المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17] - فتح القدير للشوكاني - جـ ٥

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌سورة الجاثية

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 16 الى 26]

- ‌[سورة الجاثية (45) : الآيات 27 الى 37]

- ‌سورة الأحقاف

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 10 الى 16]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 21 الى 28]

- ‌[سورة الأحقاف (46) : الآيات 29 الى 35]

- ‌سورة محمّد

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 13 الى 19]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 20 الى 31]

- ‌[سورة محمد (47) : الآيات 32 الى 38]

- ‌سورة الفتح

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 8 الى 15]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 16 الى 24]

- ‌[سورة الفتح (48) : الآيات 25 الى 29]

- ‌سورة الحجرات

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 9 الى 12]

- ‌[سورة الحجرات (49) : الآيات 13 الى 18]

- ‌سورة ق

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 1 الى 15]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 16 الى 35]

- ‌[سورة ق (50) : الآيات 36 الى 45]

- ‌سورة الذّاريات

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 1 الى 23]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 24 الى 37]

- ‌[سورة الذاريات (51) : الآيات 38 الى 60]

- ‌سورة الطّور

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 1 الى 20]

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 21 الى 34]

- ‌[سورة الطور (52) : الآيات 35 الى 49]

- ‌سورة النجم

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 26]

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 27 الى 42]

- ‌[سورة النجم (53) : الآيات 43 الى 62]

- ‌سورة القمر

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 17]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 18 الى 40]

- ‌[سورة القمر (54) : الآيات 41 الى 55]

- ‌سورة الرّحمن

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 26 الى 45]

- ‌[سورة الرحمن (55) : الآيات 46 الى 78]

- ‌سورة الواقعة

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 26]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 56]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 57 الى 74]

- ‌[سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى 96]

- ‌سورة الحديد

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 7 الى 11]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 12 الى 15]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 16 الى 19]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 20 الى 24]

- ‌[سورة الحديد (57) : الآيات 25 الى 29]

- ‌سورة المجادلة

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 1 الى 4]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 5 الى 10]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 11 الى 13]

- ‌[سورة المجادلة (58) : الآيات 14 الى 22]

- ‌سورة الحشر

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 1 الى 7]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 8 الى 10]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 11 الى 20]

- ‌[سورة الحشر (59) : الآيات 21 الى 24]

- ‌سورة الممتحنة

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 4 الى 9]

- ‌[سورة الممتحنة (60) : الآيات 10 الى 13]

- ‌سورة الصّفّ

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 1 الى 9]

- ‌[سورة الصف (61) : الآيات 10 الى 14]

- ‌سورة الجمعة

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة الجمعة (62) : الآيات 9 الى 11]

- ‌سورة المنافقون

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 1 الى 8]

- ‌[سورة المنافقون (63) : الآيات 9 الى 11]

- ‌سورة التغابن

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 1 الى 6]

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 7 الى 13]

- ‌[سورة التغابن (64) : الآيات 14 الى 18]

- ‌سورة الطّلاق

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 6 الى 7]

- ‌[سورة الطلاق (65) : الآيات 8 الى 12]

- ‌سورة التّحريم

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 1 الى 5]

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 6 الى 8]

- ‌[سورة التحريم (66) : الآيات 9 الى 12]

- ‌سورة الملك

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 1 الى 11]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 12 الى 21]

- ‌[سورة الملك (67) : الآيات 22 الى 30]

- ‌سورة القلم

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 16]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 33]

- ‌[سورة القلم (68) : الآيات 34 الى 52]

- ‌سورة الحاقّة

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة الحاقة (69) : الآيات 19 الى 52]

- ‌سورة المعارج

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 19 الى 39]

- ‌[سورة المعارج (70) : الآيات 40 الى 44]

- ‌سورة نوح

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 1 الى 20]

- ‌[سورة نوح (71) : الآيات 21 الى 28]

- ‌سورة الجنّ

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 13]

- ‌[سورة الجن (72) : الآيات 14 الى 28]

- ‌سورة المزّمّل

- ‌[سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 18]

- ‌[سورة المزمل (73) : الآيات 19 الى 20]

- ‌سورة المدّثّر

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 30]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 31 الى 37]

- ‌[سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى 56]

