المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تعليق على مادة الخوارج - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ١٥

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌خالد بن يزيد

- ‌الخالديان

- ‌خباب بن الأرت

- ‌خبر

- ‌ الخبر:

- ‌ الخبر

- ‌خبر الواحد

- ‌خبيب بن عدى الأنصاري

- ‌خَتْم

- ‌خديجة

- ‌خديو

- ‌1 - تاريخ مصر السياسي

- ‌2 - نظام الحكم والإدارة

- ‌3 - التطور الاقتصادى

- ‌4 - السكان

- ‌5 - التربية والعلوم والآداب

- ‌الخراج

- ‌خراسان، بنو

- ‌الخرطوم

- ‌الخِرْقة

- ‌خرقة شريف

- ‌خُزَاعة بن عمرو

- ‌الخزرج

- ‌الخزرجى

- ‌الخزف

- ‌خسرو بك

- ‌خسرو ملا

- ‌الخشبية

- ‌خشقدم

- ‌الخضر

- ‌الخطابية

- ‌الخطبة

- ‌خط همايون

- ‌خطيب

- ‌الخطيب البغدادى

- ‌خفاجة

- ‌الخفاجي

- ‌خلعة

- ‌خليفة

- ‌الخليل

- ‌الخليل بن أحمد

- ‌خليل بن إسحاق

- ‌خليل أفندي زاده

- ‌خمارويه

- ‌الخندق

- ‌الخنساء

- ‌الخوارج

- ‌1 - أصول حركة الخوارج:

- ‌2 - حروب الخوارج في العصر الأموي

- ‌3 - مذاهب الخوارج السياسية والدينية

- ‌تعليق على مادة الخوارج

- ‌الخوارزمي

- ‌الخوارزمي

- ‌خواندمير

- ‌خوجه أفندي

- ‌خولان

- ‌خويلد

- ‌الخياط

- ‌خيال ظل

- ‌خيبر

- ‌خير الله أفندي

- ‌خير الدين

- ‌ خير الدين

- ‌د

- ‌دابق

- ‌دابة

- ‌الدار البيضاء

- ‌دار الحرب

- ‌دار السلام

- ‌دار الصلح

- ‌دار الصناعة

- ‌الدارقطني

- ‌الدارمي

- ‌دار الندوة

- ‌الداعى

- ‌الداني

- ‌دانيال

- ‌داود

- ‌تعليق

- ‌داود باشا

- ‌داود بن خلف

- ‌الدجال

الفصل: ‌تعليق على مادة الخوارج

(2)

ابن حزم: الفصل في الملل، القاهرة 1320 هـ جـ 4، ص 118 - 192.

(3)

عبد القاهر البغدادى: الفرق بين الفرق، القاهرة 1328، وهي طبعة ناقصة جدا ص 54 - 92 ، 263 - 265 (وترجمة قاصرة جدًا قام بها K. Ch. Seelye Moslem Schisms and Sects المجموعة الشرقية التي أصدرتها جامعة كولومبيا، المجلد 15، نيويورك 1919، جـ 1، ص 74 - 115.

(4)

Vorlesungen Uber: I. Goldziher den Islam هيدلبرغ 1925 ، ص 191 - 196 (الطبعة الأولى ص 204 - 208؛ ترجمها إلى الفرنسية F.Arin ، ص 159 - 164).

القسم 3:

(1)

De strijd over: M. Th. Houstma het Dogma in den Islam tot opal-Ashari ليدن 1875.

(2)

Vorlesungen uber: I.Goldziher den Islam، هيدلبرغ 1910، الفهرس.

يونس [ليفي دلافيدا G. Levi Della Vida]

‌

‌تعليق على مادة الخوارج

نورد هذا التناول للكاتب أحمد أمين تعليقا من كتابه (فجر الإِسلام).

لما كانت وقعة صفين بين على ومعاوية، وطلب معاوية تحكيم كتاب الله اختلفت أصحاب على: أيقبلون هذا التحكيم لأنهم يحاربون لإعلاء كلمة الله وقد دُعُوا إليها، أم لا يقبلون لأنها خُدعة حربية لجأ إليها معاوية وصحبه لمَا أحسوا بالهزيمة؟ وبعد جدال وتردد قَبلَ علي التحكيم، واختار معاوية عمرو ابَن العَاص ليمثله، واختار أصحاب علي أبا موسى الأشعري؛ إذ ذاك ظهر قوم من جند علي أكثرهم من قبيلة تَميم، نفروا من أن يحكَّمَ أحد في كتاب الله، ورأوا أن التحكيم خطأ، لأن حكم الله في الأمر واضح جلي، والتحكيم يتضمن شك كل فريق من المحاربين أيهما المحق، وليس يصح هذا الشك، لأنهم وقتلاهم إنما حاربوا وهم مؤمنون -بلا شك- أن الحق في جانبهم. هذه المعانى المختلجة في نفوسهم صاغها أحدهم في الجملة

ص: 4767

الآتية: "لَا حُكْمَ إلا لله"، فَسَرت الجملة سير البرق إلى مَن يعتنق هذا الرأي، وتجاوبتها الأنحاء، وأصبحت شعار هذه الطائفة.

