المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله - محمد في التوراة والإنجيل والقرآن

[إبراهيم خليل أحمد]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم للمؤلف

- ‌تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله

- ‌تقريظ للمغفور له الشيخ عبد الحليم محمود علي شيخ الجامع الأزهر السابق:

- ‌تقريظ لفضيلة الشيخ محمد الغزالي السقا

- ‌رؤية مستنيرة لأسرار إسلامي

- ‌استحقاق نسل إسماعيل لحقوق البكورية:

- ‌نص شريعة حق البكورية

- ‌الباب الأول التوراة والإنجيل يتنبآن ببعث الرسول الكريم

- ‌بشارات من التوراة والإنجيل

- ‌ثانياً - من الأنبياء:

- ‌ثالثا - نبوءات من الإنجيل:

- ‌الباب الثاني ما الذي اختلفت عليه أهل الكتاب

- ‌ما حديث الأناجيل عن شخصية المسيح

- ‌المشكلة التي واجهها المسيح في إنجيله:

- ‌موقف الأحبار والكهنة من المسيح:

- ‌الباب الثالث المسيحية وتطويرها

- ‌أسلوب المسيح في بشارته بملكوت الله:

- ‌نظرية بولس في التفكير

- ‌الباب الرابع المسيحيون والتعاليم الكتابية

- ‌اكتشاف مخطوطات قديمة:

- ‌إنجيل برنابا:

- ‌الباب الخامس القرآن الكريم يهدي أهل الكتاب إلى الصراط المستقيم

- ‌جاء المسيح عيسى ابن مريم فماذا وجد

- ‌7 - المسيح والدينونة:

- ‌والآن لنتتبع المنهاج المرسوم:

- ‌هذه هي الحقائق الإلهية الثمنية:

- ‌الباب السادس الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانه بشخص المسيح عليه السلام

- ‌شهادة الإنجيل

- ‌2 - المسيح عيسى ابن مريم يخضع لناموس الراحة والتعب:

- ‌3 - المسيح عيسى بن مريم يخضع لناموس المؤثران العاطفية:

- ‌4 - المسيح عيسى ابن مريم يلتزم مكانته فلا يتعداها:

- ‌5 - المسيح عيسى ابن مريم جاء غريباً وعاد غريباً:

- ‌6 - المسيح عيسى ابن مريم رسول الله:

- ‌7 - المسيح عيسى ابن مريم نبي الله:

- ‌8 - المسيح عيسى بن مريم رفيع الدرجة عند الله والناس:

- ‌مقارنة بين تعاليم المسيح وتعاليم بولس

- ‌الباب السابع الكتاب المقدس والعقيدة المسيحية

- ‌(ب) تطور اللغة العبرية:

- ‌2 - اللغة العبرية

- ‌(هـ) قواعد اللغة العبرية:

- ‌(ز) السامريون:

- ‌2 - الكتاب المقدس والعهد الجديد

- ‌(ب) إنجيل متى:

- ‌(جـ) إنجيل لوقا:

- ‌(د) إنجيل يوحنا:

- ‌خلاصة القول:

- ‌3 - الكتاب المقدس والأبوكريفا

- ‌اكتشاف الإنجيل:

- ‌موقف الكنيسة من إنجيل برنابا:

- ‌البراهين القاطعة على انتشار إنجيل برنابا قبل الإسلام:

- ‌مخالفة إنجيل برنابا للأناجيل الأربعة:

- ‌التعليق:

- ‌5 - الكتاب المقدس والخط اللاتيني

- ‌6 - الكتاب المقدس والنسخ الخطية

- ‌(ب) العقيدة المسيحية

- ‌2 - الآباء وتطوير المسيحية

- ‌المشكلة التي تعرضت لها الكنيسة

- ‌4 - الفلاسفة وتطوير العقيدة

- ‌5 - الصليب

- ‌(ب) التاريخ السياسي للصليب:

- ‌1 - الشعب اليهودي يمجد مسيح الله:

- ‌2 - الحواريون ينظرون إلى المسيح كابن لله فكيف يتخلى عنه الله

- ‌3 - التباس الحوادث مما ينفي حادث الصلب عن المسيح:

- ‌4 - موقف القرآن الكريم من الصلب:

- ‌6 - براءة الإسلام من الشبهات

- ‌3 - وفي قولهم إن المسيح عيسى ابن مريم أقنوم من الأقانيم الثلاثة:

- ‌الباب الثامن العالم قبل بزوغ الإسلام

- ‌الباب التاسع (أ) العالم في فجر الإسلام

- ‌(ب) التوسع الإسلامي وأثره

- ‌نظرة إلى التاريخ:

- ‌الباب العاشر 1 - لمحة من حياة محمد

- ‌(1) الرجل الكامل في القرآن

- ‌(ب) القرآن وأدب النفس:

- ‌(جـ) عظمة النبوة:

- ‌2 - الزواج والطلاق في الإسلام

- ‌لا رهبانية في الإسلام:

- ‌(ب) الطلاق في الإسلام:

- ‌المراجع

الفصل: ‌تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله

‌تقريظ للمغفور له الأستاذ علي حسب الله

الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة (سابقاً)

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، أرسله الله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله، ففتح به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وارتفع شأنه وعلا ذكره بأولئك الطيبين الطاهرين، الذين سبقوا إلى الإيمان به، ونصروا الرسول بأموالهم وأنفسهم، فسجل الله ذكرهم في كتابه الكريم.