- ‌سورة القيمة

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 25]

- ‌[سورة القيامة (75) : الآيات 26 الى 40]

- ‌سورة الإنسان

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 1 الى 12]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 13 الى 22]

- ‌[سورة الإنسان (76) : الآيات 23 الى 31]

- ‌سورة المرسلات

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 28]

- ‌[سورة المرسلات (77) : الآيات 29 الى 50]

- ‌سورة النّبأ

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 30]

- ‌[سورة النبإ (78) : الآيات 31 الى 40]

- ‌سورة النّازعات

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 1 الى 26]

- ‌[سورة النازعات (79) : الآيات 27 الى 46]

- ‌سورة عبس

- ‌[سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 42]

- ‌سورة التّكوير

- ‌[سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 29]

- ‌سورة الانفطار

- ‌[سورة الانفطار (82) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة المطفّفين

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 1 الى 17]

- ‌[سورة المطففين (83) : الآيات 18 الى 36]

- ‌سورة الانشقاق

- ‌[سورة الانشقاق (84) : الآيات 1 الى 25]

- ‌سورة البروج

- ‌[سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 22]

- ‌سورة الطّارق

- ‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

- ‌سورة الأعلى

- ‌[سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة الغاشية

- ‌[سورة الغاشية (88) : الآيات 1 الى 26]

- ‌سورة الفجر

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14]

- ‌[سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 30]

- ‌سورة البلد

- ‌[سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 20]

- ‌سورة الشمس

- ‌[سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15]

- ‌سورة الليل

- ‌[سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 21]

- ‌سورة الضّحى

- ‌[سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة الشرح

- ‌[سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة التّين

- ‌[سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العلق

- ‌[سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 19]

- ‌سورة القدر

- ‌[سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة البيّنة

- ‌[سورة البينة (98) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة الزّلزلة

- ‌[سورة الزلزلة (99) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العاديات

- ‌[سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة القارعة

- ‌[سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11]

- ‌سورة التّكاثر

- ‌[سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8]

- ‌سورة العصر

- ‌[سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة الهمزة

- ‌[سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9]

- ‌سورة الفيل

- ‌[سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة قريش

- ‌[سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4]

- ‌سورة الماعون

- ‌[سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7]

- ‌سورة الكوثر

- ‌[سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة الكافرون

- ‌[سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6]

- ‌سورة النّصر

- ‌[سورة النصر (110) : الآيات 1 الى 3]

- ‌سورة المسد

- ‌[سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة الإخلاص

- ‌[سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4]

- ‌سورة الفلق

- ‌[سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5]

- ‌سورة النّاس

- ‌[سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6]

- ‌فهرس الموضوعات

الفصل: ‌[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

‌سورة الطّارق

هي سبع عشرة آية، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وَالنَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ بِمَكَّةَ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ خَالِدٍ الْعَدْوَانِيِّ: «أَنَّهُ أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سُوقِ ثَقِيفٍ وَهُوَ قائم على قوس أو عصا حِينَ أَتَاهُمْ يَبْتَغِي النَّصْرَ عِنْدَهُمْ، فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حَتَّى خَتَمَهَا، قَالَ: فَوَعَيْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ قَرَأْتُهَا فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَدَعَتْنِي ثَقِيفٌ فَقَالُوا: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَقَرَأْتُهَا، فَقَالَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ:

نَحْنُ أَعْلَمُ بِصَاحِبِنَا، لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ مَا يَقُولُ حقا لاتبعناه» .

بسم الله الرحمن الرحيم

[سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 17]

بسم الله الرحمن الرحيم

وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (4)

فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (7) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9)

فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (10) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14)

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)

أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَهُوَ النَّجْمُ الثَّاقِبُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التَّنْزِيلُ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ:

أَقْسَمَ اللَّهُ بِالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، يَعْنِي الْكَوَاكِبَ تَطْرُقُ بِاللَّيْلِ وَتَخْفَى بِالنَّهَارِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: الطَّارِقُ: النَّجْمُ لِأَنَّهُ يَطْلُعُ بِاللَّيْلِ، وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ. وَكَذَا قَالَ الزَّجَّاجُ وَالْمُبَرِّدُ: وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:

وَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقْتِ ومرضعا

فَأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تَمَائِمَ مُحْوِلِ «1»

وَقَوْلُهُ أَيْضًا:

أَلَمْ تَرَيَانِي كُلَّمَا جِئْتُ طَارِقًا

وَجَدْتُ بِهَا طِيبًا وَإِنْ لَمْ تُطَيَّبِ

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الطَّارِقِ هَلْ هُوَ نَجْمٌ مُعَيَّنٌ أَوْ جِنْسُ النَّجْمِ؟ فَقِيلَ: هُوَ زُحَلُ، وَقِيلَ: الثُّرَيَّا، وَقِيلَ:

هُوَ الَّذِي تُرْمَى بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَقِيلَ: هُوَ جِنْسُ النَّجْمِ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالطَّارِقُ: النَّجْمُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ كَوْكَبُ الصُّبْحِ، وَمِنْهُ قَوْلُ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ:

نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ

نَمْشِي على النّمارق

(1) . «التمائم» : التعاويذ التي تعلق في عنق الصبي. وذو التمائم: هو الصبي. «المحول» : الّذي أتى عليه الحول.

ص: 507

أي: إن أبانا فِي الشَّرَفِ كَالنَّجْمِ الْمُضِيءِ، وَأَصْلُ الطُّرُوقِ: الدَّقُّ، فَسُمِّيَ قَاصِدُ اللَّيْلِ طَارِقًا لِاحْتِيَاجِهِ فِي الْوُصُولِ إِلَى الدَّقِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الطُّرُوقَ قَدْ يَكُونُ نَهَارًا، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ الْيَوْمَ طَرْقَتَيْنِ، أَيْ:

مَرَّتَيْنِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ» . ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَا هُوَ الطَّارِقُ، تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ بَعْدَ تَعْظِيمِهِ بِالْإِقْسَامِ بِهِ فَقَالَ: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ- النَّجْمُ الثَّاقِبُ الثَّاقِبُ: الْمُضِيءُ، وَمِنْهُ يُقَالُ: ثَقَبَ النَّجْمُ ثُقُوبًا وَثَقَابَةً إِذَا أَضَاءَ، وَثُقُوبُهُ: ضوءه، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَذَاعَ بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ

بِعَلْيَاءَ نَارٌ أُوْقِدَتْ بِثُقُوبِ

قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الطَّارِقُ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا طَرَقَ لَيْلًا، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْرِي مَا الْمُرَادُ بِهِ لَوْ لَمْ يُبَيِّنْهُ بِقَوْلِهِ: النَّجْمُ الثَّاقِبُ قَالَ مُجَاهِدٌ: الثَّاقِبُ: الْمُتَوَهِّجُ. قَالَ سُفْيَانُ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ وَما أَدْراكَ فقد أخبره [به]«1» ، وَكُلُّ شَيْءٍ قَالَ: وَما يُدْرِيكَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ، وَارْتِفَاعُ قَوْلِهِ: النَّجْمُ الثَّاقِبُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ نَشَأَ مِمَّا قَبْلَهُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَا هُوَ؟ فَقِيلَ: هُوَ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ هَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ هُودٍ اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ فِي لَمَّا فَمَنْ قَرَأَ بِتَخْفِيفِهَا كَانَتْ إِنْ هُنَا هِيَ الْمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ فِيهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ الْمُقَدَّرُ، وَهُوَ اسْمُهَا، واللام هي الفارقة، و «ما» مَزِيدَةٌ، أَيْ: إِنَّ الشَّأْنَ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْهَا حَافِظٌ، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّشْدِيدِ فَإِنْ نَافِيَةٌ، وَلَمَّا بِمَعْنَى إِلَّا، أَيْ: مَا كُلَّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ، وَقَدْ قَرَأَ هُنَا بِالتَّشْدِيدِ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. قِيلَ: وَالْحَافِظُ: هُمُ الْحَفَظَةُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهَا عَمَلَهَا وَقَوْلَهَا وَفِعْلَهَا، وَيُحْصُونَ مَا تَكْسِبُ من خير وشرّ، وقيل: الحافظ هُوَ اللَّهُ عز وجل، وَقِيلَ: هُوَ الْعَقْلُ يُرْشِدُهُمْ إِلَى الْمَصَالِحِ، وَيَكُفُّهُمْ عَنِ الْمَفَاسِدِ. وَالْأَوَّلُ أولى لقوله: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ «2» وقوله: وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً «3» وَقَوْلِهِ: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ «4» وَالْحَافِظُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ عز وجل كما في قوله: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً «5» وَحِفْظُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ حِفْظِهِ لِأَنَّهُمْ بِأَمْرِهِ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ الْفَاءُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ عَلَى كُلِّ نَفْسِ حَافِظٌ يُوجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي مُبْتَدَأِ خَلْقِهِ لِيَعْلَمَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ مِنَ الْبَعْثِ. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْمُكَذِّبَ بِالْبَعْثِ مِمَّ خُلِقَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى: فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ وَالِاسْتِدْلَالِ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَهُ مِنْ نُطْفَةٍ قَادِرٌ عَلَى إعادته.

