المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الآيات: (64- 70) [سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 70] - التفسير القرآني للقرآن - جـ ٥

[عبد الكريم يونس الخطيب]

فهرس الكتاب

- ‌الآيات: (88- 93) [سورة الأعراف (7) : الآيات 88 الى 93]

- ‌الآيات: (94- 99) [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 99]

- ‌الآيات: (100- 102) [سورة الأعراف (7) : الآيات 100 الى 102]

- ‌الآيات: (103- 116) [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 116]

- ‌الآيات: (117- 122) [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 122]

- ‌الآيات: (123- 126) [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 126]

- ‌الآيات: (127- 129) [سورة الأعراف (7) : الآيات 127 الى 129]

- ‌الآيات: (130- 133) [سورة الأعراف (7) : الآيات 130 الى 133]

- ‌الآيات: (134- 137) [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى 137]

- ‌الآيات: (138- 141) [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 الى 141]

- ‌الآيات: (142- 144) [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 الى 144]

- ‌الآيات: (145- 147) [سورة الأعراف (7) : الآيات 145 الى 147]

- ‌الآيات: (148- 150) [سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 150]

- ‌الآيات: (151- 152) [سورة الأعراف (7) : الآيات 151 الى 153]

- ‌الآيات: (154- 155) [سورة الأعراف (7) : الآيات 154 الى 155]

- ‌الآيات: (156- 159) [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 الى 159]

- ‌رسالة الإسلام ونسخها للرسالات السابقة

- ‌الآيات: (160- 162) [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 الى 162]

- ‌الآيات: (163- 167) [سورة الأعراف (7) : الآيات 163 الى 167]

- ‌الآيات: (168- 171) [سورة الأعراف (7) : الآيات 168 الى 171]

- ‌الآيات: (172- 174) [سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 174]

- ‌الآيات: (175- 179) [سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 179]

- ‌الآيات: (180- 185) [سورة الأعراف (7) : الآيات 180 الى 185]

- ‌الآيات: (186- 188) [سورة الأعراف (7) : الآيات 186 الى 188]

- ‌الآيات: (189- 198) [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 198]

- ‌الآيات: (199- 206) [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 206]

- ‌8- سورة الأنفال

- ‌الآيات: (1- 4) [سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 4]

- ‌الآيات: (5- 8) [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 8]

- ‌الآيات: (9- 11) [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 11]

- ‌الآيات: (12- 19) [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 الى 19]

- ‌الآيات: (20- 26) [سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 26]

- ‌الآيات: (27- 31) [سورة الأنفال (8) : الآيات 27 الى 31]

- ‌الآيات: (32- 35) [سورة الأنفال (8) : الآيات 32 الى 35]

- ‌الآيات: (36- 40) [سورة الأنفال (8) : الآيات 36 الى 40]

- ‌الآيات: (41- 44) [سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 44]

- ‌الآيات: (45- 48) [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 48]

- ‌الآيات: (49- 54) [سورة الأنفال (8) : الآيات 49 الى 54]

- ‌الآيات: (55- 60) [سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 60]

- ‌الآيات: (61- 63) [سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63]

- ‌[الحرب والسلام.. فى الإسلام]

- ‌الآيات: (64- 66) [سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66]

- ‌المسلم.. وكم حسابه فى ميدان القتال

- ‌الآيات: (67- 71) [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 71]

- ‌الآيات: (72- 75) [سورة الأنفال (8) : الآيات 72 الى 75]

- ‌9- سورة التّوبة

- ‌نزولها:

- ‌الآيات: (1- 5) [سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 5]

- ‌الآيات: (6- 15) [سورة التوبة (9) : الآيات 6 الى 15]

- ‌الآيات: (16- 18) [سورة التوبة (9) : الآيات 16 الى 18]

- ‌الآيات: (19- 22) [سورة التوبة (9) : الآيات 19 الى 22]

- ‌الآيتان: (23- 24) [سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24]

