المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة البقرة 1 - قوله تعالى: (الم) . كُرِّرَ في أوائل - فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن - جـ ١

[زكريا الأنصاري]

فهرس الكتاب

- ‌سُورَة الفَاتِحة

- ‌سورة البقرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سُورَة النسِّاء

- ‌سُورة المَائِدَة

- ‌سُورَة الأَنعام

- ‌سُورَة الأعراف

- ‌سورة الأَنفَال

- ‌سورة التَّوبة

- ‌سورة يونس

- ‌سورة هود

- ‌سورة يوسف

- ‌سورة الرعد

- ‌سورة إبراهيم

- ‌سورة الحجر

- ‌سورة النحل

- ‌سورة الإسْرَاء

- ‌سورة الكهف

- ‌سورة مريم

- ‌سورة طه

- ‌سورة الأَنبياء

- ‌سورة الحجّ

- ‌سورة المؤمنون

- ‌سُورة النُّور

- ‌سورة الفرقان

- ‌سورة الشعَراء

- ‌سُورَة النَّمْل

- ‌سُوَرة القصص

- ‌سورة العنكبوت

- ‌سُورَة الرُّوم

- ‌سورة لقمان

- ‌سُوَرة السجْدة

- ‌سُورَة الأحزاب

- ‌سُوَرة سبأ

- ‌سورة فاطر

- ‌سُوَرة يس

- ‌سُورة الصّافَّات

- ‌سورة ص

- ‌سورة الزُمر

- ‌سُوَرة غافر

- ‌سورة فصلَتْ

- ‌سورة الشورى

- ‌سُورَة الزُّخْرُف

- ‌سورة الدُّخَان

- ‌سورة الجاثية

- ‌سُورَة الأَحقاف

- ‌سُورَة محمد

- ‌سورة الفتح

- ‌سُورَة الحجرات

- ‌سورة ق

- ‌سُوَرة الذّارِيَات

- ‌سُورَة الطور

- ‌سورة النجم

- ‌سُورَة القمر

- ‌سورة الرحمن

- ‌سُورة الوَاقِعَة

- ‌سورة الحديد

- ‌سُورة المجادَلة

- ‌سُورة الحشْر

- ‌سُورة الممتَحنة

- ‌سُوَرة الصَّف

- ‌سُورَة الجُمُعة

- ‌سُورة المنافِقون

- ‌سُوَرة التغَابن

- ‌سورة الطلاق

- ‌سُورة التحريم

- ‌سورَة الملك

- ‌سوَرة القَلَم

- ‌سُورة الحَاقَّة

- ‌سورة المعارج

- ‌سُورة نوح

- ‌سورة الجن

- ‌سُورة المُزَّمِّل

- ‌سورة المدثر

- ‌سُورة القيامَة

- ‌سورة الإنسان

- ‌سُورَة المرُسلات

- ‌سورة النبأ

- ‌سورة النازعات

- ‌سورة عبس

- ‌سورة التكوير

- ‌سورة الانفِظار

- ‌سُورة المطُفِّفين

- ‌سورة الانشقاق

- ‌سورة البرُوج

- ‌سورة الطارق

- ‌سورة الأعلى

- ‌سورة الغاشِيَة

- ‌سورة الفجر

- ‌سورة البَلَد

- ‌سورة الشمس

- ‌سُورَة اللَّيْل

- ‌سورة الضحى

- ‌سُورة الشرح

- ‌سورة التين

- ‌سُورَة العَلَق

- ‌سُورة القَدْر

- ‌سُورَة البينة

- ‌سورة الزلزلة

- ‌سُورة العاديات

- ‌سُورَة القَارعَة

- ‌سُوَرة التكاثر

- ‌سُورة العصر

- ‌سُوَرة الهُمزة

- ‌سُورَة الفِيل

- ‌سورة قريش

- ‌سُورة الماعُون

- ‌سُورَة الكوثَر

- ‌سورة الكافرون

- ‌سورة النصر

- ‌سُورَة المَسد

- ‌سورة الإخْلاص

- ‌سورة الفلق

- ‌سورة الناس

الفصل: ‌ ‌سورة البقرة 1 - قوله تعالى: (الم) . كُرِّرَ في أوائل

‌سورة البقرة

1 -

قوله تعالى: (الم) . كُرِّرَ في أوائل ستِّ سور.

وزاد في " الأعراف " صاداً لقوله بعده (فَلَا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ منه. .) الآية.

وفي " الرعد " راءً لقوله بعده (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ. .) الآية.

واعلم أن حرف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر اللهُ بعلمه، وهي سِرُّ القرآن.

وفائدة ذكرها طلبُ الِإيمان بها.

وقيل: هي معلوماتُ المعاني، وعليه:

فقيل: كل حرف منها أول اسم من أسماء الله.

ص: 12

فالألف من " الله " واللام من " اللطيف " والميم من " المجيد " والصادُ من " صادق " والرَّاءُ من " رءوف ". وقيل: هي أقسامٌ أقسم الله بها لشرفها.

وقيل: غيرُ ذلك وأَنَّ تسميتَها حروفاً مجازٌ، وإِنما هي أسماءٌ مسمياتها الحروف المبسوطة. . وعليه فقيل: مُعْربة، وقيل: مبنيَّةٌ، وقيل: لا، ولا، وقد بيَّنت ذلك في غير هذا الكتاب.

2 -

قوله تعالى: (لَارَيْبَ فِيهِ) أي لا شكَّ فيه.

فإِن قلتَ: كيف نفى الرَّيْب، وكم ضالً ارتاب فيه؟

قلتُ: المراد أنه ليس محلًا للرَّيب، أو لا ريب فيه عند الله، ورسوله، والمؤمنين.

أو ذلك نفيٌ بمعنى النَّهي، أي لا ترتابوا فيه لأنه من عند الله، ونظيره قوله تعالى (إِنَّ السَّاعةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فيها. .) .

ص: 13

فإِن قلتَ: كيف قال: (هُدَىً لِلمُتَّقِينَ) وفيه تحصيلُ الحاصل، لأن المتقين مهتدون؟

قلتُ: إنما صاروا متَّقينَ باستفادتهم الهُدَى من الكتاب، أو المراد بالهدى الثباتُ والدوام عليه.

أو أراد الفريقين واقتصر على المتقين، لأنهم الفائزون بمنافع الكتاب، وللِإيجاز كما في قوله تعالى (سرابيلَ تقيكم الحرَّ. .) .

3 -

قوله تعالى: (هُمْ يُوقِنُونَ) أي يعلمون. واليقينُ: العلمُ بعد أن لم يكن، ولهذا لا يُقال لعلم اللَّهِ يقينٌ.

4 -

قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ) .

فإِن قلتَ: لمَ ذَكرَ ذلك مع قوله قبلُ " هُدَىً للمُتَّقِينَ "؟

قلتُ: لأنه ذكر هنا مع " هُدىً " فاعِله، بخلاف ثَمَّ.

ص: 14

5 -

قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)

فإِن قلتَ: لِمَ حُذِفَ الواوُ هنا، وأُثْبتت في " يسَ "؟

قلتُ: لأن ما هنا جملةٌ هي خبر عن اسم " إنَّ " وما هناك جملةٌ عُطفت على أخرى.

فإِن قلتَ: ما فائدةُ بعثةِ الرسل بعد قوله (سَوَاءٌ عليهم) الآية؟

قلتُ: لئلا يكون للناس حجة، أو لأنَّ الآية نزلتْ في قومِ " لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آية " فبعثةُ الرسل انتفع بهَا آخرون فآمنوا.

6 -

قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)

إن قلتَ: كيف قاله، مع أن المخادعة إنما تُتصوَّر في حقّ من تخفى عليه الأمور، ليتمَّ الخداعُ من حيث لا يعلم، ولايخفى على الله شيءٌ؟

قلت: المراد يخادعون رسول الله، إذْ معاملةُ اللَّهِ

ص: 15

معاملة رسوله، كعكسه لقوله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ "، وقوله " مَنْ يُطِعِ الرَّسولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "، أو سمَّى نفاقَهم خداعاً لشَبهِهِ بفعل المخادع.

7 -

قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ) .

إن قلتَ: كيف خصَّ الفساد بالمنافقين، مع أن غيرهم مفسدٌ؟

قلتُ: المرادُ بالفسادِ الفسادُ بالنفاق، وهم كانوا مختصَين به.

8 -

قوله تعالى: (اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ) .

إن قلت: الاستهزاءُ من باب العَبَث والسخرية، وذلك قبيحٌ على الله تعالى ومنزَّه عنه؟

قلتُ: سمَّى جزاء الاستهزاء استهزاءً مشاكلةً كقوله " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " والمعنى أن الله يجازيهم جزاء استهزائهم.

9 -

قوله تعالى: (أو كصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ) .

ص: 16

إِن قلتَ: ما فائدة قوله " من السَّمَاء " مع أن الصيِّبَ لا يكون إِلَّا منها؟

قلتُ: فائدتُه أنه عرَّف السماءَ، وأضاف الصيِّب إليها، ليدلَّ على أنه من جميع آفاقِ السَّماء، لا من أُفُقٍ واحد، إِذْ كُلّ - أفُق يُسمَّى سماءً، ونظيرُ ذلك قولُه تعالى:" وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في الأَرْضِ ".

