الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلى الله عليه وسلم"1؛ ولأنه لا يمكنه الإحاطة بفعل غيره بخلاف فعل نفسه، فوجب أن لا يكلف اليمين فيه على البت.
وأما إذا ادعى أن هذه العين له الآن، وشهدت البينة بأنها كانت له أمس، أو أنها كانت في يده أمس، لم تسمع بينة لعدم تطابق البينة والدعوى.
قال في الإنصاف في أصح الوجهين: حتى يتبين سبب يد الثاني نحو غاصبه بخلاف ما لو شهدت أنه كان ملكه، اشتراه من رب اليد، فإنها تقبل انتهى.
وأما إذا شهدت البينة بأن هذه العين لهذا المدعي بهذه الصيغة، كفى ذلك، وسلمت إلى المدعي، ولو لم تقل وهي في ملكه الآن.
وأما إذا ادعى أن هذه العين كانت ملكا لأبيه أو أمه أو أخيه، ومات وهي في ملكه، فصارت لي بالميراث، فإن شهدت البينة بأن هذه العين كانت ملكا لأبيه ونحوه، ومات وهي في ملكه سمعت البينة بذلك، وإن قالت البينة كانت ملكا لأبيه ونحوه، ولم تشهد بأنه خلفها تركة، لم تسمع هذه البينة.
وفي الفروع والإنصاف عن الشيخ تقي الدين رحمه الله أنه قال فيمن بيده عقار، فادّعى آخر بثبوت عند حاكم أنه كان لجده إلى موته، ثم لورثته، ولم يثبت أنه مخلف عن موروثه - لا ينزع منه بذلك؛ لأن أصلين تعارضا، وأسباب انتقاله أكثر من الإرث، ولم تجر عادتهم بسكوتهم المدة الطويلة، ولو فتح هذا الباب لانتزع كثير من عقار الناس بهذا الطريق، والله سبحانه وتعالى أعلم.
…
هذه
مسائل سئل عنها الشيخ العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين)
رحمه الله تعالى، ونصها:-
ما يقول شيخنا وأستاذنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين)
1 أبو داود: الأيمان والنذور (3244).
أيده الله تعالى عن مسائل أشكلت علينا، وهي: الشفعة، هل تثبت للشريك مطلقا، أم لا تثبت إلا فيما يقسم قسمة إجبار؟ وعن ما إذا رهن إنسان شيئا معلوما في دين معلوم، وأراد الراهن أن يستدين من غير المرتهن، ويرهن عنده ما فضل بعد قدر دين المرتهن الأول، هل يصح ذلك أم لا؟
وعن ما إذا مات إنسان مسلم وله أولاد منهم مسلم وكافر، فأسلم الكافر بعد مدة طويلة أو غير طويلة، وبعض التركة بحاله، لم يبع، ولم يرهن، ولم يقسم، هل يرث الكافر من ذلك أم لا؟ وعما إذا وقف إنسان وقفا على مدرسة معينة أو سراج يوقد في مسجد معين، هل يجوز صرفه إلى مدرسة، أو مسجد غير ما عينه الواقف؟ وعما إذا ثبت لإنسان على إنسان دين، ثم ثبت على من لهم الحق دين لإنسان آخر، وقال للمدين الأول: لا تعط ديانك إلا بحضرتي؛ فإني قارع ما عليك له في يدك، فلم يعمل بقوله، وأوفى غريمه مع غيبة من قرع الدين في يده، هل يلزمه ضمان ما قرع في يده أم لا؟ وعن رجل وقف نخلة أو نخلتين -مثلا- يشتري بغلة ذلك الوقف أضحية كل سنة، واحتاج ولد الواقف حاجة شديدة، ربما أن من احتاج مثل حاجته يموت جوعا، هل يجوز بيع أصل الوقف أم لا؟ وإذا لم يبع الأصل فهل يجوز صرف الغلة إلى من احتاج من ولده، أم يلزم الوصي أن يشتري بها أضحية، ويمنع ورثته أكل الغلة مع حاجتهم؟ أفتونا مأجورين.
(الجواب) وبالله التوفيق:
[ما تثبت فيه الشفعة]
أما المسألة الأولى: ففيها عن الإمام أحمد روايتان: (إحداهما): وهي المذهب عند أكثر الأصحاب: لا تجب الشفعة إلا فيما يقسم قسمة إجبار، فلا تجب في الدار الضيقة، والبئر، ونحو ذلك، لحديث جابر مرفوعا: أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت
الطرق فلا شفعة. قالوا: والحدود إنما تقع فيما يقبل القسمة ما لم يقسم.
(والرواية الثانية): ثبوت الشفعة في ذلك، اختارها ابن عقيل، والشيخ تقي الدين وغيرهما، قال الحارثي: وهو الحق. وروى عبد الله بن أحمد عن عبادة مرفوعا: أنه قضى بالشفعة بين الشركاء في الدور والأرضين.
