الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل مناقشة مسألة المؤمن المقيم ببلاد المشركين ولا يمكن ترك وطنه ويقاتل أهل التوحيد مع أهل بلده]
فصل قال المعترض: (ثم قال في جوابه: النوع الرابع: من سلم من هذا كله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل التوحيد واتباع الشرك وساعين في قتالهم، ويعتذر أن ترك وطنه يشق عليه، فيقاتل أهل التوحيد مع أهل، بلده، ويجاهد بماله ونفسه (1) فهذا أيضا كافر، فإنهم لو يأمرونه بترك الصوم ولا يمكنه الصيام إلا بفراقهم فعل، ولو يأمرونه بتزوج امرأة أبيه (2) ولا يمكنه ذلك إلا بمخالفتهم فعل، فهذا أيضا كافر، وهو ممن قال الله فيه:{سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 91][النساء / 91] .
قال المعترض: انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله هذا الكلام فقد كفر فيه، وفيما قبله بالطاعة بأن من لم يطعه فيما قال، ويهاجر إليه فهو كافر بذلك، حلال الدم والمال، وليس له عنده غفران، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" «من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها» "(3) فصح بهذا
(1) في (المطبوعة) زيادة: " طوعا واختيارا ".
(2)
في (ق) : "ابنه ".
(3)
هذا الحديث لم يخرجه مسلم؛ بل أخرجه البخاري في صحيحه (6987) ، وأحمد (2 / 335) ، وغيرهما.
الحديث الصحيح أن ترك الهجرة إذا وجبت ليس بكفر، كما يقوله هذا الرجل، (ونحن نستيقن أن هذا الرجل)(1) الذي وصف (2) بالكفر أن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل، فأين الكفر الذي حكم عليه هذا الرجل به؟ ثم ماذا لو ترك الهجرة الواجبة لو فرضنا صحة قوله؟ إنما هي تكون معصية، وقد يعذر كما عذر النجاشي وامرأة فرعون، وكذا جعفر وأصحابه بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بدار الهجرة، فجعل هذا الرجل الهجرة- على فرض صحة قوله- شرطا لصحة الإيمان، وأنت ترى قول الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم .
والجواب أن يقال: من زعم أن هذا الكلام الذي ساقه الشيخ وقرره يدل على تكفير من ترك طاعته ولم يهاجر إليه، فهو من أضل الخلق وأعظمهم جرأة على البهت والكذب، وأشدهم مكابرة على شهادة الزور، وفي الحديث:" «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله» " قالها ثلاثا (3) .
وصريح كلام الشيخ رحمه الله في رجل تبع أهل بلده في قتال أهل التوحيد إيثارا لبلده ووطنه، فيبذل (4) نفسه وماله ويقاتل (5) أهل التوحيد.
(1) ما بين القوسين ساقط من (ح) .
(2)
في (ح) : "هو وصف"، وفي (م) و (المطبوعة) :"هو وصفه".
(3)
أخرجه أبو داود (3599) ، والترمذي (2300) ، وابن ماجه (2372) ، وأحمد (4 / 233، 321، 322) ، وضعفه الألباني في الضعيفة (1110) .
(4)
في (ح) و (المطبوعة) : " فبذل".
(5)
في (م) و (المطبوعة) : " في قتال ".
هذا نص الشيخ وصريح كلامه، فمن أين أخذ هذا الثور الأعجم أنه يكفر بترك طاعته؟ .
واستدل الشيخ على هذا بقوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} [النساء: 91][النساء / 91]
والآية ظاهرة الدلالة على هذه المسألة، فإن من تكلم بالإسلام، ولم يعتزل أهل الكفر بل صار معهم، وقاتل أهل التوحيد لغرض من أغراضه الدنيوية تناولته الآية، وشمله نصها الصريح؟ وقد جعل الله لحقن دمه حدًّا وفعلا يتميز به إسلامه، وهو اعتزال قتال المسلمين، وإلقاء السلم إليهم بالانقياد، وكف اليد عن قتالهم، ومتى (1) لم يحصل ذلك منهم ولم ينقادوا له، فقتالهم واجب أينما ثقفهم المؤمنون، وقد جعل الله لهم (2) عليهم حجة ظاهرة، هذا صريح الآية ونصها (3) .