10 -

قوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابهُمْ فِي آذَانِهِمْ. .) .

عبَّر بالأصابع عن أناملها، والمرادُ بعضها لأنهم إنما جعلوا بعض أناملها.

11 -

قوله تعالى: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي إنه لا أنداد له.

فإِن قلتَ: المشركون لم يكونوا عالمين بذلك، بل كانوا يعتقدون أنَّ له أنداداً؟

قلتُ: المرادُ وأنتم تعلمون أن الأنداد لا تقدر على

ص: 17

شيءٍ ممَّا مرَّ قبل ذلك، أو وأنتم تعلمون أنه ليس في التوراة والِإنجيل جوازُ اتخاذ الأنداد.

12 -

قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)

إن قلتَ: لِمَ ذُكرت " مِنْ " هنا، وحُذفت في سورتَيْ " يونس " و " هود "؟

قلتُ: لأن " مِنْ " هنا للتَّبعيضِ، أو للتَّبْيينِ، أو زائدة على قول الأخفش، بتقدير رجوع الضمير في " مثلِه " إلى " مَا " في قوله:" مِمَّا نَزَّلْنَا " وهو الأوجه. والمعنى على الأخير: فأتوا بسورةٍ مماثلةٍ للقرآن، في البلاغة وحُسْنِ النَّظْم، وعلى الأوَّلَيْن: فأتوا بسورةٍ مما هو على صفته في البلاغة، وحُسن النَّظم، وحينئذٍ فكأنه منه، فحُسن الِإتيان بـ " مِنْ " الدالة على ما ذكر. بخلاف ذاكَ، فإِنه قد وصف السور بالافتراء، صريحاً في " هود "، وإِشارةً في " يونس " فلم يَحْسُنْ الإتيان بـ " مِنْ " الدالَّة على ما ذُكر، لأنها حينئذٍ تُشعر بأنَّ ما بَعْدها من جنس ما قَبْلَها، فيلزم أن يكون قرآناً وهو محالٌ.

ويجوز جعلُ " مِنْ " للابتداء، بتقدير رجوع الضمير في " مثله " إلى عبدنا أي " محمد " والمعنى: فأتوا

ص: 18

بسورةٍ مبتدأةٍ من شخصٍ مثل محمد صلى الله عليه وسلم.

13 -

قوله تعالى: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) .

أي من غيره، وهو بهذا المعنى في جميع ماجاء منه في القرآن. وقد يستعمل بمعنى " قبل " كقولهم: المدينة دون مكة، ولا أقومُ من مجلسي دون أن تَجيء، ولا أفارفك دون أن تُعطيني حقَي.

14 -

قوله تعالى: (فَاتَّقوا النَّارَ) .

إن قلتَ: كيف عرَّف النَّار هنا، ونكَّرها في التحريم؟

قلت: لأن الخطاب في هذه مع المنافقين، وهم في أسفل النَّار المحيطة بهم، فعُرِّفت بلام الاستغراق، أو العهد الذهني، وفي تلك مع المؤمنين، والذي يُعذَّب من عصاتهم بالنَّار، يكون في جزءٍ من أعلاها، فناسب تنكيرها لتقليلها.

ص: 19

وقيل: لأن تلك الآية نزلت قبل هذه بمكة، فلم تكن النار التي وقودُها النَّاس والحجارة معروفةً فنكَّرها ثَمَّ، وهذه نزلت بالمدينة فعُرِّفَتْ، إشارةً إلى ما عرفوه أولاً. ورُدَّ هذا بأن " آية التحريم " نزلت بالمدينة بعد الآية هنا.

15 -

قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ. .) .

إن قلتَ: كيف شرَطَ في دخول المؤمنِ الجنَّة العملَ الصالح، مع أن مجرَّد الإِيمان كافٍ في دخولها! ؟

قلتُ: المرادُ بالعمل الصالح: الإِخلاصُ في الإِيمان، أو الثبات عليه إلى الموت. (1)

أو المرادُ بدخول الجنَّة دخولها مع الفائزين.

16 -

قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِل فِي الَأرْضِ خَلِيفَةً. .) .

أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً.

ص: 20

أو " آدم " بمعنى خليفة عني بأمري.

أوخليفةً عن ملائكتي أو عن الجنّ.

17 -

قوله تعالى: (اسْجُدُوا لآدَمَ) أي تكرمةً لا عبادة.

18 -

قوله تعالى: (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكلَا. .) .

إن قلتَ: لم قال هنا " وَكُلَا " بالواو، وفي الأعراف " فَكُلَا " بالفاء؟

قلتُ: لأنَّ " اسْكُنْ " هنا معناه استقرَّ، لكون " آدم " و " حواء " كانا في الجنة، والأكلُ يُجامع الاستقرار غالباً، فلهذا عطف بالواو الدَّالة على الجمع.

ص: 21

والمعنى: اجمعا بين الاستقرار والأكل.

وفي الأعراف: معناه أدخل لكونِهما كانا خارجين عنها، والأكل لا يكون مع الدخول عادة بل عَقِبه، فلهذا عطف بالفاء الدالة على التعقيب. . وقد بسطت الكلام على ذلك في الفتاوى.

19 -

قوله تعالى: (اهْبِطوا مِنْهَا. .) .

كرَّر الأمر بالهبوط للتوكيد.

أو لأن الهبوط الأول من الجنة، والثاني من السماء.

أو لأن الأول إلى دار الدنيا، يتعادون فيها ولا يخلَّدون، والثاني إليها للتكليف، فمن اهتدى نجا، ومن ضلَّ هَلك.

20 -

قوله تعالى: (فَمَنْ تَبعَ هدَايَ. .) .

وفي " طه ": (فَمَنِ اتّبَعَ هدَايَ. .) .

إن قلت: لِمَ عبَّر هنا بـ " تَبعَ " وَثَمَّ ب " اتَّبَع " مع أنهما بمعنى؟

قلت: جرياً على الأصل هنا، وموافقة لقوله " يومئذٍ

ص: 22

يتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ " ثَمَّ.

ولأن القضيَّة لما بُنيت من أول الأمر على التأكيد بقوله تعالى: " وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ " ناسبَ اختصاصها بالزيادة المفيدة للتأكيد.

21 -

قوله تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ. .) .

إن قلتَ: لا تَغَاير بينهما، فكيف عطف أحدهما على الآخر؟

قلتُ: بل هما متغايران لفظاً كما في قوله تعالى: " أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ".

أو لفظاً ومعنى، لأن المراد بلبسهم الحقَّ بالباطل، كتابتُهم في التوراة ما ليس فيها، وبكتمانهم الحقَّ قولُهم: لا نجد في التوراة صفة محمد.

22 -

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) .

ص: 23

إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ الثاني، مع أنَّ ما قبله يُغني عنه؟

قلتُ: لا يُغني عنه، لأنَّ المراد بالأول: أنَّهم ملاقوا ثواب ربهم، على الصبر والصلاة.

وبالثاني: أنّهم موقنون بالبعتْ، وبحصول الثواب على ما ذُكر.

23 -

قوله تعالى: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ. .) .

فإِن قلتَ: ما الحكمةُ في تقديم الشَّفاعة هنا، وعكسُه فيما يأتي؟

قلتُ: للِإشارة هنا إلى مَنْ ميلُه إلى حبِّ نفسه أشد منه إلى حبِّ المال، وَثَمَّ إلى مَنْ هو بعكس ذلك.

24 -

قوله تعالى: (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكمْ. .) .

فإِن قلتَ: ما الحكمةُ في ترك العاطف هنا، وذكرِه

في سورة إبراهيم؟

ص: 24

قلتُ: لأن ما هنا من كلام الله تعالى، فوقع تفسيراً لما قبله.

وما هناك من كلام موسى وكان مأموراً بتعداد المِحَن في قوله: (وذَكِّرْهُمْ بأَيِّام اللهِ) فعدِّد المِحَن عليهم، فناسب ذكر العاطف.

25 -

قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .

إن قلتَ: ما الحكمةُ في ذكر " كانوا " هنا وفي الأعراف، وفي حذفها في آل عمران؟

قلتُ: لأن ما في السورتين، إخبارٌ عن قومٍ ماتوا وانقرضوا، فناسب ذكرها، وما فى " آل عمران " مَتل ضربه تعالى لأعمالهم بقوله " مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ " إلى آخره.

26 -

قوله تعالى: (وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا. .) .

ص: 25

فإن قلتَ: ما الحكمةُ في العطف بالفاء هنا، وفي الأعراف بالواو؟

قلتُ: لأنه عبَّر هنا بالدخول، وهو سريعُ الانقضاء، فلا يناسبه مجامعة الأكلِ له، وإنما يناسبه تعقيبه له، فعطف بالفاء. وعَبَّر بالأعراف بالسكون، أي الاستقرار وهو ممتدٌّ يجامعه الأكلُ، فعطف بالواو.

