المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت) - التيسير في أحاديث التفسير - جـ ٤

[محمد المكي الناصري]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الرابع

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة مريم

- ‌الربع الثاني من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الواحد والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة طه

- ‌الربع الأول من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الأنبياء

- ‌الربع الأول من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الثالث والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الحج

- ‌الربع الأول من الأول من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الرابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة المؤمنون

- ‌الربع الأول من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الخامس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسنفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النور

- ‌الربع الأخير من الحزب الخامس والثلاثسنفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثاني من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الفرقان

- ‌الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)(القسم الأول من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)(القسم الأول من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)(القسم الثاني من هذا الربع)

- ‌الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)(القسم الثاني من هذا الربع)

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة الشعراء

- ‌الربع الثالث من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب السابع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة النمل

- ‌الربع الثاني من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الثامن والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأخير في الحزب الثامن والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الأول في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة القصص

- ‌الثمن الثاني من الربع الثاني في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ق)

- ‌الثمن الثاني من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثينبالمصحف الكريم (ت)

- ‌تعليق وتحقيق

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والثلاثينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب التاسع والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأول من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأول من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثاني من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌ سورة العنكبوت

- ‌الربع الثاني من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الثالث من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الثالث من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

- ‌الربع الأخير من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ق)

- ‌الربع الأخير من الحزب الأربعينفي المصحف الكريم (ت)

الفصل: ‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثينفي المصحف الكريم (ت)

‌الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثين

في المصحف الكريم (ت)

عباد الله

حديث هذا اليوم يتناول تفسير الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثين في المصحف الكريم، ابتداء من قوله تعالى:{وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} إلى قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} .

ــ

لا يزال كتاب الله مسترسلا في الحديث عن قصة موسى عليه السلام، وفي هذا الربع الثالث من سورة طه ينتهي القسم الأخير من القصة، ويعقب عليها كتاب الله تعالى بقوله:{كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} .

غير أن الحديث في هذا الربع يأخذ مجرى جديدا، فقصة موسى التي يتناولها في هذا الربع قصته مع قومه من بني إسرائيل، بينما الربع الأول والربع الثاني من هذا الحزب تناول فيهما كتاب الله قصة موسى مع فرعون وقومه:

ذلك أنه بمجرد ما حرر موسى عليه السلام بني إسرائيل من قبضة فرعون وملائه، وأطلق سراحهم، وافتك أرواحهم، انقلبوا حربا على الله ورسوله، وأقبلوا على عبادة عجل من ذهب،

ص: 83

مشاركين في ذلك عبدة الأوثان، مشركين بالرحمن، وأصبحوا الشغل الشاغل لموسى وأخيه هارون، ومصدر المتاعب والمتناقضات في كل ما يأتون وما يذرون، وإلى هذا الوضع الغريب الذي آل إليه بنو إسرائيل بمجرد تحريرهم، وبعدما غاب عنهم موسى غيبة قصيرة ولم يبق بين أظهرهم، يشير قوله تعالى:{فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ} وقوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} .

وكان موسى عليه السلام قد فارق قومه على عجل، قاصدا " جانب الطور الأيمن "، مستخلفا عليهم أثناء غيبته أخاه هارون، إذ بعد ما حقق الله على يده لقومه نعمة النجاة والتحرير، رأى من واجبه أن يبادر لتلبية النداء الإلهي حتى يتلقى من ربه التعاليم التي تضمن لقومه حسن التدبير والتسيير، وها هو الحق سبحانه وتعالى يسأل وموسى يجيب {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى} أي ماذا حملك على العجلة والقدوم وحدك دون قومك، فقد كان الموعد الذي ضربه الحق سبحانه وتعالى ليكلم فيه موسى ويلقنه الهدى والنور لم يحن بعد {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} أي ظننت أن التعجيل بذلك، أقرب إلى رضاك. قال جار الله الزمخشري: " وزال عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظرا إلى دواعي الحكمة، وعلما بالمصالح