- ‌الآيات: (25- 27) [سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27]

- ‌الآيتان: (28- 29) [سورة التوبة (9) : الآيات 28 الى 29]

- ‌الآيات: (30- 33) [سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 33]

- ‌الآيات: (34- 35) [سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35]

- ‌الآيات: (36- 37) [سورة التوبة (9) : الآيات 36 الى 37]

- ‌الآيات: (38- 41) [سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 41]

- ‌الآيات: (42- 45) [سورة التوبة (9) : الآيات 42 الى 45]

- ‌الآيات: (46- 52) [سورة التوبة (9) : الآيات 46 الى 52]

- ‌الآيات: (53- 57) [سورة التوبة (9) : الآيات 53 الى 57]

- ‌الآيات: (58- 60) [سورة التوبة (9) : الآيات 58 الى 60]

- ‌الزكاة والتكافل الاجتماعى

- ‌الآيات: (61- 63) [سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 63]

- ‌الآيات: (64- 70) [سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 70]

- ‌الآيتان: (71- 72) [سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72]

- ‌الآيتان: (73- 74) [سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 74]

- ‌الآيات: (75- 80) [سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 80]

- ‌الآيات: (81- 85) [سورة التوبة (9) : الآيات 81 الى 85]

- ‌الآيات: (86- 89) [سورة التوبة (9) : الآيات 86 الى 89]

- ‌الآيات: (90- 92) [سورة التوبة (9) : الآيات 90 الى 92]

الفصل: ‌الآيات: (64- 70) [سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 70]

قوله تعالى: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ» هو تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، لهؤلاء المنافقين الذين يحادّون الله ورسوله، ويعلنون هذه الحرب السفيهة بألسنتهم على الله ورسوله، بما يذيعون من كلمات السوء فى رسول الله..

وليس لمن يحارب الله ورسوله، إلّا أن يصلى عذاب الله، ويأخذ مكانه فى جهنّم خالدا فيها.. وذلك هو الخزي العظيم للمنافقين، حين يساقون إلى جهنّم، ويدعّون فيها دعّا، على حين تفتّح أبواب الجنات للمؤمنين، الذين أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا دينهم له، فلم تحمل قلوبهم نفاقا، ولم تجر على ألسنتهم كلمة منافقة.

‌الآيات: (64- 70)[سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 70]

يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68)

كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)

ص: 827

التفسير:

قوله تعالى: «يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ» .

هو نذير للمنافقين بفضح نفاقهم على الملأ، وكشف ما بيّتوا من نفاق..

بل إن الأمر لأكثر من هذا، فقد فضح الله كثيرا من المنافقين، ونزلت آيات الله تحدّث بما كان يسرّ به بعضهم إلى بعض، بل، وبما كان لا يزال مضمرا من السوء فى صدورهم، لم يطلع عليه أحد، بعد! ومن هنا كان بلاء المنافقين، وكان الخوف الذي يطلّ عليهم من حيث لا يحتسبون.. فالله سبحانه وتعالى مطلع على ما يدور بينهم، عالم بما يجرى فى خواطرهم.. ومحال أن يفلتوا من الفضيحة..

وأمر واحد هو الذي يضمن لصاحبه الأمن والسلامة، من هذا البلاء المبين، وهو أن يتخلّص من النفاق جملة، وأن يخلّص إيمانه من كل شائبة نفاق، وعندها يجد الإنسان أن سرّه وعلانيته على سواء، وأنه لا يسوؤه بحال أبدا أن ينكشف للناس باطنه، كما انكشف لهم ظاهره! وفى قوله سبحانه:«قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ» - تهديد