طلبوا من عليّ أن يقر على نفسه بالخطأ بل بالكفر، لقبوله التحكيم، ويرجع عما أبرم مع معاوية من شروط، فإن فعل عادوا وقاتلوا معه، فأبى علي، وكان موقفه في منتهي الدقة، فكيف يرجع عن اتفاق أمضاه، والدين يأمر بالوفاء بالعهود، ولو رجع لتفرق عنه أكثر أصحابه، وكيف يقر على نفسه بالكفر، ولم يشرك بالله شيئًا منذ آمن، فضايقوه بالإكثار من "لا حكم إلا لله" فإذا خطب في المسجد قاطعوه بقولهم:"لا حكم إلا لله" فتجاوبت بها أنحاء المسجد، ورآه أحدهم فَتَلا:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} يعرض به. وزاد بعض الناس ميلا إلى رأيهم فشلُ الحكمين في حكمهما، وخيبة الآملين في أن التحكيم يحقن الدماء ويعيد المسلمين إلى الوئام، حتى انضم إليهم بعض القراء -من جيش عليّ- فلما يئست هذه الجماعة من رجوع عليّ إلى رأيهم اجتمعوا في منزل أحدهم، وخطب خطيبهم يقول:"أما بعد؛ فوالله ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا .. أثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عِن المنكر، والقول بالحق، وإن مُنَّ وضُرَّ، فإنه من يُمَنّ ويُضَرّ في هذه الدنيا فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله عز وجل، والخلود في جناته، فاخرجوا بنا إخواننا، من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة". ثم خرجوا إلى قرية قريبة من الكوفة تسمى "حَرُورَاء"، وسموا حينذاك بالْحَرُورية نسبة إلى هذه القرية، وبالمحكمة -أي الذين يقولون لا حكم إلا لله- وهما اسمان كثيرًا ما يطلقان على الخوارج، وأمَّروا عليهم رجلًا منهم اسمه عبد الله بن وهب الراسبى. واسم الخوارج جاء من أنهم خرجوا على عليّ وصحبه، وإن كان منهم من يشتق اسم الخوارج من الخروج في سبيل الله أخذًا من قوله

ص: 4768

تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، وسموا أيضًا "الشُّرَاة" أي الذين باعوا أنفسهم لله من قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} . وقد حاربهم علي في الوقعة الشهيرة بوقعة النهروان، وهزمهم وقتل منهم كثيرًا، ولكنه لم يبدهم ولم يبد فكرتهم، وزادت هذه الهزيمة في إمعان الخوارج في كره عليّ، حتى دبروا له مكيدة قتله، فقتله عبد الرحمن بن ملجم الخارجى، وقد كان زوجا لامرأة قُتِلَ كثير من أفراد أسرتها في وقعة النهروان.

وظلت الخوارج شوكة في جنب الدولة الأموية يهددونها ويحاربونها حربا تكاد تكون متواصلة في شدة وشجاعة نادرة، وأشرفوا في بعض مواقفهم على القضاء على الدولة، وظل المهلب بن أبي صُفْرَة يجالدهم ويعاني في قتالهم الشدائد والأهوال السنين الطوال، مما لا محل لذكره هنا (1)؛ غير أنا نشير إلى أنهم كانوا فرعين: فرعا بالعراق وما حولها، وكان أهم مركز لهم "البَطائح" بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرْمَان وبلاد فارس وهددوا البصرة، وهؤلاء الذين حاربهم المهلّب، واشتهر من رجالهم نافع بن الأزرق، وقَطَرى بن الفُجَاءة.

وفرعا بجزيرة العرب: استولوا على اليمامة وحضرموت واليمن والطائف، ومن أشهر أمرائهم فيها: أبو طالوت، ونجدة بن عامر، وأبو فديك.

ولم يتغلب الأمويون على هذين الفرعين إلا بعد حروب طويلة شديدة استمرت طول عهد الدول الأموية.

