الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قضاة المحاكم المختلطة. وأضيفت الترجمة الفرنسية لهذه المواد البالغ عددها 467 مادة إلى الطبعة التي صدرت حديثا من كتاب " The Egyptian Codes & Laws" تأليف J.R. G. Brunton Wathelet (طبع في بروكسل عام 1920) ونشر النص العربي لهذه المواد في القاهرة عام 1917. وكان قدرى باشا أحد نظار الحقانية السابقين قد جمع هو أيضًا قواعد المذهب الحنفي الخاصة بالملكية والالتزامات (صدرت الطبعة العربية بالقاهرة 1909) ولكن المحاكم الشرعية المصرية غير مقيدة بهذه القوانين وحدها على عكس المتبع في حالة القوانين التركية (المجلة).
وتخضع الطوائف المسيحية المختلفة لقوانينها الخاصة في قضايا الأحوال الشخصية.
3 - التطور الاقتصادى
أهم أعمال محمد على الاقتصادية في مصر عملان: أولهما إدخال زراعة القطن وثانيهما نظام الاحتكار، وبفضل هذين العملين اللذين كانا يستندان إلى نظام الحكم المركزى الشديد التركيز استطاع أن ينفذ مشروعاته السياسية الواسعة. ولقد كان نظامه الاقتصادى في واقع الأمر نظامًا شرقيًا محضًا، ولكنه مع ذلك أحكم الصلة بينه وبين أوربا من طريقين، أولاهما أن الوالى أراد أن يستخدم طرائق العمل الأوربية فاستقدم إلى مصر الخبراء الأوربيين، وثانيهما أنه كان يبيع محاصيله الزراعية إلى أوربا فنشأت من ذلك بينهما علاقات تجارية كان لها أعظم الأثر في البلاد بعد إلغاء نظام الاحتكار في عهد عباس الأول. فقد تمت في ذلك الوقت صلات تجارية حرة بين المشترين الأوربيين والزراع المصريين وكان الوسطاء في هذه الأعمال التجار في جميع الأحوال تقريبًا من عناصر غير مصرية. إلا أن هذا التطور صحبته مع ذلك ظروف عاقت إلى حد كبير تقدم البلاد المستقل السليم. منها أن الأفكار الأوربية الخاصة بنظام الإئتمان المالى قد أدخلت إلى بلد لم يكن يعرف من أعمال الائتمان المالى إلا الشئ القليل، وأخذ التجار الأوربيون ووكلاؤهم يقدمون للزراع المصريين الأموال الطائلة ثمنا للمحصولات
الزراعية قبل حصادها. وكانت النتيجة المحتومة لهذا العمل أن تورط الزراع في الدين، وأن خسر التجار أموالهم. ولم تكن هذه إلا صورة مصغرة من النظام الذي حمل الحكومة نفسها دينًا باهظًا أثقل كاهلها، وكان منشؤه المغالاة في الثقة برخاء البلاد الاقتصادى. وما من شك في أن المصريين لم يكونوا يعرفون كيف ينتفعون بالأموال المقترضة، لأن تقاليدهم الاقتصادية لم تجعلهم على علم بطرائق جمع رءوس الأموال، يضاف إلى هذا أن الاستيراد من أوربا قد جاء إلى مصر بسلع لم يكن المصريون في حاجة ماسة إليها من الوجهة الاقتصادية، ولكنهم مع ذلك استوردوا منها كميات كبيرة نذكر منها المنسوجات القطنية التي كان معظمها يرد من إنكلترة. وكانت نتيجة هذا كله أن زيادة الإنتاج لن تعد على مصر بالثراء، وقد بقى الأهالى بوجه عام فقراء مثقلين بالدين شأنهم في ذلك شأن خزانة الدولة سواء بسواء. لكن الروابط الاقتصادية والمالية التي نشأت بين مصر وأوربا بوجه عام وبينها وبين إنكلترة بوجه خاص كانت روابط قوية لا تنفصم عراها حسبنا أن نلقى نظرة واحدة على جداول الوارد والصادر حوالي عام 1850 كما أوردها كريمر لنعرف ما كان لإنكلترة في ذلك الوقت من مصالح تجارية في مصر، وندرك السبب الذي حدا بها إلى التدخل في شئون البلاد تدخلًا قويًا نشيطًا حين تأزمت أحوالها الاقتصادية والمالية، وكيف أدى تدخلها هذا إلى احتلال البلاد عسكريا. وأصبحت مصر بعد عام 1882 أكثر مما كانت من قبل اعتمادًا على إنكلترة في شئونها الاقتصادية بسبب توسعها في زراعة القطن وإن كانت السيطرة الإنكليزية قد حالت بينها وبين الوقوع مرة أخرى في مخالب الإجداب. وهكذا نرى كيف هيأ محمد على للبلاد موارد من الثروة لم يجن ثمارها أهل مصر أنفسهم، وقد حدث ذلك بعينه في كثير من البلاد الإسلامية الأخرى.
