الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الثمن الأول من الربع الثالث في الحزب التاسع والثلاثين
بالمصحف الكريم (ت)
عباد الله
في حصة هذا اليوم نلتقي مع الربع الثالث من الحزب التاسع والثلاثين في المصحف الكريم، وهذه الحصة مخصصة لتفسير الثمن الأول منه، ابتداء من قوله تعالى حكاية عن موسى في فجر طفولته:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} إلى قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
ــ
يواصل كتاب الله الحديث عن المرحلة الأولى من حياة موسى عليه السلام، فبعدما نجاه الله من الغرق في اليم والتقطه آل فرعون، وتدخلت امرأة فرعون لمنع ذبحه وقتله كغيره من مواليد بني إسرائيل، ها هو فرعون وامرأته يبحثان عن مرضعة ترضعه، وعن ثدي يلتقمه، ليركن إلى عطفه وحنانه، ويسلم نفسه إليه، لكن الله تعالى ألهمه أن لا يقبل رضاع لبن سوى لبن أمه من النساء وأشكل الأمر على أسرة فرعون، وأعيتهم الحيلة، خوفا على حياة موسى، إذا استمر من دون تغذية، وهو لا يزال في فجر طفولته، وأخطر أطوار حياته، وهنا تدخلت أخته التي كانت
تتحسس كل ما يحيط بأخيها من الحركات والسكنات، من دون أن يعرف أحد من آل فرعون أنه أخوها وأنها أخته، فتقدمت إلى امرأة فرعون وزوجها تعرض استعدادها للبحث عن بيت يقوم بهذه المهمة الإنسانية على أحسن وجه، فيأخذ على عاتقه إرضاع هذا الوليد وحضانته، ويعنى بتربيته الأولى بكل نصح واعتناء، إلى أن يفارق مرحلة الرضاع، وتنجح أخته في مسعاها، فتأخذه معها إلى أمه، ويرده الله إليها كما وعدها من قبل، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في بداية هذا الثمن:{وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ} أي ألهمناه قبل رده إلى أمه أن لا يقبل الرضاع من ثدي أية امرأة سواها، " فالتحريم هنا تحريم منع، لا تحريم شرع " كما قال القرطبي.
{فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} والقائلة هي أخته {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} ، وبذلك سكنت نفسها، وتم أنسها، وترقرقت في عينيها دموع الغبطة والفرح التي تكون باردة في العادة {كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا} من " القر " ضد الحر، لا ساخنة مثل دموع الحزن والكمد، وتمت هذه العملية الخطيرة في حفظ الله وستره، فلم يكتشف السر فيها لا فرعون ولا زوجه ولا بقية آل فرعون، اعتقادا منهم جميعا بأن المرضعة التي عثروا عليها بإرشاد أخته لا علاقة لها بالوليد الرضيع، لا من قريب ولا من بعيد، وأنها مجرد مرضعة وحاضنة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى تعقيبا على نفس الحادثة:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .
وهنا تنتهي الآيات التي عنيت بوصف الطور الأول من حياة موسى لتبدأ الآيات التي ستعنى بمرحلة نضجه وشبابه، ووصف ما آتاه الله من عقل وفهم، ومعرفة بدين آبائه الصالحين، وتهتم بما اعترض حياته في هذه الفترة من الحادث المزعج، الذي أدى إلى مقتل أحد الرعايا الفرعونيين، وما واجهه عقب ذلك الحادث من مخاوف ومتاعب، حتى اضطر لأن يفارق مصر إلى بلد لم تبق فيه سلطة لفرعون وآله، فرارا من عقابه وعذابه.
وبداية الآيات الخاصة بهذا الطور الثاني من حياة موسى قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} أي استكمل قوته الجسمية وقوته العقلية {آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} أي حكمة وفهما {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} أي تلك سنة الله مع عباده المكرمين، الذين اصطفاهم ليكونوا من رسله وأنبيائه، وأصفيائه وأوليائه، وقد سبق في سورة يوسف على غرار هذه الآية قوله تعالى منوها بمكانة يوسف عليه السلام:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الآية: 22].
ويبدأ " بلوغ الأشد " عند بلوغ الحلم، ومن توابع ذلك أن يصبح الفتى أهلا لممارسة الحياة الزوجية، وينظر لهذا المعنى قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ} [النساء: 6] ويشهد له قوله تعالى في سورة الحج: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الآية: 5] وقوله تعالى في سورة غافر: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا
شُيُوخًا} [الآية: 67]. وتصل مرحلة بلوغ الأشد إلى القمة عند بلوغ سن الأربعين، حيث تهيمن القوة العقلية على القوة الجسمية، قال الرازي:" فلهذا السر اختار الله تعالى هذا السن للوحي، ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين سنة ". وقد اعتنى كتاب الله عناية خاصة بمرحلة الأربعين من حياة كل إنسان، وما ينتظر أن يبلغ فيها من وعي ونضج واستقامة، فقال تعالى فيما سيأتي من سورة الأحقاف:{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الآية: 15].