ثم كانوا كذلك في الدولة العباسية، ولكن لم يكن لهم من القوة ما كان لهم في عهد الأمويين، فقد ضعف شأنهم، وانحط قوادهم.

تعاليمهم: ابتدأ الخوارج كلامهم في أمور تتعلق بالخلافة، فقالوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر لصحة انتخابهما، وبصحة خلافة عثمان في سنيه الأولى، فلما غيّر وبَدّل، ولم يسر سيرة أبي بكر وعمر، وأتى بما أتى من أحداث وجب

(1) قد ألف الأقدمون كثيرًا من الكتب في أخبار الخوارج خاصة كالمدائنى ولكنها لم تصل إلينا، وقد جمع ابن أبي الحديد في الجزء الأول من شرح نهج البلاغة أخبارهم مطولة في موضعين من كتابه وللمزيد يمكن الرجوع إليه.

ص: 4769

عزله، وأقروا بصحة خلافة علي ولكنهم قالوا إنه أخطأ في التحكيم وحكموا بكفره لما حكم، وطعنوا في أصحاب الجمل: طلحة، والزبير، وعائشة، كما حكموا بكفر أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، "وقد قُبض على أحدهم وقُدم إلى زياد ابن أبيه، فسأله زياد عن أبي بكر وعمر، فقال فيهما خيرًا؛ وسأله عن عثمان فقال: كنت أتولى عثمان -على أحواله- في خلافته ست سنين، ثم تبرأت منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن أمير المؤمنين علي فقال: أتولاه، إلى أن حكم، ثم أتبرأ منه بعد ذلك، وشهد عليه بالكفر؛ فسأله عن معاوية فسبه سَبًّا قبيحا .. إلخ (1) ". فترى من هذا أن كلامهم كان يدور حول تشريح أعمال الخلفاء وأنصارهم، والبحث فيمن يستحق أن يكون خليفة ومن لا يستحق، ومن يكون مؤمنا ومن لا يكون.

وقد وضعوا نظرية للخلافة وهي: أن الخلافة يجب أن تكون باختيار حر من المسلمين، وإذا اختير فليس يصح أن يتنازل أو يحكم، وليس بضروري أن يكون الخليفة قرشيا، بل يصح أن يكون من قريش ومن غيرهم ولو كان عبدًا حبشيًا، وإذا تم الاختيار كان رئيسَ المسلمين، ويجب أن يخضع خضوعًا تاما لما أمر الله، وإلا وجب عزله.

ولهذا أمّروا عليهم من اختاروه منهم، "وسموا عبد الله بن وهب الراسبي أمير المؤمنين ولم يكن قرشيا وإنما هو من "راسب" حَيٌّ من الأزد، وكذلك أمراؤهم من بعده". وقد خالفوا بهذا نظرية الشيعة القائلة بانحصار الخلافة في بيت النبي: علِيّ وآله، وأهلَ السنة القائلين بأن الخلافة في قريش؛ وهذه النظرية هي التي دعتهم إلى الخروج على خلفاء بني أمية ثم العباسيين لاعتقادهم أنهم جائرون غير عادلين، لم تنطبق عليهم شروط الخلافة في نظرهم.

نرى الخوارج في أول أمرهم كانت صبغتهم سياسية محضة، ثم نراهم في عهد عبد الملك بن مروان قد مزجوا

(1) الشهرستاني 1: 161.

ص: 4770

تعاليمهم السياسية بأبحاث لاهوتية، وأكبر من كان له أثر في ذلك الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق. وأهم ما قرره الخوارج في ذلك أن العمل بأوامر الدين -من صلاة وصيام وصدق وعدل- جزء من الإيمان. وليس الإيمان الاعتقاد وحده، فمن اعتقد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله ثم لم يعمل بفروض الدين وارتكب الكبائر فهو كافر.

والخوارج لم يكونوا وحدة ولم يكونوا كتلة واحدة، وإنما كان واضحًا، أنهم سرعان ما يختلفون، وينضمون تحت ألوية مختلفة يضرب بعضها بعضا، ولو اتحدوا لكانوا قوة في منتهى الخطورة على الدولة الأموية. لذلك لا نستطيع أن نذكر ما هو من تعاليمهم مشترك بين جميعهم إلا النظريتين السابقتين: نظرية الخلافة، ونظرية أن العمل جزء من الإيمان. حتى هاتان النظريتان ليستا من اعتقاد جميعهم إلا بقليل من التسامح؛ فمنهم من يرى أن لا حاجة للأمة إلى الإِمام، وإنما على الناس أن يعملوا بكتاب الله من أنفسهم، ويظهر أن هذه الفكرة هي التي كان يفهمها بعضهم من جملتهم المشهورة:"لا حكم إلا لله" ولكن قيل: "كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله! ولكن هؤلاء يقولون: لا إمْرَة إلا لله، وإنه لابد للناس من أمير بَر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوى حتى يستراح بر، ويستراح من فاجر"؛ وقد قال ابن أبي الحديد: "إن الخوارج كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك، ويذهبون إلى أنه لا حاجة إلى الإِمام، ثم رجعوا عن ذلك القول لَما أمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي"(1).

