الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن المرتد إذا أسلم، وفي يده مال مسلم، أن صاحبه يأخذه مطلقا، ولم نَرَهُم ذكروا في ذلك خلافا، وإنما تنازعوا في تضمينه ما أتلفه حال ردته.
وفي تضمينه ذلك قولان، هما روايتان عن الإمام أحمد، والمذهب منهما عند أصحابه الضمان، ومن لم يُضَمِّنه علل ذلك: بأن في تضمينه تنفيرا له عن الإسلام، لم يعللوه بأنه ملكه. وقد أجمعوا أن الكافر الأصلي لا يضمن ما أتلفه حال كفره على القولين جميعا، أعني ملكه حال إسلامه وعدمه. ولم نعلم بينهم نزاعا في أن المرتد إذا أسلم يرد ما في يده من أموال المسلمين.
واختلفوا في الأصلي إذا أسلم، هل يُنْزَع ما في يده من أموال المسلمين؟ فظهر من كلامهم الفرق بين الأصلي والمرتد، وأن المرتد لا يملك مال المسلم بالاستيلاء. وعلى هذا: فمن انتقل إليه مال مسلم من مرتد بقهر، أو هبة، أو شراء، فصاحبه أحق به، إذا وجده بغير شيء، إذا ثبت ذلك فهؤلاء -العدوين- الذين استولوا على نجد وأهلها، من حكمنا بكفره منهم -فحكمه حكم المرتدين لا الأصليين؛ لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها، وإن كان الشرك موجودا فيه كثير. فهذا الذي نراه، ونعتقده، والله سبحانه وتعالى أعلم.
[الرد على ما يقوله صاحب البردة في الرسول صلى الله عليه وسلم]
بسم الله الرحمن الرحيم
منقول من البردة للبوصيري، وتشطيرها لداود بن سليمان بن جرجيس البغدادي، الداعي إلى الشرك، -عافانا الله والمسلمين مما ابتلاه به، وعصمنا من متابعة الهوى والشيطان- قال في حق الرسول صلى الله عليه وسلم:
يا خير من يَمَّمَ العافون ساحته
…
فحَصَّلُوا من نداه أوفر القسم
ومن رجاه فما إن خاب حيث أتى
…
سعيا فوق متون الأينق الرسم
ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور:
فإن لي ذمة منه بتسميتي
…
كاسمه ذا مقام بالسعود سمي
شاركته بحروف الاسم حيث غدا
…
محمدًا وهو أوفى الخلق بالذمم
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي
…
ومنقذي من عذاب الله والألم
أو شافعا لي مما قد جنيت غدا
…
فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه
…
فيرجعن منه صفر الكف ذا عدم
فلا يظن به تخييب ذا أمل
…
أو يرجع الجار منه غير محترم
ومنها -أيضا- وتشطيرها لداود المذكور:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به
…
عند الزحام إذا ما اشتد بي ندمي
إن لم تكن لي فمن أرجوه يشفع لي
…
سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي
…
وقد وسعت به للرسل والأمم
فانظر إليَّ بعين اللطف لا سيما
…
إذا الكريم تحلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها
…
حاشاك تبخل عني معدن الكرم
وكيف تغفل عن مثلي وتهمله
…
ومن علومك علم اللوح والقلم
ونقلنا هذه الأبيات التي فيها من الشرك ما لا يخفى، إلا على من أعمى الله بصيرته، وطبع الله على قلبه، وأركسه بكسبه، وأرسلتها إلى شيخنا ناصر الكتاب والسنة، وقامع الشرك والبدعة، عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) -نصر الله به الوحيَيْن، وجعله ممن يُؤْتَى أجره مرتين- وسألناه: أيتعين علينا نصح مستصحبها، أم هجره، والتحذير عنه، بحسب
الإمكان، وكتب تحتها ما يكفي أقلُّ منه لمَن بصَّره الله، وعافاه من الهوى والتعصب، فجزاه الله عن المسلمين خيرا، وجعله ممن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آمين.