ويلاحظ أن كتاب الله صدر الآيات المتعلقة بمرحلة الفتوة والشباب في حياة موسى عليه السلام بذكر ما أنعم به عليه من الحكمة والفهم، وسجل اسمه في سجل المحسنين الخالدين من عباده، وكأن ذلك تمهيد لما سيقصه من الحادث الطارئ الذي أقض مضجع موسى قبل النبوة، وهو الحادث الذي لقي فيه على يده أحد الرعايا الفرعونيين مصرعه، عقب لكمة لم يكن ينتظر أن تؤدي إلى وفاته، وذلك حتى لا يسيء أحد الظن بموسى ولا ينتقص من مقامه الرفيع عند الله، فقد كانت تلك اللكمة تأديبا للظالم، وإغاثة للمظلوم، ونصرة للحق، وإلى هذه الحادثة يشير قوله تعالى:{وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا} ووقت الغفلة يكون عادة إما في وقت القيلولة - في منتصف النهار - وإما بين العشاءين في الليل، عندما يتفرق الناس ويأوون
إلى مساكنهم، وتخلو الطرق {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى} أي دفعه بكفه {فَقَضَى عَلَيْهِ} ولم يكن قصد موسى قتله، وإنما قصد دفعه فكانت فيه نفسه، وهو معنى " فقضى عليه "، وكل شيء أتيت عليه وفرغت منه فقد " قضيت عليه ". قال القاضي أبو بكر (ابن العربي):" وإنما أغاثه - أي أغاث الذي هو من شيعته وقومه - لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع ".
ولم يلبث موسى بعد هذا الحادث المفاجئ أن استولى عليه الندم، لما آل إليه تدخله في هذا الاشتباك، وتمنى لو أنه دفع الظالم بأيسر مما دفعه، وود لو أن الأقدار مكنته من نصرة المظلوم وإغاثته، من دون أن يقع ما وقع {قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} مشيرا إلى ما استولى عليه من الحدة والغضب أثناء الحادث المذكور {إِنَّهُ} أي الشيطان {عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ} . وتعبيرا عما أصابه من الحسرة والندم اتجه إلى ربه خاشعا مستغفرا {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} على نهج آدم وزوجه، إذ {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، فاستجاب له ربه {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ولا عتاب بعد المغفرة.
وبعد أن غفر الله له عاهد ربه على أن لا يتورط فيما يؤدي إلى مثل ما أدى إليه هذا الحادث، فكم من مظلوم يلتبس أمره على الناس
فيظن أنه من الظالمين، وكم من ظالم يخدع الناس بأنه مظلوم وهو من كبار المجرمين {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} . وقد استنبط أهل العلم رضي الله عنهم من هذه الآية توجيها أخلاقيا دقيقا، ألا وهو وجوب البعد عن مناصرة الظلمة والفسقة، وعدم إعانتهم على ظلمهم وفسقهم بالمرة، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى:{وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113].
ووصفت الآيات بعد ذلك انعكاسات الحادث على نفسية موسى من جهة وعلى وضعيته القلقة في المجتمع الفرعوني من جهة أخرى، ثم وصفت مضاعفات الحادث، وانتشار خبره بين الناس، وما يمكن أن يتطور إليه، وإلى ذلك كله تشير الآيات التالية:{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} و " الترقب " انتظار الأمر المكروه {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} من الصراخ، أي يصيح به مستغيثا من فرعوني آخر {قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ} أي ظاهر الغواية واللدد، يقصد بذلك عتابه وتأنيبه {فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا} أي عندما خيل للفرعوني أن موسى يهم بدفعه والبطش به {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} ومعنى " الجبار " في هذا المقام الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، ولا يدفع بالتي هي أحسن.