27 -

قوله تعالى: (وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً. .) .

إن قلتَ: لمَ قدَّمه على قوله " وَقُولُوا حِطَّةٌ " وعَكس في الأعراف؟

قلتُ: لأنه هنا وقع بياناً لكيفية الدخول المذكور قبله، بقوله:(وإذْ قُلْنَا ادْخلُوا هذهِ القَرْيةَ. .) بخلافه ثَمَ.

28 -

قوله تعالى: (وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ)

ص: 26

إن قلتَ: لمَ ذكرَ هنا بالواو، وفي الأعراف بدونها؟

قلتُ: لأنَّ اتصالَه هنا أشدُّ، لِإسناد القول فيه إلى

الله تعالى في قوله " وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا ". بخلافه ثَمَّ، فالأليقُ به حذفُ الواو ليكون استئنافاً.

29 -

قوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. .) .

إن قلتَ: هم لم يُبدِّلوا غير الذي قيل لهم، وإنما بدَّلوه نفسه، لأنهم قيل لهم قولوا " حِطَّةٌ " فقالوا: حنطة.

قلتُ: بل بدَّلوا غير الذي قيل لهمِ، لأن معناه: فبدَّل الذين ظلموا قولًا قيل لهم، فقالوا قولاً غير الذي قيل لهم.

وزاد في الأعراف " منهم " موافقةً لقوله قبله " وَمِنْ قَوْمِ موسى " ولقوله بعده " مِنْهمُ الصَّالِحونَ وَمِنْهمْ دُوْنَ ذَلِكَ ".

30 -

قوله تعالى: (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ

ص: 27

ظَلَمُوا. .) .

عبَّر بدله في الأعراف بقوله: (فَأَرْسَلْنَا) لأنَ لفظ " الرسول " و " الرِّسالة " كثُر ثَمَّ، فناسب التعبير بأرسلنا.

31 -

قوله تعالى: (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً. .) .

عبَّر بدَلَه في الأعراف بقوله: (فَانْبجَسَتْ) والأول أبلغُ لأنه انصبابُ الماء بكثرة، والانبجاسُ: ظهورُ الماء، فناسب ذكر " الانفجار " هنا الجمعُ قبله بين الأكل والشرب، الذي هو أبلغ من الاقتصار على الأكل.

32 -

قوله تعالى: (وَلَا تَعْثَوْا في الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) .

إن قلتَ: العثُوُّ: الفسادُ، فيصير المعنى: ولا تفسدوا في الأرض مفسدين.

قلتُ: لا محذور فيه، غايتُه أن " مُفْسِدينَ " حالٌ

من فاعل " تَعْثَوْا " فهي حالٌ مؤكدة كما في قوله: " ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " أو حالٌ مؤسِّسَة إذ " العُثُوُّ " لكونه التَّمادي في الفساد، أخصُّ من الفساد. فالمعنى - كما قال الزمخشري - لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم. 33 - قوله تعالى:(لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) .

إن قلتَ: كيف قالوا: " على طَعامِ

ص: 28

واحدٍ " وطعامُهم كان طعاميْن: " المَنَّ " و " السَّلوى "؟

قلتُ: المرادُ بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدَّل، أو بالطَّعاميْن أنهما ضربٌ واحدٌ، لأنهما من طعام أهل التلذُّذ والتَّرف، أو أنهما كانا يؤكلان مختلطيْنِ.

34 -

قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَق) .

عَرَّف الحقَّ هنا، ونكَّره في " آل عمران " و " النساء "!!

لأنَّ ما هنا لكونه وقع أولاً إشارةً إلى " الحقِّ " الذي أذن الله أن يُقتل النَّفسُ به، وهو قوله:" وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ الَّلهُ إلَاّ بالحقِّ " فكان التعريف أولى، وهناك أُريد به " بغير حقٍّ " في معتقدهم ودينهم، فكان بالتنكير أولى.

فإن قلتَ: قتلُ النبِّيينَ لا يكون إلّا بغير الحقِّ، فما فائد " ذلك؟

ص: 29

قلتُ: فائدتُه التصريحُ بصفةِ فعلهم القبيح، لأنه أبلغُ في الشناعة.

فإن قلتَ: لمَ مكَّنَ الكافرين من قتلِ الأنبياءِ؟

قلتُ: كرامةً لهم، وزيادةً في منازلهم، كمن يُقْتلُ في الجهادِ من المؤمنين.

35 -

قوله تعالى: (وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ. .)

فإن قلتَ: لمَ قدَّم النَّصارى على الصَّابئين هنا، وعكَسَ في المائدة والحجِّ؟

قلتُ: لأن النصارى مقدَّمون على الصَّابئِين في الرتبة، لأنهم أهلُ كتابٍ، فقُدِّموا في " البقرة " لكونها أوَّلاً. والصَّابئون مقدَّمون على النَّصارى في الزمن، فقُدّموا في " الحّجِ "، ورُوعي في " المائدة " المعنيان، فقُدّموا في اللفظ وأُخِّروا في المعنى، إذِ التقديرُ:

ص: 30

والصابئون كذلك كما في قول الشاعر:

فمنْ يَكُ أمْسَى في المدينةِ رَحْلُه

فإنّي وَقَيارٌ بهَا لَغَريبُ

إذِ التقديرُ: فإني لغريبٌ بها وقيارٌ كذلك.

36 -

قوله تعالى: (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) .

فإن قلتَ: كيف أُمروا بذلك مع أنه ليس في وسعهم؟

قلتُ: هذا أمرُ إيجادٍ لا أمُر إيجابٍ، كقوله " كنْ فيكونُ ".

37 -

قوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) .

إن قلتَ: " بَين " تقتضي شيئين فأكثر، فكيف دخلت على " ذلك " وهو مفرد؟

قلتُ: " ذَلِكَ " يُشارُ به إلى المفرد، والمثنَّى، والمجموع، ومنه قولُه تعالى:" قُلْ بفضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمتِهِ فَبِذلك فَلْيفرحوا "

ص: 31

وقولُه: " وإنْ تَصْبروا وَتَتَّقوا فَإِنّ ذَلِكَ من عَزْمِ الأُمورِ "

وقولُه: " زُيِّن للناسِ حبّ الشهوات من النساء والبنين. . . " ثم قال " ذلك متاعُ الحياةِ الدنيا ". فالمعنى: عَوَانٌ بين الفارض والبكر.

38 -

قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ. .) .

فإن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ اليدِ، مع أنَّ الكتابةَ لا تكون إِلَّا بها؟

قلتُ: فائدتُه تحقيقُ مباشرتهم ما حرَّفوه بأنفسهم، زيادةً في تقبيح فعلهم.

39 -

قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسنَا النارُ إلَّا أَياماً مَعْدُودَةً) .

إن قلتَ: لمَ قال هنا " معدودة " وفي آل عمران " معدود ات "؟

ص: 32

قلتُ: إشارة إلى الجمع بين الأصل والفرعِ، إذِ الأصلُ في الجمع بالألف والتَّاء إذا كان واحده مذكَّراَ، أن يُقتصر في الوصف على تأنيثه مفرداً كقوله تعالى " فيها سُرر مَرْفوعةٌ " وقد يأتي " سُرُرٌ مرفوعاتٌ " على الجمع، فهو فرع عن الأول، فذكر في " البقرة " على الأصل، لكونها أول، وفي " آل عمران " على الفرع.

40 -

قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلّاَ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) .

فإن قلت: التولّي والإِعراضُ واحدٌ، فلمَ جُمع بينهُما؟

قلتُ: لا محذور فيه لأن قوله " وَأَنتمْ مُعْرضُونَ " حال من فاعل توليتم، فهي حالٌ مؤكَدة كما في قوله تعالى " ثمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ ". أو مؤسسة إذِ المعنى: ثم وليتم عن الوفاء بالعهد، وأنتم معرضون عن النظر والفكر في عاقبة ذلك.

41 -

قوله تعالى: (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) .

ص: 33

فإن قلتَ: لمَ قالَ هنا " لَنْ " وفي الجمعة " لا "؟

قلتُ: لأنَّ " لَنْ " أبلُغ في النفي منْ " لا "، حتى قيل: إنَّها لتأبيد النفي، ودعواهم في البقرة بالغةٌ قاطعة، وهي كونُ الجنَّةِ لهم بصفة الخلوص، فناسب ذكْرُ " لَنْ " فيها.

ودعواهم في " الجمعة " قاصرةٌ مردودة، وهي زعمهم أنهم أولياء الله، فناسبَ ذكرُ " لا " فيها.

42 -

قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا. .) .

فإن قلتَ: لمَ خُصُّوا بالذّكر، مع دخولهم في الناس

في قوله تعالى: " ولتجدنَّهم أحرصَ النَّاسِ على حَيَاةٍ "؟

قلتُ: لشدَّة حرصهم على الحياة، لِإنكارهم البعث.

43 -

قوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُم لَا يُؤْمِنُونَ) .