[رهن المجهول]
المسألة الثانية: إذا رهن إنسان شيئا معلوما
…
إلخ، فنقول هذا رهن فاسد 1 لأن من شرط صحة الرهن أن يكون معلوما، وهذا ليس كذلك.
وقد اختلف الفقهاء فيما إذا أرهن إنسان إنسانا شيئا في دين له، ثم قال الغريم: يعني كذا بكذا، ويكون الرهن الذي عندك رهنا به وبالدين الأول، والمذهب أن ذلك لا يصح. وأما الصورة المسؤول عنها، فلا أظن أن أحدا يجوزها.
وقد ذكر في الشرح وغيره عدم صحة رهن المجهول كما لو قال: أرهنتك هذا الجراب بما فيه، ونحو ذلك، ولم يذكر في ذلك خلافا، والمسألة المسؤول عنها أولى بعدم الجواز؛ لأنه لا يعلم هل يبقى منها شيء بعد استيفاء المرتهِن الأول حقه أم لا، وهذا ظاهر لا خفاء به، ولله الحمد.
[أسلم من الورثة قبل قسمة التركة]
المسألة الثالثة: إذا مات مسلم
…
إلخ، ففي هذه المسألة عن الإمام أحمد. روايتان: إحداهما وهي المذهب: أن من أسلم من الورثة قبل قسمة التركة - ورث، وكذلك إن أسلم وقد قسم بعضها، ورث مما لم يقسم، واحتجوا بما روى أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على ما قسم الإسلام"2، وبما روى سعيد بن منصور في سننه عن عروة بن
1 يريد به الرهن الثاني المذكور في أصل المسألة، وهو ما فضل عن الرهن الأول فهو مجهول.
2 أبو داود: الفرائض (2914)، وابن ماجه: الأحكام (2485).
أبي مليكة عن -النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أسلم على شيء فهو له".
ويروى أن عمر، وعثمان، قضيا بذلك. وعلى هذه الرواية إن كان الوارث واحدًا، فتصرفه في التركة، وحيازتها بمنزلة قسمها؛ ذكر ذلك الموفق، وغيره.
والرواية الثانية: لا شيء له، لحديث "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"1.
وهذا حين الموت كان كافرا؛ فلا يرث بمقتضى هذا الحديث، وهذا قول أكثر العلماء، والقول الأول من مفردات المذهب.
[الوقف على شيء معين]
المسألة الرابعة: إذا وقف إنسان وقفا على مدرسة معينة
…
إلخ، فقد صرح الفقهاء بأن هذا شرط يجب العمل به، وإنما تنازعوا فيما فضل عن الجهة المعينة، فنص أحمد أن ما فضَل من وقف المسجد من حصره وزيته، عن حاجته، يجوز صرفه إلى مسجد آخر، ويجوز الصدقة به على فقراء المسلمين. وعنه رواية أخرى: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به. وقيل: إن علم أن ريعه يفضل عنه دائما، وجب صرفه، وإلا فلا، قاله الشيخ تقي الدين.
[أوفى غريمه مع غيبة من قرع الدين في يده]
المسألة الخامسة: إذا ثبت لإنسان على آخر دين
…
إلخ، فلم أر للفقهاء في هذه المسألة نصا، ومقتضى أصولهم أنه لا يلزم المقول له إبقاء ما عنده، فإذا أعطى صاحب الحق حقه لم يكن ضامنا، لأنه ليس ضامنا، ولا محالا عليه، ومقتضى قوله صلى الله عليه وسلم:"أد الأمانة إلى من ائتمنك"2 - وجوب الدفع إلى المستحق حقه ولا يمنعه حقه بمجرد قول إنسان: لا تعطه، وقد يثبت لهذا القائل حق، وقد لا يثبت، ولكن ينبغي للمدعي رفع الأمر للحاكم، إن كان ثَم حاكم، وينظر الحاكم فيه بمقتضى الشرع إن رأى الحكم على الغائب، وقضى للمدعي بما ادعى به، وإن أمكن إحضار المدعى عليه - أحضره مع خصمه، ونظر في أمرهما، هذا ما ظهر لي، والله سبحانه وتعالى أعلم.
1 البخاري: الفرائض (6764)، ومسلم: الفرائض (1614)، والترمذي: الفرائض (2107)، وأبو داود: الفرائض (2909)، وابن ماجه: الفرائض (2729،2730) ، وأحمد (5/ 200،5/ 201،5/ 202،5/ 208،5/ 209)، ومالك: الفرائض (1104)، والدارمي: الفرائض (2998،3000،3001).
2 الترمذي: البيوع (1264)، وأبو داود: البيوع (3535)، والدارمي: البيوع (2597).