ص: 828

ووعيد لمن أمسكوا قلوبهم على نفاق، وعقدوا نياتهم عليه.. فالله- سبحانه- مخرج ما أمسكته قلوبهم، وما انطوت عليه نياتهم! وليس من الممكن أن يتصور أحد ما الذي كان يعيش فيه المنافقون يومئذ، من كرب وفزع، وهم يرون كل يوم صرعاهم، وقد رمتهم كلمات الله بسهام نافذة لم تخطىء صميم الداء منهم! ولقد كان ما صنعه الله بالمنافقين فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- وفى فضح من فضح منهم- حماية للمجتمع الإسلامى الأول من هذا الداء الخبيث، ووقاية للمؤمنين من أن يطوف بهم طائف منه.. حتى لقد كان صحابة رسول الله- وهم من هم- يضعون أنفسهم تحت مراقبة دقيقة منهم، لكل خاطرة تخطر لهم، ولكل وسواس يطوف بهم..

ومن هنا ندرك السرّ فى هذا الصفاء الروحىّ، الذي كان عليه صحابة رسول الله، وتلك العظمة الإنسانية التي اشتملت عليها نفوسهم، والذي كان من آثاره ما شهدته الحياة- وربما لأول مرة ولآخر مرة أيضا- من مجتمع مثالىّ، يحكمه وازع الضمير، ويقوم فيه مقام السلطان القاهر، الذي يتسلط على كل نفس، ويأخذ على كل جارحة؟

وفى قصتى «ما عز» والمرأة الغامدية شاهد مبين، يحدّث بأن المجتمع الإسلامى فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كان تحت مراقبة سماوية تتكشف للناس منها سرائرهم، كما تتكشف لهم صور المرئيات على المرايا العاكسة، فإن عمى الإنسان عن أن يرى نفسه فيها، رآه الناس من حوله، من قريب وبعيد! وتتلخص قصة ما عز بن مالك، فى أنه قد غالب شهوته فغلبته، فأتى

ص: 829

الفاحشة.. فلما استيقظ من سكرة تلك الشهوة الغالبة أنكر نفسه، ولم يطق صبرا على الحياة مع تلك النفس الأمارة بالسوء..

ففزع إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، يطلب النجاة عنده.. فقال:

يا رسول الله. طهرنى.. فعرف الرسول أنه جاء ليقام عليه حدّ الزّنا، وهو الرجم، إذ كان «ما عز» محصنا.

فقال الرسول الرحيم: «ويحك.. ارجع، فاستغفر الله، وتبّ إليه!» فرجع غير بعيد.. ثم جاء فقال: يا رسول الله.. طهرنى..

فقال صلوات الله وسلامه عليه: «ارجع، واستغفر الله، وتب إليه..»

فرجع، ثم عاد فقال: يا رسول الله طهّرنى.!

فقال الرسول الكريم: «ارجع واستغفر الله وتب إليه» .

فرجع، فقال: يا رسول الله طهرنى..

فقال صلوات الله وسلامه عليه: ففيم أطهّرك؟

فقال: من الزّنا..

فقال صلى الله عليه وسلم. «أيه جنون؟» .. فأخبر أنه ليس بمجنون..

فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل فشمّه، فلم يجد ريح خمر! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أزنيت؟ قال: نعم:

فأمر به.. فرجم! أما المرأة، فهى من «غامد» وغامد هذه بطن من بطون الأزد، والأزد قبيلة عربية معروفة..

جاءت هذه المرأة إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، وقد فعلت الفاحشة، ولم

ص: 830

يكن أحد من الناس قد كشف أمرها، فقالت: يا رسول الله: إنّى زنيت..

فطهرنى! فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فلما كان الغد جاءت، فقالت يا رسول الله: لم تردّنى؟ لعلك أن تردّدنى كما ردّدت ماعزا؟

«فو الله إنى لحبلى! فقال النبي الكريم: «أما الآن فاذهبى حتى تلدى» فلما ولدت أتته بالصبي فى خرقة.. ثم قالت: هذا قد ولدته! فقال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه» فلما فطمته، أتت بالصبي فى يده كسرة خبز، ثم قالت: «هذا يا نبى الله قد فطمته، وقد أكل الطعام.. فدفع النبىّ إلى رجل من المسلمين..