إن قلتَ: لمَ قال هنا " لا يؤمنون " وفي غيره " لا

ص: 34

يعقلون "، " لا يعلمون "؟

قلتُ: لَأنَّ الآية هنا نزلت في كفارٍ نقضَ بعضهم العهد، وجحد بعضهم الحقَّ، ولم يجتمع هذان الأمران في غير هذه السورة.

44 -

قوله تعالى: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الملَكَيْن)

أي من السِّحر، فهو معطوفٌ على السِّحر قبله، وسوَّغ عليه تغايُرهما لفظاً، والمَلَكان أنزلهما الله تعالى لتعليم السِّحر، ابتلاءً منه للناس.

فإِن قلتُ: هذا يدلّ على جواز تعليم السحر، فلا يكون حراماً؟

قلتُ: الحرامُ تعليمُه ليُعمل به، لا ليُجتنب فإِنه جائزٌ، كما لو سُئل إنسانٌ عن الزِّنا، لزمه بيانه للسائل ليعرفه فيجتنبه.

45 -

قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. . . إلى: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) .

ص: 35

إِن قلتَ: كيف أثبتَ لهم العلم أولًا مؤكداً بلام القَسَم، ونفاه عنهم آخراً؟

قلتُ: المثبتُ لهم علمهم بأنَّ من اختار السِّحر، ما له في الآخرة من نصيب، والمنفيُّ عنهم علمهم بحقيقة ما يصيرون إِليه فيها.

أو المثبتُ لهم العلمُ مطلقاً، والمنفيُّ عنهم العقل، لأنه أصل العلم فإِذا انتفى انتفى.

46 -

قوله تعالى: (لَمَتُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ) .

أي من السِّحر، وهو خبرٌ لمثوبة.

فإِن قلتَ: " خيرٌ " أفعلُ تفضيل، ولا خير في السِّحر؟

قلتُ: ليس " خيرٌ " هنا أفعل تفضيل، بل هو لبيان أنَّ المثوبة فاضلة كما في قوله تعالى " أَفَمَنْ يُلْقى في النَّار خيرٌ " كما يُقال: الرجوع إِلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادي

ص: 36

في الباطل. أو هو أفعل تفضيل، وخاطبهم اللهُ على اعتقادهم أن تعلّم السِّحر خيرٌ، نظراً منهم إِلى حصول مقصودهم الدنيوي به.

47 -

قوله تعالى: (حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. .) . ذِكْرُ " مِنْ عندِ أنفسِهمْ " تأكيدٌ، إِذِ الحَسَد لا يكون إِلَّا من قِبل النَّفس.

48 -

قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الهُدَى. .) .

قال ذلك هنا، وقال في آل عمران " قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللَّهِ ". لأنَّ معنى الهُدَى هنا " القِبْلةُ "، لأنَّ الآية نزلت في تحويلها، وتقديره: قل إن قبلة الله هي الكعبةُ.

ومعناه ثَمَّ " الدَّينُ " لقوله تعالى قَبلُ " ولا تُؤْمنوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينكُمْ " وقوله تعالى " إن الدين عند الله الِإسلام ".

49 -

قوله تعالى: (وَلَئِنِ أتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي

ص: 37

جَاءَكَ مِنَ العِلمِ. .) .

إن قلتَ: ما الحكمة في ذكر " الَّذي " هنا، وذكرِ " ما "

في قوله بعدُ: " مِنْ بعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ " وفي الرعد " بعدما جاءك من العلم "؟

قلتُ: المرادُ بالعلم في الآية الأولى " العلمُ الكاملُ "

وهو العلمُ باللهِ وصفاتِه، وبأَنَّ الهدى هدى الله، فكان الأنسب ذكرُ " الذي " لكونه في التعريف أبلغُ من " ما ". والمراد بالعلم في الثانية والثالثة " العلمُ بنوعٍ "

وهو في الثانية العلمُ بأن قِبلةَ الله هي الكعبةُ، وفي الثانية الحكم العربي، فكان الأنسب ذكرُ " ما ".

ولقلةِ النوعِ في الثانية، بالنسبة إِليه في الثالثة، زيد قبلَ " ما " في الثانية " مِنْ " الدالةِ على التَّبعيض.

50 -

قوله تعالى: (يا بني إِسرائيل اذكروا نعمتي. . . إِلى: شيئاً) .

تكرَّر مع نظيرهِ قبلُ،

ص: 38

مبالغةً في النُّصْح.

51 -

قوله تعالى: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِين وَالْعَاكِفِينَ. .)

قاله هنا بلفظ " والعَاكِفينَ " وفي الحج بلفظ " والقَائِمينَ " والمرادُ منها المقيمون، وغايَرَ بينهما لفظاً، جرياً على عادة العرب من تفنُّنهم في الكلام.

52 -

قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمناً. .) .

فإِن قلتَ: لم نكَّر البلد هنا وعرَّفه في إِبراهيم؟

قلتُ: لأن الدعوة هنا، كانت قبل جعل المكان بلداً دائم الأمنِ في الأول، وبلداً آمناً في الثاني.

53 -

قوله تعالى: (وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَاَ مِنْهُمْ) .

ص: 39

ذكره هنا وفي " الجمعة " بترك الأنفس إيجازاً، وذكرها في " آل عمران " في قوله:(إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهمْ) لأن الله تعالى منَّ على المؤمنين فيها، فجعله من أنفسهم ليكون موجب الجنة أظهر.

ونظيرُه (لقدْ جَاءكمْ رَسولٌ منْ أَنْفُسِكُمْ)

لمَّا وصفه بقوله (عرْيزٌ عليهِ ما عَنِتّمْ) الآية.

جعله من أنفسهم، ليكون موجب الِإجابة والِإيمان به أظهر.

54 -

قوله تعالى: (فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) .

إِن قلتَ: إِنَّ الموت ليس في قدرة الِإنسان حتَّى يُنهى عنه؟

قلتُ: النهيُ في الحقيقة، إِنما هوعن عدم إسلامهم حال موتهم، كقولك: لا تُصلِّ إِلَّا وأنتَ خاشعٌ، إِذِ النهيُ فيه إِنما هو عن ترك الخشوع حال صلاته، لا عن الصلاة. والنكتةُ في التعبير بذلك، إظهار أن موتهم لا على الِإسلام، موتٌ لا خير فيه، وأن الصلاة التي لا خشوع فيها كـ " لا صلاة "!

55 -

قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا باللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِليْنا. .) .

ص: 40

إِن قلتَ: لمَ قال هنا " قُولُوا " و " إِلَيْنَا " وفي آل عمران

" قُلْ " و " عَلَيْنَا "؟

قلتُ: لأن " إِلى " للانتهاء، وهو لا يختصُّ بجهة، والكتبُ منتهيةٌ إِلى المؤمنين بعد نزولها على الأنبياء، والخطابُ هنا للمؤمنين لقوله:(قولُوا آمَنَّا بالله) و " على " للاستعلاء وهو مختص بالأنبياء، وأفضلهم نبيُّنا وهو المخاطب ثَمَّ بقوله (قُلْ آمنا بالله) فكان الأنسب هنا وثَمَّ ما ذُكر. وكُرِّر " ومَا أنزلَ " لاختلاف المنزَّل إلينا، والمنزَّل على إبراهيم وما عُطف عليه.

56 -

قوله تعالى: (وَمَا أوْتِيَ النَّبِيُّونَ. .) .

ذكْرُ " مَا أوْليَ " هنا، وحذفُه في " آل عمران " اختصارٌ، كما هو الأنسب بالآخر. أو لأن الخطاب هنا عامٌّ، وثَمَّ خاصٌّ كما مرَّ فكان الأنسب ذكره في الأول،

ص: 41

وحذفُه في الثاني.

فإِن قلتَ: لم قال هنا " وَمَا أوْتِيَ موسَى "، ولم يقل " وَمَا أُنْزِلَ إِلى موسى " كما قال قبل " وَمَا أً نْزِل إِلَى إِبْرَاهِيمَ "؟

قلتُ: للاحتراز عن كثرة التكرار.

فإِن قلتَ: لمَ كرَّر " وَمَا أُوْتِيَ " هنا، وحذفه في آل عمران؟.

قلتُ: إِنَّما حذفه ثَمَّ للاغتناء عنه بقوله قبله " لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وحكْمَةٍ ".

57 -

قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ. .) .

فإِن قلتَ: إِن أُريد بـ " ما آمنتُمْ بِهِ " اللَّهُ تعالى، فاللَّهُ لا مِثْل له، أو دين الِإسلام فكذلك؟

قلتُ: القصدُ بالآية إنما هو التعجيزُ كما في قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مثلِهِ) أو كلمة " مثْلِ " زائدة للتوكيد كما في قوله " جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بمثْلِها " أو الباء زائدة كما في قوله " وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ " و " مَا " مصدريَّةٌ والمعنى بمثل إيمان منَ آمنتم به وهو اللَّهُ، أو دينُ الِإسلام.

ص: 42

58 -

قوله تعالى: (تِلْكَ أمَّة قَدْ خَلَتْ. .)

