الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الإنسان لا يكلف إلا ما يستطيع]
وقول الشيخ تقيّ الدين في النجاشي: (إنه لم يهاجر، ولم يجاهد (1) ولا حجَّ؛ بل قد روى (2) ولم يكن يصلي الصلوات (3) الخمس) إلى آخر كلام الشيخ رحمه الله، فسياقه في (4) أن الإنسان لا يكلِّف إلا ما يستطيع لا بما لا يعلم أو بما (5) يعجز عنه.
قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286][البقرة / 286] .
والوسع (6) دون الطاقة، هذا مراد الشيخ.
فأين فيه أن عداوة المشركين لا يجب التصريح بها (أو أن (7) الإسلام يستقيم بدون ذلك؟ غايته أن يُعذر بالعجز عن التصريح) (8) وشيخنا رحمه الله كلامه في حال القدرة والاستطاعة، لا في حال العجز وعدم العلم.
وقد مر البيان أن شيخنا يطلق حيث أطلق القرآن.
قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (9) يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22][المجادلة / 22] .
(1)(ولم يجاهد) ساقط من (ق) .
(2)
(بل قد روى) ساقط من (ق) .
(3)
في (ق) : " الصلاة ".
(4)
ساقطة من (ق) .
(5)
في (ق) : "وبما ".
(6)
في (ح) : " الواسع "، وهو من أخطاء النسخةْ (ح) .
(7)
في (س) : " وأن".
(8)
ما بين القوسين ساقط من (ق) .
(9)
في (س) : "الآية"، ولم تذكر خاتمتها.
وقوله: (قوما) نكرة في سياق النفي فتعم، وهذا من فقه الشيخ [42] ، رحمه الله، حيث يطلق ما أطلقه القرآن ويقيد ما قيده (1) والعاجز له حال غير حال القادر، وحكم سوى حكمه.
فإن كان يلزم من الآية ونصها الذي هو أشد وأبلغ من كلام الشيخ وقوله: (لا يستقيم إسلام إلا بالتصريح بعداوة المشركين) فإن كانت الآية تدل (2) على كفر النجاشي، ومهاجرة (3) الحبشة، ومن ذكر هذا المعترض، فكلام الشيخ يدل على ذلك، وإن لم تدل على (4) . نفي الإيمان عمن واد المحادين لله ورسوله فكلام الشيخ أولى؛ لأن الآية فيها نفي الإيمان (5) وكلام الشيخ غاية ما فيه عدم استقامة الإسلام، وما أجيب به عن الآية يجاب به عن (6) كلام الشيخ، فتأمله فإنه مفيد جدًّا.
ومثل هذا قول الشيخ (7)(وكثيرا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيا، بل وإماما وفي نفسه أمور من العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه، بل هناك ما يمنعه ولا يكلّف الله نفسا إلا وسعها) .
فإن هذا الكلام غايته أن يدل على أن (8) التكاليف بحسب الوسع، وليس في كلام شيخنا ما يخالف هذا.
(1) في (المطبوعة) : " يقيده ".
(2)
ساقطة من (س) .
(3)
في (المطبوعة) : " ومهاجرته ".
(4)
كذا في (س)، وفي بقية النسخ:"مع".
(5)
ساقطة من (المطبوعة) .
(6)
ساقطة من (ح) .
(7)
يعني ابن تيمية، وانظر قوله في:" المنهاج "(5 / 113) .
(8)
ساقطة من (ح) .
وأيضا: فكلام تقي الدين فرضه ومحله في الواجبات التي هي دون أصل الدين، ودون عيب الشرك والتنديد، وليس في كلامه أن الرجل يخفي إسلامه ويتولَّى قاضيا، وبأي شيء حينئذٍ يحكم؟ فالمحتج به على كتمان أصل الإسلام ملبوس عليه لا يفرق بين الأحكام ولا يدري معنى الكلام.
وأما قول المعترض: (وكفر (1) بترك الهجرة إليه) .
فقد تقدم كلام الشيخ بنقل العدول الثقات أنه بريء من هذا، وأن نسبته إليه من البهت.
والشيخ لا يرى أن الهجرة شرط في الإسلام، وإن قال به بعض الأعلام، فالشيخ لا يخرج عن قول جمهور الأمة وأئمتها، والمعترض يخترع (2) أقوالا كاذبة وآراء فاسدة وينسبها إلى الشيخ، ثم يأخذ في التفريع عليها، وأن القول بها قول الخوارج.