ص: 84

المتعلقة بكل وقت ". لكن الحق يفاجئ عبده الكليم بما أحدثه بنو إسرائيل من بعده {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} . وكم كان هول هذه الصدمة شديد الوقع على موسى، فقد أحس بأن قومه أصابتهم مدة غيبته القصيرة نكسة كبرى وهم لا يزالون في بداية الطريق {فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ} ، وفي هذا الاستفهام استغراب واستنكار، إذ لم يغب عنهم موسى زمنا طويلا حتى يقع ما وقع، ولم تزد مدة غيبته على أربعين يوما {أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} . وها هو موسى عليه السلام يواجه قومه بالوعد الممزوج بالوعيد، وها هو يبدو عليه من الغضب والحزن ما ليس عليه من مزيد، وها هو يوجه إلى بني إسرائيل إنذارا بحلول غضب الله عليهم، ملوحا بذلك إلى الإنذار الوارد في الخطاب الإلهي السابق في الربع الماضي، إذ قال تعالى:{وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} .

وحاول بنو إسرائيل جاهدين أن يبرروا موقفهم ويفسروا انحرافهم، زاعمين أن الوعد الذي قطعوه لموسى عليه السلام بالثبات على طاعة الله وعبادته إلى أن يرجع من " الطور " لم يخلفوه اختيارا، وإنما أخلفوه اضطرارا، بدعوى أن الإنسان إذا وقع في الفتنة لم يعد يملك نفسه، {قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} ، متعللين بأنهم عندما فارقوا وطن فرعون حملوا معهم من حلي قومه وزينتهم الذهبية كميات كثيرة كانت موضوعة تحت

ص: 85

أيديهم، ولعل وضعها كان برسم الإعارة أو برسم الرهن، فلما استقر بهم المطاف أوقدوا نارا وقذفوا فيها ما جمعوه من تلك الحلي، وصنع (السامري) لهم منها " عجلا جسدا له خوار "، فعبدوه معتقدين أنه هو إلههم وإله موسى، واتهموا موسى بأنه نسي هذا الإله، فذهب يبحث عن إله آخر، وهذا التأويل الغريب الذي أولوا به مسلكهم هو الذي عبر عنه كتاب الله هنا على لسانهم قائلا:{وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا} أي أثقالا {مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ} .

غير أن هذا التأويل المصطنع الذي حاولوا أن يؤولوا به مسلكهم لم يكن مطابقا للحقيقة، فقد عبروا عن رغبتهم في تقليد عبدة الأوثان عندما مروا بهم منذ اللحظة الأولى، وقالوا لموسى كما حكى الله على لسانهم في سورة الأعراف:{يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الآية: 138]، فرد عليهم موسى في الحين بقوله:{إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} .

ومن المفارقات في هذا المقام أن يقبل بنو إسرائيل على عبادة عجل من ذهب، مخلفين بذلك وعدهم لموسى، ومتمردين على خليفته هارون، في نفس الوقت الذي كان فيه موسى يتلقى كلمات ربه وهو يخاطبه قائلا:{فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، ولكن الله العليم الخبير أضاف إلى ذلك إنذارا سابقا لبني إسرائيل المنحرفين، فقال تعالى منذرا لهم ولمن سلك مسلكهم:{سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} .

ويتجه موسى وهو في ثورة الغضب والأسى من هول ما رآه

ص: 86

إلى أخيه هارون باللوم والعتاب، كأنه قصر في القيام بواجب الخلافة عنه وأهمل وصاياه، فيقول له كما حكى عنه كتاب الله:{قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} فما كان من أخيه هارون إلا أن رد عليه بمنتهى الهدوء وحسن الأدب، محاولا أن يهدئ روع موسى، ويحرك في قلبه نحوه شعور الأخوة والعطف، معللا بقاءه بين ظهراني بني إسرائيل في انتظار عودة موسى من الطور ليرى فيهم رأيه بخوفه على وحدتهم من الفرقة والشتات، وكأنه كان يتنبأ بما سينالهم من شتات في أطراف الأرض، وذلك ما حكاه عنه كتاب الله قائلا لأخيه وهو يتوسل إليه بصلة الرحم:{قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} .