ثم أمر بها فرجمت..

ووراء هذه القصة أكثر من آية معجزة من آيات السموّ الإنسانى، وعظمة الإنسان، حين يسكن الإيمان قلبه، ويملأ كيانه، فلا يخاف غير الله، ولا يطمئن إلا باللّجأ إليه والاستسلام له..

ونحسب أننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن ما عزا والغامدية، لم يكن منهما هذا الإصرار العنيف على فضح أمرهما، بعد أن ستر الله عليهما- إلّا خوفا من فضيحة مهلكة، يتنزل بها القرآن فى شأنهما، فتكون لعنتهما على لسان كل قارئ للقرآن إلى يوم الدين.. فهما إذ يطلبان الموت، وإذ يجدان هذه الحرارة فى الإقدام عليه، واستساغة طعمه- إنما ليهربا من تلك السياط الملتهبة التي تتساقط عليهما بنذر الفضيحة، التي يشهدها الوجود كله، على امتداد الزمن، إلى يوم النّشور! وطبيعى أن ذلك الشعور الذي تسلط على ما عز والغامدية، والذي أراهما

ص: 831

مدى الهوّة التي سيهويان فيها إذا هما وقعا تحت لعنة الله، وأنزل الله سبحانه فى شأنهما قرآنا يفضحهما- طبيعى أن هذا الشعور إنّما بلغ به هذه الدرجة من اليقظة والحساسية، هو وثاقة الإيمان بالله، وحسن الإدراك لكماله سبحانه وتعالى، وأنه القادر الذي لا يعجزه شىء.. العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.. فإذا جاءت بعد ذلك شواهد عملية تكشف عن تلك القدرة وهذا العلم، فيما كشف القرآن الكريم من خبايا المنافقين، وخفايا صدورهم- لم يكن ثمّة مهرب من الله إلا إليه، ولم يكن ثمة سبيل للنجاة إلّا فى طلب التطهير من الإثم، وإقامة حدّ الله على من اعتدى على حرمات الله! هذا، ولمّا لحق الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بالرفيق الأعلى، وانقطع وحي السماء- تنفّس المنافقون الصعداء، وزايلهم هذا الشعور من الحذر والخوف أن يمسوا أو يصبحوا على أعين الناس فضيحة مفضوحة للعالمين- فاستعلن نفاقهم، وتحركت ألسنتهم، بما كانت تكنّه صدورهم من منكر القول، وآثم التدبير.

ولكن- مع هذا- لم يكن للنفاق ولا للمنافقين أثر فى حياة المجتمع الإسلامى، الذي تركه الرسول، بعد أن أزاح تلك العلل التي كانت مستولية عليه، وسلك به مسالك الهدى والتقوى.. فما يكاد يظهر فى المجتمع انحراف، أو يطلّ عليه وجه منحرف، حتى تنكره الحياة كلها من حوله، وحتى ليأخذ المجتمع عليه كل سبيل للإقامة على هذا الانحراف، أو الإفلات من العقاب الراصد له..

ولقد تركت هذه التجربة أثرها فى نفوس المؤمنين، الذين عاشوا فى عهد النبىّ، ثم امتدّت بهم الحياة بعد النبىّ.. إذ أحسوا بهذا الفراغ الذي خلّفه فراق النبىّ الكريم لهم، كما استشعروا تلك الوحشة، من انقطاع الوحى

ص: 832

السماوي، الذي كان يؤنس حياتهم، وينير لهم طريقهم فيها، ويرصد الانحرافات التي تحدث فيهم..

لقد كان المسلمون فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- تحت مراقبة دائمة، يؤمنون معها من أن يدخل عليهم حلل، دون أن يشعروا به، ويعرفوا مكانه فيهم، فيما ينزل من آيات القرآن الكريم، مما يتلبس به الأفراد..