ولم تظهر بعد في عالم التأليف بحوث شاملة للطريقة التي صبغت بها أحوال مصر الاقتصادية بالصبغة الأوربية كالكتاب الذي كتبه عن شئون
التركستان رينولد يُنج (Reinhold junge: Das Problem der Europaisierung Orien- talischer Wirtschaft dargestellt un der Verhaltnissen de sozialwirtschaft von Russisch-Turkestan فيمار 1915) وبسبب هذا النقص سنكتفي بالإشارة إلى بعض مظاهر هذا التطور البارزة، ونورد بعض الإحصاءات الدالة عليه.
لقد بقيت مصر بلدًا زراعيًا يكاد يعتمد كل الاعتماد على الزراعة. وليس هذا هو كل شئ بل إنها سارت في هذا التخصص الزراعى شوطًا بعيدا فاق كل ما كان مقدرا لها من قبل. ولم تكن مصر في عهد المماليك تنتج من القمح ما يكفي ساكنيها، فلما جاء محمد على وأنشأ في البلاد نظام المركزية الذي امتاز به عهده أعاد إلى البلاد ما كان لها في الزمان السابق من قدرة عظيمة على الإنتاج.
وكان أهم ما عنى به الوالى للوصول إلى هذا الغرض إصلاح نظام الرى الذي أصابه الإهمال الشديد في الأزمان السابقة. ولم يجد الفرنسيون من الوقت إلا ما يكفي لدراسة حال قنوات الرى التي كانت في البلاد وقت مجيئهم. فلما حكم محمد على البلاد عنى بهذه المسألة عناية جدية، وبذل فيها كثيرًا من النشاط. وقد كلفه إصلاح حال القنوات القديمة وحفر قنوات جديدة آلافا من الأرواح. وأشهر هذه القنوات كلها قناة المحمودية التي تجرى من الإسكندرية إلى فرع رشيد. ولم تكن نتيجة ما قام به من الأعمال لإصلاح نظام الرى هي زيادة مساحة الأراضي المنزرعة فحسب بل إنه فضلا عن هذا قد مكن مصر لأول مرة في التاريخ من أن تروى أراضيها ريًا دائمًا من قنوات يجرى فيها الماء على مدار السنة. وقد عهد بالإشراف على أعمال الرى وعلى توزيع الماء إلى موظفين مختصين (الخُوَلة؛ انظر القسم 2 من هذا المقال) ولم يترك للفلاحين أنفسهم حرية التصرف في هذه الشئون. وواصل إسماعيل أعمال حفر قنوات الرى (فحفر قناة الإبراهيمية في الصعيد وقناة الإسماعيلية التي تربط النيل بقناة السويس). وفي عهده أصبح الإشراف على شئون الرى من اختصاص مجالس المديريات والمجالس المحلية بعد أن كان هذا الإشراف من
اختصاص الإدارة المركزية. وكانت هذه المجالس تقوم بهذا الواجب بإشراف مهندسى الحكومة، ولكن الفساد أخذ من ذلك الوقت يدب في شئون توزيع المياه على يد ولاة الأمور في الأقاليم. ولم تنصلح هذه الحال إلا بعد عام 1882 حين عهد بهذا الإشراف إلى موظفين من الإنكليز. وقد أصبحت العناية بأعمال الرى من أهم القواعد التي تقوم عليها الإدارة الإنكليزية في مصر. مثال ذلك أن هذه الأعمال خصص لها من قرض عام 1884 مبلغ مليون جنيه، في حين أن المصروفات الأخرى أنقصت كلها لقلة المال. وكان لهذه السياسة ثمرتها المرجوة. وقد أتم المهندسون الإنكليز أيضًا تشييد قناطر محمد على قرب الجيزة (1) -التي بدأ العمل فيها المهندسون الفرنسيون في زمن محمد على. ثم أنشئ بعد ذلك سد أسوان الشهير (الذي تم بناؤه في عام 1902، وعُلِّىَ في عام 1912 (2) الذي لم يقتصر نفعه على رى الأراضي المنزرعة فحسب بل إنه جعل في الإمكان خزن الماء الذي يكفي إلى حد ما لإرواء الأراضي الواقعة إلى شماله. ويصدق هذا القول نفسه إلى حد أكثر مما سبق على مشروعى السدين العظيمين اللذين بدئ بإنشائهما بعد الحرب العالمية (1914 - 1918) أحدهما على النيل الأزرق والثاني على النيل الأبيض جنوبى الخرطوم (وقد افتتح أولهما في عام 1926)(3) وقد أصبحت سيطرة إنكلترة على مياه النيل وسيلة من أقوى وسائل الإرغام في نزاعها مع الوطنيين المصريين في أثناء الاضطرابات التي تلت الحرب الأوربية. وقد عادت السيطرة على شئون الرى في مصر نفسها في الوقت الحاضر إلى أيدى الموظفين المصريين. وإذا استثنينا الطرق المتخذة في مصر لوقاية الجسور والسدود رأينا الفلاحين أنفسهم لا يزالون في معظم الأحوال يستخدمون
(1) يقصد القناطر الخيرية.
(2)
بدأت أعمال التعلية الثانية لهذا السد في عام 1929 وتمت في 1933. ثم أنشئ السد العالى بعد ثورة 1952 وتم البدء فيه في يناير 1960.
(3)
وقد وضع الحجر الأساسى في بناء السد الثاني، سد جبل الأولياء في 30 نوفمبر 1933 وتم البناء في أغسطس سنه 1936 وبدئ بملئه في شهر يوليه سنة 1937.
وسائل الرى البدائية كالسواقى والشواديف، ورأينا أن الآلات الحديثة لا تستخدم إلا في الضياع الكبرى.
ولم تقتصر أعمال محمد علي على العناية بوسائل الرى بل إن النظام الذي وضعه للإشراف على الأراضي قد زاد مساحة المزروع منها زيادة كبيرة (انظر القسم 2 من هذا المقال) يضاف إلى هذا أن نظام الاحتكار الذي وضعه قد مكنه من توجيه التطور الزراعى الوجهة التي يريدها. فقد استطاع به أن يركز الإنتاج كله في يده، وأن يتصرف فيه كما يشاء ولم يكن الفلاحون في عهده إلا عمالًا يرغمون على بيع محصولهم إلى الحكومة بأثمان محددة، ويؤدون ما تفرضه عليهم من الضرائب عينا. وهذا النظام قد حرمهم هو ونظام السخرة والتجنيد الإجبارى من القدرة على الابتكار؛ ولكنه على الرغم من ذلك مكّن الوالى من أن يرغم الأهالى على أن ينتجوا مقادير كبيرة من المحصولات الزراعية فيزيد بذلك ما يتبقى من المحصول لتصديره إلى الخارج. وكان القمح في جميع العصور أهم المحصولات الزراعية المصرية. ثم أدخل محمد على زراعة القطن في مصر عام 1821 واضطر وقتئذ إلى الاستعانة بالقوة للتغلب على مقاومة الفلاحين السلبية. وكان أول ما زرع منه نوع برى ينبت طبيعيا في البلاد، ويعرف بالماكو، ثم جئ ببذور قطن سى أيلند Sea Island في عام 1828 وما لبثت زراعة القطن أن انتشرت انتشارا واسعا في طوال البلاد وعرضها، وأخذت مساحة الأراضي المنزرعة قطنا تزداد بنسبة أكبر من ازدياد مساحة أراضي القمح. وكان الفرق بين المحصولين أن الجزء الأكبر من محصول القطن يصدر إلى الخارج في حين أن الحبوب -وهي القمح والشعير والذرة والأرز (في الوجه البحرى) - كانت تستهلك في داخل البلاد. وظل هذا التطور الزراعى يسير في مجراه بعد إلغاء نظام الاحتكار، ولما احتل الإنكليز البلاد -وكانوا قد أصبحوا قبل ذلك الاحتلال بزمن طويل أكبر المشترين للقطن المصرى- توسعوا في زراعته توسعا أكثر من هذا التوسع الذي وصفناه. فتضاعفت بين عامي 1883 ، 1908
المساحة المنزرعة قطنا (زادت من 800.000 فدان 1.640000 فدان وأصبحت أكبر من المساحة المنزرعة حبوبا. ثم بدأ عهد من الركود. ولما قامت الحرب العالمية الأولى قضت الضرورة بتشجيع الزراع على زراعة الحبوب (1)(فقد كانت الأراضي المنزرعة قطنا في عام 1919 هي 1.573.000 فدان والمنزرعة قمحا 1.274.000 فدان) بل إنه قد حرم على الزراع في وقت ما أن يزرعوا القطن في أكثر من ثلث الزمام.