أجاب -عفا الله عنه وأيده، آمين-:
هذه الأبيات تتضمن تنْزيل الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- بمنزلة رب العالمين، إذ مضمونها: أن الرسول هو المسؤول المَرْجُوّ لكشف أعظم الشدائد، وهو عذاب الآخرة، وأن الدنيا والآخرة من جوده وأفضاله، وأنه يعلم الغيب، وهذه هي خصائص الربوبية، والألوهية التي جعلتها النصارى للمسيح ابن مريم، ففيه مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لتتبعن سَنن من كان قبلكم"1.
وهؤلاء، وإن لم يقولوا: إن محمدا هو الله، لكن أثبتوا له خصائص الرب الإله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فانظر قوله:
إن لم تكن في معادي آخذا بيدي
…
ومنقذي من عذاب الله والألم
وانظر قول الله -سبحانه- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قل يا محمد: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 2. وهذا الضال يزعم أن محمدا ينقذ مَن شاء مِن عذاب الله، وقال -تعالى- عن صاحب يس: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ} 3. ووازن بينه وبين البيت المذكور، وقوله: أو شافعا لي
…
إلخ.
فالقرآن يخبر أن مَن أراده الله بضر فلا مُنْقِذ له، ولا شافع، وهذا يزعم أن الرسول ينقذ من عذاب الله، ويشفع فيمن عذَّبه الله، فأثبت هذين الأمرين اللذين نفاهما القرآن، فأيّ محادة للقرآن أعظم من ذلك؟!
وقال تعالى: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} 4. ونحو ذلك في القرآن كثير، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
1 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456)، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/ 84،3/ 89).
2 سورة الأنعام آية: 15.
3 سورة يس آية: 23.
4 سورة الانفطار آية: 19.
"يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار
…
، إلى أن قال: يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا"1.
وهذا المفتري يزعم أن النبي ينقذ مِن عذاب الله من شاء، فأي مشاقة لله ورسوله أعظم من هذا؟! وقال -سبحانه-:{قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا} 2. وقال: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا} 3، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع، ولا دفع ضر، كالمملوك، إلا ما شاء الله مالكي من النفع لي، والدفع عني.
فكيف يجتمع في قلب عبدٍ الإيمانُ بما ذكرنا من الآيات، ونحوها من آي القرآن، وقوله صلى الله عليه وسلم لابنته:"أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لك من الله شيئا"4، كيف يجتمع الإيمان بذلك، والإيمان بقول الضال:
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي
…
ومنقذي من عذاب الله والألم
ويزعم بعض المتعصبين لهم أن مرادهم بذلك طلب الشفاعة، فيقال: أولا: طلب الشفاعة من النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ممتنع شرعا، وعقلا. وأيضا فالمستشْفِع يقول للمستشْفَع به: اشفع لي، ادع الله لي، لا يقول: أعطني كما كان الصحابة يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم في حياته: استسق لنا، استنصر لنا، لا يقولون: اسقنا، أو أغثنا، أو انصرنا على عدونا.
فمن استشفع بالنبي أو غيره إلى الله في جلب رزق، أو دفع ضر، أو دفعه، لا يقول: ارزقني أو اكشف ضري، بل يقول: ادع الله لي، وأيضا- فقول الناظم أولا:
إن لم تكن في معادي آخِذًا بيدي
…
ومنقذي من عذاب الله والألم
ثم قال: أو شافعا لي
…
إلخ، فعطف الشفاعة على الأخذ باليد والإنقاذ،
1 البخاري: الوصايا (2753) وتفسير القرآن (4771)، ومسلم: الإيمان (204)، والترمذي: تفسير القرآن (3185)، والنسائي: الوصايا (3644،3646،3647) ، وأحمد (2/ 360)، والدارمي: الرقاق (2732).
2 سورة الجن آية: 21.
3 سورة الأعراف آية: 188.