وأما وقد مات الرسول، وانقطع الوحى، فإنه لم يعد للمؤمن ما يعرف به حقيقة إيمانه، إلا بأن يعرض نفسه على كتاب الله، وسنة رسوله، وإنه على قدر قربه أو بعده منهما، يكون حظه من الإيمان، ومكانه من المؤمنين..

وبهذا صار إلى المؤمن أمر دينه، كما صارت إليه حراسته من كل آفة تعرض له، دون أن ينبّه إلى ذلك، أو يلفت إليه..

روى أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يمضى إلى بيت حذيفة بن اليمان، ويقول له: يا حذيفة.. أنت صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فانظر ما فىّ من النفاق، فعرفنى به!! فيقول حذيفة: والله يا أمير المؤمنين ما أعلم فيك نفاقا.. فيقول: انظر وحقق النظر! فيبكى حذيفة، ويبكى عمر رضى الله عنهما، فلا يزالان يبكيان حتى يغشى عليهما..

ومن هنا ندرك السرّ فيما كان من التفات الدعوة الإسلامية إلى هذا المرض الخبيث- مرض النفاق- ورصد تحركاته فى المجتمع الإسلامى، وفضح أهله. وكشف وجوههم للملأ، حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وحتى لا تصيبهم عدواه، الأمر الذي إن فشا فى الناس، أفسد عليهم حياتهم، وأراهم

ص: 833

الأمور فى أوضاع مقلوبة، لا يلتقون معها إلا إذا قلبوا هم أوضاعهم، ومشوا على رءوسهم، بدلا من أرجلهم! قوله تعالى:«وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ» هو كشف عن وجه آخر، من وجوه النفاق التي يظهر بها المنافقون فى الناس.. وهو أنهم إذا ضبطهم القرآن متلبسين بجريمة من جرائمهم المنكرة، أو لامهم لائم على ما انكشف من مستور تدبيرهم السيّء، وما جرى على ألسنتهم من هزؤو سخرية برسول الله وبالمؤمنين بالله، قالوا معتذرين:

«إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» أي لم نكن جادّين فيما كنا فيه، وإنما هو لعب وعبث، ومفاكهة! وهكذا المنافق.. لا يجد ما يستر به نفاقه إلا الكذب.. فهو كدب يستر كذبا، ونفاق يدارى نفاقا..

وقد أمر الله سبحانه نبيه الكريم أن يردّ عليهم زعمهم هذا، وأن يسفّه باطلهم الذي هم فيه، وأن يفضح عذرهم المفضوح الذي اعتذروا به.. «قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ؟» .. أفهذا مقام يخوض فيه الخائضون ويلعب اللاعبون؟ إنه لعذر أقبح من ذنب! قيل إن جماعة من المنافقين الذين كانوا فى غزوة تبوك مع المسلمين، وقد كانوا يذيعون فى الناس أحاديث يسخرون فيها من النبىّ وأصحابه، ويقولون فيما يقولون: إن محمدا وأصحابه لن يثبتوا للروم، وما هم إلا غنيمة باردة ليد الروم إذا التقوا بهم.. وقد كشفهم الله سبحانه وتعالى للنبىّ، وأراه وجوههم،