ولما وقعت هذه الواقعة وخرجت من طي الكتمان، وشاع
أمرها بين الناس، وتردد اسم موسى بصفته مسؤولا عنها، هم آل فرعون بمؤاخذته عليها {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} ، والرجل الذي اطلع على هذا السر من مصدره، وتحمل مشقة الانتقال للإفضاء به إلى موسى في غفلة عن الأنظار، وسباق مع الذين يتعقبون موسى، من زبانية فرعون الأشرار، حتى يخبره الخبر، فيبادر بمغادرة مصر قبل أن تمتد إليه أيديهم، هو فيما ذهب إليه أكثر المفسرين، " مؤمن آل فرعون " نفسه، الذي لم يكن على دين فرعون رغما عن كونه ابن عمه، والذي كان على ملة يوسف قبل أن يتنبأ موسى ويؤمن به. والوصف " بالرجولة " و " الفتوة " لا يلقيه كتاب الله جزافا، وإنما يصف به أصحاب المواقف الحاسمة في نصرة الحق والجهر به والدفاع عنه، والتمسك بحبله والثبات عليه، من أولي العزم الصادقين.
فمن الوصف " بالفتوة " التي هي كمال الصفات في الفتى، قوله تعالى في شأن إبراهيم:{قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} [الأنبياء: 60]، وقوله تعالى في شأن أهل الكهف:{إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الآية: 13].
ومن الوصف " بالرجولة " التي هي كمال الصفات في الرجل قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة: 108]، وقوله تعالى:{رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور: 37]، وقوله تعالى هنا: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
يَسْعَى}، على غرار ما سيأتي في سورة يس:{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الآيتان: 20، 21]، وفي سورة غافر:{وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [الآية: 28].
ومعنى {يَأْتَمِرُونَ بِكَ} يتشاورون في شأنك، والائتمار في الأصل التشاور، لأن من يحضر جمعا من هذا النوع لا يخلو من أن يشير على الآخرين بأمر من الأمور، في الوقت الذي يشير فيه الآخرون عليه بأمر آخر، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى:{وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 6] أي ليأمر بعضكم بعضا بالمعروف لا بالمنكر.
وكما دبر أعداء موسى مؤامرة للتخلص منه قبل فوات الأوان، لأنه اشتهر عنه من قبل أن ينبأ تسفيه عقائدهم الباطلة التي ليس عليها دليل ولا برهان، وتجريح تصرفاتهم الجائرة القائمة على الظلم والطغيان، فقد دبر أعداء الرسالة الإلهية التي جاء بها خاتم الأنبياء والمرسلين لرسوله الأمين، نفس المؤامرة، وعنها تحدث كتاب الله في سورة الأنفال فقال تعالى:{وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الآية: 30]. وبمجرد ما اطلع موسى على المؤامرة المدبرة للقضاء عليه من طرف فرعون وآله بادر إلى مغادرة مصر، ثقة بصدق الرجل الذي أسر إليه بذلك
الخبر، وعملا بنصيحته الخالصة لوجه الله. وكما قال تعالى عن موسى وهو لا يزال في المدينة:{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} ، ها هو يصفه وهو يغادر بنفس الوصف {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ}. قال القرطبي:" والخوف من الأعداء سنة الله في أنبيائه وأوليائه، مع معرفتهم به وثقتهم في نصره. والخوف لا ينافي المعرفة بالله ولا التوكل عليه، فالمخبر عن نفسه بخلاف ما طبع الله عليه نفوس بني آدم كاذب، وقد طبعهم على الهرب مما يضر نفوسهم ويؤلمها أو يتلفها ".
و" المكروه " الذي كان يتوقعه موسى وهو داخل المدينة هو إدانته ومؤاخذته بالحادث الذي اعترض طريقه، و " المكروه " الذي أصبح يتوقعه بعدما فارقها هو أن يدركه الطلب، ويتعرض له في الطريق أعوان فرعون وجنوده، الذين يبحثون عنه في كل مكان.
وبدلا من أن يقصد بنيات الطريق التي يطرقها عادة من يريدون الإفلات من قبضة الحكام، تسترا بها عن الأعين، كما توقع أعوان فرعون وجنوده، وذهبوا يتتبعون أثره فيها، ألهم الله موسى أن يسلك طريقا مأمونة ومطروقة من دون أن يشتبه في أمره أحد. فمضى في طريقه معتصما بالله، ومحتميا بالله، ومحتميا بحماه، واثقا بأن الله تعالى هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وحيثما حل وارتحل، في سهل أو جبل {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} .
وبعد أن قطع مراحل الطريق في أمن وأمان، واستقبله " صالح مدين " استقبال ترحيب وحنان، قال له وهو يحاوره في نهاية
المطاف: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} . كما كانت بداية رحلة موسى وفاتحتها عند الشروع فيها: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، فاستجاب الله دعاءه، وخيب أعداءه، وصدق الله العظيم إذ قال:{ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 103].