمَالُهُ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ وَتَرْكِ اللَّغْوِ وَحِفْظِ الْفَرْجِ وَحِفْظِ الْعَهْدِ، وَإِلَى بَذْلِ مَا مِنْ شَأْنِ النُّفُوسِ إِمْسَاكُهُ مِثْلَ الصَّدَقَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ.

فَكَانَ فِي مَجْمُوعِ ذَلِكَ أَعْمَالُ مَلَكَتَيِ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَهُمَا مَنْبَعُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ لِمَنْ تَتَبَّعَهَا.

ص: 19