4 مسلم: الإيمان (204)، والترمذي: تفسير القرآن (3185)، والنسائي: الوصايا (3644) ، وأحمد (2/ 333،2/ 360،2/ 519).
فالمعطوف غير المعطوف عليه، فهو يقول: إن لم يحصل منك إنقاذ بالفعل، فانزل إلى مرتبة الشفاعة، وحاشاك أن تُخَيِّبَ رجائي فيك. وقد أبطل -سبحانه- هذين الأمرين الذين تعلق بهما المشركون، كما في قوله:{مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ} 1، فالولي هو: الناصر المعين بالقول، وهذا كثير في القرآن، يقرر أنه لا ولي من دونه، ولا شفيع من دونه.
وأما قوله:
فإن من جودك الدنيا وضرتها
…
ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي وأفضاله، والجود هو: العطاء والإفضال.
فمعنى الكلام: أن الدنيا والآخرة له صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى} 2 {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى} 3، وأيّ غلو أكبر من هذا؟!
وكذا قوله:
…
...
…
...
…
...
…
..... ومن علومك علم اللوح والقلم فجعل ما جرى بالقلم السابق في اللوح المحفوظ بعض علوم محمد صلى الله عليه وسلم، والله -سبحانه- يقول:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} 4.
ومقتضى قوله، بل صريح قوله: ومن علومك علم اللوح والقلم، أنه يجوز أن يقال: ومحمد يعلم ذلك، وأنه يجوز أن يقال: مفاتح الغيب لا يعلمها إلا الله ومحمد، وقال -سبحانه-:{قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} 5، فيجوز عند الناظم أن يقال: لا يعلم مَن في السموات والأرض الغيبَ إلا اللهُ ومحمدٌ صلى الله عليه وسلم وهذا صريح كلامه، وإن تأوله بعض المتعصبين بتأويلات بعيدة لا يحتملها اللفظ.
وقد قال -سبحانه- لنبيه: {قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ
1 سورة السجدة آية: 4.
2 سورة الليل آية: 13.
3 سورة النجم آية: 25.
4 سورة الأنعام آية: 59.
5 سورة النمل آية: 65.
الْغَيْبَ} 1، وأن يقول:{وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ} 2، فقال صلى الله عليه وسلم "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع"3.
والآيات والأحاديث في هذا كثيرة مع أن هذا لا يحتاج إلى إقامة الأدلة على بطلانه؛ لأنه معلوم بالاضطرار من دين الرسل كلهم -أن الدنيا والآخرة لله وحده، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو، ولقد أحسن القائل:
الحق شمسٌ والعيون نواظر
…
ولا يخفى إلا على العُمْيَان
ويشبه قوله هذا قوله في الهمزية، في مخاطبته للنبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قال:
الأمان الأمان إن فؤادي
…
من ذنوب أتيتهن هواء
فهذه علتي وأنت طبيبي
…
وليس يخفى عليك في القلب داء
فانظر إلى طلبه الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم وقوله:
…
...
…
...
…
...
…
..... وليس يخفى عليك في القلب داء
يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم علل القلوب وأدواءها وأنه لا يخفى عليه ما في القلوب، وقد قال الله سبحانه وتعالى:{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} 4. وغير ذلك من أدلة الكتاب والسنة التي تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في القلوب إلا مِمَّا أطْلَعَهُ الله عليه، قال -تعالى-: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} 5 أي: فإنه يُطْلِعه على ما يشاء من غيبه. والله المسؤول المرجو أن يهدينا إلى صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين غير مُغَيِّرين، ولا مُبَدِّلين، وهو أرحم الراحمين.
1 سورة الأنعام آية: 50.
2 سورة الأعراف آية: 188.
3 البخاري: الأحكام (7169)، ومسلم: الأقضية (1713)، والنسائي: آداب القضاة (5401)، وأبو داود: الأقضية (3583) ، وأحمد (6/ 290،6/ 320)، ومالك: الأقضية (1424).
4 سورة التوبة آية: 101.
5 سورة الجن آية: 26.