ص: 834

وأطلعه منهم على ما كانوا يقولون.. فلما أنبأهم النبىّ بهذا الذي كان منهم- قالوا إنما كنا نخوض ونلعب» ! وقيل إنه ضلّت للنبىّ صلى الله عليه وسلم ناقة فى هذه الغزوة، فجعل أصحابه يبحثون عنها.. فقال المنافقون: لو كان محمدا متصلا بربّه- كما يقول- لأخبره بالمكان الذي فيه ناقته! فكيف يدّعى- مع هذا- أنه يوحى إليه من ربه!؟» وقد أطلع الله سبحانه النبىّ على ما دار بين هؤلاء المنافقين، فلما أنبأهم النبىّ بهذا الإثم الذي تعاطؤه، قالوا:«إنما كنا نخوض ونلعب!! وقد أخزاهم الله سبحانه وتعالى بقوله: «أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .. ثم أخزهم خزيا بعد خزى، إذ أطلع النبىّ على المكان الذي شردت إليه الناقة، فأشار إلى أصحابه إليه، فوجدوها حيث أشار! قوله تعالى:«لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» فى هذه الآية يأخذ الله المنافقين بنفاقهم.. فلا يقبل لهم عذرهم الذي اعتذروا به، لأنه كذب إلى كذب، ونفاق إلى نفاق.. ثم يحكم- سبحانه وتعالى عليهم بالكفر، بسبب هذا النفاق الذي لبسوه، بعد أن نزعوا ثوب الإيمان الذي كانوا يخفون به ما انطوت عليه قلوبهم من نفاق.. وبهذا- وبعد أن افتضح أمرهم- صاروا كافرين ظاهرا وباطنا. بعد أن كانوا كافرين باطنا، مؤمنين ظاهرا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:«لا تَعْتَذِرُوا.. قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» ..

وفى قوله سبحانه: «إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» ..

ص: 835

فى هذا إشارة إلى أن باب التوبة والقبول لا يقفل أبدا فى وجه أي إنسان، يتجه إلى الله، وينزع عما كان فيه من غىّ وضلال.. وأن هؤلاء المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم ليسوا على حال واحدة، ففيهم من سيثوب إلى رشده، وينزع عن غيه، ويرجع إلى الله تائبا نادما، وفيهم من يلجّ به الضلال، ويستبد به العمى، فيمضى إلى مساقه الذي يسوقه شيطانه إليه..

فالذين يتوبون إلى الله، ويرجعون إليه من قريب من هؤلاء المنافقين، سليقون من الله سبحانه، عفوا، ومغفرة.. والذين يصرّون على هذا النفاق الذي هم فيه، سيلقون من الله ما أعد للكافرين والمنافقين من عذاب ونكال.. «بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» .. أي بسبب ما كانوا عليه من ضلال، ومحادّة لله ورسوله، الأمر الذي اقترفوا به ما اقترفوا من جرائم وآثام.

قوله تعالى: «الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» هكذا هم المنافقون، وذلك هو مجتمعهم، لا ينضح بغير الإثم والمنكر، ولا يلد إلا البغي والفجور.. «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» أي على طبيعة سواء يجمعهم النفاق، ويؤلف بينهم، من رجال ونساء، حتى لكأنهم أفراد أسرة واحدة، تجمعها لحمة النسب والقرابة، وتؤلف بينها مشاعر الحب والولاء.. وذلك أن المنافق لا يجد المرعى الخصيب الذي يغذّى فيه نفاقه، ويحقق به وجوده، ويرضى فيه مشاعره- إلا فى بيئة منافقة، تتجاوب معه، وتروّج لهذه البضاعة التي يتعامل بها..

ذلك أن بضاعة المنافقين، بضاعة خبيثة، وطعام فاسد عفن، لا تقبله إلا

ص: 836

النفوس المريضة، ولا تستطعمه إلا الطبائع الخبيثة.. إنه عملة زائفة، لا تروج إلا فى الظلام، ولا يتعامل المتعاملون بها إلا فى أوكار اللصوص، وفى حانات الخمر، حيث تدور الرءوس، وتذهب العقول! «يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ» هذه هى بضاعة القوم، وتلك هى رسالتهم فى الحياة، وشأنهم فى الناس..

«يأمرون بالمنكر» ! فلا يكفيهم أنهم يطعمون من هذا الطعام الخبيث، ولا يرضيهم أن يعرضوه على الناس- بل يأمرونهم به، ويحرضونهم عليه، ويزينون لهم تعاطيه..

إنهم لا يهنؤهم هذا الطعام الخبيث العفن، حتى يستكثروا له من الأيدى التي تشاركهم فيه، ومن الأفواه التي تمضغه معهم..