ومن الحاصلات الأخرى التي أدخلها محمد على في مصر "القنب" وقد أدخل زراعته في مصر ليتخذ منه حبالا لسفن أسطوله البحرى. وأدخلت زراعة القصب في عهد إسماعيل وزرع لأول مرة في أملاكه بالوجه القبلى عام 1867. غير أن هذا المحصول لم يكن له من النتائج الهامة ما كان لزراعة القطن. ومن الزراعات القديمة التي اضمحل شأنها الكتان، ومنها أيضًا زراعة الدخان التي كانت من قبل نامية مزدهرة، ولكنها حرمت أخيرا في عام 1890 وأجريت بعد الحرب العالمية الأولى تجارب لإعادة زراعته من جديد.
وليست فائدة الزراعة مقصورة على ما تنتجه البلاد من غلات، بل إنها أيضًا مورد هام لخزانة الدولة بما تجبيه على الأرض الزراعية من ضرائب كانت على الدوام أهم مصادر إيراد الحكومة، كما كانت أيضًا عبئًا ثقيلا على كاهل الفلاحين. وكان محمد على يأخذها عينًا، ومن عجز عن أدائها أكثر من ثلاث سنين انتزعت منه أرضه. ثم صارت الضريبة بعد ذلك تؤدى نقدًا، وكثيرا ما كان الفلاحون في عهد إسماعيل يلجأون إلى المرابين يقترضون منهم النقود لأدائها، بل إن الحكومة نفسها كانت تستعين أحيانا بالمرابين ليقرضوا الفلاحين ما عليهم من الضرائب (كما حدث في عام 1888؛ انظر كتاب لورد كرومر جـ 1 ص 37). وكان يقوم بهذا العمل فيما بعد البنك الزراعى، وكثيرا ما أدت هذه السياسة إلى بيع الأراضي بأمر الحكومة. ولم تنصلح الحالة إلا قليلا بعد صدور قانون "خمسة الأفدنة" في
(1) وحدث نفس هذا في الحرب العالمية الثانية.
عام 1912 وهو القانون الذي يحرم رهن الأراضي التي تقل مساحتها عن خمسة أفدنة أو بيعها وفاء لدين.
أما الصناعة فقد بقيت قليلة الشأن في مصر كما كانت في الأزمان السابقة. وكانت الصناعات الأهلية الصغيرة (كصناعة الغزل وصناعة النسيج على الأنوال اليدوية وصناعة الفخار وصناعة المعادن) لا تزال في بداية نشأتها في العصور الوسطى. فلما جاء محمد على ضم هذه الصناعات هي الأخرى إلى نظام الاحتكار. وفرض أشد العقوبات على من يشتغلون بها لحسابهم الخاص (انظر لين Lane جـ 1، ص 149) وكان نظام "الطوائف" القديم لا يزال قائما في ذلك الوقت وإن كان اضمحل شأنه كثيرا بعد الفتح التركى. (انظر Turkische Bibliotherk: Thorning جـ 16 ص 60) وزاد هذا الضعف بتأثير منافسة السلع المستوردة من أوروبا حتى إذا كان عام 1880 ألغيت هذه الطوائف رسميًا. وفي وسعنا أن نذكر من الصناعات الجديدة وقتئذ صناعة عصير القصب في مصانع الوجه القبلى، وصناعة السجاير المنتشرة كثيرًا في الإسكندرية (منذ عام 1873) والتي لا يستخدم فيها الآن إلا الدخان المستورد من الخارجِ أما القطن فكان لا ينسج منه في مصر نفسها إلا القليل، وإن كان قد أنشئت مصانع لغزله (شركة الغزل الأهلية المصرية Filature National Le d'e Egypte)
والصناعات الجديدة كلها تقريبا في أيدى الأوروبيين (1)(وفيها تقطير الخمور، وعمل الصابون، والحلوى، وضرب الأرز). وكان أصحاب المصانع يستخدمون في أول الأمر عمالا من الأوربيين ثم استبدلوا بهم تدريجا عمالا مصريين. وقد تعلم هؤلاء نظام النقابات الأوروبية.