ذكَرها مع أَنَّ مضمونَها معلومٌ لِكل مميِّز، للتنبيه على عِظَم العصيان واجتنابه، كما أنَّ قوله " لكُمْ دينكُم وليَ دين " ذُكر مع أنه معلومٌ، للتنبيه على أن الكفر ممَّا يعود بسوء العاقبة عليهم، وكرَّرها مبالغة في النصح، أو لأن " الأمَّة " في الأولى للأنبياء، وفي الثانية لأسلاف اليهود والنصارى. أو لأن الخطاب في الأولى لهم، وفي الثانية لنا تحذيراً عن الِإقتداء بهم.

59 -

قوله تعالى: (ومَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتي كنْتَ عَلَيْهَا. .)

إِن قلتَ: كيف قال " إِلّاَ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبعُ الرَّسُولَ " وهو لم يزل عالماً بذلك؟

قلتُ: هذا ونحوُه باعتبار التعلُّقِ، والمعنى: ليتعلَّق علْمُنا به موجوداً، أو المعنى: ليعلمَ رسولنا والمؤمنون، لأنهم أخصَّاؤه. أو لتميّز الثابت عن المتزلزل، كقوله " لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِن الطَّيِّبِ ".

60 -

قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ. .) .

ص: 43

" كان " للماضي وهو هنا للحال، وتأتي في القرآن لخمسة معان:

أ - للحال ومنه " إِنَّ الصَّلاةَ كانتْ عَلَى المؤمنينَ كِتَاباً مَوْفوتاً " و " كان الله بما يعملون بصيراً ".

ب - وللماضي المنقطع ومنه " وكان في المدينةِ تِسْعةُ رَهْطٍ " وهو الأصل في معانيها.

ب - وللاستقبال ومنه " وَيَخَافُونَ يوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ".

د - وللدوام ومنه " وكانَ اللَّه عَلِيماً حَكِيماً ".

هـ - وبمعنى صار ومنه " وَكان مِنَ الكَافِرين ".

61 -

قوله تعالى: (فَلَنوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا. .) .

فإِن قلتَ: هذا يقتضي عدم رضا النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه

إلى بيت المقدس، مع أن التوجه إليه كان بأمر الله؟

قلتُ: المراد بالرضا هنا رضا المحبة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله.

ص: 44

62 -

قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام. .)

كُرِّر ثلاث مرَّات، لأن الأول في المَسجد الحرام، والثاني خارجه، والثالث خارج البلد، وعليها يُنزَّل قوله قبل كلٍّ منها " ومنْ حيثُ خرجت ".

63 -

قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِتَابع قِبْلَتَهُمْ. .)

أي اليهود والنصارى، ولكلٍّ منهما قبلة، لكنْ لمَّا كانت القبلتان باطلتيْن، كانتا في حكم البطلان واحدةً، فلهذا قال " قبلتَهم ".

64 -

قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ)

قال في الأنعام مثله " فَلَا تَكُونَنَّ منَ المُمترينَ " وفي آل عمران " فلا تكنْ من الْممترينَ " بغير نون التوكيد. لأنَّ ما في " آل عمران " جاء على الأصل، ولم يكن فيها ما اقتضى إدخال نون التوكيد. بخلاف ما هنا، فإِنَّ قبله التوكيد بأَنَّ في قوله " أَنَّه الحقُّ من ربهم ".

ص: 45

65 -

قوله تعالى: (لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ إِلّاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. .) .

إن قلتَ: كيف يكون للظالمين من اليهود حجَّةٌ على المؤمنين؟

قلتُ: حجَّتُهم قولُهم: ما تحوَّل محمدٌ عن الكعبة، إِلَّا أنه بدا له الرجوع إِلى قبلةِ آبائه، ويوشك أن يرجع إِلى دينهم.!!

وهذا باطلٌ، وإِنما سُمِّي حجَّةً كقوله " حجَّتُهم داحضةٌ " لشبهه لها صورةً، فالمعنى إلا أن يقولوا ظلماَ وباطلًا، كقولك لرجلٍ: ما لكَ عندي حقٌ إِلَاّ أن تظلم أي إلا أن تقول الباطل.

66 -

قوله تعالى: (وَلأًتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ. .)

عطفٌ على قوله " لِئَلَاّ يكون للنَّاس عليكم حُجَةٌ ".

ص: 46

67 -

قوله تعالى: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) .

إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ الثاني مع أن الأول يقتضيه؟

قلتُ: لا نسلِّم أنه يقتضيه، لأن المراد بالكفر ستر النِّعمة، والشّكرُ لا يقتضي عدمَه.

68 -

قوله تعالى: (إلّاَ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا. .)

تُرِك " مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " هنا، وذكره في " آل عمران " لأنه لو ذكره هنا مع قوله قبله " من بعدما بينَّاه للنَّاس " للتبس أو لتكرَّر.

69 -

قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين) .

إن قلتَ: كيف قال: " والنَّاسِ أجمعين " وأهل دين من مات كافراً لا يلعنونه؟

قلتُ: المرادُ بالناس المؤمنون، أو هم وغيرهم. وأهل دينه يلعنونه في الآخرة، قال تعالى (ثمَّ يومَ القيامةِ يكفُرُ بعضُكُم ببعضِ ويلعنُ بعضُكم بعضاً. .) وقال (كُلَّما دخلتْ أمةٌ لَعَنَت أختَها) .

ص: 47

70 -

قوله تعالى: (وَإلهكُمْ إلهٌ وَاحِدٌ..)

إن قلتَ: ما فائدة ذكرِ " إلهٌ " مع أن " واحدٌ " يُغني عنه؟

قلتُ: فائدتُه التصريحُ بالِإلهية المقصودة، وإن تضمَّنه قوله " واحدٌ " كما تضمَّن انفراده بالقدم، وبصفات ذاته، وبعدم التركيب.

71 -

قوله تعالى: (إنَّ في خَلْقِ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ. .)

خصَّهما بالذّكر لأنهما أعظم المخلوقات، وجمع السَّماءَ دون الأرض، للانتفاع بجميع آحادها، باعتبار ما فيها من نور كواكبها وغيره، بخلاف الأرض إنما يُنتفع بواحدةٍ من آحادها وهي ما نشاهدها منها.

72 -

قوله تعالى: (بَلْ نَتَّبعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. .)

عبَّر هنا بـ " ما ألفينا " وفي " المائدة " وفي " لقمان " بـ " مَا وَجَدْنا " لأن " ألفى " يتعدَّى إِلى مفعولين دائماً، و " وَجَدَ " يتعدَّى إليهما تارة، وإِلى واحدٍ أخرى، كقولك: وجدتُ الضالَّةَ فهو مشترك،

ص: 48

وألفى خاصّ، فكان الموضع الأول أنسب به.

73 -

قوله تعالى: (أَوَلَوْ كلمانَ أَبَاؤُهمْ لَا يَعْقِلُونَ شيئاً وَلَايَهْتَدُونَ) .

إن قلتَ: لم قال هنا " لا يعقلونَ " وفي المائدة " لا يعلمون "؟

قلتُ: لأن العلم أبلغ درجةً من العقل، بدليل وصف الله به دون العقل، ودعواهم ثَمَّ أبلغ من ههناِ، لقولهم ثَمَّ " حسبُنا ما وجدنا عليه آباءنا " وههنا " بل نتَبع ما ألفينا عليه آباءنا " فكان الأنسبُ نفيَ كلٍّ بما يناسبه. 74 - قوله تعالى:(وَمَثَلُ الَّذِينَ كفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ. .)

ظاهرُه تشبيهُ الكفًار بالراعي وليس مراداً.

فإن قلتَ: فما وجهُه؟

قلتُ: فيه إضمارٌ تقديره: ومثَل واعظِ الذين كفروا كمثلَ الراعي.

ص: 49

أو للأنعام: أو ومثَلُ الذينَ كفروا كمثل بهائم الراعي.

أو ومثَلُ الذين كفروا في دعائهم الأصنامَ كمثل الراعي.

75 -

قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لَغَيْرِ اللَّهِ. .)

قَدَّم " بِهِ " هنا وأخَّره في المائدة، والأنعام، والنحل. لأن الباء للتعدية، كالهمزة والتشديد، فهي كالجزء من الفعل، فكان الموضع الأول أولى بها وبدخولها. وأخَّر في بقية المواضع، نظراً للمقصود فيها من ذكر المستنكر، وهو الذبح لغير الله، والحصر بـ " إنَّما " في المحرَّمات هنا متروكُ الظاهر، لما زاد في المائدة من " المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السَّبُع ".

76 -

قوله تعالى: (فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. .)

ذكره هنا، وتركه في المواضع الثلاثة المذكورة آنفاً اقتصاراً، كما هو الأنسب بالآخر.

77 -

قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

قاله هنا، وقال في الأنعام " فإن ربَّك غفورٌ رحيمٌ " لأن لفظ الربِّ تكرَّر ثَمَّ مراتٍ، مع ذكر ما يحتاج إلى التربية، من الثمار، والحبوب، والحيوان، " من " الضأن والمعز والِإبل والبقر " في قوله " وَهُوَ الذِي أَنْشَأَ

ص: 50

جنَّاتٍ " الخ فكان ذكرُ الربِّ ثَمَّ أنسب.