على كل حال قد اتفق جمهور الخوارج على النظرتين السابقتين، وتفرقوا إلى فرق بلغت في العدد نحو العشرين، كل فرقة تخالف الأخرى في بعض تعاليمها، ولا يسع هذا المختصر ذكر جميعها (2): غير أنا نذكر هنا أن من أشهر فرقهم الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق، وكان من أكبر فقهائهم وقد كفر

(1) جزء 1: 215.

(2)

ارجع إلى ذلك في الملل والنحل للشهرستانى، والمقالات الإِسلامية للأشعرى، والفرق بين الفرق للبغدادي.

ص: 4771

جميع المسلمين ما عداهم، وقال: إنه لا يحل لأصحابه المؤمنين أن يجيبوا أحدًا من غيرهم إلى الصلاة إذا دعاهم إليها، ولا أن يأكلوا من ذبائحهم، ولا أن يتزوجوا منهم، ولا يتوارث الخارجى وغيره، وهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان، لا يقبل منهم إلا الإِسلام أو السيف، ودارهم دار حرب، ويحل قتل أطفالهم ونسائهم، ولا تحل التِقيَّة (1). لأن الله يقول:{إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ، واستحل الغدر بمن خالفه، وكفر القعدة، أي الذين يقعدون عن القتال مع قدرتهم عليه، ولو كان هؤلاء القعدة على مذهبهم.

ومن فرقهم النجدات، أتباع نجدة عامر، وأهم تعاليمه التي انفرد بها أن المخطئ بعد أن يجتهد معذور، وأن الدين أمران: معرفة الله ومعرفة رسوله وماعدا ذلك فالناس معذورون بجهله إلى أن تقوم عليهم الحجة، ومن أداه اجتهاده إلى استحلال حرام أو تحريم حلال فهو معذور، وعظم جريمة الكذب على الزنا وشرب الخمر. ولنافع مع نجدة بن عامر مناقشات طويلة ممتعة حول هذه المبادئ (2).

كذلك من أشهر فرقهم "الإِبَاضيَّة" نسبة إلى رئيسهم عبد الله بن إبَاض التميمي، ولا يزال أتباعه في المغرب وغيره إلى اليوم، وهم لم يغالوا في الحكم على مخالفيهم كالأزارقة، بل قالوا: يحل التزوج منهم، ويتوارث الخارجي وغيره، ونزعتهم أميل إلى المسالمة، فقالوا: لا يحل قتال غير الخوارج وسبيهم في السر غيْلَة، ولا يجوز قتالهم إلا بعد الدعوة وإقامة الحجة وإعلان القتال إلخ، وقد ظهر عبد الله بن إباض في النصف الثاني من القرن الأول للهجرة، وعاش أتباعه في أكثر أحوالهم مسالمين للخليفة.

وفرقة أخرى من فرقهم "الصُّفرْيه" أتباع زياد بن الأصفر، وهم لا يختلفون كثيرًا في تعاليمهم عن الأزارقة.

وهذه الفرق الأربع: الأزارقة والنجدات والإباضية والصفرية هي أشهر فرق الخوارج وأكثرها دورانا في الكتب.

(1) انظر معناها عند الكلام على الشيعة.

(2)

انظر: الجزء الثاني من الكامل للمبرد؛ وفي ص 382 من الجزء الأول من ابن أبي الحديد.

ص: 4772

والخوارج يقولون إن ممن اعتنق مذهبهم عكرمة مولى ابن عباس وأنس ابن مالك الصحابي. وكان الحسن البصري يوافق الخوارج في رأيهم بأن عليا أخطأ في التحكيم ولكن لا يعتنق مذهبهم، "وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحم عليه ثلاثًا، ولعن قتلته ثلاثًا، ويقول: لو لم نلعنهم للُعنَّا، ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل أمير المؤَمنين علي رحمه الله يتعرف النصر ويساعده الظفر حتى حكم، فلم تحكم والحق معك؟ ألا تمضي قُدما -لا أبالك- وأنت على الحق! "(1).