ثم بين سبحانه ذلك فقال: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ وَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ، وَالْمَاءُ: هُوَ الْمَنِيُّ، وَالدَّفْقُ: الصَّبُّ، يُقَالُ: دَفَقْتُ الْمَاءَ، أَيْ: صَبَبْتُهُ، يُقَالُ: مَاءٌ دافق، أي: مدفوق، مثل: عِيشَةٍ راضِيَةٍ «6» أَيْ: مَرْضِيَّةٍ. قَالَ الْفَرَّاءُ وَالْأَخْفَشُ: مَاءٌ دَافِقٌ. أَيُّ مَصْبُوبٌ فِي الرَّحِمِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَأَهْلُ الْحِجَازِ يَجْعَلُونَ الْفَاعِلَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: سِرٌّ كَاتِمٌ، أَيُّ: مَكْتُومٌ، وهمّ ناصب،

(1) . من تفسير القرطبي (20/ 3) . [.....]

(2)

. الانفطار: 10.

(3)

. الأنعام: 61.

(4)

. الرعد: 11.

(5)

. يوسف: 64.

(6)

. القارعة: 7.

ص: 508

أَيْ: مَنْصُوبٌ، وَلَيْلٌ نَائِمٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مِنْ مَاءٍ ذِي انْدِفَاقٍ، يُقَالُ: دَارِعٌ وَقَايِسٌ وَنَابِلٌ، أَيْ:

ذُو دِرْعٍ وَقَوْسٍ وَنَبْلٍ، وَأَرَادَ سُبْحَانَهُ مَاءَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ مِنْهُمَا، لَكِنْ جَعَلَهُمَا مَاءً وَاحِدًا لِامْتِزَاجِهِمَا، ثُمَّ وَصَفَ هَذَا الْمَاءَ فَقَالَ: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ أَيْ: صُلْبِ الرَّجُلِ، وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ، وَالتَّرَائِبُ: جَمْعُ تَرِيبَةٍ، وَهِيَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وَالْوَلَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْمَاءَيْنِ. قَرَأَ الْجُمْهُورُ:

يَخْرُجُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ. وَقَرَأَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَابْنُ مِقْسَمٍ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وَفِي الصُّلْبِ، وَهُوَ الظَّهْرُ، لُغَاتٌ.

قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِضَمِّ الصَّادِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَقَرَأَ أَهْلُ مَكَّةَ بِضَمِّ الصَّادِ وَاللَّامِ. وَقَرَأَ الْيَمَانِيُّ بِفَتْحِهِمَا، وَيُقَالُ:

صَالِبٌ عَلَى وَزْنِ قَالِبٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَبَّاسِ بن عبد المطلب:

تنقل من صالب إِلَى رَحِمٍ «1»

فِي أَبْيَاتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامٌ فِي هَذَا عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ «2» وَقِيلَ: التَّرَائِبُ: مَا بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تَرَائِبُ الْمَرْأَةِ: الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هِيَ الْجِيدُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ وَالصَّدْرِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ:

