الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَإِلَى الِاعْتِبَارِ وَالِامْتِنَانِ بِمَصْنُوعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي أَصْلُهَا الْمَاءُ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَقَائِقِ الصُّنْعِ، وَمَا فِي الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَنَافِعِ وَمِنْهَا الْحَمْلُ.
وَمِنْ تَسْخِيرِ الْمَنَافِعِ لِلنَّاسِ وَمَا أُوتِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ آلَاتِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ. وَوَرَدَ ذِكْرُ الْحَمْلِ عَلَى الْفُلْكِ فَكَانَ مِنْهُ تَخَلُّصٌ إِلَى بِعْثَةِ نُوحٍ وَحَدَثِ الطُّوفَانِ.
وَانْتَقَلَ إِلَى التَّذْكِيرِ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ لِلْهُدَى وَالْإِرْشَادِ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَمَا تَلَقَّاهَا بِهِ أَقْوَامُهُمْ مِنَ الْإِعْرَاضِ وَالطَّعْنِ وَالتَّفَرُّقِ، وَمَا كَانَ مِنْ عِقَابِ الْمُكَذِّبِينَ، وَتِلْكَ أَمْثَالٌ لِمَوْعِظَةِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم فَأَعْقَبَ ذَلِكَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوْا.
وَبِتَنْبِيهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَنَّ حَالَهُمْ مُمَاثِلٌ لِأَحْوَالِ الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ وَكَلِمَتَهُمْ وَاحِدَةٌ فَهُمْ عُرْضَةٌ لِأَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ الْمُكَذِّبَةِ. وَقَدْ أَرَاهُمُ اللَّهُ مَخَائِلَ الْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يُقْلِعُونَ عَنِ الْعِنَادِ فَأَصَرُّوا عَلَى إِشْرَاكِهِمْ بِمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي عُقُولِهِمْ.
وَذُكِّرُوا بِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ إِذَا سُئِلُوا بِأَنَّ اللَّهَ مُفْرَدٌ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلَا يُجْرُونَ عَلَى مُقْتَضَى إِقْرَارِهِمْ وَأَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ على الْكفْر عِنْد مَا يَحْضُرُهُمُ الْمَوْتُ وَفِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَبِأَنَّهُمْ عَرَفُوا الرَّسُولَ وَخَبَرُوا صِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَنُصْحَهُ الْمُجَرَّدَ عَنْ طَلَبِ الْمَنْفَعَةِ لِنَفْسِهِ إِلَّا ثَوَابَ اللَّهِ فَلَا عُذْرَ لَهُمْ بِحَالٍ فِي إِشْرَاكِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمُ الرِّسَالَةَ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنِ الْحَقِّ. وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ.
وَخُتِمَتْ بِأَمْر النبيء صلى الله عليه وسلم أَنْ يَغُضَّ عَنْ سُوءِ مُعَامَلَتِهِمْ وَيَدْفَعَهَا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَيَسْأَلَ الْمَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَلَاحُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَة.
[1]
[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (23) : آيَة 1]
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
(1)
افْتِتَاحٌ بَدِيعٌ لِأَنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ فَإِنَّ الْفَلَاحَ غَايَةُ كُلِّ سَاعٍ إِلَى عَمَلِهِ، فَالْإِخْبَارُ بِفَلَاحِ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلِ الْفَلَاحِ يَقْتَضِي فِي الْمَقَامِ الْخِطَابِيِّ تَعْمِيمَ مَا بِهِ الْفَلَاحُ الْمَطْلُوبُ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فِي كُلِّ مَا رَغِبُوا فِيهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ هِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ مُنْصَرِفَةً إِلَى تَمَكُّنِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ نُفُوسِهِمْ كَانَ ذَلِكَ إِعْلَامًا بِأَنَّهُمْ نَجَحُوا فِيمَا تَعَلَّقَتْ بِهِ هِمَمُهُمْ مِنْ خَيْرِ الْآخِرَةِ وَلِلْحَقِّ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، وَيَتَضَمَّنُ بِشَارَةً بِرِضَى اللَّهِ عَنْهُمْ وَوَعْدًا بِأَنَّ اللَّهَ مُكْمِلٌ لَهُمْ مَا يَتَطَلَّبُونَهُ مِنْ خَيْرٍ.
وَأَكَّدَ هَذَا الْخَبَرَ بِحَرْفِ (قَدْ) الَّذِي إِذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ الْمَاضِي أَفَادَ التَّحْقِيقَ أَيِ التَّوْكِيدَ، فَحَرْفُ (قَدْ) فِي الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ يُفِيدُ مُفَادَ (إِنَّ وَاللَّامِ) فِي الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، أَيْ يُفِيدُ تَوْكِيدًا قَوِيًّا.
وَوَجْهُ التَّوْكِيدِ هُنَا أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا مُؤْمِلِينَ مِثْلَ هَذِهِ الْبِشَارَةِ فِيمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ رَجَاءِ
فَلَاحِهِمْ كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ: وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الْحَج: 77] ، فَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ تَحَقُّقَ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِمَا أَرْضَى رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ أَنْ يَكُونُوا فَرَّطُوا فِي أَسْبَابِهِ وَمَا عَلَّقَ عَلَيْهِ وَعْدَهُ إِيَّاهُمْ، بَلْهَ أَنْ يَعْرِفُوا اقْتِرَابَ ذَلِكَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِأَنَّ مَا تَرَجُّوهُ قَدْ حَصَلَ حَقَّقَ لَهُمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ وَبِفِعْلِ الْمُضِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَى التَّحَقُّقِ. فَالْإِتْيَانُ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ تَرَقُّبِهِمْ إِيَّاهُ لِفَرْطِ الرَّغْبَةِ وَالِانْتِظَارِ مَنْزِلَةَ الشَّكِّ فِي حُصُولِهِ، وَلَعَلَّ مِنْهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، إِشَارَةً إِلَى رَغْبَةِ الْمُصَلِّينَ فِي حُلُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ
قَالَ النبيء صلى الله عليه وسلم: «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ»
وَشَأْنُ الْمُؤْمِنِينَ التَّشَوُّقُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ كَمَا يُشَاهَدُ فِي تَشَوُّقِ كَثِيرٍ إِلَى قِيَامِ رَمَضَانَ.
وَحَذْفُ الْمُتَعَلِّقِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُمْ أَفْلَحُوا فَلَاحًا كَامِلًا.
وَالْفَلَاحُ: الظَّفَرُ بِالْمَطْلُوبِ مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ. وَنِيطَ الْفَلَاحُ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ فِي الْفَلَاحِ فَإِنَّ الْإِيمَانَ وَصْفٌ جَامِعٌ لِلْكَمَالِ لِتَفَرُّعِ جَمِيعِ الكمالات عَلَيْهِ.