وكان مما حاربهم به المهلب بن أبي صفرة اختلاق الأحاديث عليهم، فقد كان يضع الحديث ليشد به أزر قومه ويضعف به من أمر الخوارج ما اشتد، ويقول: إن الحرب خدعة. وكان حي من الأزد إذا رأوا المهلب خارجًا قالوا: "راح يكذب! " وفيه يقول رجل منهم:

أنت الفتى كل الفتى

…

لو كنت تصدق ما تقول! (2)

ولعل هذا وأمثاله هو السر فيما ترى من أحاديث كثيرة ملئت بها كتب التاريخ والأدب في ذم الخوارج.

كان أكثر من اعتنق مبدأ الخوارج عربا بدوًا، وقد انضم إليهم بعض الموالى إعجابا برأيهم الديمقراطي في الخلافة، فليس بضروري أن يكون من قريش ولا من العرب، فهم في نظرهم إلى الخلافة شعوبيون، ولكن مع هذا لم ينضم إليهم من الموالى إلا قليل، لأنهم وأكثرهم بدو شديدو العصبية لجنسهم، يحتقرون الموالى ويزدرونهم، روى ابن أبي الحديد أن رجلًا من الموالى خطب امرأة خارجية فقالوا لها:"فضحتنا"، ولولا هذه العصبية العربية الجَافة لتبعهم من الموالى كثير.

والناظر في تاريخهم يتبين فيهم سمات واضحة منها: التشدد في العبادة والإنهماك فيها، يصفهم الشهرستانى بأنهم أهل صوم وصلاة. ويصفهم المبرد "بأنهم في جميع أصنافهم يبرأون من الكاذب ومن ذي المعصية الظاهرة"، وقد قتل أحدهم زياد، ثم دعا مولاه فاستوصفه أمره؛ فقال:"ما أتيته بطعام بنهار قط، ولا فرشتُ له فراشا بليل قط! ".

ولما أرسل علي عبد الله بن العباس لأهل النَّهْرَوَان من الخوارج "رأى منهم

(1) الكامل 1: 136.

(2)

الحكاية في ابن أبي الحديد 1: 386.

ص: 4773

جباها قَرِحَة لطول السجود وأيديا كثَفِنَات الإِبل، عليهم قُمصٌ مرحضة وهم مشمرون". ولعل خير ما قيل فيهم ما قاله أبو حمزة الخارجى في وصف أصحابه:"شباب والله مكتهلون في شبابهم، غضضةٌ عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلُهم، أنضاء عبادة، وأطلاح سهر، فنظر الله إليهم في جوف الليل منحنيه أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مرّ بآية من ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم بين أذنيه، موصول كَلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، واستقلوا ذلك في جنب الله، حتى إذا رأوا السهام قد فوِّقت، والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، ورعَدت الكتيبة بصواعق الموت وبرقت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ومضى الشاب منهم قُدمًا حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، فأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير، طالما بكى صاحبها في جوف الله من خوف الله! وكم من كف زالت عن معصمها، طالما اعتمد عليها صاحبها في جوف الليل بالسجود لله! " وقد غلوا في أنظارهم حتى عدوا مرتكب الكبيرة -وأحيانا الصغيرة- كافرًا، وخرجوا على أئمتهم للهفوة الصغيرة يرتكبونها، وتشدد كثير منهم في النظر إلى غيرهم من المسلمين فعدوهم كفارًا، بل كانوا يعاملونهم أشد من معاملة الكفار. ويحكون أن واصل بن عطاء -رأس المعتزلة- وقع في أيديهم فادعى أنه (مشرك مستجير) ورأى أن هذا ينجيه أكثر مما تنجيه دعواه أنه مسلم مخالف لهم، وكذلك كان؛ واشتدوا في معاملة مخالفيهم من المسلمين، حتى كان كثير منهم لا يرحم المرأة ولا الطفل الرضيع ولا الشيخ الفانى، بل لم يرضوا من مخالفيهم أن يقولوا: إن عليا أخطأ في التحكيم، وعثمان أخطأ فيما أحدث، بل لابد أن يقر بكفرهما وكفر من ناصرهما، وطلبوا من عبد الله بن الزبير أن يتبرأ من أبيه، ولم يكتفوا من عمر بن عبد العزيز بعدله وجمال سيرته، بل طلبوا منه كذلك أن يتبرأ مما تبرأوا هم منه، وأن يلعن أسلافه من بني أمية؛ ولعل هذا التشدد وإقدامهم على سفك دماء معارضيهم هو أكبر ما شوه حركتهم.

ص: 4774