هِيَ الصَّدْرُ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ التَّرَاقِي. وَحَكَى الزَّجَّاجُ: أَنَّ التَّرَائِبَ عُصَارَةُ الْقَلْبِ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أَنَّهَا عِظَامُ الصَّدْرِ وَالنَّحْرِ، وَمِنْهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:

فَإِنْ تُدْبِرُوا نَأْخُذْكُمْ فِي ظُهُورِكُمْ

وَإِنْ تُقْبِلُوا نَأْخُذْكُمْ فِي التَّرَائِبِ

قَالَ عِكْرِمَةُ: التَّرَائِبُ: الصَّدْرُ، وَأَنْشَدَ:

نِظَامُ دُرٍّ عَلَى تَرَائِبِهَا

قَالَ فِي الصِّحَاحِ: التَّرِيبَةُ: وَاحِدَةُ التَّرَائِبِ، وَهِيَ عِظَامُ الصَّدْرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَمْعُ التَّرِيبَةِ تَرِيبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُثَقَّبِ الْعَبْدِيِّ:

ومن ذهب يلوح عَلَى تَرِيبٍ

كَلَوْنِ الْعَاجِ لَيْسَ بِذِي غُضُونِ

وقول امرئ القيس:

ترائبها مصقولة كالسّجنجل «3»

ومحكي الزَّجَّاجُ: أَنَّ التَّرَائِبَ أَرْبَعُ أَضْلَاعٍ مِنْ يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وَأَرْبَعُ أَضْلَاعٍ مِنْ يَسْرَةِ الصَّدْرِ. قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: الْمَعْنَى وَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ وَتَرَائِبِ الْمَرْأَةِ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يأتي عن العرب يكون

(1) . وتمام البيت: إذا مضى عالم بدا طبق.

(2)

. النساء: 23.

(3)

. وصدر البيت: مهفهفة بيضاء غير مفاضة.

ص: 509

معنى من بين الصلب، ومن الصُّلْبِ، وَقِيلَ: إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ يَنْزِلُ مِنَ الدِّمَاغِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ إِذَا نَزَلَ مِنَ الدِّمَاغِ نَزَلَ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَعْنَى: يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا فِي الْآيَةِ، لِأَنَّ نِسْبَةَ خُرُوجِهِ إِلَى بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَكْثَرَ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ هِيَ الصُّلْبُ وَالتَّرَائِبُ وَمَا يُجَاوِرُهَا وَمَا فَوْقَهَا مِمَّا يَكُونُ تَنَزُّلُهُ مِنْهَا إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ الضَّمِيرُ فِي إِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: خُلِقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَهُ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَالضَّمِيرُ فِي رَجْعِهِ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ سبحانه قادر على رجع الْإِنْسَانِ، أَيْ: إِعَادَتِهِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَقادِرٌ هَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمَاءَ فِي الْإِحْلِيلِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ: عَلَى أَنْ يَرُدَّ الْمَاءَ فِي الصُّلْبِ.

وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ يَقُولُ: إِنْ شِئْتُ رَدَدْتُهُ مِنَ الْكِبَرِ إِلَى الشَّبَابِ، وَمِنَ الشَّبَابِ إِلَى الصِّبَا، وَمِنَ الصِّبَا إِلَى النُّطْفَةِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهُ عَلَى حَبْسِ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ لَقَادِرٌ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَالثَّعْلَبِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ الْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، هُوَ «رَجْعُهُ» ، وَقِيلَ:

«لَقَادِرٌ» . وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَخْصِيصُ الْقُدْرَةِ بِهَذَا الْيَوْمِ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، أَيْ: يَرْجِعُهُ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ، وَقِيلَ: الْعَامِلُ فِيهِ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ اذْكُرْ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُرَادَ رَجْعُ الْمَاءِ، فَالْعَامِلُ فِي الظَّرْفِ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ اذْكُرْ، وَمَعْنَى تُبْلَى السَّرَائِرُ: تُخْتَبَرُ وَتُعْرَفُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:

قَدْ كُنْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ تَزْدَرِينِي

فَالْيَوْمَ أَبْلُوكَ وَتَبْتَلِينِي

أَيْ: أَخْتَبِرُكَ وَتَخْتَبِرُنِي، وَأَمْتَحِنُكَ وَتَمْتَحِنُنِي، وَالسَّرَائِرُ: مَا يُسَرُّ فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالنِّيَّاتِ وَغَيْرِهَا، وَالْمُرَادُ هُنَا عَرْضُ الْأَعْمَالِ وَنَشْرُ الصُّحُفِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَمَيَّزُ الحسن منها من الْقَبِيحِ، وَالْغَثُّ مِنَ السَّمِينِ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ أَيْ: فَمَا لِلْإِنْسَانِ مِنْ قُوَّةٍ فِي نَفْسِهِ يَمْتَنِعُ بِهَا عَنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَلَا نَاصِرٍ يَنْصُرُهُ مِمَّا نَزَلَ بِهِ. قَالَ عِكْرِمَةُ: هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ مَا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ. قَالَ سُفْيَانُ: الْقُوَّةُ: الْعَشِيرَةُ، وَالنَّاصِرُ: الْحَلِيفُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ الرَّجْعُ: الْمَطَرُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الرَّجْعُ: الْمَطَرُ لِأَنَّهُ يَجِيءُ وَيَرْجِعُ وَيَتَكَرَّرُ. قَالَ الْخَلِيلُ: الرَّجْعُ: الْمَطَرُ نَفْسُهُ، وَالرَّجْعُ: نَبَاتُ الرَّبِيعِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ:

الرَّجْعُ: الْمَطَرُ. قَالَ الْمُتَنَخِّلُ يَصِفُ سَيْفًا لَهُ:

أَبْيَضُ كَالرَّجْعِ رَسُوبٌ إِذَا

مَا ثاخ فِي مُحْتَفِلٍ يَخْتَلِي «1»

قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الرَّجْعُ: الْمَطَرُ فِي قَوْلِ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَفِي هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ زَيْدٍ قَالَ: الرَّجْعُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ يَرْجِعْنَ في السماء مِنْ نَاحِيَةٍ وَتَغِيبُ فِي أُخْرَى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: ذَاتُ الرَّجْعِ ذَاتُ الْمَلَائِكَةِ لِرُجُوعِهِمْ إِلَيْهَا بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى «ذَاتِ الرَّجْعِ» :

ذَاتُ النَّفْعِ، وَوَجْهُ تَسْمِيَةِ الْمَطَرِ رَجْعًا مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَرْجِيعِ الصَّوْتِ وَهُوَ إِعَادَتُهُ، وَكَذَا الْمَطَرُ لِكَوْنِهِ يَعُودُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى سُمِّيَ رَجْعًا. وَقِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ السَّحَابَ يَحْمِلُ الْمَاءَ مِنْ بحار

(1) . «ثاخ» خاض. «المحتفل» : أعظم موضع في الجسد. «يختلي» : يقطع.

ص: 510

الْأَرْضِ، ثُمَّ يُرْجِعُهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: سَمَّتْهُ الْعَرَبُ رَجْعًا لِأَجْلِ التَّفَاؤُلِ لِيَرْجِعَ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ يُرْجِعُهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ هُوَ مَا تَتَصَدَّعُ عَنْهُ الْأَرْضُ مِنَ النَّبَاتِ وَالثِّمَارِ وَالشَّجَرِ، وَالصَّدْعُ: الشَّقُّ لِأَنَّهُ يُصَدِّعُ الْأَرْضَ فَتَنْصَدِعُ لَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْفَرَّاءُ: تَتَصَدَّعُ بِالنَّبَاتِ. قَالَ مُجَاهِدٌ:

وَالْأَرْضُ ذَاتُ الطُّرُقِ الَّتِي تُصَدِّعُهَا الْمِيَاهُ، وَقِيلَ: ذَاتُ الْحَرْثِ لِأَنَّهُ يُصَدِّعُهَا، وَقِيلَ: ذَاتُ الْأَمْوَاتِ لِانْصِدَاعِهَا عَنْهُمْ عِنْدَ الْبَعْثِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصَّدْعَ إِنْ كَانَ اسْمًا لِلنَّبَاتِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْأَرْضِ ذَاتِ النَّبَاتِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الشَّقَّ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الشَّقِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ النَّبَاتُ وَنَحْوُهُ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ أَيْ:

إِنَّ الْقُرْآنَ لَقَوْلٌ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ بِالْبَيَانِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أَيْ: لَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ، فَهُوَ جَدٌّ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، وَالْهَزْلُ ضِدُّ الْجِدِّ. قَالَ الكميت:

يجدّ بنا في كلّ يوم ونهزل «1»

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً أَيْ: يَمْكُرُونَ فِي إِبْطَالِ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الدِّينِ الْحَقِّ. قَالَ الزَّجَّاجُ: يُخَاتِلُونَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَيُظْهِرُونَ مَا هُمْ عَلَى خِلَافِهِ وَأَكِيدُ كَيْداً أَيْ: أَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَأُجَازِيهِمْ جَزَاءَ كَيْدِهِمْ، قِيلَ: هُوَ مَا أَوْقَعَ اللَّهُ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَيْ: أَخِّرْهُمْ، وَلَا تَسْأَلِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَعْجِيلَ هَلَاكِهِمْ، وَارْضَ بِمَا يُدَبِّرُهُ لَكَ فِي أُمُورِهِمْ، وَقَوْلُهُ:

أَمْهِلْهُمْ بَدَلٌ مِنْ مَهِّلِ. وَمَهِّلْ وَأَمْهِلْ بِمَعْنًى، مِثْلَ: نَزِّلْ وَأَنْزِلْ، وَالْإِمْهَالُ: الْإِنْظَارُ، وَتَمَهَّلَ فِي الْأَمْرِ اتَّأَدَ، وَانْتِصَابُ رُوَيْداً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ الْمَذْكُورِ أَوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: أَمْهِلْهُمْ إِمْهَالًا رُوَيْدًا، أَيْ: قَرِيبًا أَوْ قَلِيلًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَالرُّوَيْدُ فِي كلام العرب تصغير الرّود، وأنشد:

كأنّها ثمل يمشي عَلَى رَوْدٍ «2»

أَيْ: عَلَى مَهْلٍ، وَقِيلَ: تَصْغِيرُ إرواد مصدر أرود تَصْغِيرُ التَّرْخِيمِ، وَيَأْتِي اسْمُ فِعْلٍ نَحْوَ: رُوَيْدَ زَيْدًا، أَيْ: أَمْهِلْهُ، وَيَأْتِي حَالًا نَحْوَ سَارَ الْقَوْمُ رُوَيْدًا، أَيْ: مُتَمَهِّلِينَ، ذَكَرَ مَعْنَى هَذَا الْجَوْهَرِيُّ، وَالْبَحْثُ مُسْتَوْفًى فِي عِلْمِ النَّحْوِ.

وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قَالَ: أَقْسَمَ رَبُّكَ بِالطَّارِقِ، وَكُلُّ شَيْءٍ طَرَقَكَ بِاللَّيْلِ فَهُوَ طَارِقٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْهَا حَفَظَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: النَّجْمُ الثَّاقِبُ قَالَ: النَّجْمُ الْمُضِيءُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ

(1) . وصدر البيت: أرانا على حب الحياة وطولها.

(2)

. وصدر البيت: تكاد لا تثلم البطحاء وطأتها.

ص: 511

قَالَ: إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قَالَ: مَا بَيْنَ الْجِيدِ وَالنَّحْرِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: تَرِيبَةُ الْمَرْأَةِ، وَهِيَ مَوْضِعُ الْقِلَادَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: التَّرَائِبُ: بَيْنَ ثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: التَّرَائِبُ أَرْبَعَةُ أَضْلَاعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ أَسْفَلِ الْأَضْلَاعِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ أَيْضًا: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قَالَ: عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْخَ شَابًّا وَالشَّابَّ شَيْخًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ قَالَ: الْمَطَرُ بَعْدَ الْمَطَرِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ قَالَ: صَدْعُهَا عَنِ النَّبَاتِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ تَصَدُّعُ الْأَوْدِيَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ قَالَ:

«تَصْدَعُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَنِ الْأَمْوَالِ وَالنَّبَاتِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ قَالَ: حَقٌّ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ قَالَ: بِالْبَاطِلِ، وَفِي قَوْلِهِ: أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً قَالَ: قريبا.

ص: 512