وسايرت طرق الاتصال في مصر نمو البلاد الاقتصادى. وقد أضيفت الآن قنوات الرى الكبرى إلى الطريق المائى القديم وهو نهر النيل وفرعاه، فاتسعت
(1) لقد تغيرت هذه الحال كثيرًا ويكفي أن نذكر منها شركات بنك مصر وغيرها ثم مصرت تماما في ظل الجمهورية وأصبحت الغالبية العظمى من الصناعات بأيدى المصريين.
المحرر
بذلك طرق الملاحة المائية الداخلية. أما قناة السويس فلم يكد يكون لها شأن في التجارة المصرية ولكن لها أهميتها في التجارة الدولية، والعمال المصريون هم الذين قاموا بحفرها (1859 - 1869) وقدم الوالى سعيد باشا نصف رأس مال الشركة التي احتفرتها، فأوجد بذلك لأسرته على الأقل مصدرا كان يمكن أن يعود عليها بربح كبير في المستقبل. فلما اضطر إسماعيل إلى بيع أسهمه للحكومة الإنكليزية في عام 1876، لم تعد مصر تجنى شيئًا من أرباح القناة الطائلة.
ولما كانت القناة ستعود إلى مصر بعد عام 1968 (*) فإن المصريين رفضوا في عام 1910 أن يمدوا أجل امتيازها بعد تلك السنة. وقد فرضت القناة فضلا عن ذلك التزامات دولية أخرى على مصر، فقد أعلنت المعاهدة الخاصة بقناة السويس والمبرمة في 29 أكتوبر سنة 1888 (والتى صادقت عليها إنكلترة في عام 1904) حرية الملاحة فيها في أوقات السلم والحرب لجميع السفن على اختلاف أنواعها، وناطت بتنفيذ هذا الاتفاق ممثلى الدول الموقعة على هذه المعاهدة في القاهرة.
ولكن إنكلترة بوصفها الدولة المحتلة لمصر اتخذت في جميع الأحوال الإجراءات اللازمة للدفاع عنها وبخاصة في أيام الحرب العالمية الأولى حين أخذت قوة تركية ألمانية تهدد بالزحف على القناة من الضفة الشرقية. وظل أمر الدفاع عن القناة من أسباب النزاع بين إنكلترة ومصر بعد أن أعلن استقلال البلاد. أما النقل البرى فكان وسائله كلها السكك الحديدية، لأن قنوات الرى لا تجعل الحاجة ماسة إلى الطرق البرية الأخرى. وبدأ مد السكك الحديدية في أيام عباس باشا الأول عام 1852. وفي أيام إسماعيل مدت معظم الخطوط الحديدية التي في الوجه البحرى، ومد في الوجه القبلى الخط الواصل من القاهرة إلى أسيوط، ولم يمد هذا الخط الأخير إلى أسوان إلا في عهد الاحتلال. ولم يكن هناك اتصال بالسكك الحديدية بين أسوان وحلفا حيث تبدأ الخطوط الحديدية السودانية الواسعة. ومد في أثناء الحرب خط
(*) تم تأميم القناة عام 1956.
حديدى إلى القنطرة (1) على شاطئ القناة يتصل بالخط الجديد الآخر الممتد من حيفا. وقد ظلت السكك الحديدية المصرية حتى عام 1904 تحت إشراف إدارة دولية خاصة، وذلك بسبب الصعاب المالية التي نشأت في مصر. ويدير مصلحة السكك الحديدية منذ عهد إسماعيل موظفون ومهندسون من المصريين.