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}

{سَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}

لقد أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم بقواعد الحق، ومبادئ الفطرة السليمة، التي تصلح بها أمور الناس في الدنيا والآخرة، والتي يتقبلها العقل البشري بقبوب حسن إذا بعد التأثر برواسب الجهل، وبواعث الانحراف والضلال، ومن تقليد الآباء، والاعجاب بمظاهر دنيوية لا تمت إلى الحق والخير بصلة، وإذا أراد الله بعبد من عباده الخير والهداية بصره بما في الحق من جمال وانسجام، وبما في تلك العوامل والبواعث من انحراف عن الصراط المستقيم، واتجاه إلى سوء المصير، فسلك إلى الحق طريقه، وبعد عن طريق الهلاك:

ص: 15

{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}

والأخ السيد "إبراهيم خليل أحمد" من المثل الطيبة للتحول من الضلال إلى الهدى بتوفيق من الله تعالى، وبدارسة عاقلة بصيرة، وهو من الأدلة الصادقة على أن توجه إلى الله قبله، ومن تقرب إليه شبراً تقرب الله منه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب منه باعاً.

لقد أثار العليم الخبير وجدانه بآية سمعها من كتابه الكريم:

قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}

فكانت مصباحاً أضاء جوانب قلبه، ووجهه إلى البحث عن الحقيقة، فأخذ يصارع - بإرادة قوية، وعقل واع، ونية طيبة - عقيدة قديمة، تغلقت بقلبه منذ وجد عليها الآباء وقد بوأته متعباً وجاها، وأغدقت عليه رزقاً حسناً، واستمر في ضالة العقلي والنفسي دون أن يلويه عن غرضه منصب أو جاه، أو يفكر فيما هو فيه من سعة الرزق، وما يمكن أن يصير إليه من حاجة. حتى شرح الله صدره وهداه إلى دين الحق أغناه عن كل ما كان فيه:

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}

لقد رأى من أول الواجبات عليه أن يضع تحت سمع الناس وبصرهم ما وفقه الله إليه من دلائل الحق ومعالم الهدى، فقد يهدي الله به رجلاً واحداً فيكون خيراً له من الدنيا وما فيها، فجعل باكورة عمله في الإسلام ذلك الكتيب، الصغير في حجمه، والكبير في قيمته:"محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل" لينبه به الغافلين، ويحفز إلى التفكير همم العاقلين.

ص: 16

وكان من أظهر ما وجه إليه الأذهان في هذا الكتيب أمور تعتبر في الدين من أصول العقيدة والسلوك المستقيم، وهي من الوضوح بحيث لا ينبغي أن يماري فيها عقل الإنسان، ومن هذه الأمور:

1 -

وحدة الإله:

إن وجود هذا الكون - بما فيه من نظام محكم، وتناسق دقيق - يقتضي عقلاً وجود موجد متصف لكل صفات الكمال التي تلائم دقة نظامه وأحكام تناسقه، وهذه قضية سهلة لا التواء فيها، ومن زعم أن الكون لا خالق له، فهو مكابر، يعترف بالأثر وينكر المؤثر. ومن زعم أن له أكثر من خالق فعليه الدليل، ولن يجد دليلاً على وجود معدوم، وإذا لم نكن مطالبين بإقامة الدليل على نفي التعدد، لأن المطالب بالدليل هو المثبت لا النافي - فقد تفضل العليم الحكيم على المنحرفين القائلين بالتعدد بالتنبيه على ما في مقالتهم من فساد بقوله سبحانه:

{لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}

وبهذا يتقرر في العقل ما قرره القرآن الكريم في قوله سبحانه:

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}

ويقابل هذه العقيدة السهلة السمحة في الإسلام - عقيدة التثليث المعقدة في المسيحية، التي تنزل الله من عليائه ليحل في بعض خلقه، أو ترفع بعض المخلوقين إلى منزلة الخالق، مما يبلبل أفكار عامة الناس، ويحير جهابذة العلماء.