«وينهون عن المعروف» ! فمن دعا إلى منكر وأمر به، وحرض عليه، فهو ناه- ضمنا- عن معروف، صادّ عن خير.. ولكن القوم، لا يقفون عند هذا، بل إنهم حين يدعون إلى المنكر، يقومون بدعوة أخرى، هى تبغيض الحلال إلى الناس، وتزهيدهم فى الخير، وذلك إذا تأبّوا عليهم، ولم يستجيبوا لدعوتهم إلى المنكر..

وحسبهم فى هذا أن يصرفوا وجوه المؤمنين عن الإيمان، ويكفّوا أيديهم عن التعامل بالخير، فذلك إن تمّ لهم كان كسبا للمعركة التي يخوضونها مع المؤمنين، وهو عزل أكبر عدد يمكن عزله منهم عن المعركة، بحيث لا يكونون مع المؤمنين ولا على المنافقين!

ص: 837

«ويقبضون أيديهم» أي أن هؤلاء المنافقين الذين يسعون فى الناس هذا السعى الحثيث فى مجال الإفساد، والإهلاك للناس- هم فى الوقت نفسه أشحة على الناس بأى خير يمكن أن تحمله أيديهم إلى الناس، إن كان فى يدهم أي خير..

إنهم أسخياء كرام، يبذلون- فى تبذير شديد- كلّ منكر، ويجودون بلا حساب، بكل مفسدة وكل ضلال.. أما فى مجال الخير والإحسان، فهم بخلاء أشحّاء، لا تندّ أيديهم بذرة خير، ولا تسخو أنفسهم بعارفة من إحسان! «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» إنهم لا يذكرون الله أبدا، إذ لو ذكروه، لما كان لهم فى عباد الله هذا البلاء الذي يرمونهم به، فى غير حرج أو تأنّم..

إنّهم نسوا الله، فنسيهم الله، وتركهم وما هم فيه من ضلال.. فلو أنهم ذكروا الله لوجدوا فى قلوبهم خشية له، ولكان لهم فى خشيتهم لله ما يمسك بهم عن هذا الضلال الذي يهلكون به أنفسهم، ويهلكون به كثيرا من الناس معهم..

ونسيان الله لهم، هو تركهم لأنفسهم، وحرمانهم من توفيق الله.

«إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» .. أي هم الذين فسقوا عن أمر ربّهم، وخرجوا عن الطريق المستقيم، وركبوا طرق الضلال والهلاك.

قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» هذا هو الجزاء الذي أعدّه الله لأهل النفاق والكفر.. نار جهنم خالدين فيها، لا يتحولون عنها أبدا.. هى حسبهم، أي هى كلّ ما لهم عند الله..

ص: 838

لا شىء لهم غيرها.. ثم من وراء جهنّم وعذابها، لعنة الله القائمة عليهم، وعذاب مقيم لا يفتّر عنهم وهم فيه مبلسون..

قوله تعالى: «كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» هو عرض لصورة أخرى من صور الضالّين والمفسدين، تطلع على هؤلاء المنافقين من ثنايا الزمن الغابر، وترتفع لأبصارهم، ممن كان قبلهم من الأمم السالفة..

إنّهم لن يخلدوا فى هذه الدنيا، كما لم يخلّد من كان قبلهم من الماضين، ممن كانوا أكثر منهم أموالا وأولادا، وأشدّ قوة، وأمكن سلطانا..

فليست هذه الدنيا دار بقاء وخلود، وليس ما فيها من متاع، إلا ظل زائل، وعرض ذاهب.. ثم يجىء من بعد هذا الحساب، والقضاء والجزاء..

لقد استمتع هؤلاء الذين ذهبوا، بما كان بين أيديهم من مال وبنين، وبما كان لهم من جاه وسلطان.. ثم ذهبوا وذهب كل ما كان لهم، وما كان معهم.. استمتع كلّ «بخلاقه» أي بنصيبه المقسوم له، وبحظه المتاح له، إن كثيرا، وإن قليلا.. ثم انتهى كلّ إلى نهايته، وصار كلّ إلى ما قدّم من خير أو شر.. وقد كانوا أكثر من هؤلاء المنافقين مالا، وأقوى قوة، وأعزّ نفرا..