ونقول أخيرا إنه إذا كان ثمة شئ يدل بوضوح على الاتجاه الجديد لمركز مصر الاقتصادى -ومن ثم لمركزها الثقافي- فهو تجارتها الخارجية. فقد كان كل ما ظل باقيًا لمصر من علاقات تجارية في أوائل القرن التاسع عشر هو بقايا التجارة العظيمة العابرة من الحاصلات الهندية التي كانت رائجة أيما رواج في العصور الوسطى والتى كانت مقصورة في هذا العهد القريب على غلات السودان وجنوب بلاد العرب. فلما أنشأ محمد على نظام التجارة الحكومية أو نظام الاحتكار التجارى عادت مصر لأول مرة منذ تاريخها القديم تنتج للتصدير. على أن هذا النظام أغضب المسلمين لأن الوالى لم يكن يعاملهم كما يعامل التجار الأجانب، كما أغضب أيضًا هؤلاء التجار أنفسهم. وبلغ هذا الاستياء حدًا حمل إنكلترة على أن تعقد مع تركيا معاهدة تجارية موجهة ضد سياسة محمد على التجارية. وكان الصادر من الحبوب في أيام سعيد باشا لا يزال أكثر من القطن، ثم أصبح للقطن المكان الأول في عهد خلفه. وكانت الحرب الأهلية الأمريكية هي العامل الأكبر في زيادة الصادر من القطن زيادة كبيرة، وقد أصبحت إنكلترة منذ منتصف القرن الماضى تشترى الجزء الأكبر من القطن المصرى المصدر إلى الخارج، فكانت من أجل ذلك البلد الذي يهمه أكثر من غيره الاحتفاظ بزراعته. وأصبحت مصر بعد ما طرأ على أحوالها الزراعية من تطورات بعد عام 1882 أهم البلاد المنتجة للقطن في العالم بعد أمريكا والهند. وفي وسع من يشاء أن يطلع على أرقام الصادرات في الكتب والنشرات الخاصة بهذا الموضوع. وتعتمد الإحصاءات الواردة
(1) يقصد الخط الممتد في شبه جزيرة سيناء من القنطرة.
فيها على ما تصدره البيوت التجارية في الإسكندرية. لكننا أقل من ذلك علما بالطريقة التي كانت عليها التجارة المصرية بعد إلغاء تظام الاحتكار، وأكبر الظن أن المشترين الأجانب قد استعانوا إلى حد كبير بوسطاء من السوريين والأقباط، ولعلهم اتبعوا في ذلك طرقًا كان لها أسوأ الأثر في نمو التجارة، نخص بالذكر منها تقديم المال للفلاحين على محصولاتهم، أو شراء هذه المحصولات قبل نضجها، وهو نوع من المعاملات ينطوى على مجازفة شديدة، ويعرض البائع والمشترى على السواء للخسائر الفادحة.
ولم تكن صادرات الحبوب ثابتة ثبات الصادر من القطن. (وكانت نسبة الأولى إلى الثانية بين عام 1910 ، 1920: 1 إلى 9) وحدث في بعض السنين (في أثناء الحرب مثلا) أن اضطرت مصر إلى استيراد كميات من القمح. أما المصنوعات فأهم ما يصدر منها السكر والسجاير.
وكان أهم الواردات في الماضى، البضائع القطنية والمنسوجات من المصانع الإنكليزية، والفحم النباتى (من تركيا) والحديد والدخان والآلات. وكانت أهم البلاد التي تستورد منها مصر حاجاتها قبل الحرب العالمية الأولى بعد إنكلترة هي تركيا وفرنسا والنمسا (الملابس الجاهزة والطرابيش). وسرعان ما أصبحت هذه البضائع المستوردة من الضرورات التي لا يستغنى عنها أهل مصر، وإن أصبح لها أثر كبير في صبغ البلاد بالصبغة الأوروبية.
ولا جدال في أن حظ إنكلترة من تجارة مصر الخارجية بعد أن أخذت هذه التجارة في النماء قد فاق حظ أية دولة أخرى. فقد كان نصيب إنكلترة منها قبل الحرب الماضية 37 % ثم زاد في سنة 1919 إلى ما يقرب من 60 % وكان ميزان التجارة الخارجية على الدوام -عدا بعض سنين شاذة قليلة- في صالح مصر. وليس من السهل أن نعرف كيف استفادت البلاد من هذا الظرف. وما من شك في أن جزءًا كبيرًا من زيادة الصادر ذهب للوفاء بالتزامات الدين العام. ومهما يكن من شئ فإن الثروة التي دخلت البلاد