فأتى (4) هذا المعترض المخلط ببهت لا يدل عليه كلام الشيخ لا تصريحا ولا تلويحا، واستدل بحديث أبي هريرة على إيمان من قاتل المسلمين مع المشركين، وآثر وطنه (5) على التزام الإسلام، وترك القتال، والحديث إنما هو في شأن الهجرة، وقد حمله كثير من أهل العلم على من أظهر دينه، فلم تجب عليه الهجرة، وبعضهم حمله على الأعراب الذين
(1) في (ح) و (ق) و (م) : "ومن ".
(2)
ساقطة من (المطبوعة) .
(3)
في (ق) : "وتعريفات".
(4)
ساقطة من (ق) .
(5)
في (ق) و (م) : "وطنهم ".
أسلموا ولم يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاهدوا معه، كما يدل عليه آخر الحديث.
فلم يعرف هذا المعترض معنى الحديث ولا موضوعه، واستدل به على مسألة أجنبية عنه، ليس لها دخل فيه، فإن الكلام هنا (1) فيمن قاتل المسلمين تحت راية المشركين، وسعى في الصد عن سبيل الله، لا فيمن ترك الهجرة فقط.
وأما عذره عن هذا الرجل الذي مثل به الشيخ بأن أهل بلده لو يأمرونه بألا يقول شهادتي الإخلاص ولا يمكنه ذلك إلا بفراقهم لفعل: فهذه (2) مبنية على أن مجرد القول يكفي في الإيمان (3) مع التلبيس بالمنافي والمعارض، وهذا ليس من أقوال علماء الأمة وأئمتها؟ بل هو من أقوال أهل الجهل والضلال؟ المخالفين للكتاب والسنة (وإجماع الأمة، ثم أطال المعترض الكلام في شأن الهجرة والعاجز عنها)(4) وذكر النجاشي - وهذا شأن الجاهل إذا أورده أهل العلم المضائق تكثر بما (5) ليس له، وحاد عن جواب المسألة، وفي المثل (6)"الأقرع يفتخر بجمة ابن عمه، والأحمق يذكر خالته إذا عيب بأمه".
ومن العجب تكراره أن الشيخ يكفر بالعموم، وقوله:
(1) في (ح) : "هذا ".
(2)
في (ق) و (م) زيادة: "الحجة".
(3)
في (ق) : "بالإيمان".
(4)
ما بين القوسين ساقط من (المطبوعة) و (ح) .
(5)
ساقطة من (ح) .
(6)
في (ح) : "مثل".
(أي (1) تكفير بالعموم وإيجاب للهجرة أبلغ من هذا؟) .
وهو كما ترى في نوع خاص من الأمة، وقسم من أقسام لا (2) يحصيها إلا الله.
ثم أخذ المعترض في تجهيل الشيخ ونسبته إلى الهوى؛ وأنه لم يأخذ ما ذهب إليه عن العلماء، ولم يجلس عند عالم يتعلم منه بعد (3) تعليم أبيه، وأن أباه نهاه عما بدر منه من ترهاته (4) وقال:(ويل للناس منك) . وأن أهل البصرة أخرجوه؟ ثم نهاه أخوه، وأن أتباعه لو طلبت منهم طريقا يتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم تجدها، وأنهم لا يعرفون ذلك، وأنهم، يأخذون عن حدثني قلبي عن ربي، وأنه لا يحسن الفرائض فضلا عن العول والحساب والمناسخات (5) وأطال بخرافات كقوله:(سموا "الإقناع " المقلاع (6) و "الدليل" المتيه (7) وجعل له مختصرا من "الشرح الكبير" و "المغني " و " الإنصاف"، حل (8) فيه قيوده، وكدر وروده، وقصر أتباعه عليه، وقال: اجتهدوا، وحاشا أني سمعت عندهم لأصول الفقه
(1) في (ق) : "أين ".
(2)
ساقطة من (ح) .
(3)
في (ح) : "بعض".
(4)
ساقطة من (ق) .
(5)
ساقطة من (ق) .
(6)
في (ق) : " المقلال".
(7)
في (ق) : "المتين"، وفي (ح) و (المطبوعة) :"الميتة" بتقديم التحتية على الفوقية، والصواب ما أثبته بتقديم التاء على الياء وآخرها هاء.
(8)
في (ق) و (م) : "حلل ".