المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

القول في تأويل قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ - تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث - جـ ١٢

[ابن جرير الطبري]

الفصل: القول في تأويل قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ

القول في تأويل قوله: {لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‌

(127) }

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"لهم"، للقوم الذين يذكرون آيات الله فيعتبرون بها، ويوقنون بدلالتها على ما دلت عليه من توحيد الله ومن نبوّة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، فيصدِّقون بما وصلوا بها إلى علمه من ذاك.

* * *

وأما"دار السلام"، فهي دار الله التي أعدَّها لأولياته في الآخرة، جزاءً لهم على ما أبلوا في الدنيا في ذات الله، وهي جنته. و"السلام"، اسم من أسماء الله تعالى، (1) كما قال السدي:-

13884-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:(لهم دار السلام عند ربهم) ، الله هو السلام، والدار الجنة.

* * *

وأما قوله: (وهو وليُّهم)، فإنه يقول: والله ناصر هؤلاء القوم الذين يذكرون آيات الله (2) = (بما كانوا يعملون)، يعني: جزاءً بما كانوا يعملون من طاعة الله، ويتبعون رضوانه.

* * *

(1) انظر تفسير ((السلام)) فيما سلف 10: 145 / 11: 392.

(2)

انظر تفسير ((ولي)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولي) .

ص: 114

القول في تأويل قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ}

قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: (ويوم يحشرهم جميعًا) ، ويوم يحشر هؤلاء العادلين بالله الأوثانَ والأصنامَ وغيرَهم من المشركين، مع أوليائهم من الشياطين الذين كانوا يُوحون إليهم زخرف القول غرورًا ليجادلوا به المؤمنين، فيجمعهم جميعًا في موقف القيامة (1) = يقول للجن:(يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس) ، وحذف"يقول للجن" من الكلام، اكتفاءً بدلالة ما ظهر من الكلام عليه منه.

* * *

وعنى بقوله: (قد استكثرتم من الإنس) ، استكثرتم من إضلالهم وإغوائهم، كما:-

13885-

حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله:(ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، يعني: أضللتم منهم كثيرًا.

13886-

حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة:(يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس)، قال: قد أضللتم كثيرًا من الإنس.

13887-

حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله:(قد استكثرتم من الإنس)، قال: كثُر من أغويتم.

(1) انظر تفسير ((الحشر)) فيما سلف ص: 50، تعليق: 1، والمراجع هناك.

ص: 115

13888-

حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

13889-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن:(قد استكثرتم من الإنس)، يقول: أضللتم كثيرًا من الإنس.

* * *

القول في تأويل قوله: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فيجيب أولياءُ الجن من الإنس فيقولون:"ربنا استمتع بعضنا ببعض" في الدنيا. (1) فأما استمتاع الإنس بالجن، فكان كما:-

13890-

حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله:(ربنا استمتع بعضنا ببعض)، قال: كان الرجل في الجاهلية ينزل الأرض فيقول:"أعوذ بكبير هذا الوادي"، فذلك استمتاعهم، فاعتذروا يوم القيامة.

* * *

= وأما استمتاع الجن بالإنس، فإنه كان، فيما ذكر، ما ينال الجنَّ من الإنس من تعظيمهم إيّاهم في استعاذتهم بهم، فيقولون:"قد سدنا الجِنّ والحِنّ"(2)

* * *

(1) انظر تفسير ((الاستمتاع)) فيما سلف 8: 175، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(2)

في المطبوعة: ((قد سدنا الجن والإنس)) ، غير ما في المخطوطة، لم يحسن قراءتها لأنها غير منقوطة. وأثبت ما في المخطوطة. و ((الحن)) (بكسر الحاء) ، حي من أحياء الجن، وقد سلف بيان ذلك في الجزء 1: 455، تعليق: 1، فراجعه هناك. انظر معاني القرآن للفراء 1: 354، والذي هناك مطابق لما في المطبوعة.

ص: 116

القول في تأويل قوله: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قالوا: بلغنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتنا. (1) وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أنهم قالوا: استمتع بعضنا ببعض أيّام حياتنا إلى حال موتنا. كما:-

13891-

حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما قوله: (وبلغنا أجلنا الذي أجَّلتَ لنا) ، فالموت.

* * *

القول في تأويل قوله: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) }

قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره عمّا هو قائل لهؤلاء الذين يحشرهم يوم القيامة من العادلين به في الدنيا الأوثان، ولقُرَنائهم من الجن، فأخرج الخبر عما هو كائنٌ، مُخْرَج الخبر عما كان، لتقدُّم الكلام قبلَه بمعناه والمراد منه، فقال: قال الله لأولياء الجن من الإنس الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: (النار مثواكم) ، يعني نار جهنم ="مثواكم"، الذي تثوون فيه، أي تقيمون فيه.

* * *

و"المثوى" هو"المَفْعَل" من قولهم:"ثَوَى فلان بمكان كذا"، إذا أقام فيه. (2)

(1) انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: 11: 259، تعليق: 1، والمراجع هناك.

(2)

انظر تفسير ((المثوى)) فيما سلف 7: 279.

ص: 117