78 -

قوله تعالى: (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ. .) .

إن قلتَ: كيف نفى عنهم الكلام هنا وأثبته لهم في قوله " فوربك لنسألهم "؟

قلتُ: النفيُّ هنا الكلام بلطفٍ وإكرام، والمثبت ثَمَّ سؤال توبيخ وإهانة، أو في القيامة مواقفٌ، ففي موقفٍ لا يكلمهم، وفي موقفٍ يكلمهم. ومن ذلك آيةُ النفي المذكورة، مع قوله تعالى " ويوم نحشرهم جميعاً ثمَّ نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ".

79 -

قوله تعالى: (إنْ نَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ والأقْرَبينَ. .)

فيه عطفُ الخاصّ على العام، ونسخِ ما كانوا يفعلونه من الوصيّة للأبعد دون الأقرب، طلباَ للفخر والشَّرف.

80 -

قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

ص: 51

إن قلتَ: لم خصَّ السِّميع بالذّكر هنا، والغفران فيما بعده؟

قلتُ: لقوله هنا، " بعد ما سمعه " وثَمَّ " فلا إثم عليه ".

81 -

قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كمَا كتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. .)

التشبيهُ في أصلِ الصَّوم لا في كيفيَّته، إذِ الإِفطارُ منه كان مباحاً من الغروب إلى وقت النَّوم فقط، ثم نُسخ بقوله تعالى " وكلوا واشربُوا حتَّى يتبيَّن لكُم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسْودِ من الفجر " الآية.

82 -

قوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ عَلَى سَفَرٍ. .)

قيَّد بـ " منكم " هنا، وفي قوله " فمنْ كانَ منكُم مَرِيضاً أوْ بِهِ أذَىً منْ رأْسِهِ " وتركه في قوله " ومن كان مريضاً أو على سفر " اكتفاءً بقوله قبله " فمنْ شهدَ منكُم الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ ".

فإن قلتَ: ما فائدة ذكرِ إعادة المريض والمسافر بعد؟

قلتُ: رفعُ توهُّمِ نسخ التخيير بين الصوم والفدية بعموم

ص: 52

قوله " فمن شهدَ منكم الشَّهْرَ فلْيَصُمْهُ ".

أو أن آيتها الأولى نزلت في تخييرهما بين الصوم والفدية، والثانية في تخييرهما بين الصوم والِإفطار والقضاء.

83 -

قوله تعالى: (مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ. .)

صفة لهدىً وبيِّنات قبله، ومتعلِّقٌ بمحذوفٍ أي كونُ القرآن هدىً وبيِّناتٌ، من جملة هدى اللَّه وبيّناته، لكنْ عبَّر عن البيِّنات بالفرقان، لأن فيه زيادة معنى لازم للبيِّنات، وهو كونُه يفرق بين الحق والباطل، ولأن في لفظ الفرقان تواخي الفواصل.

84 -

قوله تعالى: (أجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. .)

إن قلتَ: نجدُ كثيراً من الدَّاعين لا يُستجاب لهم؟

قلتُ: إنما لم يستجبْ لهم لانتفاء شرط الِإجابة، إذْ شرطُها طاعةُ الله، وأكلُ الحلالِ، وحضور القلبِ. أو لأنَّ الدَّاعي قد يعتقد مصلحته في إجابة دعوته،

ص: 53

واللَّهُ يعلم أن المصلحة فىِ تأخيرها.

أويعطيه بدلها فقد روى الحاكم خبر " ما من مسلمٍ يدعو اللَّهَ تعالى بدعوةٍ، إلّا آتاه الله إيَّاها، أو صرف عنه من السُّوء مثلها، أو ادَّخر له من الأجر مثلها، ما لم يدعُ بإثم ".

85 -

قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَما. .) .

إنْ قلتَ: لِمَ قال هنا " فَلا تَقْربُوهَا " وقال في التي بعدها " فلا تعتدوها "؟.

قلتُ: لأن الحدَّ هنا نهيٌ وهو قوله " ولا تُبَاشِروهنَّ " وما كان من الحدود نهياً، نُهيَ فيه عن المقاربة.

والحدُّ فيما بعدُ أمرٌ، وهو بيان عدد الطلاق بقوله " الطَّلاقُ مرَّتَانِ " الآية، وما كان أمراً نُهيَ عنه عن الاعتداء وهو مجاوزة الحدِّ.

86 -

قوله تعالى: (يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالحَجِّ. .) .

ص: 54

كلُّ ما جاء من السؤال في القرآن، أجيب عنه بـ " قُلْ " بلا فاءٍ، إلَّا في قوله في " طه "(ويسألونك عن الجبال فقل. .) الآية، فبالفاء، لأن الجواب في الجميع، كان بعد وقوع السؤال. وفي " طه " قبله إذْ تقديره: إن سئلتَ عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً (1) .

87 -

قوله تعالى: (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ. .) .

تُرك " كلًّه " هنا، وذكره في الأنفال، لأن القتال هنا معِ أهل ملَّةٍ فقط، وثَمَّ مع جميع الكفار، فناسب ذكرُه ثمَ.

88 -

قوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ. .)

إن قلتَ: ما فائدة ذكره بعد الثلاثة والسبعة، وذكر " كاملة " بعد قوله (تلكَ عَشَرَةٌ) ؟

قلتُ: فائدةُ الأول دفعُ تصحيف سبعةٍ

ص: 55

بـ " تسعة "، وتأكيدُ العلم بالعدد تفصيلًا وإجمالًا. وفائدة الثاني التأكيد كما في " حولينِ كاملين ".

أو معناه كاملة في الثواب مع كونها متفرقة.

أو واقعة بدلًا عن الهَدْيِ.

89 -

قوله تعالى: (فَإِذَا أفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كمَا هَدَاكُمْ. .) .

إن قلتَ: ما فائدةُ تكرار الذكر؟

قلتُ: فائدته التنبيه على إرادة الذِّكرِ، وزيادة فائدةٍ أخرى في الثاني وهي " كما هداكم " بمعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته.

أو الِإشارة بالأول إلى الذكر باللفظ، وبالثاني إلى الذكر بالقلب.

90 -

قوله تعالى: (ثُمَّ أفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. .) .

إن قلتَ: كيف عطف الِإفاضة، مع أنها الِإفاضة من عرفات؟

قلتُ: ثُمَّ للترتيب الِإخبار لا الزماني.

ص: 56

أو المراد بالإِفاضة الثانية، الِإفاضة من مزدلفة إلى مِنَى، لا من عرفات.

91 -

قوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ. .) .

إن قلتَ: ما فائدة قوله فيها " وَمَنْ تَأَخَّر فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ " مع أنه معلوم بالأوْلى ممَّا قبله؟

قلتُ: فائدتُه رفعُ ما كان عليه الجاهلية من أن بعضهم قائل بإثم المتعجل، وبعضهم بإثم المتأخر. أو المعنى: لا إثم على المتأخر في ترك الأخذ بالرخصة، مع أن الله يُحبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يحبُّ أن تُؤْتى عزائمُه.

فإن قلتَ: التعجيلُ في اليوم الثاني، لا فيه وفي اليوم الأول، فكيف قال " في يومين "؟

قلتُ: المعنى في مجموع اليومين الصادق بأحدهما وهو الثاني، كما في قوله تعالى " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " وهما لا يخرجان إلا من الملح لا من العذب.

ص: 57

92 -

قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذِين خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) .

قال ذلك هنا، وقال في آل عمران " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمَّا يعلمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم " الآية.

وفي التوبة " أم حسبتم أن تُتركوا ولمَّا يعلمِ اللَّهُ الذين جاهدوا منكم " الآية.

غاير بما ذُكر في الثالثة، لأن الخطاب في الأولى للنبي والمؤمنين، وفي الثانية للمجاهدين، وفي الثالثة للمؤمنين.

3@ - قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ. .) .

إن قلتَ: كيف طابق الجوابُ السؤال، لأنهم سألوا عن المُنْفَق، فأجيبوا ببيان المَصْرف؟

قلتُ: بل طابقه بقوله " مِنْ خيْرٍ " وزاد عليه بيان المصرف بما بعده، فالجوابُ أعمُّ، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئِل عن الوضوء بماء البحر:" هو الطهُور ماؤُه، الحِلُّ ميتته ".

ص: 58

94 -

قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. .) .

ذكر " في الدنيا والآخرة " هنا، وتركه في آخر السورة، وفي الأنعام اختصاراً، للعلم به ممَّا هنا.

95 -

قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. .) .

بفتح التَّاء هنا، وبضمها في قوله " ولا تُنْكحوا المشركينَ ".

لأن الأول من " نَكَحَ " وهو يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، والثاني من " أنْكَحَ " وهو يتعدَّى إلى اثنين، الأول في الآية " المشركين "، والثاني محذوفٌ وهو " المؤمنات ".

96 -

قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا. .) .