وقد بين السيد إبراهيم في بحثه أن هذه العقيدة دخيلة على المسيحية، وليس لها وجود في الأصل اليوناني للإنجيل، بل هي مأخوذة من الوثنية الفرعونية، والمبادئ البابلية التي وجدت في لوحة أثرية عثر عليها في بابل، ويرجع تاريخها إلى سنة 1200 ق. م ولم تقرر هذه العقيدة عند المسيحيين إلا في مجمع نيقية المنعقدة سنة 325 م م بدعوة من الإمبراطور قسطنطين بسبب الخلاف بين الأسقف آريوس والشماس أثناسيوس الإسكندريين.

قال الأسقف: إن المسيح مخلوق لله، ومتصف بكل الصفات الإنسانية وتعتريه كل العواطف البشرية، من نوم ويقظة، وفرح وحزن، وغير ذلك، فلا يكون إلهاً بحال.

ص: 17

وقال الشماس: إن المسيح ابن الله، والابن لابد أن يكون مساوياً للأب، لأنهما من عنصر واحد، فلابد أن يكون المسيح إلهاً مثل أبيه.

وقد صدر قرار بإدانة الأسقف، لأن فكرته تقلل من شأن المسيح، كأن المسيح لا يرتفع شأنه - وهو بشر - إلا إذا وضع - برغم أنف العقل والنصوص الدينية - في مصاف الآلهة.

وفي سنة 334 دعا الإمبراطور قسطنطين إلى مجمع صور، الذي قرر إلغاء قرارات مجمع نيقية، وعفا عن الأسقف، وقبل تعاليمه.

ثم مازالت المجامع تنعقد، وتقرر القرارات المختلفة - مما يدل على اضطراب العقيدة وعدم اعتمادها على أساس - حتى انقسم المسيحيون بسبب قرارات مجمع القسطنطينية الرابع سنة 869 م - قسمين، وأصبح لهم كنيستان: شرقية أرثوذكسية بالقسطنطينية، وغربية كاثوليكية بروما، ثم كانت حركة مارتن لوثر سنة 1517م التي نشأت بسسها كنيسة ثالثة بروتستانتية بألمانيا، انتقلت بعد إلى انجلبترا والولايات المتحدة.

وقد اكتشفت حديثاً فوق هضبة بجوار البحر الميت - مخطوطات يرجع تاريخها إلى سنة 100 ق. فيها معلومات تصحح الفكرة الخاطئة عن ألوهية المسيح عليه السلام، وقد أرسل الدكتور تريفور صورة منها إلى الدكتور و. ف. ألبرايث - وهو حجة في علم آثار الإنجيل فهنأه على هذا الكشف، وقال: إنه " لا يشك أحد في العالم في صحة هذه المخطوطات التي ستحدث ثورة في فكرتنا عن المسيحية".

ويؤخذ من هذه المخطوطات أن عيسى عليه السلام ابن الإنسان وليس ابن الله كما ادعى أتباعه من قبل.

2 -

غفران الذنوب:

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}

ص: 18

ويقول سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}

ويقول الله تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

وفي الحديث القدسي أن رب العزة جل جلاله يقول: "يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، وبهذا كان باب التوبة في الإسلام مفتوحاً لكل من يطرقه من بني الإنسان، وتقبل توبة التائب - بندمه على ما فرط منه، ومعاهدته ربه على عدم العودة إلى ما يغضبه، ولا تتوقف على شيء من غيره.

أما في المسيحية "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" و"أحب الله العالم حتى بذل ابنه الحبيب لكيلا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية"، وهو كلا تظهر عليه مسحه الوضع البشري، لاستهواء أفئدة العامة، وحملهم على حب المسيح، والإيمان به. ولا يدري عاقل كيف يصل العجز بالإله إلى الحد الذي لا يستطيع معه أن يغفر للبشر إلا بتقديم ابنه الحبيب قرباناً، فإلى من يتقرب؟ وإلى من يتقدم بالرجاء؟ وكيف تغفر ذنوب السابقين واللاحقين بتقديم ابنه قرباناً؟ وهل هذا إلا فتح لباب المعصية في المستقبل اعتماداً على هذا الغفران؟

وقد نقل إلينا إبراهيم في هذا الموضع كلام العلامة روى ديسكون سميث في كتابه "ضوء جديد على البعث" إذ قال: "لا يوجد متدين مهما كان مذهبه أو فرقته يعتقد أن الله العظيم قد أرسل ابنه الوحيد إلى هذه البشرية التي لا تساوي - في مجموعها منذ بدء الخلق إلى نهايته - كوكباً من الكواكب المتناهية في الصغر، لكي يعاني موتاً وحشياً على الصليب، لترضيه النقمة الإلهية على البشر، ولكي يساعد جلالته على أن يغفر للبشرية على شرط أن تعلن البشرية اعترافها بهذا العمل الهمجي - ألا وهو الفداء - الذي لا يستسيغه عقل

ولماذا لا نقول: إن الله العالم بما سيكون سمح بتضحية رسوله لا ليغفر للبشرية جرائمها، بل لتكون هذه الحادثة سبباً في انتشار الإنجيل".