وقد صنف رسالة في أن أتباع الشيخ خوارج كما صرح به هنا.
وهكذا حال كل مبتدع ومبطل يخوض (3) بغير علم ولا عدل، ومن أمعن النظر في كلامه وجده كسراب بقيعة، يحسبه الظمآَن ماء حتى إذا [43] ، جاءه لم يجده شيئا.
وقد ذكر ابن القيِّم وغيره، أن عُبَّاد القبور والمشايخ نسبوا أهل
(1) في (ق) : "فكفر".
(2)
في (ح) : "يخرع ".
(3)
في (س) : " والخوض".
التوحيد والسنة إلى بدعة الخوارج وطريقتهم (1) فالداء قديم ورثه هذا وأمثاله عن الغلاة في عبادة الصالحين وعبادة الشياطين {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113][البقرة / 113] .
والخوارج كفَّرت بأمور ظنَّتها ذنوبا وليست كذلك، وبذنوب محققة دون الشرك والتنديد، وأما الرسل وأتباع الرسل فكفَّروا من لم يؤمن بالله، أي: بربوبيته، وإلهيَّته، وتوحيده، وإفراده بالعبادة، ومن جعل له ندًّا يدعوه ويعبده، ويستغيث به ويتوكَّل عليه ويعظّمه، كما فعلت الجاهلية من العرب، ومشركوا (2) أهل الكتاب، فتكفير هؤلاء ومن ضاهاهم وشابههم ممن أتى بقول أو فعل يتضمَّن العدل بالله، وعدم الإيمان بتوحيده وربوبيته وإلهيته وصفات كماله، والإيمان برسله (3) وملائكته، وكتبه، والإيمان بالبعث بعد الموت، وكل ما شابه هذا من الذنوب المكفرة كما نصَّ عليه علماء الأمة، وبسطوا القول فيه، حتى كفَّروا من أنكر فرعا مجمعا عليه إجماعا قطعيا، كما مرَّت حكايته عن الحنابلة.
وأمَّا الخوارج فلم يفصِّلوا ولم يفقهوا مراد الله ورسوله، فكفَّروا بكل ذنب ارتكبه المسلم.
(1) في (م) : " وطريقهم".
(2)
في بقية النسخ: " ومشركي "، وتوجيه ما بالأصل العطف على (الجاهلية) بالرفع لا على (العرب) بالجر؛ وهو الأوجه؛ لأن الجاهلية وإن كانت تعم العرب وأهل الكتاب وغيرهم ممن كان قبل الإسلام إلا أنه غلب استخدامها للعرب وحدهم قبل الإسلام فتخصهم اصطلاحاً، والله أعلم.
(3)
في (س) : "برسوله ".
فمن جعل التكفير بالشرك الأكبر من هذا الباب، فقد طعن على الرسل (1) وعلى الأمة، ولم يميز بين دينهم ومذهب الخوارج، وقد نبذ نصوص التنزيل واتبع (2) غير سبيل المؤمنين.
وأما استدلاله بقول لقمان على أن التصريح بالعداوة لا يجب.
فهذا من غرائب جهله، ونوادر حمقه، أين في قوله:{إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16](3)[لقمان / 16] .
أين (4) فيه أن الإيمان يكمل (5) ويستقيم بغير تصريح بعداوة المشركين؟ فنصّ الآية: أن جميع الأعمال يأتِ بها لله لا يغادر (6) شيئا منها حسنها وسيئها، ثم إذا أتى بها اللطيف الخبير، أي: المدرك لدقائق الأشياء وخفياتها، الخبير بما فيها وما لها وعليها، فيقبل عمل من اتقاه وأراد وجهه (7) ولم يجعل له عدلًا يدعوه ويحبه كما يدعو الله ويحبّه، [44] ، ويرد عمل المشرك العادل (8) بربه المُسَوّي بينه وبين خلقه، كما دلَّت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.
(1) في (ق) : " الرسول ".
(2)
في (س) : " واتباع ".
(3)
في (المطبوعة) زيادة قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) .
(4)
في (ح) و (س) : " أن"، وفي (المطبوعة) :" أي".
(5)
في جميع النسخ: " يكتم "، ولعل ما أثبته هو الصواب.
(6)
في (س) و (ح) : " يغادره".
(7)
في (س) : "ومن لم ".
(8)
ساقطة من (المطبوعة)، وفي (ح) : الشرك الشرك بربه".
وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [المائدة: 5][المائدة / 5] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] الآية [الزمر / 65] .
وقال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23][الفرقان / 23] .