هو هنا بالتخفيف، من " أَمْسَك " وفي الممتحنة بالتخفيف والتشديد، لمناسبة تخفيف لما هنا ما قبله من

ص: 59

قوله " فإِمْسَاكٌ بمعْروفٍ " وقوله " فأمسكوهنَّ ". ومناسبة تخفيف وتشديد ما هناك ما قبله من قوله

" لم يخرجوكم " وقولِه " أَنْ تَبَرُّوهُمْ " وخُفَف في الطلاق قولُه " فأمسكوهنَّ بمعروف " لمناسبة تخفيفه ما قبله من قوله " لا تُخرجوهنَّ من بيوتهنَّ ".

97 -

قوله تعالى: (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) .

فإن قلتَ: عزمُهم الطَّلاق ممَّا يُعلم لا ممَّا يُسمع، فكيف قال " إن الله سميع "؟

قلتُ: العازم على الشيء يُحدِّث به نفسه، وحديث النَّفس ممَّا يسمعه الله ووسوسة الشيطان، مع أن الغالب في عزم الطلاق المقاولة مع الزوجة.

98 -

قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ. .) .

أفعل ههنا بمعنى فاعل.

99 -

قوله تعالى: (ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. .) .

ص: 60

قال " ذَلِكَ " هنا، وقال في الطلاق " ذَلِكُمْ يُوعَظُ به من كان يؤمن " لما كانت كاف " ذلكَ " لمجرد الخطاب، لا محل لها من الِإعراب، جاز الاقتصار على الواحدكما هنا، وكما في قوله تعالى " ثم عفونا عنكم من بعد ذلك " وجاز الجمع نظراً للمخاطبين كما في الطلاق.

فإن قلتَ: لمَ ذكر " منكم " هنا، وترك ثَم؟

قلتُ: لترك ذكر المخاطبين هنا في قوله ذلك، واكتفى بذكرهم ثَمَّ فيه.

100 -

قوله تعالى: (فَلَا جُنَاحَ عَليْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أنْفُسِهِنَّ بِالمَعْرُوفِ. .) .

قال في هذه الآية " بالمعروف " وقال في الآية الأخرى " من معروفٍ " لأن التقدير في هذه: فيما فعلن في أنفسهن بأمر الله المعروف من الشرع.

وفي تلك: فيما فعلن فى أنفسهن من فعلٍ من أفعالهنَّ معروف جوازه شرعاً.

101 -

قوله تعالى: (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ

ص: 61

أَحْيَاهُمْ. .) .

إن قلتَ: هذا يقتضي موتَهُم مرتيْن، وهو منافٍ للمعروف أن موت الخلق مرةٌ واحدة؟

قلتُ: لا منافاة إذِ الموتُ هنا عقوبة مع بقاء الأجل، كما في قوله تعالى في قصة موسى " ثُمَّ بعثناكُمْ منْ بعدِ موتِكمْ ".

وثَمَّ موتٌ بانتهاء الأجل، ولأنَّ الموت هنا خاصٌّ بقومِ، وثَمَّ عامٌ في الخلق كلِّهم، فيكون ما هنا مستثنى إظهارَاً للمعجزة.

102 -

قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثرَ النَّاس لا يَشْكُرُونَ) .

إنما ذكر لفظ الناس هنا وفي " يوسف "

و" المؤمن " وتركه في " يونس " و " النَّمل ".

ص: 62

لأنَّ ما في الثلاثة الأولى، لم يتقدمه كثرة تكرر لفظ " الناس "، فناسب الإِظهار، وما في " يونس " تقدَّمه ذلك فناسب الإِضمار، لئلا تزيد كثرة التكرار، وما في " النمل " تقدَّمه إضمار الموحَى إليه ومخاطبته فناسب الِإضمار، وبعضهم أجاب بما فيه نظرٌ فتركتُه.

103 -

قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ. .) .

كرَّره بقوله " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ ما اقتَتلُوا " تأكيداً، وتكذيباً لمن زعم أنَّ ذلك لم يكن بمشيئة الله.

104 -

قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ. .) .

أي بغير إذن الله لقوله تعالى " منْ ذَا الَّذي يشفعُ عنده إلَّا بإذنهِ "؟

وقوله " ولا تنفعُ الشَّفَاعةُ عندهُ إلّاَ لمنْ أَذِنَ لهُ ".

أو لا شفاعة من الأصنام والكواكب التي يعتقدها الكفار.

105 -

قوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

ص: 63

حصر الظلم في الكافرين، لأن ظلمهم أشدُّ، فهو حصر إضافيٌّ كما في قوله تعالى " إنَّما يخشَى اللَّهَ من عبادِهِ العلماءُ ".

156 -

قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ. .) .

عبَّر فيها بالمضارع لا بالماضي مع أن الِإخراج قد وُجد. . لمناسبة التعبير به قبله في قوله " فمنْ يكفُرْ بالطَّاغُوتِ وُيؤْمِنْ باللَّهِ " ولأنَّ المضارع يدلُّ على الاستمرار، فيدلُّ هنا على استمرار ما ضمنه الِإخراج من الله تعالى، في الزمن المستقبل في حقِّ من ذُكر.

فإن قلتَ: كيف يَخرجُ الكفَّارُ من النور، مع أنهم

لم يكونوا في نورٍ؟

قلتُ: لمقابلة ما ذُكر قبله في المؤمنين، ولأن الكفار هنا هم " اليهود " وقد كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم لما يجدونه من نعته في كتبهم، فلما بُعث كفروا به.

107 -

قوله تعالى: (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. .) ؟

ص: 64

أي بقدرتي على الِإحياء، قال له ذلك مع علمه بإيمانه بذلك، ليجيب بما أجاب به، فيعلم السامعون غرضه من طلبه لإحياء الموتى.

108 -

قوله تعالى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. .) .

قاله مع أنَّ قلبَه مطمئنٌّ بقدرة الله تعالى على الإِحياء، ليطمئنَّ قلبُه بعلم ذلك عياناً كما اطمأنَّ به برهاناً.

أو ليطمئنَّ بأنه اتخذه خليلاً، أو بأنه مستجاب الدعوة.

109 -

قوله تعالى: (قَالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ. .) .

خصَّ الطير بالذِّكر من سائر الحيوان، لزيادته عليه بطيرانه

قيل: وكانت الأربعة: ديكاً، وطاووساً، ونسْراً، وغُراباً.

ص: 65

وفائدةُ التقييد بالأربعة في الطيرِ، وفي الأجبلِ بعده، الجمعُ بين الطبائع الأربع، في الطير بين مهاب الرياح من الجهات الأربع في الأجبل.

110 -

قوله تعالى: (ثُمََ لا يتْبِعونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذَىً. .) .

إن قلتَ: كيف مدح المنفقين بترك المنِّ، وقد وصف نفسه بالمنِّ، كما في قوله تعالى " لقد منَ اللَّهُ على المؤمنين "؟

قلتُ: المنُّ يقال للِإعطاء، وللاعتداد بالنعمة واستعظامها. والمراد في الآية المعنى الثاني.

فإن قلتَ: من المعنى الثاني " بلِ اللَّهُ يَمنُّ عليكمْ أنْ هَدَاكم للِإيمان ".

قلتُ: ذلك اعتدادُ نعمةِ الِإيمان، فلا يكون قبيحاً، بخلاف نعمة المال.

على أنه يجوز أن يكون من صفات الله تعالى، ما هو مدحٌ في حقّه، ذمٌّ في حقِّ العبد، كالجبار، والمتكبّر، والمنتقمَ.

ص: 66

111 -

قوله تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ. .) .

فإن قلتَ: لمَ خصَّ النَّخيل والأعناب بالذِّكر، مع قوله بعد " له فيها منْ كلِّ الثَّمرات "؟ ْ

قلتُ: لأنَّ النخيل والأعناب أكرم الشجر، وأكثرها منافع.

112 -

قوله تعالى: (وَيُكفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سيِّئَاتِكُمْ. .) .

ذكر " مِنْ " هنا خاصة، موافقةً لما بعدها في ثلاث آيات، ولأن الصَّدقات لا تكفِّر جميع السيِّئات.

112 -

قوله تعالى: (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا. .) .

فإن قلتَ: هذا يُفهم أنهم كانوا يسألون برفق، مع

أنه قال: " يحسَبُهمُ الجَاهِلُ أغنياءَ من التَّعفُّفِ "؟

قلتُ: المرادُ نفيُ المقيّد والقيد جميعاً كما في قوله تعالى " لا ذَلُولٌ تُثيرُ الأرضَ " وقوله " اللَّهُ الذِي رَفَعَ السَّمواتِ بغيرِ عَمَدٍ ترونها ".

114 -

قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأكلُونَ الرِّبَا. .) .

ص: 67

خصَّ الأكل بالذِّكر مع أنَّ غيره كاللّبس، والادّخار، والهبة كذلك، لأنه أكثرُ وأهمُّ انتفاعاً بالمال، إذْ لا بدَّ منه.

أو أُريد بالأكل الانتفاعُ، كما يُقال: فلانٌ أكل ماله، إذا انتفع به في الأكل وغيره.