ص: 19

وقد ذكر السيد إبراهيم أن الصليب اتخذ شعاراً منذ آلاف السنين قبل المسيح عليه السلام، وجاء في إنجيل برنابا - أن المسيح عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، وإنما وقع القتل والصلب بشبيه به، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم متى جاء سيكشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله، وقد نفى القرآن الكريم ذلك حقاً في قوله تعالى:

{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}

3 -

المساواة بين الناس:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

ويقول الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم".

ويقول صلى الله عليه وسلم: "لا فصل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر، ولا لأحمر على أسود - إلا بالتقوى"

فالقياس الذي يتفاضل به الناس عند الله هو التقوى والعمل الصالح، أما الجنس واللون فلا أثر لشيء منهما في رفعة شأنهم أو ضعته.

أما الأناجيل الموضوعة فقد ورد فيها تفاخرهم بأنهم أولاد حرة لا أولاد أمة: "إذن لسنا أولاد جارية، بل أولاد حرة". ولا يزال لهذا المعنى رواسب في نفوس القوم إلى اليوم، يظهر أثرها في التفرقة العنصرية في أمريكا وجنوب أفريقيا.

4 -

البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم:

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}

وقد بين السيد إبراهيم أن هذه البشارة وردت في التوراة والإنجيل.

وردت في التوراة في قوله: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، لأجعل كلامي

ص: 20

في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به" وهي عبارة مجملة، فسرها اليهود بمجئ رسول منهم، لا من ولد إسماعيل، وكأن الله تعالى جعل هذه العبارة مجملة، وألهمهم هذا التفسير حفظاً لهذه البشارة، لأنهم لو عرفوا أن الرسول المبشر به سيكون من ولد إسماعيل لأخفوها أو محوها وقد أثبتت الأيام أن الرسول المبشر به هو محمد صلى الله عليه وسلم.

ورد في الإنجيل ما يدل على انتقال النبوة من ولد إسحاق إلي ولد إسماعيل في قوله: "الحجر الذي رفضه البناءون قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عحيب في أعيننا، كذلك اقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم، ويعطي لأمة تعمل أثماره".

والحجر الذي رفضه البناءون كناية عن إسماعيل عليه السلام جد محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبهم البناء فيقولون: ألا وضعت ها هنا لبنة ليتم البناء؟ فأنا اللبنة جئت فختمت الأنبياء".

وقال المسيح عليه السلام للحواريين: "إن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا وأما مت جاء ذاك - روح الحق - فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آيته".

ويؤخذ من المخطوطات التي عثر عليها بجوار البحر الميت كذلك أن عيسى كان مسيا المسيحيين وأن هناك مسيا آخر سيأتي بعده، وقد قال عنه المسيح:"ومتى جاء المعزى - البار قليط - فهو يشهد لي". ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بعده، فشهد له وأنصفه، ودافع عنه وعن العقيدة الصحيحة التي جاء بها.

وقد جاء في إنجيل برنابا - الذي استبعدته الكنيسة في عهدها الأول، وحرم البا جلاسيوس قراءته سنة 492 م - ما يؤيد هذه المخطوطات ما فيها من إجمال قال: "فلما كان الناس قد دعوني الله، وابن الله - على أني كنت بريئاً في العالم - أراد الله أن يهزأ الناس في هذا العالم بموت يهوذا معتقدين أنني أنا الذي مت على الصليب لكيلا تهزأ الشياطين بي في يوم الدينونة وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله،

ص: 21

الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمونون بشريعة الله".

وبهذا تكون البشارة في الإنجيل المختلفة مطابقة للبشارة في التوارة، فللبشرية نبي كموسى، من وسط إخوتهم، وينزل عليه كتاب يكلم الناس بما فيه، وهو روح الحق، لا يتكلم من نفسه، بل بما يوحى به إليه، وصدق الله العظيم في قوله تعالى:

{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى}

ومهما أخفى القوم من الأناجيل الصحيحة فإن القرآن الكريم قد تكفل ببيان ما لابد من بيانه مما أخفوا، قال تعالى:

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

وهكذا يسلط السيد إبراهيم خليل الأضواء على أشهر مواضع الخلاف بين الديانتين المسيحية والإسلامية بخبرته السابقة، ويستخلص الحق فيما وقع فيه الخلاف، مؤيداً ما اهتدى إليه بالعقل والنقل، ومبيناً منشأ ما عليه القوم من انحراف في العقيدة، وأن الحكام وبعض رجال الدين أرادوا بتضليلهم الولاية على الشعب واستغلاله.

والله ولي التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

علي حسب الله.

ص: 22