وهؤلاء المنافقون.. الذين يكيدون للنبىّ، ويحادّون الله ورسوله..

إنّهم ليسوا بدعا فى النّاس، ولن يخرجوا على سنة الله التي خلت فى عباده.. فلن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.. وإنهم ليأخذون حظّهم المقدور لهم مما فى أيديهم من مال وولد، ثم يلحقون بمن سبقهم إلى

ص: 839

عالم الموت، وينتظمون فى ركب الضّالّين والمكذّبين، ليقفوا بين يدى الله، ولينالوا الجزاء الذي هم أهله، من عذاب أليم..

فلقد حبطت أعمالهم كلّها، فلم يسلم لهم منها شىء، حتى تلك الأعمال التي كان يمكن أن تحسب لهم فى جانب الإحسان.. لأنّهم إذ فعلوها لم يريدوا بها وجه الله، ولم يطلبوا بها ما عند الله.. لأنهم لا يؤمنون بالله، ولا يتعاملون مع الله..

«حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا» فلم يحمدوا بها.. وحبطت فى «الآخرة» فلم تدفع عنهم عذاب الله الذي أعده لهم، وأنزله بهم.. «وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .. إذ لا خسران بعد هذا الخسران، ولا ضياع بعد هذا الضياع.

قوله تعالى: «أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» وإذا تصفحّ هؤلاء المنافقون تاريخ القرون الماضية، فلم ينكشف لهم منها- لماهم فيه من غفلة وعمّى- ما أخذ الله به الظالمين من نكال وبلاء- فها هى ذى المثلات، يضعها الله بين أيديهم، ويكشف لهم ما خفى منها..

قوم نوح.. وعاد.. وثمود.. وقوم إبراهيم.. وأصحاب مدين..

والمؤتفكات..

هؤلاء جميعا، قد جاءتهم رسل الله، تحمل إليهم الهدى والخير.. فمكروا بآيات الله، وكذّبوا رسل الله..

فماذا كانت عاقبة أمرهم؟

لقد أخذهم الله بذنوبهم، وأوقع بهم نقمته، وصبّ عليهم عذابه، ألوانا

ص: 840

متعددة من البلاء، وصورا متباينة، من المهلكات..

قوم نوح.. أغرقهم الله بالطوفان..

وعاد، قوم هود.. أهلكهم الله «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ! وثمود.. قوم صالح.. أخذتهم الصيحة.. فأصبحوا فى ديارهم جاثمين..

وقوم إبراهيم.. ألقوه فى النار، فجعلها الله بردا وسلاما عليه، وجعل فى ذريته الكتاب والحكم والنبوّة..

وأصحاب مدين.. قوم شعيب.. أخذهم الله بالصيحة، كما أخذ قوم صالح..

فأصبحوا فى ديارهم جاثمين.. «أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ» (94: هود) والمؤتفكات.. أي المنقلبات على أهلها، وهى الدّور التي كان يسكنها قوم لوط.

إذ أمطرهم الله بحجارة من سجيل منضود، فطحنتهم طحنا، وقلبت عليهم قريتهم، فأصبح عاليها سافلها.. ومنه الإفك، وهو الحديث المفترى، الذي تقلب فيه وجوه الأمور، وتغير معالمها..

هؤلاء جميعا.. كذبوا رسل الله، فأخذهم الله بذنوبهم، وجزاهم جزاء الظالمين..َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ»

بهذا العذاب الذي أنزله بهم، «وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» .. فلقد ظلموا أنفسهم، بأن صرفوها عن الخير الذي جاءهم على يد رسل الله.. فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟ وماذا بعد الضلال إلا البلاء والعذاب؟.

ص: 841