الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذا الشرط غير صحيح، ويجوز أن يتولى الكيل غير المعين المشروط، كما قالوا: إذا شرط في السلم مكيالا معين لنا عرف أنه لا يصح هذا الشرط، ولا يلزم التعيين، والله سبحانه وتعالى أعلم، انتهى. ومن خطه نقلت.
بسم الله الرحمن الرحيم
ما قولكم -أدام الله النفع بعلومكم- في قول بعض شراح عقيدة الشيباني
رحمه الله على قول الناظم:
وخصص موسى ربنا بكلامه
…
على الطور ناداه وأسمعه الندا
قال الشارح: خص الله موسى بتكليمه على الطور، وأسمعه نداه إذ لم تكن لموسى جهة يسمع منها الكلام، ولا يرى منها النار، أو سمع في الوادي المقدس كلاما بلا حرف ولا صوت، ونارا إلا في جهة محدودة، وإنما يعرف ذلك أهله، وأما غير أهله فلا يدري كيف ذلك.
وقال على قول الناظم: ومنه بدأ قولا قديما، وأنه
…
إلخ، أي: وهو منه، أي: من الرحمن بدأ قولا، أي: قاله في القدم حيث لا أكوان ولا أزمان، ويعود إليه كما بدأ منه. وهذه الحروف، والأصوات التي تعبر عن القرآن ليس هي القرآن لأن القرآن صفة الحق، والصفة لا تنفصل عن موصوفها، والحروف والأصوات تتصل وتنفصل، فهي صفات لا صفاته، لأنه باين، أي: منفرد عن خلقه بذاته وصفاته، وبذلك اغتر من اغتر، أفتونا -أثابكم الله الجنة بمنه وكرمه- ما معنى قوله هذا؟
أجاب الشيخ الإمام العالم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن (أبا بطين) أثابه الله الغرف العلية، فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
[النور الذي كلم الله منه موسى]
ما ذكره هذا الشارح بناء على أصلين فاسدين للأشعرية:
(أحدهما): إنكار علو الرب -سبحانه- فوق سماواته، واستوائه على عرشه.
(والثاني): إنكارهم تكلم الرب -سبحانه- بالحرف والصوت، والكلام عندهم هو: المعنى النفسي القائم بذات الرب سبحانه وتعالى. فلما رأى الشارح كلام المفسرين، وقولهم: إن النار التي رأى موسى هو نور الرب تبارك وتعالى، وأن القرآن يدل على أن ذلك النور في مكان، قالوا: يلزم من كون نور الرب في مكان جواز كون الله -سبحانه- في مكان؛ فيلزم إثبات علوه -سبحانه- فوق السماء، واستوائه على العرش.
فقال: لم يكن لموسى جهة يسمع منها، ولا يرى منها النار، وسمع كلاما بلا حرف، ولا صوت، ونارا لا في جهة محدودة، قلت: القرآن صريح في أن موسى عليه السلام رأى نارا في موضع معين، قال تعالى:{فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ} 1، وقال -تعالى-:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ} 2، فدل قوله:(أتاها)، و (جاءها)، أنها في موضع مخصوص، قال -تعالى-:{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} 3، وقال -تعالى-:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} 4.
قال شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله*: وقوله: من الشجرة هو بدل من قوله: من شاطئ الوادي الأيمن، فالشجرة كانت فيه؛ فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور، ومن الوادي؛ فإن شاطئ الوادي جانبه، فذكر أن النداء كان من موضع معين، وهو الوادي المقدس طوى، من شاطئه الأيمن، من جانب الطور الأيمن من الشجرة، انتهى.
1 سورة النمل آية: 8.
2 سورة طه آية: 11.
3 سورة مريم آية: 52.
4 سورة القصص آية: 30.
* انظر "شرح حديث النزول" ص 102، و"مجموع الفتاوى" 5/ 463. [معد الكتاب للمكتبة الشاملة]
فالآيات تدل على أن النور كان في موضع معين، وأن النداء كان من موضع معين.
قال ابن عباس في قوله -تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} 1 قال: الله في النور، ونودي من النور.
وروى عطية عن ابن عباس: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} 2، يعني نفسه، قال: كان نور رب العالمين، قال: في الشجرة ومن حولها، وقال عكرمة:{أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} 3 قال: كان الله في نوره، وقال سعيد بن جبير:{أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} 4 قال: ناداه وهو في النور.
وقال ابن ضمرة: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} 5، قال: إنها لم تكن نارا، ولكنه كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك. النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله.
وقال ابن عباس في قوله: {وَمَنْ حَوْلَهَا} الملائكة، وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة مثل ذلك، وقول الشارح: وإنما يعرف ذلك أهله، لما كان قولهم هذا ظاهر البطلان، وأنه ليس لهم حجة على صحته، أراد التمويه بقوله ذلك، إلا أن لقولهم هذا وجها صحيحا ومحملا يخفى على من لم ير رأيهم.
وأما قوله: ومنه بدأ قولا قديما، وأنه
…
إلخ، فهذا ما عليه الأشاعرة المخالفون للكتاب، والسنة، وسلف الأمة، فقد أجمع أهل السنة والجماعة على ما دل عليه كتاب الله، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن القرآن كلام الله، حروفه ومعانيه.
وعند الأشعرية أن الكلام هو: المعنى النفسي، وأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، وقد صنف شيخ الإسلام تقي الدين -رحمه الله تعالى- مصنفا ذكر فيه تسعين وجها في
1 سورة النمل آية: 8.
2 سورة النمل آية: 8.
3 سورة النمل آية: 8.
4 سورة النمل آية: 8.
5 سورة النمل آية: 8.
بيان بطلان هذا القول:
(منها): إن الله سبحانه وتعالى قال كذا، ويقول كذا، ونادى، وينادي، والقول إنما يكون حرفا، والنداء إنما هو بحرف وصوت، وكذلك الكلام لا يكون إلا قولا لا حديث نفس، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"1 فجعل الكلام غير حديث النفس.
وأجمع العلماء على أن المصلي إذا تكلم في صلاته عالما عامدا لغير مصلحتها، أن صلاته فاسدة، مع إجماعهم أن حديث النفس لا يبطلها؛ ففي ذلك، وما أشبهه دلالة صريحة على أن المعنى الذي يكون في النفس ليس بكلام. وعند الأشاعرة أن الله لم يكلم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس، من غير أن يسمع منه كلمة، وما يقرؤه القارئون ويتلوه التالون فهو عبارة عن ذلك المعنى، وأن الحروف مخلوقة، وفي حديث عبد الله بن أنيس المشهور:"فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان"
…
الحديث.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا، إنما يدورون على التعطيل، ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد المحاربي قال: حدثني الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء.
وعند الأشاعرة أن المعنى النفسي القائم بذات الرب الذي يسمونه كلاما شيء واحد لا يتبعض، وأن معنى الأمر والنهي والخبر واحد، وأن معنى القرآن والتوراة والإنجيل واحد، إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، وهذا مما يقطع ببطلانه.
1 البخاري: الطلاق (5269)، ومسلم: الإيمان (127)، والترمذي: الطلاق (1183)، والنسائي: الطلاق (3435)، وابن ماجه: الطلاق (2040) ، وأحمد (2/ 393،2/ 474،2/ 481،2/ 491).