115 -

قوله تعالى: (ذَلِكَ بَأنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. .) .

فإن قلتَ: كيف قالوا ذلكَ، مع أن مقصودهم تشبيه الربا بالبيع المتَّفق على حِلِّه؟

قلتُ: جاء ذلكَ على طريق المبالغة، لأنه أبلغُ من اعتقادهم أن الربا حلالٌ كالبيع، كالتشبيه في قولهم: القمرُ وجهُ زيدٍ، والبحرُ ككفَه، إذا أرادوا المبالغة. أو أنَّ مقصودهم أنَّ البيع والربا يتماثلان من جميع

ص: 68

الوجوه، فساغ قياسُ البيع على الربا كعكسه.

116 -

قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأوْلَئِكَ أصْحَابِ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .

إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن مرتكب الكبيرة كاَكل الربا لا يُخلَّد في النَار؟

قلتُ: الخلودُ يُقال لطول البقاء، وإن لم يكن بصيغة التأبيد، كما يُقال: خلد الأميرُ فلاناً في الحبس إذا أطال حبسه.

أو المراد بقوله " وَمَنْ عَادَ " العائد إلى استحلال أكل الربا، وهو بذلك كافر، والكافرُ مخلد في النَّار على التأبيد.

117 -

قوله تعالى: (وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كنْتُمْ تَعْلَمُونَ) .

" خيرٌ لكم " أي من إنظار المعسر.

فإن قلتَ: إنظارُ المعسِر واجبٌ، والتصدُّق عليه تطوُّعٌ، فكيف يكون خيراً من الواجب؟

قلتُ: التَّطوعُ المحصِّل للواجب، لِمَا اشتمل عليه من الزيادةِ كما هنا أفضلُ من الواجب، كما أن الزُّهد في

ص: 69

الحرام واجب، وفي الحلال تطوُّعٌ، والزهد في الحلال أفضل.

118 -

قوله تعالى: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَاكسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) .

قال فيه وفي الجاثية بـ " مَا كَسَبَتْ " وقال في آخر النحلِ (وتُوَفَّىِ كلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ) وفي آخر الزمر (وَوُفيَت كُلّ نفسٍ مَا عَمَلَتْ) . . موافقةً لما قبْل كلً منها، أو بعده، أو قبْله وبعده.

إذْ ما هنا قبْله " أَنْفِقُوا من طَيِّباتِ ما كسبتُمْ " وبعده " لهَا مَاكَسَبَتْ وعليْها ما اكْتَسَبَتْ ".

وقبله في آخر النَّحل " من عمل صالحاً. . . ولنجزينَّهم أجرَهُمْ بأحسنِ ما كانوا يَعْملونَ ".

وبعده " ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للذينَ عَمِلُوا السُّوءَ ".

وقبل ما في الجاثية " ولا يُغْني عنهم ما كسَبُوا شيئاً ".

ص: 70

وبعد ما في الزمر " فنعمَ أجرُ العاملينَ ".

119 -

قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ. .) .

فإن قلتَ: ما فائدة قوله " بدينٍ " مع أنه معلوم من " تَدَاينتُمْ "؟

قلتُ: فائدتُه الاحتراز عن " الدَّيْن " بمعنى المجازاة، يقال: داينتُ فلاناً بالمودَّة، أي جازيتُه بها، وهو بهذا المعنى لا كتابة فيه ولا إشهاد.

وقيل: فائدتُه رجوع الضمير إليه في قوله " فاكتبوه " إذْ لو لم يذكره لقال: فاكتبوا الدَّيْنَ، والأولُ أحسنُ نظماً.

120 -

قوله تعالى: (أنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُما الأخْرَى. .) .

قُرىء " تَذْكُرَ " بالتخفيف والتشديد.

فإن قلتَ: كيف جعل " أنْ تَضِلَّ " علةً لاستشهاد المرأتين بدل رجل، مع أن علَّته إنما هو التذكير.

قلتُ: بل علَّته " أن تَضِلَّ " لأن الضلال من إحداهما يكثر وقوعُه فصلح أن يكون علَّة لاستشهادهما،

ص: 71

وبتقدير عدم صلوحه فالتعليل " بأنْ تَضِلَّ " في الحقيقة إنما هو للتذكير، ومن شأن العرب إذا كانت للعلَّة عِلَّة، قدَّموا ذكر علَّة العِلَّة، وجعلوا العِلَّة معطوفة عليها بالفاء، لتحصل الدلالتان معاً بعبارة واحدة، كقولك: أعددتُ الخشبة أن يميل الجدار، فأدعمتُه بها، فالِإدعامُ علَّةٌ في إعداد الخشبة، والميْلُ علَّةُ الِإدعام.

121 -

قوله تعالى: (وَإِنْ كنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجدُوا كاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَة. .) .

فإن قلتَ: كيف شرط السفر في الارتهان مع أنه ليس بشرطٍ فيه؟

قلتُ: لم يذكره لتخصيص الحكم به، بل لكونه مظنة عوز الكاتب، والشاهد، الموثوق بهما.

122 -

قوله تعالى: (وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. .) .

فإن قلتَ: ما فائدة ذكر القلب، مع أن الجملة موصوفة بالِإثم؟

قلتُ: لمَّا كان كتمانُ الشهادة هو إضمارُها في القلب، وإثمه مكتسباً بالقلب وبه، أسند الِإثم إليه، لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغُ، كما

ص: 72

يُقال: هذا ممَّا أبصرتْه عينايَ، وسمعتْه أذناي، وعلِمه قلبي.

123 -

قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أنْفُسِكُمْ أوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بهِ اللَّهُ. .) .

إن قلتَ: كيف قال في الإِخفاء " يُحاسبْكُمْ به اللهُ " مع أن حديث النفس لا إثم فيه، للحديث المشهور فيه، ولأنه لا يمكن الاحتراز منه؟

قلتُ: ذلك منسوخ بقوله " لا يُكلفُ اللَّهُ نَفْساً إلّاَ وُسْعَها ".

أو المرادُ بالِإخفاء: العزمُ القاطعُ، والاعتقادُ الجازم.

أو ذلك إخبارٌ بالمحاسبة لا بالمعاقبة، فهو تعالى يُخبر العبادَ بما أخفوا وأظهروا، ليعلموا إحاطة علمه، ثم يغفر أو يُعذِّب فضلاً وعدلًا.

124 -

قوله تعالى: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. .) .

قدَّم المغفرة في هذه السورة وغيرها، إلا في " المائدة " فقدَّم العذاب، لأنها في المائدة نزلت في

ص: 73

حقِّ السارق والسارقة، وعذابُهما يقع في الدنيا فقدَّم العذاب، وفي غيرها قُدّمت المغفرة رحمةً منه للعباد، وترغيباً لهم إلى المسارعة إلى موجباتها.

125 -

قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. .) .

إن قلتَ: أيُّ فائدة في هذا الِإخبار مع أنَّ الأنبياء في أعلى درجات الِإيمان؟

قلتُ: فائدتُه أن يُبيِّن للمؤمنين زيادة شرف الِإيمان، حيث مدح به خوَّاصه ورسله، ونظيره في " الصَّافَّات " أنه ذكر في كل نبي " إِنَّهُ منْ عِبَادِنا المُؤْمنينَ ".

126 -

قوله تعالى: (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ. .) .

فإن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن " بَيْنَ " لا تُضافُ إلَاّ إلى اثنين فأكثر؟

قلتُ: " أحَدٌ " هنا بمعنى الجمع الذي هو " آحاد "

كما فى قوله تعالى " فما منكُمْ منْ أحَدٍ عنهُ حَاجِزينَ "

ص: 74

فكأنه قال: لا نُفرِّق بين آحادٍ من رسله.

127 -

قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكتَسَبَتْ. .) .

" لها ما كَسَبَتْ " أي في الخير " وعليها مَا اكتَسَبَتْ " أي في الشَّرِّ.

فإن قلتَ: ما الدليلُ على أن الأول في الخير، والثاني في الشرِّ؟

قلتُ: " اللامُ " في الأول و " عَلَى " في الثاني، لأنهما يستعملان في ذلك عند تقارنهما كما في هذه الآية، وكما في قوله " من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ".

وقولهم: الدَّهرُ يومان: يومٌ لك، ويومٌ عليك.

وقول الشاعر:

على أنني راضٍ بأن أحملَ الهوى

وأخفص منه لا عَليَّ ولا لِيَا

ص: 75

فإن قلتَ: لم خصَّ الكسب بالخير، والاكتساب بالشرّ؟

قلتُ: لأن الاكتساب فيه إعمال، والشرُّ تشتهيه النفس وتنجذب، فكانت أجد في تحصيله، بخلاف الخير، ولأن في ذلك إشارة إلى إكرامه تعالى وتفضّله على الخلق، حيث أثابهم على فعل الخير من غير جدٍّ واعتمال، ولم يؤاخذهم على فعل الشرِّ إلا بالجدِّ والاعتمال.

" تَمَّتْ سُورَةُ البقرة "

ص: 76