لكن كتاب الله أعفى هارون من كل مسؤولية في هذا الانحراف الخطير الذي انزلق إليه بنو إسرائيل، وذلك قوله تعالى حكاية عنه فيما سبق:{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي} . وبهذا الخطاب الذي وجهه إليهم هارون أراد أن يعرفهم بأن ما وقعوا فيه ليس إلا فتنة من جملة الفتن، التي لا ينبغي أن تصرف الناس عن عبادة الواحد الأحد إلى عبادة الأوثان، وبأن الرب الحقيقي الذي يستحق أن يعبد دون سواه هو (الرحمن) الرحيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وطالبهم باتباع دينه الذي هو دين موسى دون خروج

ص: 87

عليه، كما طالبهم بطاعته فيما أمرهم به من ترك عبادة العجل، لكنهم أصروا على الضلال، لما أصابهم من الاختلال والخبال، قال علاء الدين المعروف (بالخازن):" اعلم أن هارون عليه السلام سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه، لأنه زجرهم أولا عن الباطل بقوله: {إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ}، ثم دعا على معرفة الله تعالى بقوله {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ}، ثم دعاهم إلى معرفة النبوة بقوله: {فَاتَّبِعُونِي}، ثم دعاهم إلى الشرائع بقوله: {وَأَطِيعُوا أَمْرِي}، فهذا هو الترتيب الجيد، لأنه لا بد من إماطة الأذى عن الطريق، وهي إزالة الشبهات، ثم معرفة الله فإنها هي الأصل، ثم النبوة، ثم الشريعة ".

وبعدما تأكد موسى عليه السلام من سلامة الموقف الذي اتخذه أخوه هارون، واقتنع بما قام به من محاولات لرد بني إسرائيل إلى جادة الصواب دون جدوى، التفت إلى (السامري) الذي أضلهم وأغراهم بعبادة العجل في غيبته، مستفسرا إياه في البداية، ومعاقبا له في النهاية، وذلك ما حكاه كتاب الله على لسان موسى إذ قال:{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} .

و (السامري) الذي كان يتزعم هذه الفتنة هو من عظماء بني إسرائيل، وإليه تنتسب طائفة (السامرة) وهي طائفة يهودية تتفق مع جمهرة اليهود في كثير من المعتقدات وتخالفهم في الباقي، ولا تزال بقايا هذه الطائفة قائمة بالمشرق إلى اليوم، وواضح من

ص: 88

جواب السامري لموسى أنه يعترف بمسؤوليته عن هذه الفتنة الكبرى، وانه يقر بذنبه الذي ارتكبه من تلقاء نفسه دون إغراء من الغير، فما كان من موسى عليه السلام إلا أن أصدر في حقه عقوبة العزل التام عن المجتمع مدى الحياة، بحيث لا يمس أحدا ولا يمسه أحد، ولم يبق أمامه إلا أن يهيم في البرازي والقفار مع الوحوش والسباع، وعن هذا العقاب الصارم في الحياة الدنيا مع ما يتبعه من عقاب في الآخرة عبر كتاب الله حكاية عن موسى عليه السلام {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ} . ويقال أن بقايا (السامرة) لا يزالون إلى اليوم محافظين على نفس الكلمة التي نطق بها موسى عليه السلام في حق كبيرهم السامري، ثم جرت من بعده مثلا:(لا مساس).

أما موقف موسى عليه السلام من العجل الذهبي الذي صنعه السامري، ثم عبده وعبده بنو إسرائيل معه في غيبة موسى، فقد كان موقفا حازما وصارما إلى أقصى الحدود، ويتلخص هذا الموقف في تقريره إحراق ذلك العجل ونسف رماده في البحر إلى غير رجعة، حتى لا يعبد من دون الله، وذلك ما حكاه كتاب الله على لسان موسى عليه السلام إذ قال مخاطبا للسامري الذي عكف على عبادة العجل، ساخرا منه ومن عجله الذهبي:{وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} .

وختم كتاب الله قصة موسى في هذا الربع الثالث من

ص: 89

(سورة طه) بكلمة الحق الوحيدة والباقية على الدوام، كما أعلنها إلى بني إسرائيل موسى عليه السلام، وشهد بها كافة الأنبياء والرسل الكرام {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} ، وأكد كتاب الله نفس المعنى في نهاية هذا الربع فقال:{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} .

على ان عبادة " العجل الذهبي " لم تزل منها إلى الآن بقية باقية عند أتباع الملة اليهودية، فلم يخل عصر من العصور، ولا زمن من الأزمان، من ظهور سامري جديد يعيد سيرة السامري القديم، وينشر عبادة عجله الذهبي في كل مكان وبكل ما في الإمكان، والله من ورائهم محيط، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ص: 90